شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
جرح لا يرى
قصتنا هذه الأمسية (جرح لا يرى) للروائي المجري (كارولي كيز فالودي). ولد كيز فالودي عام 1788 وتوفي عام 1830. يعتبر كيز فالودي وأخوه إسكندر من رواد الأدب المجري الحديث.. وقد اشتهر كيز فالودي برواياته وقصصه القصيرة بصورة خاصة. ورائعتنا هذه الأمسية (جرح لا يرى) في طليعة ما كتب.
الراوي: وفي الصباح الباكر من ذات يوم وقبل أن ينهض الدكتور الجراح الشهير من فراشه، حضر إلى عيادته مريض وأرسل نداء عاجلاً يدل على أن حالته تستدعي الفحص الفوري.
فارتدى الدكتور ملابسه وقال لخادمه الخاص:
الدكتور: أدخل المريض حالاً.
الراوي: ودخل المريض وكانت هيئته تدل على أنه من الأوساط الراقية كما أن وجهه الأصفر وتصرفاته العصبية تفصح عن مبلغ آلامه.. وكانت يده اليمنى مربوطة ومعلقة على كتفه وأنات أليمة تفر من شفتيه الفينة بعد الفينة..
الدكتور: تفضل.. اجلس.. قل.. ماذا أستطيع أن أفعل من أجلك؟
المريض: لم أنم منذ أسبوع من شدة الألم في يدي اليمنى ولا أعرف ما هو مصدره.
أهو سرطان أو مرض من الأمراض الخبيثة الأخرى.. إن الألم يزداد ساعة بعد ساعة وقد أتيتك لمعالجتي، فصبري قد نفذ - وسأجن إذا لم يقف هذا الألم أو تقطعه بأي شكل.
الدكتور: هوّن عليك فربما ألمك لا يحتاج إلى عملية.
المريض: لا.. لا.. يجب أن تجري لي عملية.. لقد أتيت خصيصاً لكي تستأصل مكان الداء وتقطع دابره.. وقد تستغرب يا دكتور إذا كنت لا ترى أي جرح في يدي، فحالتي شاذة جداً.
الدكتور: إني لا أدهش للحالات الغريبة ومع ذلك سنرى..
الراوي: وكشف الدكتور عن يد المريض وفحصها بدقة ثم أرخاها وقد عرته الدهشة لأنه لم يجد أي مرض فيها أو أي شيء غير طبيعي يخالف ما في يده اليسرى ومع ذلك فالمريض يتوجع بحرقة وأخيراً سأله..
الدكتور: أين مكان الألم بالضبط.. قل لي..
الراوي: وأشار المريض إلى بقعة دائرية بين العرقين الكبيرين في يده ولما ضغط الدكتور على هذه البقعة بعناية سحب المريض يده متألماً فقال الدكتور:
الدكتور: هل هذا مكان الألم؟
المريض: نعم وبشكل مزعج.
الدكتور: هل تشعر بالضغط عندما أضع إصبعي على مكان الألم؟
الراوي: ولم يجب المريض بل تكلمت دموعه لتروي آلامه..
الدكتور: شيء عجيب.. إني لا أرى أي شيء..
المريض: ولا أنا، غير الألم المستمر ذلك الألم الذي أفضل الموت على ما أعانيه منه..
الراوي: وأعاد الدكتور الجراح الفحص بالميكرسكوب وأخذ حرارة المريض ثم هز رأسه قائلاً:
الدكتور: الجلد سليم جداً، والعروق طبيعية ولا التهابات بها أو تورم.
المريض: أظن يوجد احمرار قليل في تلك البقعة يا دكتور؟
الدكتور: أين..؟
الراوي: وصنع المريض دائرة أصغر من المليم على يده وقال:
المريض: هنا يا دكتور.. هنا..
الراوي: وتطلع الدكتور في المريض وابتدأ يظن أن مريضه مختل الشعور فأردف يقول:
الدكتور: يجب أن تبقى في البلدة بعض الوقت وسأعمل بكل جهدي على معالجتك في هذه المدة..
المريض: لا أستطيع أن أنتظر دقيقة واحدة.. لا تظن إنني مجنون يا دكتور.. فالجرح الذي لا يرى يؤلمني بفظاعة وأريدك أن تقتطع ذلك الجزء حتى العظم..
الدكتور: لن أفعل ذلك يا سيدي..
المريض: لماذا؟
الدكتور: لأنه لا يوجد مرض في يدك وهي صحيحة وسليمة كيدي..
المريض: أظنك ما تزال تعتقد إني مجنون..
الراوي: ثم أخرج المريض من جيبه ألف فيورين (والفيورين عملة هنغارية) ورمى بها على الطاولة وقال:
المريض: هاأنت ترى إني رجل غني.. والمسألة مهمة بالنسبة إليّ إلى درجة أني أدفع ألف فيورين من أجلها.. أرجوك أن تجري العملية..
الدكتور: لو أعطيتني مال الدنيا ما لمست عضواً سليماً بمبضعي..
المريض: لماذا؟
الدكتور: ذلك لأن هذا العمل ينافي شرف المهنة.. وسيقول الناس عنك إنك مغفل وسيتهمونني بأني استغليت سذاجتك أو يعلنون عني إني جاهل بحيث لم أستطع تشخيص جرح غير موجود..
المريض: حسناً جداً يا سيدي.. هل لي أن أسألك هذا المعروف. سأقوم أنا بنفسي بإجراء هذه العملية بالرغم من أن يدي اليسرى غير معتادة على مثل هذه الأمور. وجل ما أطلبه منك هو أن تعتني بجرحي بعد أن أجري أنا العملية..
الراوي: ونظر الدكتور الجراح في دهشة هدوء الرجل وراقبه وهو يخلع جاكته ويلف كم قميصه وينتضي موسى جيبه وقبل أن يتدخل الدكتور في الأمر كان المريض قد فتح جرحاً عميقاً في يده فلم يسع الدكتور إلا أن يصرخ خوفاً من أن يقطع المريض أحد عروق يده الرئيسية:
الدكتور: قف.. ما دمت تعتقد أنه لا بد من إجراء عملية فسأقوم بها أنا..
الراوي: وأستعد الدكتور للعملية وعندما أصبح متهيأ لإجرائها طلب من المريض أن يدير وجهه لأن بعض الناس يتأثرون من رؤية الدم ولكن المريض أجاب قائلاً:
المريض: ليس من الضروري إذ يجب علي أن أوجه يدك ومبضعك حتى تعرف مقدار ما يجب أن تقطع.
الراوي: ولم ترتجف يد المريض بل كان ثابت الجأش وكانت توجيهاته تساعد الدكتور في مهمته وما أن فرغ الدكتور من حفر البقعة التي كان يشكو المريض منها حتى تنفس هذا الصعداء فرحاً وكأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن ظهره. وعندها سأله الدكتور:
الدكتور: ألا تشعر بأي ألم؟
المريض: (مبتسماً) أبداً يا دكتور.. إنني على العكس أشعر براحة وكان ما أجريته نسمة باردة تهب بعد نهار حار.. خل دمي ينزف فإن ذلك يريحني..
الراوي: وضمد الدكتور الجرح وظل يتردد على المريض في الفندق بضعة أيام حتى التأم جرحه فذهب إلى بلده وهو شاكر حامد للدكتور وبعد ثلاثة اسابيع عاد المريض إلى عيادة الدكتور ويده معلقة إلى كتفه ووجهه باهت ذابل وهو يشكو من نفس الألم فلما رآه الدكتور خرج:
الدكتور: يا إلهي. ماذا جرى لك..
المريض: لم تتعمق في تجويف يدي كما يجب فعادت لي الآلام بشكل أفظع وأشد بحيث لا يمكنني أن أتحمل هذه الآلام ويجب أن أقتل نفسي حتى ارتاح إذا لم تجر لي عملية أخرى..
الراوي: وفحص الدكتور يد المريض ومكان العملية الأولى فوجد كل شيء قد التأم تماماً حتى العروق بقيت سليمة ونبضاتها طبيعية وليس على المريض حمى ومع ذلك يصرخ من الألم. واضطر الدكتور لإجراء عملية أخرى في نفس المكان. وظل المريض رابط الجأش وبعد أن انتهى الدكتور قال المريض:
المريض: لا تستغرب يا دكتور إذا ما عدت إليك بعد شهراً آخر.
الراوي: وانصرف المريض وتناقش الدكتور مع زملاء له في موضوع مريضه وكل واحد منهم أبدى رأياً يختلف عن الآخر ولا يشفي الغليل. ومر شهر ولم يراجع المريض وتبعته بضعة أسابيع وفي يوم تلقى الدكتور رسالة من بلدة المريض ففتحها فإذا هو يقول فيها:
الرسالة: عزيزي الدكتور: لا أريدك أن تبقى في شك من سبب مرضي ولا يهمني أن أحمل هذا السر إلى قبري أو أي مكان آخر. وسأقص عليك تاريخ مرضي الفظيع. منذ ستة شهور كنت رجلاً سعيداً وغنياً وقنوعاً اقتنص المسرة في كل شيء. تزوجت منذ سنة بفتاة جميلة مثقفة كانت صديقة لكونتيسة تعيش بالقرب منا.. ومرت ستة شهور على زواجنا وكل يوم يمر أسعد من اليوم السابق فقد كانت زوجتي تغمرني بعطفها وحنانها وعنايتها الفائقة بي.. ولا أدري ماذا أدخل في روعي أن كل حنان زوجتي إنما هو رياء وملق.. فالإنسان قد يبلغ به الحمق أحياناً فيبحث عن التعاسة بينما هو في قمة سعادته الكبيرة. كانت لزوجتي ماكنة خياطة وبهذه الماكنة درج كانت تقفله زوجتي دائماً وتحتفظ بمفتاحه في حرص زائد.. وقد وقر في نفسي ما عسى أن تحتفظ زوجتي في هذا الدرج.. وجننت من الغيرة ولم أعد اصدق عينيها البريئتين ولا ما تفيضه علي من حنان ومحبة بل كنت أحسب كل ذلك خداعاً ونفاقاً.
ودعتها الكونتيسة ذات يوم لتقضي عندها نهاراً كاملاً في قصرها وقد وعدت أن الحق بهما فيما بعد.. وانتهزت خلو البيت من زوجتي وفتحت الدرج بواسطة مفتاح من عديد المفاتيح الموجودة لدينا.. وبالتفتيش وجدت رزمة من الرسائل التي يدرك الإنسان من أول وهلة إنها رسائل غرامية وكانت مربوطة بشريط قرمزي واشتد سعير الغيرة في قلبي وقرأت الرسائل الواحدة بعد الأخرى فإذا بها رسائل من صديق لي حميم.. تفيض بالحب المحموم وتلعن الزوج المغفل الذي هو أنا طبعاً وكانت تواريخ الرسائل تدل على أنها كتبت أثناء فترة زواجنا وليس قبلها.. وكانت أتعس ساعة في حياتي.. وبعد أن انتهيت من قراءة الرسائل أعدتها كما كانت برباطها وشربت كأس غيرتي وألمي حتى الثمالة..
وبالرغم مما أنا فيه فقد اضطررت إلى اللحاق بزوجتي في قصر صديقتها الكونتيسة وقد قابلتني بفرحة عارمة وعطف لا أستطيع وصفه. وقد وضعت غيرتي في ثلاجة. وبعد العشاء عدنا إلى منزلنا.. ودخلت زوجتي غرفة نومها ودخلت أنا غرفة نومي ولكني لم أستطع النوم فقد فاض كل عرق في بالغيرة والانتقام.. وبعد منتصف الليل دخلت في حذر إلى مخدع زوجتي فوجدتها نائمة وكانت البراءة والطهارة تزينان وجهها الجميل ولكن الحقد قد أكل كل حب في نفسي فمددت يدي إلى عنقها وضغطت عليه بكل قوتي ففتحت عينيها أول الأمر في دهشة ثم ما لبثت أن أغمضتهما للأبد. وماتت وكأنها كانت في حلم جميل. وقد نزت نقطة دم من شفتها وسقطت على يدي في البقعة التي تعرفها ولم ألاحظها إلا في الصباح بعد أن جفت..
وواريت زوجتي في عدها بدون أي مشقة وعشت بعدها بدون أن يعرف أحد شيئاً عنها وقد أعلنت وفاتها وأظهرت من الحزن والوجع الشيء الكثير، ولم يوبخني ضميري على ما فعلت لأني أعتقد أنها كانت تستحق. وكان حزن الكونتيسة على زوجتي عظيماً جداً فجاءت تعزيني بحرارة ولكن لم أكن في حاجة إلى من يعزيني فيها. ثم أخذت يدي في لطف وقالت لي.
الكونتيسة: أريد أن أأتمنك على سر لي وأرجو أن لا تستغله ضدي..
الزوج: كوني مطمئنة يا سيدتي الكونتيسة..
الكونتيسة: لقد أأتمنت زوجتك الراحلة على رزمة رسائل لم أتمكن من الاحتفاظ بها في قصري لأسباب خاصة.. ولا أدري هل من الممكن أن تعيدها لي.
الزوج: وشعرت برجفة شديدة في العمود الفقري وأنا أصغي لما تقول ولكن تدرعت بالصبر وسألتها: (عما تحتوي هذه الرسائل..) فارتجفت الكونتيسة لسؤالي وقالت:
الكونتيسة: كانت زوجتك أخلص وأصدق امرأة قابلتها في حياتي... إنها لم تسألني عن محتويات هذه الرسائل كما وعدتني بألاّ تطلع عليها أبداً.
الزوج: هل تعرفين يا سيدتي أين كانت تحتفظ زوجتي بهذه الرسائل؟
الكونتيسة: قالت لي إنها كانت تحتفظ بها في ماكنة الخياطة والرسائل مربوطة بشريط قرمزي وعددها ثلاثون رسالة.
الزوج: وأخذت الكونتيسة إلى الغرفة التي بها ماكنة الخياطة وفتحت الدرج وسلمتها الرسائل وقلت لها:
هل هذه هي يا سيدتي..؟ فأجابت:
الكونتيسة: نعم.. ألف شكر.. وغادرت المكان بسرعة.
الزوج: ولم أستطع أن أرفع عيني إلى الكونتيسة خشية أن تقرأ فيها مصابي.
وبعد أسبوع من دفن زوجتي زارني ألم خبيث في البقعة التي التصق بها دمها في تلك الليلة الرهيبة وأنك لتعرف يا دكتور بقية القصة.. إنه عقاب من الله على تسرعي وعلى الطريقة الوحشية التي قتلت بها زوجتي البريئة الطاهرة وليس بيدي ما أدفع به هذا العقاب سوى أن ألحق بزوجتي لعلّها تصفح عني.. أشكرك يا دكتور على كل ما فعلت من أجلي.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1536  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 24 من 65
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور عبد الكريم محمود الخطيب

له أكثر من ثلاثين مؤلفاً، في التاريخ والأدب والقصة.