شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
على أكتاف جبَل السودة
قيل لي إن الأمير تركي بن ماضي (أمير أبها) يدعوك إلى نزهة في قرية السودة في جبل (تهلل).
وعلمتُ أن السيارة تستطيع أن تشق طريقها في الجبل إلى (السودة) فلذ لي أن أستمتع بيوم جميل على أكتاف الجبل، وما علمت أنه جبل يسلمك إلى سلسلة تتصاعد قممها من عالٍ إلى شاهق حتى تكاد أن تنسى سببك بالأرض وصلتك بها.
مضت بنا السيارة تزحف بين الصخور في أنين المرهق، فكانت لا تستوي إلاّ لتهبط في منحدر شاق ولا تنحدر إلاّ ليجمع (فتيسها) كل ما يملك من طاقة نحو مرقى جديد عالي الصدر مرفوع الهامة.
وبدأت تطالعنا قرى الجبل في بيوت تجتمع مرة وتتفرق أخرى، تتقارب كلما انفرجت الصخور عن طريق واسع وتتباعد كلما توزعت السطوح المتساوية بين شغاف المسالك ومخارفها.
وكنا لا نصافح قرية حتى تلمع مزارعها على مد بصرنا في مدرجات تنحدر تحت أقدامنا من مدرج إلى آخر في أشكال مثلثة أو مربعة يموج فيها نبات الحنطة في صفرة يانعة أخاذة.
وأخذت عيني حمالة حطب سبقتها السيارة على منحدر يلتوي نحو قريتها فوقفت تصك نصف وجهها في خفر وتصافحنا بعيون ما شهدت في حياتي أدق تعبيراً منها فأهبت بالسائق أن يقف لنتعرف ببيتها من القبيلة فصاح بي شيخنا العلامة عبد الرحمن الحاقان: أقصر أيّها العجوز وإلاّ طيرت أمرك إلى أسامة وزهير.
لحا الله أسامة وأخاه زهيراً وأمهما وكل من لف لفهم من أقارب وأصهار أن منعوني أتتبعهما إلى نتائج يقرها الدِّين ويبيحها.
ولكن شيخنا العلامة كان فيلسوفاً أكثر منه فقيهاً عندما توسع لي في بحث العواقب التي يخشاها على عجوز مثلي من سطوة العيون، واستطاع أن يقنعني لألزم حدودي من أسامة وزهير.
ليت شبابنا وهو يستقصي لزواجه الجمال يعلم أن (أبها) مرتع مخصب للجمال الفاتن.
لا أقصد (أبها) المدينة، فربما حجزها الدِّين والعرف في غرف الحريم.. ولكن هناك أبها: الجبل والقرية والمزرعة ومورد الماء، حيث تنطلق الفتيات في سذاجة وعفة طاهرة ينقلن الماء أو يحملن الحطب أو يسرحن في خدمة المزارع لا تخجل عيونهن النجل أن تصافحك في جمال بريء وتتحداك إن زغت في صرامة جادة.
وبعد فقد نسك عمر بن ربيعة عندما بلغ مستوى سني، فما يمنعني أن أنسك؟.. وآلى عمر أن يعتق رقبة عن كل بيت من شعره الغزلي فما يمنعني أن أعتق؟
- أبداً.. إلاّ هذه فإني لا أملك من الرقاب إلاّ أم زهير وهي لا تصلح -فيما أعرف- للعتق ولا ترضاه.
ومضت بنا السيارة ترقى مرتفعات حادة أو تستريح إلى مهابط لينة فمررنا بقرى المقضي، والعزيزة ثم انتهينا إلى السقا حيث يعيش آل عائض حكام أبها في عهود مضت فاستقبلنا كبيرهم في حفاوة العرب الأصائل.
وقيل لنا إن في القرية مسجداً يستحق المشاهدة، فلما مضينا إليه راعنا أن سقفه يقوم على أعواد من شجر العرعر يبلغ طول الواحد منها نحو خمسة عشر متراً في عرض ثلاثين سنتيمتراً وهي رغم هذا مستقيمة لا يتخللها عوج أو انحناء.
وعجبت لمثل هذه الأعواد كيف تهيأ لها مثل هذا الطول الفارع في مثل هذه الاستقامة! فقيل لي إن في مهابط التلال المجاورة غابة واسعة لا تخلو دائماً من مثل هذه الأعواد الفارعة ولكننا نعجز عن نقلها.
قلت: ولكن كيف تم لكم نقل ما نقلتم من القياع الحادرة إلى هذا العلو الشاهق؟ فقالوا: إن مئات الرجال من القبيلة تعاونوا على نقلها واستنفد ذلك منهم أسابيع وأسابيع.
ومضى الطريق بنا إلى قرية آل فلاح ثم استوى إلى قرن السودة فامتدت أمامنا غابات بامتداد الأفق الواسع.. غابات يتشابك فيها دوح هائل من أشجار العرعر والزيتون وما لا أعرف من عشرات الأصناف وارتفعت أمامنا أكتاف تتصاعد إلى قمم شاهقة الارتفاع وتنحدر إلى مهابط سحيقة الأغوار، انتشرت فيها المزارع والأشجار، وسبح النبات بينها يتماوج في رواء مخضل فلا تكاد تقع عينك على غير اليانع الأخضر.
وانتهى المطاف إلى ظل دوحة فينانة على خطوات من ينبوع تسلسل منه جدول رقراق صغير فكان مقيلاً رائعاً مدت فيه موائد الأمير مثقلة بالحنيذ والمشوي في كرم فائض.
وأغراني شباب أبها من ضيوف الأمير بالمشي فانسقت خفيفاً أتبعهم في ظل الأشجار الباسقة فصعد الطريق بنا إلى قمة جديدة ما انتهينا إليها حتى أشرفنا على وهدة عميقة الغور ترقد في قاعها البعيد "تهامة" تتراءى مسالكها وقراها على حفافي الوديان خلف الضباب الكثيف، ولا تكاد تبين لفرط البعد الهائل الذي يفصلنا، وقد قيل لي إنها منازل رجال ألمع وهم فخوذ متفرقة يزيد تعدادهم عن مائة ألف وقد هاجر كثير من فتيانهم إلى المدن القريبة ينشدون العمل ويطلبون المعرفة ورأيت من شبابهم في أبها موظفين يحتلون مراكز محترمة منهم سليمان حفظي الألمعي مراسل مجلة قريش ويحيى الألمعي مراسل جريدة الندوة وقد كانا مدة إقامتي في أبها خير معوان لي فيها.
وانحدر الشباب يلتمسون طريقهم خلال الصخور الهابطة بين مخاوف الوهدة فانحدرت بانحدارهم إلى ينبوع يترقرق فيه ماء عذب، وراقهم أن يوغلوا في الانحدار ويغروني به فانسقت لإغرائهم مشوقاً إلى الينابيع التي كانت تتجدد كلما التوى بنا الطريق أو هبطت أمامهم الصخور.
وطال بنا المدى فاتسعت المسافة بيننا وبين من تركنا من إخوتنا على حافة الوهدة العليا فاستعصيت على الإغراء وصحت بهم فعادوا وعدت أتسلق الصخور خلفهم في عناء شاق إلى الحافة العليا.
كانت الغابات أوسع من أن يحدها نظري، وقد قيل لي إن مساحتها توازي أكثر من ثلاثين كيلومتراً مربعاً وأن بعض المناطق فيها لو سلكها الرجل عارياً لما تكشف في جسده موضع نظر.
وكان الجبل على سعته وبعد مساحاته تتخلله ينابيع كثيرة متفرقة في جهات عديدة من أنحائه، وكنت ترى بعض الجداول تنساب هنا أو هناك لتروي الأعشاب والشجيرات الطفيلية التي تتخلل الصخور والأشجار كما أن مخلفات الأمطار تملأ البقاع في أكثر المنحدرات.
وتنتشر القرى من قبيلة علكم وبني مغيد وغيرهما بين مصاعد الجبال حول آبار غزيرة المياه وقد مررنا في طريقنا بصفا وبشار والصعيد وباحة ربيعة وهي غير القرى التي ذكرناها في أول بحثنا وغير القرى العديدة التي لم نستطع إحصاءها.
ويمتاز رجال القبائل في جبل تهلل بنشاط وافر فهم يمتهنون الزراعة في دأب متواصل يشتركون في هذا رجالاً ونساءً وأطفالاً وقد مررت بألوف الحقول في ثنايا الجبل وكانت معدة لاستقبال المطر ولكنه تباطأ عليهم فباتوا ينتظرون الفرج لأن الينابيع البعيدة والجداول المتفرقة لا تكفي لري أراضيهم.
فلو عنينا بحفر الآبار ومظان الينابيع وبنينا سدوداً للسيول والأمطار لكان لجبل تهلل شأن غير هذا الشأن.
وما جبل تهلل إلاّ جزء من جبال الحجاز (السراة) وهي في مجموعها جبال خصبة تربتها صالحة للزراعة في أكثر مناطقها إذا وجدت العناية الكافية.
إن الغابات التي شهدتها في جبل تهلل والتي تغطي مساحات واسعة من مناطقه غنية بأشجار الزيتون البري ودوح العرعر، فلو وجد الزيتون تلقيحاً فنياً لأغنينا به البلاد عن استيراد الزيتون، واستطعنا بعد ذلك تصديره، ولو وجد دوح العرعر العناية التي تجدها الغابات في البلاد التي تصدر الأخشاب لكان لنا منه ثروة لا تقدر بثمن.
إن وزارة الزراعة تبذل اليوم بعض الجهد. فقد أنشأت مشتلين في أبها لتنمية الورود والأشجار وزودت فرعها هناك ببعض الفنيين وأرسلت إليهم ثلاثة تركترات وشيئاً من الأدوات والبذور، ولكن الأمر أوسع من أن يكتفي بما فعلت، فالمزارعون في الجبل وفي جميع الوديان حول أبها يحتاجون إلى جهود واسعة لاستنباط المياه وجهود أكثر للتوجيه الفني.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :938  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 87 من 92
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاثنينية - إصدار خاص بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها

[الجزء الرابع - ما نشر عن إصداراتها في الصحافة المحلية والعربية (2): 2007]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج