شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
في مهب الريح
الأستاذ ميخائيل نعيمة
أديب من أدباء القمة في العالم العربي.. عرفناه من سنوات طوال منذ أن ظهر له أول كتاب أدبي ناضج في اللغة العربية، ونعني به كتابه "الغربال".. عرفناه ذلك الكاتب، ذا الأسلوب المتفرد بين زعماء الأدب، وأمراء البيان!
مهما قلت.. وحتى لو أطلت القول في هذا المجال.. فلا أظنني أقول جديداً، لا يعرفه القرّاء الأدباء عن زميل "أبي ماضي" و "جبران" و "أمين الريحاني".
إذن.. فلأدع ذلك طالما أنه تحصيل حاصل.. ولا بأس من أن أقول كلمة عابرة بهذه المناسبة قبل الإلمام بكتاب الأستاذ ميخائيل نعيمة "في مهب الريح".
إذا كان هنالك مغرضون تدفعهم دوافع من رغبتهم في المنافسة -مجرد المنافسة- لأن يقولوا ما يقولون عن أدب المهجريين.. فما عليهم -أستغفر الله- أقصد ما على الذين يستمعون إليهم من جيلنا الصاعد، وشبابنا الآمل الطموح إلاّ أن يقرأوا -فقط- هذا الكتاب كأثر بارز من أثر أولئك المهجريين، وبديهي أن أقول إن كتاب النعيمة هذا.. ليس هو أضخم كتبه العشرين أو الثلاثين.. وليس هو بأشهرها على الإطلاق!
شيء آخر لا بد من أن يقال هنا أيضاً: وهو أن الفحول ممن يعتد بهم، ويؤخذ رأيهم، وترضى حكومتهم، من أدباء مصر وغير مصر كالمرحوم العقاد، ومحمد مندور، والزيات، وعبد الغني حسن، ووديع فلسطين وغيرهم وغيرهم من الناقدين قد شهدوا لأدب المهجريين بأنه أدب أصيل، يتميز أول ما يتميز بأنه إنساني هادف يعتمد على التأمل.. بعيداً كل البعد عن الحذلقة أو السفسطة أو التهريج.. ثم هو بعد ذلك من أهم صفاته البارزة عمق الفكرة، وفنية التعبير، وصدق الإحساس والشعور، ونبالة الهدف، واستقلال الشخصية.. وما أظن إلاّ أننا سنجد كل هذه السمات والخصائص واضحة في هذا الكتاب كل الوضوح.
فلنستمع إلى المؤلف، ولنمض معه في بعض الصفحات الرائعة من كتابه لنراه يقول:
"من التشابيه المألوفة حتى الابتذال تشبيهنا الشيء بالريشة إذا هو بالغ في خفة الوزن، ثم تشبيهنا ما ليس على شيء من الاستقرار بريشة في مهب الريح.. وإني لأستعين بالتشبيه الأخير لأنقل إلى أذهانكم صورة العالم كما يتراءى لي في هذه الأيام، فهو في نظري ريشة -وأخف من ريشة- في مهب الزعازع الهوج التي تجتاحه من كل فج وصوب.. ما عرفت البشرية على مدى تاريخها الطويل فترة من الارتباك والقلق، والذعر، وتشرد القلب والذهن كالفترة التي تتخبط في دياجيرها اليوم، ولا هي شعرت يوماً بأسس كيانها تتشقق وتميد إلى حد ما تشعر اليوم ولا هامت على وجهها تفتش عن مخارج من مأزقها فلا تجد إلاّ مآزق تفضي بها إلى مآزق حتى يخيل إلى من يرقب حركاتها ويصغي إلى ضجيجها وعجيجها أنها فقدت رشدها.. وأفلت زمامها من يدها فما تدري أين تتجه.. وبمن، أو بماذا تستغيث؟
لن أعطيكم مثالاً على ذلك ما تشهدونه من صراع دام وغير دام بين مذاهب العالم من سياسية واجتماعية ودينية وسواها، وأعطيكم مثالاً: هذه السيول الجارفة من الدعاوة للسلم والحرب في آن معاً؛ فمن على منبر تلك المؤسسة الضخمة المفككة الأوصال التي لقبوها تهكماً بـ "الأمم المتحدة"، من فوق ذلك المنبر وحده تنهل شلالات -ولا شلالات نياغرا- من الخطب الرنانة.. وكلها يمجد السلم، ويدعو أمم الأرض إلى التمسك به، ناهيكم بما يفيض من منابر المعابد والمدارس، ومن حقول الصحف، ومن أفواه المذيعين، ومن شفاه رؤساء الدول ووزرائهم، حتى لكأن العالم يوشك أن يدخل ذلك الفردوس الذي وعدت به الأديان..
فلا حروب في الأرض بعد اليوم، ولا عداوات بين أسودها وأبيضها وأصفرها وأسمرها، وبين حاكمها ومحكومها، وجائعها ومتخمها، وملحدها ومؤمنها، بل هنالك تساهل وتفاهم، وأخوة، وتعاون وسلام لا يشوبه خصام!
إلاّ أنكم ما تكادون تنتشون بأنغام السلم تعزفها لكم تلك الجوقة ليل نهار، حتى تنقلب نشوتكم قشعريرة إذ تسمعون تلك الجوقة بعينها تعزف لكم ألحان الحرب.. وبمثل الحماسة التي تعزف بها أنغام السلم -بل أشد.. فساسة العالم الذين ملأوا العالم تسبيحاً للسلم هم الذين ملأوه تجديفاً عليه.. فقد هبوا في كل مكان يحثون الناس بالوعد والوعيد على الاستعداد للحرب.. وإن أنتم سألتموهم بأية حيلة، وبأي منطق يبررون التناقض الفاضح ما بين أقوالهم وأفعالهم.. فيبشرون بالسلم إذا هم يعدون عدة الحرب.. أجابوكم بكل صفاقة وجه أنهم لا يروجون للحرب حباً بالحرب.. بل حفاظاً على السلم..".
ثم يقول المؤلف: "لعمري أن في ذلك لمنتهى الاستهزاء بالعقل والمنطق ومنتهى الاستخفاف بالناس وآمالهم وأقداسهم.. فهل من يصدق أن المدفع الذي ما وجد إلاّ لتمزيق السلم وازدراده يصلح أن يكون حارساً للسلم؟ أم هل من يصدق أن السلم يقتات ويحيا بالقذائف الجهنمية المكدسة في مستودعات الدول، والحرب التي ابتدعتها ما حشتها بغير السم الزعاف للسلم؟ قد تكون الزرافة في عرين الأسد، والشاة في وجار الذئب، والفأرة بين براثن الهر أوفر أمناً على حياتها.. من السلم في فوهة المدفع، وفي جوف الدبابة، أو في قلب القذيفة الذرية؟
وقد جرهم هذا المنطق الأعوج إلى آخر أشد اعوجاجاً منه، إذ خلقوا خرافة أطلقوا عليها اسماً غراراً عليه مسحة من المنطق، أما ذلك الاسم فهو "توازن القوى" ومعناه أن معسكرين متخاصمين إذا توازنت قواهما الحربية بات كلاهما يرهب خصمه فلا يجرؤ على مهاجمته، وهكذا يبقى السلم بينهما في مأمن من الحرب، وإذ ذاك فعلى سكان الأرض إذا هم شاؤوا سلماً دائماً أن يحفظوا التوازن في قواهم الحربية إلى الأبد.. وفي ذلك من التضليل ما فيه!".
ثم يقول النعيمة أيضاً: "إذا كان الزاعمون أن السلم لا يصان إلاّ بآلة الحرب، وإلاّ بالتوازن بين آلة وآلة جادين في ما يزعمون فإنها الحماقة الخرقاء، وإذا كانوا -دفاعاً عن مصالح موهومة يموهون ويخاتلون في ما يزعمون- فإنها الجريمة النكراء، وهم سيكفرون عنها بعذاب ولا عذاب جهنم.
- عدة السلم الصدق، وعدة الحرب الكذب..
- عدة السلم الأمانة، وعدة الحرب الخيانة..
- عدة السلم الثقة، وعدة الحرب الشك..
- عدة السلم التعاون، وعدة الحرب التنابذ..
- عدة السلم المحبة، وعدة الحرب البغض..
- عدة السلم العطاء، وعدة الحرب النهب..
- عدة السلم التعمير، وعدة الحرب التخريب..
- عدة السلم الإيمان بالإنسان وعدة الحرب الكفر بالله والإنسان معاً..
- عدة السلم الحياة، وعدة الحرب الموت..
لو أن الناس حاولوا أن يحصروا في الأرقام كل ما أنفقوه على عدة الحرب في خلال العقود الثلاثة الأخيرة لا غير.. لضاقت بهم الأرقام، ولتخدرت من هولها عقولهم، وانعقلت ألسنتهم، وتعطلت مفاهيمهم الحسابية.. فما من أرقام تستطيع أن تؤدي إلى أذهاننا المقادير الهائلة من القوى الروحية والمادية التي أنفقتها الإنسانية على الحربين العالميتين الأخيرتين بصرف النظر عن الحروب الثانوية التي نتجت عنهما.. وأنتم لو سألتم هذه الإنسانية بعينها ماذا الذي أنفقته خلال العقود الثلاثة الأخيرة على عدة السلم.. لكان جوابها هزة من كتف، أو قلبة من شفة أو شقلة من حاجب.. ذلك لأنها ما أنفقت شيئاً على الإطلاق.. أجل نحن اليوم ريشة في مهب الريح، وقد بات لزاماً علينا إذا نحن شئنا أن نسترد لأنفسنا شيئاً من الثبات، إما أن نزيد في وزن الريشة.. وإما أن نخفف من حدة الريح.. أو نجترح العجيبتين معاً.. فهل من سبيل إلى ذلك؟
من الأكيد أن الذين جعلوا منا ريشة لن يستطيعوا أن يجعلوا من الريشة طوداً.. والذين أطلقوا علينا الرياح الهوج لن يكون في وسعهم أن يجعلوا من تلك الرياح نسيمات بليلات.. أولئك هم القابضون بأيدٍ من حديد على أزمة حياتنا الجسدية والعقلية والقلبية، أو تدرون من هم؟ إنهم أسياد الغرب الذي انتقلت إليه زعامة العالم منذ أيام أثينا وروما فما تخلى عنها حتى اليوم إلاّ خلال فترات قصيرات..
.. لقد أبطرت الغرب فتوحاته العقلية، وزادت في ثروته المادية مقادير لا تحصى ولا تعد.. وبسطت سلطانه على الأرض من القطب إلى القطب، ومن المشرق إلى الغرب، فبات لا يشك قط في حقه بتلك الثروة وذلك السلطان، ولكنه ما لبث أن انقسم على معسكرين يتنازعان ثروة الأرض وسلطانها، ويتستران في نزاعهما باسم العدالة من جهة، وباسم الحرية من جهة أخرى، ثم بعمل كليهما ليل نهار على كسب الأنصار والأمصار بالقوة حيث تنفع القوة، وبالمال حيث لا يجدي إلاّ المال، وبالدعاوات الطويلة والعريضة التي تنفذ إلى القلب والعقل حيث لا تنفذ القوة ولا المال وتنجرف بهذا التيار الهائل جميع دول الأرض ودويلاتها وفي جملتها دويلات شرقنا العربي.. إلى أن يقول: فما أدري بأي سحر سطت علينا أراجيف الغرب في دعاواته ومهاتراته حتى بتنا نعتقد أن قوة الأمم في حناجرها فلا نشبع من التحدث عن تعشقنا للاستقلال والحرية، وعن تفانينا في سبيل الكرامة القومية.. وعن أمجاد أسلافنا وجليل ما قدموه من الأقوال والأعمال للحضارة البشرية.. وأي أمجاد السلف يتغنى به الخلف راجين أن يبعثوا بذلك همماً تراخت، وأن يجمعوا كلمة تشتت، وأن يرفعوا إلى فوق.. أبصاراً منكسة إلى أسفل؟ تلكم الأمجاد هي سيوف خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وطارق بن زياد، هي الأعلام العربية التي خفقت في سالف الأزمان، من حدود السند حتى حدود الغال، إنها الرغوة التي أثارها العرب في اندفاعهم من قلب الجزيرة شمالاً وشرقاً وغرباً..".
"ولكنها -يقول الكاتب الكبير- ليست المعجزة التي جاء بها العرب.. والتغني بها لا ينفع العرب، ولا العالم في شيء.. أما معجزة العرب الكبرى فهي القرآن، وهي وحدها التي تستطيع أن تجعل من العرب قوة أين منها قوة الأساطيل البحرية والجوية والقنابل الجهنمية؟ وأين منها قوة المال والرجال فالأساطيل للصدأ، والرجال للموت.. والمال للزوال. أما معجزة القرآن فللبقاء، ذلك لأنها أقامت للعرب ولغير العرب هدفاً من حياتهم، وكانوا بغير هدف.. واختطت لهم طريقاً إلى الهدف، وكانوا بغير طريق.. وما اكتفت بأن أقامت لهم هدفاً، واختطت طريقاً، بل إنها برهنت لهم بحياة النبي وصحبه أن ذلك الهدف مستطاع بلوغه على من سار في الطريق.. فحياة النبي وخلفائه الأولين مليئة بالعبر التي تهدي الناس سواء السبيل فلا تتركهم ريشة في مهب الريح!! لو لم يترجم النبي وصحبه القرآن إلى أفعال لما كانت المعجزة معجزة.. ولكنهم وقد امتلأت قلوبهم وعقولهم إيماناً، ما ترددوا في ترجمة إيمانهم إلى أعمال وأقوال تتوافق كل التوافق مع ذلك الإيمان، وإني لأذكر من الأخبار النبوية خبر شاة ذبحها أهل البيت في غياب النبي صلى الله عليه وسلم وفرقوها على المعوزين، وعندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بما كان وأضافت أنهم لم يبقوا لأنفسهم من الشاة إلاّ الكتف.. فكان جواب النبي لها: لقد بقيت كلها إلاّ الكتف.. إنه لجواب حوى من البساطة والبلاغة والحكمة ما لم تحوه مجلدات من الفلسفة.. بقيت كلها إلاّ الكتف.. ومعنى ذلك أننا نكسب ما نعطيه ونخسر ما نمسكه فالذي ننفقه على الغير من أموالنا وقلوبنا وأفكارنا وأرواحنا يحسب لنا، والذي ننفقه على أنفسنا يحسب علينا.. فنحن مطالبون بسوانا قبل أن نطالب بأنفسنا.. ونحن وكلنا عيال الله.. لا نستحق نعمة من نعم الله إلاّ إذا أبحناها من صميم القلب لغيرنا من عيال الله.. فهل من يدلني -بعد ذلك- على طريق إلى الإخاء والسلم والتعاون بين الناس، وبالتالي إلى الحرية.. أقرب من هذه الطريق وأقوم؟
أجل.. إن معجزة العرب لفي القرآن إلاّ أنها أصبحت اليوم وكأنها ليست بمعجزة.. ذلك لكثرة ما ألفتها الشفاه والآذان والعيون ومن شأن الشفاه والآذان والعيون أنها إذا ألفت عجيبة أغلقت دونها القلوب.. وقلوب العرب غدت مغلقة دون معجزة العرب منذ أن حكموا دنياهم في دينهم.. فهم اليوم يؤمنون بالراديو والرادار، وبالدبابة والطيارة، وبالدعوات والمخرقات.. ثم بالفلس الذي يبتاع كل هذه.. يؤمنون بها كما لو كانت المفاتيح إلى الراحة والهناء والسلام والحرية والكرامة الإنسانية.. أما المفتاح الذي أعطي لهم في القرآن فجوهرة يتبركون بلثمها، ويباهون بجمالها.. ولكنهم يتهربون من استعمالها.. فكأنها للزينة لا لفتح الأبواب المغلقة، وفك المشاكل المستعصية، أو كأنها للتسلية والترفيه عن النفس عندما تمل النفس العمل في معامل الفلس والدينار.. أو عندما يأخذها شيء من الكلل..
واهاً لهذا الشرق، ما أضعف ذاكرته وأوهن قلبه فسرعان ما نسي ميراثه، وسرعان ما تخلى عن سلاحه الذي لا يفل، ليستبدل به سلاحاً يتآكله الصدأ. وكم كنت أتمنى لو يسترد ميراثه وسلاحه لعلّه يستطيع أن يرد العالم إلى رشده بدلاً من أن يفقد هو الآخر رشده في عالم جن جنونه..".
ويمضي النعيمة.. ليتحدث في فصول أخرى عن السيف والقصبة وعن الخرافة الكبرى، وعن رحابة الصدر.. وسحر الطفولة.. والدين والمدرسة الشباب الحائر.. وأوزار اللغة وأوزار الاجتماع ودود الجبن.. والخيط الأبيض والخيط الأسود.. والتشاؤم والمتشائمون.. ومجد القلم.. وغيرها..
في الفصل الذي عنوانه "رحابة الصدر" يقول:
"حذار ثم حذار يا بني أن تزدري أي إنسان من الناس.. فقد يستنسر البغاث، وقد تستأسد الثعلب، والبغاث إذا استنسر كان أحد مخلباً وأقوى منسراً من النسور.. والثعالب إذا استأسدت كانت أشد بأساً وأفظع بطشاً من الأسود؟ وأنت في الواقع لا تعرف أي الناس هم البغاث والثعالب، وأيهم النسور والأسود.. لذلك أوصيك برحابة الصدر تجاه الأقوياء والضعفاء بالسواء..
واحذر يا بني الذين يغالون في مدحك، قبل أن تحذر الذين يغالون في قدحك.. واحذر أكثر من المادحين والقادحين.. أولئك الذين لا يمدحون ولا يقدحون.. فسلاحهم أمضى من سلاحك، لأن صدورهم أرحب من صدرك.. وهم يعرفون أن مادح السلطان كاذب وإن صدق.. ولأنهم يعرفون ذلك تراهم لا يمدحون ولا يقدحون.. لذلك أوصيك برحابة الصدر تجاه المادحين قبل القادحين..".
وفي فصل "الخيط الأبيض والخيط الأسود" يقول:
"إن تكن العين سراج الجسد فسراج النفس الضمير، بالعين يميز الجسد الليل من النهار، ويميز الأشياء من حيث أشكالها وألوانها وأبعادها ثم يميز ذاته من سائر الأشياء، وبالعين يستنير ليسلك سبيله في الأرض، كذلك بالضمير تميز النفس ما بين الحلال والحرام، والصلاح والطلاح، والفضيلة والرذيلة، وتميز نفسها من سائر النفوس، وبالضمير تستنير لتسلك سبيلها في دنيا الخير والشر.. والإنسان هو المخلوق الأوحد على الأرض الذي خصته الحياة بنور الضمير علاوة على نور العين.. ومثلما يتفاوت الناس في صفاء البصر، يتفاوتون في صفاء البصيرة.. فالفرق بين الزباء والأعشى، من حيث نقاوة البصر كالفرق -من حيث نقاوة البصيرة- بين من يحب قريبه محبته لنفسه، وبين من يقول "من بعدي الطوفان"!".
إلى أن يقول في ختام هذا الفصل:
"جميل بنا أن نحرص على حدقة العين التي بها نميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود.. وأجمل من ذلك بكثير أن نحرص على حدقة العين التي نميز بها بين الخير والشر -بين الفضيلة والرذيلة- بين بياض الحق وسواد الباطل!".
وفي الفصل الذي عنوانه: "مجد القلم" وهو آخر فصول الكتاب يقول:
"تأتيني من حين إلى حين رسائل من أدباء ناشئين يطلبون إلي فيها أن أرشدهم إلى السبل الكفيلة بأن تجعل منهم كتّاباً وشعراء ذوي مكانة في دولة الأدب.. ويا ليته كان في مستوصفي أو مستوصف سواي "روشتة" إذا استعملها الراغب في الأدب أصبح أديباً.. إذن لكنا نصنع الأدباء بمثل السهولة التي نصنع بها الزبيب من العنب، والخبز من القمح إلاّ أن الأدباء يخلقون -بضم الياء- ولا يصنعون.. والفرق بين الأديب المخلوق والأديب المصنوع كالفرق بين العين الطبيعية والعين من زجاج..".
".. من كان معداً للأدب كان في غنى عمن يدله على طريقه، ففي داخله ومن خارجه حوافز لا تتركه يستريح حتى يتم التزاوج ما بين عقله وقلبه وذوقه وبين القلم والمداد والقرطاس.. وهو عن وعي، وعن غير وعي، لا ينفك يلتهم التهاماً كل ما يتصل به من آثار أدبية.. ثم لا ينفك يسود الأوراق بما يتولد في نفسه من أحاسيس وأفكار وانطباعات.. إن أغمض عينيه في الليل فعلى كاتب أو مقال.. وإن فتحهما في الصباح فعلى شاعر أو قصيد.. فكان كل ما فيه وكل ما حواليه يدفع به دائماً إلى تحقيق حلمه بأن يدرك اليوم الذي فيه ينطبع اسمه على شفاه كثيرة.. وتغدو مؤلفاته نجعة لجيش من القرّاء والأقلام..
لكل ذي مهنة أو حرفة عدة، وعدة الأديب لغة وفكر وخيال وذوق ووجدان وإرادة، وهذه كلها قابلة للتنمية والصقل، وخير الوسائل لتنميتها وصقلها هو احتكاكها المستمر بما سبقها وما عاصرها من نوعها، ثم توجيهها التوجيه المستقل في الطريق الذي تفرضه على الكاتب حياته الباطنية والخارجية.. لذلك كان لا بد لكم من المطالعة، ومن فكر سريع الالتقاط وخيال مسبل الجناح وذوق مرهف الحدين ووجدان صادق الميزان، وإرادة صلبة العود.. وكان لا بد لكم فوق ذلك كله من معدة أدبية تهضم ما تلتقطونه هنا وهناك فتحوله غذاءً طيباً لكم وللذين يقرؤون ما تكتبون!".
* * *
ثم يوجه المؤلف الأديب في ختام هذا الفصل خطابه إلى الأدباء الناشئين قائلاً:
".. وإن تسألوني ماذا يحسن بكم أن تطالعوه أجبكم: إن ذلك يتوقف -إلى حد بعيد- على ميولكم وأذواقكم، وعلى مقدار جوعكم إلى المعرفة التي دونها لا قيام لأي أدب؛ فقد يكتفي الواحد منكم بمطالعة بعض الآثار الأدبية المشهورة، وقد يتعداها الآخر إلى النجوم والحيوان والنبات وطبقات الأرض والفنون والأديان والتاريخ والفلسفة بأنواعها، حتى إلى الروايات البوليسية والمقالات التافهة التي تحفل بها حقول الصحافة الرخيصة.. فالأمر الذي لا شك فيه هو أنه كلما اتسع اطلاعكم على مجاري الحياة البشرية قديمها وحديثها، بعيدها وقريبها، جليلها وحقيرها اتسع مجالكم للتأمل والتفكر، وللعرض والتصوير فما انسدت في وجوهكم الطرق إلى مواضيع جديدة تعالجونها بأساليب جديدة.
- تحاشوا اللف والدوران، فليس أكره من جثة فيل أو حوت تحيا بقلب ضب، أو بقلب ضفدع.. وتحاشوا النوح، والبكاء، والتشكي من الدهر، واستجداء رحمة القارئ وشفقته.. فهذه كلها من دلائل الهزيمة، والهزيمة عار وأي عار على الذين سلحتهم الحياة بالفكر والحس والخيال والإرادة.. ومن ثم فإن الناس يحبون السير في ركاب الظافرين ويكرهون مماشاة المنهزمين.
- أما العار الأكبر والأفظع فهو تقليدكم الأعمى للغير "أو سرقة بضاعة الغير".. فالتقليد هو الشهادة بإفلاس المقلد وسارق أدب الأحياء والأموات كمن يأكل لحم أخيه نيئاً.. أو كمن ينهش جيفة في قبر..
- أما الشهرة فإياكم أن تبتغوها في ذاتها، فما هي غير ظل قامتكم الأدبية.. إن امتدت تلك القامة امتد، وإن تقلصت تقلص.. وأما الغرور فاقتلعوا جذوره من صدوركم.. فهو أشد فتكاً بكم من السوس بالخشب..
- والغرور هو غير الإيمان بالنفس.. ذلك بالوعة وقاذورة، وهذا ميناء ومرساة.. وما لم يكن من إيمانكم بأنفسكم ميناء ومرساة.. كنتم حيرة في حيرة.. وكان أدبكم رغواً في رغوة.
- قبل أن تهتموا بما يقوله الناس فيكم، اهتموا بما يقوله وجدانكم لوجدانكم.. أخلصوا لأنفسكم ولأدبكم أولاً.. وإذ ذاك فصدوركم لن تضيق بذم.. ولن تنتفخ بمدح.. فإن كنتم أكبر من ناقديكم فما همكم أذموكم، أم مدحوكم.. وإن كنتم في مستواهم فيجمل بكم أن تصغوا إلى ما يقولونه فيكم، وإن كنتم دونهم فجدير بكم أن تتعلموا منهم!!
- تنافسوا ولا تتحاسدوا.. وإياكم أن تتشاتموا.. فعداوة الكار إن اغتفرت لإسكاف أو نجار أو غيرهما من صانعي السلع وبائعيها فهي لا تغتفر للعاملين على السمو بالإنسان في معارج الفهم والحرية!
- ما دمتم واثقين من أن لكم رسالة تؤدونها، فلا تقنطوا من تأديتها، وإن أغلقت في وجوهكم أبواب الصحف ودور النشر، ثابروا على العمل وأنا الكفيل بأنكم ستشقون لرسالتكم طريقاً في النهاية، فالناس في جوع وعطش دائمين إلى القول الجميل، ولا تنسوا أن الذين تبصرونهم اليوم في القمة كانوا بالأمس في الأغوار والسفوح..
- خذوا مواضيعكم من أنفسكم ومن الناس والأكوان حواليكم، ولا تمسحوا أقلامكم منها إلاّ من بعد أن تبدو لكم صريحة المعالم، مشرعة الأبواب، كي يسهل تناولها حتى على الذين هم دونكم مقدرة ومهارة في الغوص إلى الأعماق.. وليكن أجركم الأول، والأعظم، تلك البهجة التي يشيعها في الروح شعوركم بأنكم صنعتم "شيئاً" جديداً وجميلاً.. سواء أكان ذلك "الشيء" مقالاً أم قصيدة أم قصة أم رواية، أم كلاماً لا ينساق إلى التبويب ولكنه يترك فيكم وفي القارئ نشوة وعبرة..".
* * *
وأخيراً ينهي الأديب الكبير وصاياه هذه إلى الأدباء الناشئين -وأخلق بها أن توجه إلى غيرهم أيضاً- ينهي الأستاذ نعيمة نصائحه هذه بقوله:
"الكتابة عمل مرهق كسائر الأعمال البناءة إلاّ أنه عمل لذته لا تفوقها لذة، وهي لذة قلما يتذوقها الكسالى وفاترو الهمة، فإن شئتم بلوغ القمم الأدبية حيث "الخالدون" فعليكم ألا تشركوا في محبتكم للقلم محبة أي سلطان سواه، وأن تنبذوا الكثير من ملذات العالم وأمجاده.. وأنتم متى أدركتم أي مجد هو مجد القلم هانت لديكم من أجله كل أمجاد الأرض، وصنتم أقلامكم عن التملق، والتسفل والتبذل، فما سخرتموها لمال أو لسلطان، ولا لأية منفعة عابرة مهما يكن نوعها..
وما دامت أقلامكم عزيزة فأنتم أعزاء!..".
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1415  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 27 من 49
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاثنينية - إصدار خاص بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها

[الجزء الثاني - مقالات الأدباء والكتاب في الصحافة المحلية والعربية (2): 2007]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج