شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الفصل الثاني
(1)
هذه عروس البحر الأحمر/ جدة، كما تبدو منه خلال نوافذ الطائرة:
بانوراما من ألوان قوس قزح، ولمعة البحر التي تضيف ظلال الليل من الأضواء المنبعثة والمنعكسة على صفحة البحر: روعة، ونداء مشتاقاً من مدينة تحتضن في دفئها وحيويتها: أبناءها وزوارها ممن يقيمون فوق أرضها، وبجانب بحرها.
جدة: الميناء، والبوابة المشرعة لقوافل الحجاج والمعتمرين، والتجارة منذ أزمان وازمان.. تتباهى اليوم بعد أن أدارت يد التخطيط الحديث وجه ((جدة)) الى البحر، وقد كانت تعطي البحر ظهرها!
هذه المدينة التى يحبها زائرها من النظرة الأولى، كامرأة جذابة.. تغنى بها الشعراء، وكان أشهرهم: شاعر الحجاز الكبير ((حمزة شحاته)) فقال:
النهى بين شاطئيك غريق
والهوى فيك حالم.. لا يفيق.
طفرت دمعة من عيني ((عادل)) مع لحظة بدء الطائرة في الهبوط إلى أرض المطار.
الانتماء إلى الوطن: بطاقة هوية للإنسان دائماً.. وتعريف دقيق للحب. لا شئ في ذهنه الآن سوى: أهله وشوارع جدة وشاطئها، وهمسات ليلها، و..... ما تبقى من أصدقاء هذا الزمان!
لماذا يفر من ((تذكر)) ((نوار)) في هذه اللحظات؟!
إنها أنثى - كما يحس بها - وقد انتقلت من قلبه إلى: رأسه... التفكير فيها: حاد بأسئلة مدببة.. ولكن وجدانه لا يقبل تعليل هذه المغامرة الغرا مية!
هو رجل: ما زال يفتش عن وجوه بلا أقنعة، وعن قلوب بلا زوايا كثيفة الظلال، وعن وعي بلا عقد الفهم المجير دائماً لمصلحة الذات... فهو رجل علمته خبرته بهذا البحث دائماً.
يذكر أنه فى كثير من هذه المواقف.. كان يهزم نفسه، أو يهزم ((الأنا)) فى داخل هذه النفس.. ليس بمعنى التضحية، بل بدوافع السلامة والقفز فوق اللحظة التى لا تدوم كثيراً!
يركض مثل رفاقه فى الرحلة من جوف الطائرة، إلى الأوتوبيس المعلق، إلى صالة الجوازات.
ينظر.. ((السرا)) طويل، ومازال الناس يتدافعون، كل واحد يريد أن يكون هو الواقف أمام مسئول الجوازات.
سأله موظف الجوازات مازحاً بعد أن عرفه: رحلة عمل، وكتابة؟!
رد عليه بعفوية: بل رحلة حب.
لا يدرى ((عادل)) كيف فسر مسؤول الجوازات عبارته. أخذ جوازه. ودخل إلى صالة الحقائب والجمارك... حتى استرخى أخيراً على مقعده فى بيته، كأنه يلتقط أنفاسه التى لهثت به أو لهث بها أكثر من عشرة أيام.
وفي الهزيع الأخير من الليل.. اكتشف أنه محاصر بالأرق، لم ينم رغم تعبه من الرحلتين رحلة الطائرة، ورحلة الركض!
هل تراه يفكر فى ((نوار))؟!
ترى... من أنت يا ((نوار))؟!
كيف انساق بهذه السرعة المذهلة إلى عالمها، وضحكتها وركض وراء سبائك شعرها الذهبي؟!
هل كان ((عادل)) متعطشاَ للحب إلى هذه الدرجة؟!
أم كان يحتاج إلى دفء امرأة، يزمّل ارتعاشة برد حياته التى تكاد أن تكون مثل البحيرة الراكدة؟!
هو فنان... يتطلع إلى: إلهام، ومشاكسة، وحوار، واحتواء في حضن يغمره بحنان يفتقده.
كان قبل رحلته هذه، وبعد إطلاق رصاص ((غالية)) عليه.. يلوذ الى صديقته الكاتبة ((سارة)) عبر الهاتف: يشكو لها، و((يفضفض))،ويتألم، ويقهقه.
لكنه لم يفكر لحظة أن تكون ((سارة)) هي: الأنثى التي تضم ارتعاشته في دفئها من البرد، والوحدة... فقد كانت ((سارة)) تقاوم استعمار رجل قوي لخفقات قلبها، ولارتجاف أضلعها... أحبّته حتى أغمي على عقلها للأبد!
وقال لها يوماً بالهاتف: من أنت... كامرأة؟!
ـ أجابته: أنا امرأة.. انتظر الرجل ((الآخر)) الذي أحببته في هذا الرجل الأول/حبيبي!!
قال لها: لا أحد يهرب من ضعفه يا سيدتي.. خاصة من عاطفته!
أراد أن يقسر نفسه وعينيه على النوم... فهو متعب بهما وبجسده.
* * *
* الصباح الأول له في ((جدة)) بعد عودته.
يتذكر فنجان القهوة من البن المحوج، ومن يد ((نوار)) وهمس:
ـ ترى... هل تتذكرنى الآن، مثلما أحياها؟!
هل يطلبها في أول صباح يلتقي فيه صوتاهما، ولا يغسل عينيه بفجر وجهها؟!
هل اشتاق لها بعد ليلة واحدة... فماذا يفعل بعد أن تكرّ الأيام وتتشابه وتطول؟!
طلبها بالهاتف، وهويحشد في صوته أزهى فرح نفسه:
ـ قالت له: صرتُ أشرب فنجان قهوتك.
* اشتقت إليك منذ ودعتك.
ـ أشعر أننى وحيدة.
* مأذا حدث مع مخرج الإعلانات؟!
ـ أوه.. آسفة، كنت سأخبرك لكنني انشغلت بك عني... خبر: لقد قُبلت فتاة إعلان... نجحت يا ((عادل))، وسأدخل فى برنامج يشبه التمرين والإعداد، ثم نبدأ التصوير. أشكرك. هذا بفضلك.
الحمد لله مبروك... كيف أحادثك فى المساء؟!
ـ خذ رقم منزلي.. وانتظرك بعد المغرب.
يا ارتوائي أنت... أفتقدك.
ـ مع السلامة... فى انتظارك.
لا يدرى - ثانية - بعد أن وضع سماعة الهاتف: لماذا راوده شىء قد يكون شكاً، أو ظناً، استنبطهما من نبرات صوتها، رغم رقة كلماتها؟! وساوره القلق، وانتابته هواجس الوله... حتى حل موعد المكالمة الأخرى.
ـ قالت له: أرجوك.. إجلس الليلة واكتب لي، وغداً إبعث بأولى رسائلك بالبريد المستعجل.
قال: عن ماذا تريدين؟ أن أكتب لك؟!
ـ قالت: إلى الآن لم أعرف عنك شيئاً.. عن حياتك، عن نشاطاتك؟!
قال: وهل أنا أعرف عنك؟!
ـ قالت: ستعرف كل شيء... ولمعلوماتك، فأنا لا أعطي رقم هاتف بيتي لأي إنسان... أنت عزيز علي جداً.
* * *
أراد أن يحكي، يبوح... يتحدث لأحد عن ((نوار)). صديقته الكاتبة ((سارة)) ستصل الليلة أو الغد... لا يقدر على الانتظار، ولا على هذا الكتمان فى نفسه، لا بد له من مرآة.
إنطلق إلى صديقه المقرب كثيراً إلى نفسه والمحتوي لأسراره كلها، والمتلقي لشجونه، وقلقه: ((حسن)).
كان يسميه: الشاطر حسن، لأنه يثق فى حصافة رأيه، وحنكته،
وتجاربه الأطول بكثير من تجربة ((عادل))... لكن هذا ((الشاطر)) لا يخلو من خبث، وهو يُشعر صديقه ((عادل)): أنه يوظف خبثه أو دهاءه لمصلحته، وليس ضده.
شعار ((الشاطر حسن)) عن النساء: أنهن كلهن..... إذا لم يمارسن الاحتراف، فقد يتمنيه!!
ويستشيط ((عادل)) غضباً على صديقه، يرفض شعاره هذا، قائلاً:
ـ يا أخى... لماذا تعمم؟ !.. النساء هن: الأم، والأخت، والبنت، والزوجة.
* قال: بشكل او بآخر.
ـ يسأله ((عادل)): هل اتهمك بعقدة؟!
* يرد ((الشاطر حسن)): هذا تفسيرك، ولك الحق.
ورغم آرائه، أو شعاراته التى كثيراً ما تتضارب وتختلف مع أراء ((عادل)) فقد ركض إليه ليبوح، ليرتاح.
((الشاطر حسن)): يجيد فن الإصغاء، مثلما يجيد فن إقناع مَنْ أمامه،
أو بالدقة: يجيد فن التأثير على مَنْ أمامه.. كما يجيد فن الجدل،
والمراوغة في الكلام.
استمع إلى ((عادل)) يقص عليه: حدوتة ((نوار)).
ـ قال له: صفها لي... هل هي جميلة، وكيف لم أرها، وأنا دائم التردد على هذا الفندق؟!
وصف جمالها وقوامها لصديقه الشاطر حسن، وأخبره أنها جديدة.
لم تمض أكثر من نصف عام في عملها هذا.. وكان يحدثه بعفوبة وصفاء نية.
لمعت عينا الشاطر حسن، وبكل الثقة التى يمحضها ((عادل)) لصديقه هذا، كاتم أسراره، ومرآته، ومتلقي بوحه، وحكيمه... ظن أن لمعة عيني صديقه: تفكيراً، وتعاطفاً معه.
وبعد صمت قصير، قال الشاطرحسن:
ـ استمر في الاتصال بها، ولكن... عليك أن تنقل كلامها بالتفصيل إلي.
* * *
(2)
* كان لابد أن يواصل ((عادل)) ممارسة حياته العادية: أن يكتب كل يوم، وأحياناً كل لحظة، وأن يسرق من الإحباط والملل: وقتاً مستقطعاً للقراءة الجادة.. ففي كل يوم بعد الظهر، يضع الصحف المحلية تحت عينيه، ويمشط سطورها بطريقة عجلى أو عابرة.. فالمضمون متكرر فى أغلب أعمدة هذه الصحف، حتى كتابة الرأي لا تخرج عن أسلوب صياغة الخبر، كما هو مطلوب.
صار يضيق بالأعداد المتراكمة من الصحف والمجلات الوافدة من الخارج، ولابد أن يطالعها، أو يمشطها عابراً.. ويقص ما يتوقف انتباهه لتأجيل قراءته وهو فى حالة نفسية، أو ((مزاجية)) أحسن.
فكّر عدة مرات أن يقاطع الصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية.. فقد كان يشعر فيها مضيعة لوقته، وأمام مكتبه كتب كثيرة تستحق القراءة.. ولكن محاولاته فشلت.
شيء كالعادة - قراءة الصحف اليومية - عجز أن يتخلص منها أو ينفك من إسارها.. رغم أنها عادة صارت مرهقة لاحتماله النفسي، ولتفكيره وفهمه بالتحليل والأبعاد.
حتى ما تطرحه هذه الصحافة اليومية من قضايا محلية.. لم يعد الطرح مستساغاً، ولا مثيراً، ولا جذاباً... فالطرح فى ذاته معاد ويخلو من الحلول التى قد يطلع بها كاتب بشجاعة الصحيفة التى تجيز نشر الرأي أو الحل!
الكلمات - على امتداد الوطن العربي - تبدو مثل: كرنفالات في مدينة غربية.
قلائل - أولئك الذين استراحوا، واكتفوا من هذه الكرنفالات، وذهبوا إلى بعيد في زحام متلاطم من الغرباء، والسيارات التى تبدو في أعدادها أكثر من البشر، وعشرات الأسواق التجاريهّ الضخمة، والـ ((سوبرماركت)) والمطاعم، التى غمرت المدينة، حتى يحسب الناظر إليها: أن الناس لم يعد لديهم ما يشغلهم سوى الأكل، والشرب، والتسكع في تلك الأسواق!
وهذا البحر الأحمر: يمتد في النهار وهو يبتلع حرارة الشمس اللافحة بالهجير، ويتراقص في الليل بالأضواء الملونة المنعكسة على صفحته.. وقد تموَّج سطحه بكبرياء الموجة البيضاء التى تندفع من المنتصف حتى تتحدد بحجار الشاطىء.
* * *
دخل على صديقه ((وائل)) في مكتبه، ولم يكن يعلم بعودته من القاهرة. احتضنه وهو يقول له:
ـ أين اختفيت.. سألت عنك بل فتشت عليك تحت قاعدة أبو الهول فلم أجدك.
قال ((عادل)): لم أكن هناك... بل كنت أجلس فوق أنفه وأسأله: من كسرك أيها الأنف؟!
ـ فماذا أجابك أبو الهول؟!
أجاب بقوله: لا عليك.. المهم أنهم يحاولون إعادة الجزء المكسور!
قال ((وائل)): أخبارك؟!
ـ قال ((عادل)): كما يقول مثلنا الشعبي ((مطبق العادة معصوب كل يوم))، لا جديد.. إلا ارتفاع نسبة الملل، والقرف!
قال ((وائل)): حتقولي؟!.. يا أخي شيء غريب، كل ما تتكلم مع واحد، حتى ولو كان عائداً من الريفيرا.. يحدثك عن القرف، والملل.
ـ قال ((عادل)): ((شوطة)) عام 1994 م.
قال ((وائل)): أحد رجال الأعمال طالبناه بفلوس لشركتنا لم تسددها شركته، فكان جوابه الذى قاله لي ببساطة متناهية: يا أخي.. روح، هو فيه أحد عنده فلوس فى هذا الوقت.
ـ قال ((عادل)): وبماذا تعملون إن لم يكن بالفلوس؟!
قال ((وائل)) ضاحكاً: بالانتظار... بالصبر مفتاح الفرج، إلاّ ماسمعت حكاية رجل الأعمال الذى يتودد إليكم يا أدباء وكتاب؟.
ـ قال ((عادل)): مين.... عبد السميع؟!.. ماذا حدث له؟!
* قال ((وائل)): دخل دنيا!
قال ((عادل)):دنيا إيه؟! دي الدنيا فى جيبه.
* قال ((وائل)): لأ بجد... تزوج امرأة ثالثة، مطلقة، أما زوجته - قبل أن تسألنى عنها - يقال إنه جعلها فى البيت تعود لممارسة عملها الأصلى!
ـ قال عادل: يعنى الراجل ده.. فيه حيل؟!
* قال وائل: ما دخل الحيل والميل والخيل... عنده فلوس يشتري بها الدنيا.
ـ قال ((عادل)): مظهراً فقط .
* قال ((وائل)): ونحن فى عصر المظاهر من زمان العجائب!
ـ قال ((عادل)): وأخبار السوق وشغلك؟!
* قال ((وائل)): المبحرون فى الصحراء.. فى بحر الآل!
وقف ((عادل)) وقد مد يده إلى صديقه يودعه، ويقول:
ـ إذن.. إلى اللقاء فى قعر البحر!
* * *
* وفى بداية المساء.. ألح عليه صديقه ((سامي)) بضرورة حضور مجلسه اليومي المعتاد، وقال له عبر الهاتف:
ـ !يا شيخ تعال.. دق لك صكة بلوت، ودخن عليها.. محدّش واخد منها حاجة)).
قال: لكنى أسأم بسرعة من لعبة الورق هذه.
ـ ولا تسأم من لعبة أوراقك التى أغرقتنا بها في بحار الكلام ((إللي ما عليه جمرك))؟!
سأحاول الحضور، بشرط أن لا ترغمني على البقاء وقتاً طويلاً.
وفي مجلس صديقه ((سامي)).. كان يستعرض الوجوه، ويتعثر في بعض الأصوات، و((يتفرّز)) من بعض الآراء التى تطرح.. لكن المجلس بلا شك كان يشبه (الشَوّ)- الاستعراض ألوان البلياتشو: أشخاص متنافرين لاتوحد بينهم فكرة، ولا تجمعهم وحدة رأي أو مبدأ..
تجمعوا في هذه السهرة: البعض منهم جاء يقشر تعب النهار من عمله، ومنهم من جاء ليستمع إلى ما يقوله الآخرون، ومنهم من جاء ليرفع صوته ويدلل على أحقيته للكلام، ومنهم من غلبته نفسه على وقاره واحترامه لها!
سمع بعض الأصوات تتحدث عن ((فلان)) الذي خسر صفقة في أمريكا تقدر بملايين الدولارات، وآخر خسر في لعبة سهر ((قروشاً)) من الدولارات، وكانت بجانبه امرأة فاتنة.
مال إلى جاره الذي يقتعد الكرسى الآخر، وقال:
ـ لماذا يتحدثون عن الخسائر فقط.. غمُّوا نفوسنا، ألا توجد مكاسب؟!
فقال زميله: لأنه - ببساطة - لم تعد هناك مكاسب بالفعل... انظر إلى الوضع العام في وطننا العربى (الكبير).. في خلال سنوات قليلة من الستينيات وحتى التسعينيات، حولّنا من كان من مكاسب نعض عليها بالنواجذ إلى خسائر، والعرب يدعون أنها مكاسب... كالنعامة التى تدفن رأسها في الرمل!
- قال ((عادل)):، ول... أنت ساخن جداً، حاسب.. ترى الأزمات القلبية، والجلطات: على ودنه.. وضغط الدم مرتفع في موازاة أرتفاع الأسعار.. والسكر يهدد الكثير، حتى أصبح دمهم خفيفاً، وحواراتهم سكر))!
قال جاره زميله: ((على رأيك.. لا يطق لي عرق، وتكتب الصحف عن موتى، وتتبارى الأقلام فى ذكر محاسن ميتهم.. بس، كلام الناس ثلاثة أيام))!
ـ قال ((عادل)): أستأذنك.. سأنسحب بهدوء مستغلاً اختلاط وارتفاع الأصوات. لقد صدعت.
قال جاره: خذني معك... النوم أحلى.
* * *
عاد إلى بيته أكثر إحباطاً، وذهولاً.. كأنه فقد القدرة على التفكير، وعلى التركيز فى شيء، وعلى الإحساس بما حوله، أو بما داخله.
فتح جهاز التلفاز، وأخذ يعبث بجهاز ((الروموت كونترول)).. يتنقل من محطة محلية إلى عربية مصرية، ومن تلك إلى محطة فضائية. قال لنفسه:
ـ زحام فى الكلام وبه حتى فى الفضاء.. إحنا ناقصين يعني، ألا يكفي زحام الكلام على الأرض))؟!
توقف قليلا أمام محطة فضانية عربية.. تعرض سهرة كاملة ومنوعة، وضيفة السهرة على مدى ساعتين: راقصة قطاع خاص!
ـ قال ضاحكاً: ((منكم نستفيد يا راقصة.. ممكن تقول الراقصة غير المتماسكة كلاماً متماسكاً أكثرمن عضو برلمان عربى))!
حوّل القناة إلى أخرى... شاهد مطرباً وراقصاً، وسيم الوجه شبيهاً بالبنت: يغنى وهو يغمض عينيه، ويطوِّح بساقيه فى الهواء، وفى الجهات الأربع... وتظهره القنوات الفضائية مجتمعة أكثرمن مرتين فى اليوم!
فى قناة ثالثة: شاهد مطربا من الخليج العربى - كما دفع للتلفاز أن يصوره - وهو يقود سيارته المرسيدس الشبح، والكاميرا تصاحبه من الشارع إلى البوابة الرئيسية للمسرح.. وخلفه تابعان كالبودى جارد، وبدون أن يلتفت إلى أحدهما: نزع الشال من حول رقبته، وقذفه خلفه ليركض التابع الأول فيلتقطه، ويخلع البالطو، ويرميه إلى التابع الثانى، ويدخل إلى المسرح في شكل طاووس!
ـ قال ((عادل)): الله يرحمكم يا عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ... ويرحمك يامحمد على سندى.. لقد تحول الفن إلى: زعامة طاووسية!
أقفل جهاز التلفاز، وردد عبارة جاره في المجلس: النوم أحلى!
* * *
(3)
شيء من القلق أخذ ينتشر فى أنحاء نفسه، وقد كثّفت وحدته هذا القلق... والتفكير فى ((نوار)) يرميه أحياناً فى مايشبه التمزق!
وهو يفتقد ((سارة)) أيضاً: مرآته غير المشروخة التى يرى على صفحتها كل انعكاسات نفسه، وأفكاره، وشجونه.. تصغى إليه، وتربت على مشاعره حتى تمتص قلقه.
أين هي ((سارة))!
كأنه يناديها، وقد أكدت له عودتها بعده بيوم، فما الذى أجل عودتها؟! لكنْ... لماذا لاينطلق الآن الى: صديقه، حكيمه، معلمه ((حسن))... ذلك الرجل الذي كان ومازال ((عادل)) يمحضه الكثير من الثقة فى النصح له ومن الإعجاب بحصافة تفكيره، ومن الشعور بالاطمئنان والراحة كلما حكى له وحتحت من نفسه قشور الهم والمشكلات.. حتى أنه يطلعه على أسرار بيته، والخلافات والمناسبات السعيدة قبل حلول موعدها.
إذن... كيف نسي ((حسن))؟!
دخل عليه فى مكتبه، وهويقول له مازحاً ضاحكاً:
ـ أريدك أن تمنحني دقائق من وقت عملك، لأنني قلق، وتائه وعندي ((لوح)) أريد أن أسمعه لك!
بتلك الابتسامة العريضة التى طالما أراحت ((عادل)) على وجه صديقه، وأحياناً كان يستخدمها ((حسن)) للسخرية من موقف تصرف به ((عادل)).. أشار صديقه إلى الكرسي، وقال له:
((كلّي آذان صاغية.. اجلس، و ((سمّع اللوح))!
وهذه العبارة التى يرددها ((حسن)): تعود إلى ما كان يقوله ((الفقي)) - كما يطلقون عليه في الحجاز - حين يدخلون الطفل إلى أحد ((الكتاتيب))، ويحفّظ ((الفقي)) الدرس للطفل مكتوباً على لوح خشبي، وفي اليوم التالي يطلب منه أن يسمِّع اللوح))!
وكان ((عادل)) أحياناً يشاكس صديقه معلمه، مستشاره ((حسن)) عندما يغضبه فيقول له مازحاً:
يا أخى.. أنت مازالت فيك نزعة ذلك الفقي القديم في الكتاتيب، وذلك المعلم الفظ الذي يقرع تلميذه على اختلال فهمه لما درسه له، وهو يطوح بالعصا ترهيباً.
ويضحك ((حسن)) ويقول: لم أطلب منك أن تصفني، ومع ذلك... أنا أصطفيك من بين زملائك / أصدقائنا معاً، لأني أحترم فروسيتك، ولو انك ((تندب)) في بعض المواقف كما الجردل!
بدأ ((حسن)) يلبخ.. ثم استطرد يقول لصديقه ((عادل)):
ـ هيا.. سمّع اللوح وخلصني!
* * *
ذلك هو كل شيء بالتفصيل... رواه ((عادل)) لصديقه مستشاره ((حسن))، أو كما يحلو له مناداته أحيانا: الشاطر حسن.
ها هو قد ((سمَّع اللوح)) - من طقطق لسلاموعليكم - وحكى لصديقه حكاية ((نوار))، واصغى إليه مبتغياً مشورته ورأيه الحصيف.
وعاد ((حسن)) يُحبط صديقه ((عادل)) بكلمات انتقاص من رجاحة تفكيره وقسا عليه في الكلام، وأجحف له القول إلى درجة التبكيت عليه.
وتقبل ((عادل)) أسلوب صديقه معلمه... لأن قناعاته عن هذا الصديق تؤكد له عنه: أنه يريد مصلحته، فلا ينبغي أن يغضب منه، وأن يتحمل غلاظة بعض كلماته القاذفة.
ويعود ((حسن)) فيقول: يا إبنى.. أنا أريد مصلحتك، أنت رجل متسرع، درويش، مدب، من السهل أن يضحك عليك حتى البسطاء، لم تتعلم من الحياة بمقدار ما كبرت فيها، وجربت.
(تشرد خواطر ((عادل)) وذكرياته به إلى أول رحلة دعاه إليها صديقه ((حسن))، وكانت سبباً مباشراً فى تقرب ((عادل)) أكثر مما كان نحو صديقه، والثقة فى آرائه ونصائحه، وربما الإعجاب فى أكثر الأحيان برؤيته فى الحياة والأحياء... فكأنه التصق بصديقه ((حسن))، لا يفارقه أبداً فى مدينة جدة... وكان ((حسن)) يدعو ((عادل)) دائماً للالتقاء به فى مكتبه، ويملاَن الحياة: مودة، وصفاء وتفاهماً أعمق في مابين شخصيتيهما.
عدة رحلات رافق فيها ((عادل)) صديقه، واستمتع فيها برعاية ((حسن)) ورفقته.
ملآ الدنيا بهجة، وغرسا المزيد من شتلات المودة فى حقول الصداقة المبنية على الاعتبار بأن: الحفاظ على الصديق فى هذه الأيام كنز، وأصعب من إنشاء صداقات جديدة.
عاشا معاً حكايات مرغدة، ومواقف تراوحت مابين السعيدة وتلك التى تشبه الصدمة.. وحرص ((عادل)) أن يعرف صديقه معلمه على أصدقائه خارج الوطن، وفى كل رحلة يكسب ((حسن)) معرفة أصدقاء يعتز بهم ((عادل))... وكان ((حسن)) يشكك له فى البعض منهم، ويحذره من البعض.. وكانت القاعدة العامة عند حسن: ((لاثقة فى أحد))... أو أن ((الآخرين)) لايتقربون منك أو يسمحون لك أن تقترب منهم إلا من أجل مصلحة!
وتأثر ((عادل)) - إلى حد ما - بآراء صديقه الحصيف كما كان يسميه دائماً... فمثل هذا الصديق بجانبه: ثروة، وصمام أمان... دائماً هذا شعوره نحوه، واحساسه به بجانبه... حتى تلك المواقف التى خلفت علامات استفهام لدى ((عادل)) لم تغير صورة صديقه في نظره)
* * *
تلاحقت هذه الذكريات من وجدان ((عادل)) نحو صديقه، وهو يخرج من مكتبه في طريقه إلى بيته.
اضطجع ((عادل)) في مسائه المحشود بالأفكار والهواجس.. بالاشتياق والوحدة.
تناول كتاباً من لون المذكرات السياسية.. لم يطقه فقذف به.
تذكر رواية ((غبريال ماركيز)) التى سماها: الحب في أزمنة الكوليرا، ابتسم ونسج في نفسه همساً:
ـ حقاً.. نحن في أزمنة كوليرا، كوليرا في الأخلاق، وكوليرا في النفوس، وكوليرا في الضمائر والعواطف!
يعود بتذكره إلى بطل رواية ماركيز ((فلورنتين)) والذي كان يكتب بتدفق حتى ينسى الراحة لنفسه، وكان صوت أمه يهزه أحياناً وهي تناديه من غرفة نومها قائله له:
ـ ((يافلور... إنك تبدد عقلك... مامن امرأة تستحق هذا))!!
ويهمس: ولا حتى التى يخفق القلب باسمها، وتصطفق الضلوع وجداً؟!
وهل يمكن ان تكون ((نوار)) شبيهة بتلك الفتاة ((فيرميناداثا)) في رواية ماركيز؟!
إنه يشتاق الآن إلى (نوار).. أخذت - في غيابه عنها - تنغل في شرايينه كجنون الدم.
ترى... ألا يشتاق الآن إلى ((غالية)) مقدار اشتياقه لنوار؟!
إنه يفلسف العلاقة هنا.. إنه ((يحتاج)) الآن إلى غالية.. تصغي إلى معاناته، تهدهده كطفل على صدر أمه، تمسح بيديها الحانيتين على رأسه، وتدعه يغفو فى حضنها.
لو كانت ((غالية)) بكل هذا الحنان.. لم يكن قد اضطر إلى التبعثر، والركض من محطة إلى أخرى، حتى ألقى بتعبه الآن فى محطة ((نوار))!
وهل ستبقى ((نوار)) فى حياته: مجرد محطة، أم تتحول إلى وطن؟!
تناول أوراقه وقلمه... وكتب:
((وضعت سماعة الهاتف، بعد أن غسلنى صوتك من كآباتي ووحدتي. تمنيت لو أعدت الإتصال بك بعد دقيقة واحدة، لأقول لك: وحشتيني.. اشتقت إليك.
هل يعقل أن أعيد الاتصال بك هاتفيا بعد أقل من دقيقة واحدة.. ومازالت أصداء صوتي فى سمعك، وصوتك يسكن سمعي؟!
هل هذه لهفة، أم اندفاع، أم استغراق فيك؟!
كأننى كنت أجلس على شاطىء العمر أمام أمواج السنين، أرتقب طلوعك قمراً، وشمساً: نواراً، يضئ نفسى.
حدست ذات يوم حين كنت أتأمل وجهك وأنت أمامي فى الاستراحة أنني: صرت أخاف منك عليّ. وكنت فى بدء انجذابي إليك أعتقد: أنه من الضروري أن أخاف عليك مني.. فأنا رجل تجرية أعمق وأكثر تعدداً.. وأنت زنبقة تطلعين بعبقك من الضوء والنسمة، والماء، فتشكلين كوني بعطرك، وبنكهة أنوثتك.
آه. ما أسرع انتشارك فى نفسى مثل العبق فى ليلة العيد!
صرت أنتظر اللحظة التى أحادثك فيها بالهاتف... فأنت ترعرعين الأجمل فى داخلي كإنسان.
عبثا.. أحاول أن أغسلك من واقعي.. واكتشف أنك تكبرين كالزمن بسرعة مذهلة)).
طوى الرسالة في المغلف، لإرسالها في الصباح.
أراح رأسه على قائم السرير، وهو يسترجع بخياله أو تخيله ملامح وجهها وضحكتها.
حاول أن يبسطها في تأثره.. فقال لنفسه:
ـ ما هذا الجنون؟!.. إنها فتاة عادية، جاملته بابتسامة كانت من طبيعة عملها في البدء، وهي تمنح تلك الابتسامة المجاملة لكل نزيل جديد،
من مهمتها أن تشعره بالحفاوة.
لا... لقد أحس بسحرها يسافر في دمه... وجهها هو الأجمل.
لو أنه الآن قادر أن يخبئ وجهه كله في سبائك شعرها الذهبي...
كان المساء يتحول إلى شفق ذهبي، والشفق من خيوط شعرها.
لكنه صحا على الفراغ... لا أكثر من تخيل ومن الأفضل له أن يحاول مع النوم.
* * *
(4)
صار الاتصال الهاتفي كل مساء مع ((نوار)).
ولكنه فى هذا المساء من الليلة الأخرى، ومن خلال محادثته لها.. فوجىء بها تخبره قائلة:
ـ صديقك ((حسن)) الذى حدثتنى عنه كثيرا معتزاً بصداقته لك... هنا فى الفندق.
* كيف... لقد كنت معه بالأمس فى مكتبه ولم يخبرنى!.. ولكن كيف عرفت، وأنت لم تلتق به قبل ذلك، ولاتعرفين شكله باعتبارك جديدة هنا؟!
ـ هو عرفني، أو سعى للتعرف عليّ.. وجدته فجأة أمامي عند مدخل الاستراحة مبتسماً يشير إليّ ويقول: أكيد أنت الآنسة ((نوار)).. فسألته: وكيف عرفتني؟!.. فقال: من وصف صديق لي رسم ملامحك ومميزاتك بدقة شديدة، فقلت له: آه.. عرفت، لابد أنه ((عادل)) فهل أنت صديقه؟!
غريبة.. أنه لم يخبرني برحلته المفاجئة هذه.. ها... وماذا بعد؟!
ـ تعرف... والله كلامه حلو جداً، وباين عليه مثقف.. ده بيتكلم زيك تمام.
* نعم، نعم... لكني أنا الذى أتكلم بطريقته من تاثير أستاذيته لي، وربما أستخدم بعض كلماته وتعبيراته.. أليس معلمي وأكثر مني خبرة لأنه أكبر سناً؟!
ـ ماذا تقصد.. هل غضبت أني تحدثت معه.. فهذا عملي؟!
* وماذا فعلت أنت، أو حتى هو لأغضب؟! ولكن... هل من حقي عليك أن أعرف ملخصاً لحواره معك؟!
ـ أبداً... بدأني - بعد التعارف - بفاصل غزل مبطن في جمالي وشَعري، والحق أنه مؤدب وغامض.. ومَدحك، قال لي: إن ذوقك راق... فقط لأنك أعجبت بي، ووعد أن يعود لرؤيتي!
* إذن.. كسبت صديقاً جديداً، أكثر خبرة؟!
ـ غيرة دي؟!.. إسمع، هو يستحق الاهتمام بالفعل، ولكن... ليس مثل الاهتمام بك.
* كيف... فسّري لي؟!
ـ نوع الاهتمام به في شكل حذر منه، لأن طريقة تفتيحه للمواضيع معي: أشعرتني أنه يتصف بشيء من صفات الثعلب المهذب.. وسأعرف ماذا يريد؟!
أبداً... هو إنسان طيب، على الأقل أنه: راقٍ كما وصفته.
* * *
* لا بد أن تلف الدهشة رأس ((عادل)) لثوان.. برغم ثقته الراسخة بصديقه ((حسن)) لكن هذه الحركة أقلقته، خاصة أنه لم يخبره بسفره، وكان يجلس معه يوم أمس!!
((حسن)): يخبره دائماً برحلاته، بل ويدعوه في مرات لمرافقته.. فهو رجل أعمال جعل تجارته بعيداً عن سطح علاقاته أو حتى صداقاته... لكنه بهذه السرية في جوانب شخصيته، يحرص أن يستخدم عبارات منتقاة تعبر عن المودة، والذوق في التعامل، وقد استطاع بهذا التعامل الذكي أن يأسر الكثير.. وكان في اختياراته للكلمة التى يقولها أو للفظ مثل جواهرجي متمكن من شطارته، لديه القدرة أن يخلط لك الأحجار الثمينة والكريمة بالأحجار الفالصو، ويقنعك بأصليتها وجودتها!
وضع سماعة الهاتف، وفي رأسه الموشوم بالدهشة، سؤال حائر:
ـ ما الذي اضطر ((حسن)) للسفر إلى القاهرة بهذه السرعة؟!
وكان ((عادل)) حاول إقناعه بالرفقة إلى معرض الكتاب، وتعلل بمشاغل لا تنتهي ولا بعد شهرين هنا فى الداخل!
قد يكون اضطراره بسبب صفقة تجارية، أو مشكلة حدثت مع المتعاملين معه فى القاهرة جائز!
هنا - هو وحده - مع كل هذه الدهشة!
(لم تكن المرة الأولى هذه التي يظن ((عادل)) - مجرد ظن الآن دون اهتزاز الثقة ((بحسن)) - أن صديقه يكرر نفس الدوران الذي قام به من خلف ((عادل)) قبل أكثر من عامين وذهب إلى ((غالية)). لقد حاول يومها أن يلعب لعبة.. وحين علم ((عادل))، قال له ((حسن)) بطريقة يشعره فيها بواقعية الحياة، وبطبيعة المرأة فى كل الأحوال:
ـ هذه المرأة.. تريد رجلاً!!
وهل ذهبت إليها.. لأنك تعتقد أنها اختارتك على كثرة الفراشات من الرجال الذين يحومون حول لهبها المازال مشتعلاً؟!
وهذه امرأة يُحج إليها يا صديقي... وأنت: غبي ودرويش لم تعرف فى حياتك كيف تسوس امرأة على كثرة ما عرفت!
إذن... حاولت برجولتك أن تكسب أنوثتها عندما التقيتها من وراء ظهري؟!
ـ أبداً.. ومن أمامك أستطيع، فأنا لا أحسب لك حساباً... فقط أريد أن أعلمك، وأبصرك أن: النساء كلهن......!!
ليكن هذا رأيك، أو قصدك مما فعلت ولكن... لا بد أن تعلم: أن هذه المرأة ((غالية)) بالنسبة لي، وهي تشكل عندي: قيمة ومعنى لا يمكن أن أهدرهما فى رغبة من رغباتك المؤقتة هذه.. ولأنها قيمة، أعرف أنها ستستعصي عليك ولو ركضت وراءها حتى ينقطع نفسك، وأنت تتلمظها... وعلى فكرة: هذا رأيها فيك!
* * *
أعاد الاتصال مع ((نوار)) في اليوم التالي، وكانت في بدء حوارها: ضاحكة، فرحة به، تتمنى عليه أن لا يقطع رسائله ولا هواتفه عنها.. لم يلحظ عليها التبدل حتى الان، لكنه استنيط سؤالاً حار في ذهنة من كلامها معه عن صديقه مستشاره، حين قالت له:
ـ صديقك سافر اليوم.. وأخبرته البارحة أنني تحدثت معك، وأنك علمت بحضوره فقال بعفوية وبلغة إنجليزية: ((سووت!))
حسناً.. لعلّه ذهب إلى أوروبا، فمشاغله كثيرة.
ـ أقول لك خبراً، بشرط أن لا تغضب.. لقد دعاني أن أذهب معه إلى باريس، أو لندن، أو أي مكان أختاره ليفسحني... وقدم لى، ((هدية)) ثمينة وملفتة عبرت عن مشاعره! أريد أن أسألك: ما هو وضعه المادي وهل هو رجل مليونير.. لغته بالملايين، وأظنه قادراً على العطاء المادي!
في كل الأحوال... هو رجل كريم جداً ومضياف، ولا يقصد مصلحة ذاتية له من وراء ضيافته (!!) لكن.. لماذا تسألين عن مركزه المالي.. ماذا يهمك في ذلك؟!
تبدل صوتها، وشعر أنها تعجلت معه في طرح مثل هذا السؤال الذي ريما يكشف عن طموحاتها! ثم قالت بعد صمت قصير.. كأنها تغير الموضوع:
ـ أعرف رأيك فيه، فقد حدثتني عنه، وطلعت به إلى السماء. السابعة.
وإذن... ما الذي تريدين قوله؟!
ـ أبداً... هو شخص ظريف، ولطيف، وأملس، ومتحدث بارع،و... ((نفسه خضراء)) رغم شعره الأبيض كالقطن.
ومن كان شعره أبيض.. أليس إنساناً: يرغب، ويحب، ويحلم.. ما دامت توجد لديه قدرات على ذلك كله؟!
ـ ليس مهماً عندي ما تشرحه، ولكن قل لي: كيف تختار أصدقاءك، وكيف تثق فيهم؟!
فهمت ترميزك... يقال يا حبيبتي: إن الرجلين يستمران أصدقاء جداً، حتى يتنافسا على المرأة!
ـ ولكن ما فعله صديقك.. لم يكن تنافساً.
حسناً... ما زالت ثقتي فيه ثابتة لم تهتز... ولعله له عذراً، أو رؤية!
هل سنضيع المكالمة فى الكلام عن ((حسن)) ومناقبه، والظنون حوله؟!
دعينا منه... اشتقت. اكتبي لي.
تبدل صوتها، وضخمته شراسة الرد وعنف الكلمة، قالت:
ـ أكتب لك... لماذا؟ أنا لا أكتب لأحد.
على هونك.. لماذا انفعلت واستشطت غضباً؟!.. كلمتي لا تغضب، ومن حقي أن أنتظر منك رداً على رسائلي، فمن غير المنطق أن أكتب لك.. حتى بدون صدى!
ـ المهم أن تكتب لي، فأسعد بكلماتك.. لا تطلب مني المزيد، ثم أننى لا أجيد الكتابة مثلك.
كأنك يا ((نوار))تغيرت؟!
ـ أبداً... هذه أنا، وهذه شخصيتي.. مش عاجباك؟!
إذن.. اتضحت شخصيتك لي الآن.
ـ ماذا تقصد؟!.. من فضلك لا تجرحنى بالكلام.
وكيف تجرحينني أنت؟!
ـ أنا لم أجرحك.. هذا أسلوبي، ثم.... من أنت بالنسبة لي؟!
آسف.. مع السلامة.
قال عادل: أهلاً.... ترى هل بدأت ثمار ((الشاطر حسن)) تطرح حصرما؟!
أحسّ أن صداعاً شديداً يلف رأسه، ومعدته تقلب عليه.. فهل يقصد ((عادل)) أن يؤجل معرفة الحقيقة... وإلى متى؟!
ـ ((اشتغل القولون العصبى))!
دخل عليه ((إبراهيم))، الرجل الذي صار يلاصقه، ويعرف أخباره وأسراره وآهاته.
ميزة هذا اللصيق - أكثر من الصديق - أنه يحسن الإصغاء، ويعرف كيف يشيع قلوع سفينة الأمل في خاطر ونفس صاحبه ((عادل)).
((إبراهيم)): يعرف صديقه من ملامح وجهه.. من نبرهّ صوته، فكل ما يعتمل في داخله ينعكس عليهما. مثل نثارة الزئبق، وفلاشات التصوير.
ويصغى ((إبراهيم)) إلى صديقه، دون أن يزعج تهويمه بالمقاطعة، ولا بالتعليق.
ـ يقول له في اليوم التالي: أنت البارحة كنت في قمة الحزن، أو الألم.. لقد فاضت ثرثرتك مع نفسك بصوت عالي، وتركتك تبوح وتنوح!
لا عليك... فيضان من بين الضلوع يحدث لي بين فترة وأخرى.
ـ لكنى لاحظت عليك كأنك تنزف.
ربما... أنزف الدم الفاسد الذي تجمع في أوردتى بما صرت أحسه مكتسباً من الغدر، ومن الصدمة ومن الفجيعة!
- أقترح عليك أن تكتب لترتاح... أكتب أي كلام، حتى أو تمزقه بعد ذلك.
أخاف أن أكتب الآن... فأظلم من أحبهم حتى الآن!
ـ لا بأس... أنت تكتب عن هوية الناس اليوم في عمق واقعيتهم المادية! لكن ((حسن)) بالنسبة لي مازال موضع ثقتى... فقط حيرتنى حركته.
ـ شمس تطلع... خير يبان!
* * *
(5)
سرق الليل ((عادل)) إلى ظلاله وهمساته... كأنه يجلس الآن مع نفسه يحاول أن يسبر أعماقه، ويتلفت فى الدنيا حوله ويفتش فى ضمائر الناس... فيرتطم! في لحظات الثمالة من الليل.. كأن ((عادل)) يحدق فى وجه زمانه ويناديه!
ـ يهمس: الناس يدورون حول زمانهم، والزمان يدور بالناس وحولهم... حتى النهاية.
الناس: يهاجرون كل مساء إلى غبطة اسطورية.. ويعودون كل نهار إلى: خوفهم الخرافي.
كل يوم.. لابد أن يعود إنسان إلى: لفة المصادفة، أو... يرتطم بها. الإنسان - فى هذا العصر - صار ييحث عن الإنسان.. يبحث عن نفسه، يريد أن يستعيدها.
الإنسان: خاضع للتوقيت.. وما بينه وبين إنسان آخر: خاصرة وطن!
هكذ شهق ((عادل)) فى وجه نهاره وليله.. فى وجه زمانه.
استعطفت لحظاته العابرة بالفرح.. قدم رجاءاته العديدة إلى وقفات الإنسان فى محطاته.
* كأن ((عادل)) يخاطب الزمان فى لحظته هذه.. فيعمق تعبه وتمرده، وصدمته.. يقول له:
ـ كف أيها الزمان عن الدوران!.
ـ الإنسان والزمان - يعتقد أنه هو الذي يجري بالآخر.. حتى يكتشف الإنسان بعد فوات الأوان، وفي رمقه الأخير: أنه وحده الذي كان يلهث ويدور... لا الزمان!
يفترش وجه ((نوار)) سواد عينيه، فلا يرى سواه على امتداد الأرض.
كان يقول لها بالهاتف في إطلالة المساء: إنه ينادي على الثواني الأجمل في العمر.. عليها!
ـ وكانت ترد عليه قائلة: إلى ماذا تريدني أن أتلفت معك؟!
فيقول: تلفتي مثلي ومعي، حتى تخلع الوجوه أقنعتها.
ـ تسأله: تظن أنني - حتى أنا! - بقناع؟!
يستطرد كأنه لم يسمع سؤالها: حتى تغتسل النفوس من زيفها، وتأمن الخفقات بين الضلوع!
ـ تقول له: لم أسمعك تحدثني من قبل بهذه الكلمات، ولا بهذا الغضب على الدنيا والناس؟!
يقول: لابد أن يتحرر الإنسان من استعباد المادة لعقله، ومن سيطرة الشهوة على وعيه... لابد أن يعاد إليه ما سرق منه: الحب والضمير، والعدل!
ـ تقول له ضاحكة ربما لتستفزه: عجباً.. ما زلت - مثل صاحبك، معلمك - كما تسميه - حسن، فهو قد تحدث معي عن الحياة... لقد أثر فيك فيما يبدو.
قال: أعترف أن تاثيره عليًّ كان إلى مرحلة معينه، حتى اكتشفت أننا متناقضان.. هو رجل واقعي جداً إلى درجة تجريد كل شيء وواقعيته قد غمسها في ماديات الحياة.. في حين أبقى أنا: رومانسياً كما يتهمني دائماً.... لم أستطع أن أبقى مثله، أو أن أصير برغم أنني اعتبرته في فترة من العمر في مقام وتأثير ((الأب الروحى)) وقد حاول - لا أنكر - أن يغير أفكاري ونظرتي إلى الحياة والأحياء.. وعندما فشل: صار يصب جام غضبه على رأسي.. واعتبر هذا التمرد على أبوته أو أستاذيته: عيباً في شخصيتي ولذلك.. كثيراً ما كان يعّيرني ويشير إليَّ وهو يردد: (كم تعلم فى المتبلم يصبح ناسي)!
ـ قالت: هل اقتباس الآراء أو التأثر بها.. معاناة؟!
* قال: إذا كانت ضد طبيعة، وإيمان وقناعة المتلقي لها.. لقد كان ((الشاطر حسن)) وما زال: ملجأ للكثير من تلاميذة، وبلغ به ذكاؤه أن يحرص على استقبال كل واحد منهم على حدة.. أذكر مرة أنني كنت أجلس أمامه في مكتبه: نضحك وأروي له مما لا أقدر أن أقصه على غيره، وهو يستلذ بما يسمعه مني.. ورن الهاتف، وحين وضعه: طلب مني أن أذهب، لأن صديقنا معاً ((ياسر)) سيأتي إليه، وعنده موضوع خاص(!!).. وعندما حاولت أن أفهمه أننا جميعاً فى مقام الاخوان أكثر من الأصدقاء أشعرني إنني المفضل لديه ولا يريده أن يرانى عنده، وعرفت بعد ذلك: أنه يقول لكل واحد منا أنه هو المفضل لديه!
* يقول ((حسن)) له: اسمع.. أقول لك شيئا ينفعك يا غبي: تعامل مع المرأة، وحتى مع الناس، كأي شيء له عمر افتراض... مع زوجتك، مع أولادك، مع حبيبتك، مع صديقك.. حتى مع أهلك!!
* * *
* أيقظه رنين الساعة الذى أعلن له: أن الوقت هو الرابعة من صباح اليوم التالى.
ياه.. إنه مازال يحب صديقه ((حسن)) ولا يمكن أن يسبق معرفة الحقيقة والخلفيات، فيتهمه لئلا يظلمه.
يتذكر أيضاً: أنه حكى له عن الحفل الذي أقامته الكاتبة ((سارة)) فى الفندق، احتفاء بظهور كتابها الجديد، فطلب منه أن يصف له شكلها، وهل هى جميلة حقاً كما يقولون وهل هي مرتبطة عاطفيا؟!
سأله ((عادل)) لماذا... ألم ترها إلى الآن؟!
ـ قال ((حسن)): وأين أراها... حتى أنني لم أسمع صوتها وليس بيني وبينها هواتف!
وأصغى ((عادل)) إليه وصدق ما قاله له عن ((سارة)).. حتى كان يوم يجلس عند صديقه هذا في مكتبه، فاستأذن منه لدقائق خارج الغرفة، وأراد ان يشغل فراغ الوقت الذي يغيب فيه صديقه، وأخذ يطالع في أسماء الكتب التى رصها ((حسن)) في دولاب جميل، وفجأة.. وجد كتاباً من كتب ((سارة)) فتناوله وإذا بإهداء على الصفحه الأولى الداخلية من الكتاب من: سارة إلى حسن.. تتحدث فيه عن أستاذيته!
أعاد الكتاب إلى مكانه، وكأنه لم يقرأ أو يكتشف، شيئاً، ولكنه حين عاد صديقه ((حسن)) أخذ ينظر إلى وجهه، ويهمس في نفسه:
ـ ولماذا الكذب علي - أيها ((الشاطر حسن))؟!
لعله أراد من ((عادل)) أن يحدثه عن ((سارة)) من رؤيته هو، وليكتشف: هل ((عادل)) يحبها،فهو يعرف بعض التفاصيل عن حياتها!
فوجىء بصوت ((سارة)) في اليوم التالى لهواجسه، وحيرته.. فبادأها صارخاً دون أن يحس:
ـ أنت فين؟! تقولين لي: غداً سأعود وراءك وتتخلفين أسبوعاً؟!
قالت ((سارة)): ظروف، وأعمال.. إنما قل لي: ماذا بك... هل أنت متعب؟!
ـ قال: متعب والا مزفت.. هل يهمك اصدقائك؟!
قالت: يا أيها الطفل الكبير... أحلف أنك ((متنيل بستين نيله))!
ـ قال: ياريتها نيله... ده قطران وزفت!
قالت: احكى لي.. ماذا حدث؟!
ـ قال: طبعاً يا ختي.. النسوان كده ((قرقر، قرقر)).
قالت: يا طفل الحب... اهدأ، وقصّ علي!
وأخذت ((سارة)) تصغى لتفاصيل سيناريو ((حسن)) في رحلته إلى القاهرة مع السندريللا، وماقالته ((نوار)) عن صديقه.. وكأنها لم تندهش كثيراً، وكأنها لم تفاجأ بما رواه ((عادل))، ولكنها كانت تستحثه وتقول له وهى تكتم ضحكة ساخرة!
ـ ها... كمل، وبعدين؟!
قال ((عادل)) بعد انتهاه روايته: كنت وما زلت أؤجل الصدمة يا صديقتي.. فمن غير المعقول ولا حتى المنطقي: أن أخسر صديقي بهذه السرعة.
قالت ((سارة)): إسمع... لا تزعل ولاتحبط، فالله جل وعلا أراد أن يزيدك بصيرة.
قال ((عادل)): كيف؟!!
ـ قالت: لنعتبر أن رحلتك هذه إلى القاهرة وتعارفك بـ ((نوار)): إمتحاناً قدرياً ((للشاطر حسن)) بدون أن تخطط أنت، ولا يدلك فيه، أو حتى تنسج ظنك حوله وضده ولكنه حظك، ونيتك الطيبة، يسرت لك ذلك.. وكأن رحلة ((حسن)) هذه، ستكشف لك: حقيقة ((نوار))... لأن، ((الشاطر حسن)) كما يبدو لكما يبدو لي، وما استشفته من هذه الاحداث.. هو صياد للفرائس السهلة... فإذا كانت ((نوار)) فريسة سهلة فحلال عليه كما يقولون، ومبروك لك الابتعاد عنها.. أما إذا طلعت مثل ((غالية)) وغيرها: أكبر من اعتبارها فريسة وأثمن من أن يأتى رجل صياد لينشر شباكه حولها.. فإن ((نوار)) فى الحالة هذة حلال عليك!
قال: رأيت أحد كتبك عند ((الشاطر)) بإهداء مميز منك له.. فكيف ينكر معرفته لك أمامي؟!
ـ قالت: إلتقيت به في القاهرة مرة بالصدفة، وطلب ان يقرأ لي، وأنا أعرف اسمه جيداً، وأعرف أستاذيته لجيل كامل... فأهديته نسخة من كتابي... لا أكثر!!
قال: أستعد للسفر إلى القاهرة خلال أيام.. تعودين معي؟!
ضحكت: ياحليلك.. يمكن حقيبة ملابسك لم تفرغ.. خير إن شاء الله ما دورى أنا فى هذه الرحلة.. هل بلغ اشتياقك لنوار إلى هذا الحد أم... ليكتشف، ما الذى أحدثه صديقك الصدوق ((حسن)) من تخريب؟!
قال: لقد طلبت ((نوار)) أن أعود.. أخبرتنى أنها ستشتري سيارة جديدة، ولن يكون أول رجل يركبها سواي.. لأنها اشتاقت لي، كما قالت....!!
ـ قالت ((سار)) مقاطعة له: لا بأس... ولكن من أين وفرت قيمة السيارة الجديدة، وكما نعرف أن أسعارها في مصر غالية جداً؟!
قال: أخبرتني أيضاً أنها باعت سيارتها القديمة، و... أضافت إلى قيمتها قيمة السيارة الجديدة.
لم تعبأ بتحليله، ولا ببقية التفاصيل، واستمرت كأنها تخاطب نفسها:
ـ تعتقد أن ((الشاطر حسن))... يفعل هذه المساعدة؟!
قال: لا... لا، أعرف أن أقصى ما ((بصفته)): خاتم... فقط!
ـ قالت: إذن.... من أين لها ببقية القيمة؟!
((نوار)) في حاجة لهذه السيارة، أو للحصول على سيارة جديدة. و ((حسن)) وأمثاله: من خير الذين يقتنصون فرصة الاحتياج ويضعون لها السيناريو الذكي والمستثمر، ويبررون الفعل من ورائها!
صمتت ((سارة)) قليلاً.. كأنها غارقة في بحور من الذكريات، أو لعلها تسترجع أصداء... فما لبث أن انتشلها من هذه الذكريات والشرود، صوت ((عادل)) يقول:
المهم أننى سأرى ((نوار))... وأحلم بأن نكون معاً، والأماكن التى سنذهب إليها.
ـ قالت ((سارة)) وهى تتنهد بكل حرارة أضعلها: الله معك.. يعطيك على قد نيتك، المهم خلي بالك من نفسك، ومن زوزو، ومن سوسو!!
كأن ((عادل)) يركض وراء طيف.. حلم تحت جفنيه يتغذى ويرتوي من خفقات قلبه، واصطفاق أضلعه.
في سمعه: الأصوات المنتشرة في - أرجاء العالم.. كل الأصوات.
كل صوت يتناهى إلى سمعه، ولو بالصدى.. هو: صوت يظن أنه الأعلى، ثم... يبتلع أصداءه وحده!
ـ قال ((عادل)) لنفسه: ما برحت الأصوات تسيطر على الحوار والهمسة.. لكنها أصوات منهزمة بأصدائها!
* * *
وقف ((عادل)) ملياً أمام هذا الشيوع فى الدهشة الرافضة.. كان يفكر فى الأعتراض (الجنون) - بطبيعته الرومانسية - على ما يمكن أن يكون لوناً من السلوك، مما يندرج فى المعنى الذاتي!
يفكر ((عادل)) فى هذا الإنسان المعاصر الذى يتحول بالتجريد إلى: خارطة.. ترسم فى حياته جغرافية الممارسة، ومناخ الأصداء لذه الممارسة لدى الآخرين، وتضاريس التعامل المتشابك مع الآخرين ومنهم!
بعد خروجه من مكتب صديقه، معلمه، لصيقه ((الشاطر حسن)) وفي أصداء صوت ((نوار)) التي ألحت عليه بالحضور... كان يتوقف أمام الإصغاء والرجفة والتطاير، بكل نيرانه ونيران الذين أحبهم، وهو: محتج وعطوف... يتلمس من خلال عاطفته، وعلاقاته، وتوحده مع الذين أحبهم: الإصغاء والصراخ.. الحب والسخط. الهمسة وكل ما يكبر فى الأسرار، وما يتضاءل فى الرثاء!
ـ يتساءل: هل سقط الآن فى الرثء، أم أصبح أسير الأسرار؟!
ها هو عادل يشاهد نفسه ويشاهد الآخرين... الجميع يمارس: لعبة اقتحام أشياء الآخر، في الوقت الذى يدفع فيه البعض بأشيائه إلى نفوس من يعايشونهم... بل ويحبونهم.
تراجيديا، وكوميديا.. دراما سوداء أحياناً.. ووقفات بلا ملامح!
تطفر دمعة دافئة من عيني ((عادل)).. وهو يشعر: أنه ينغمس في الحياة كما كسرة خبز لإنسان فقد شهية الأكل.. يحتاج لمقاومة فقد الشهية.. يحتاج إلى ما وصفه كاتب ذات يوم فقال: (مرارة الطفولة، وحيرة الشباب، وفزع الرجولة)!!
إذن... هو القلق الذي صار يكتنف معاش الناس اليوم.. وهو القرف الذي يتحد بعقارب الساعة التافهة بلا أمل.. وهي الحيرة المحيرة اللاهثة التي تحيل الإنسان إلى صفيح ساخن، لعله يحس أو ينبعث!
في ما كتبه ((عادل)) وصوره، واستقصاه عن حقائق الناس اليوم.. كان: يتطلع إلى الوجوه، وينبش صدور الناس بكلمة، ويحاول أن يتسلق أذهانهم بفكرة لو أصغوا إليها... وكان في وقتهم الراكض بهم متسع، ويدق على ضلوعهم بخفقة إنسان، ويستفز حوافزهم بنأمة... وكان بعد ذلك كله: يجمع دموعه - ككاتب إنسان - ويغسل بها ذلك كله... ويعود لينثر ابتسامته لعله يسترد بالابتسامة أشياء غابت!!
* * *
قبل سفره إلى القاهرة بيوم، هاتفه ((حازم)) الذي يرتاح لحديثه، ويسترخي أمامه.. فهو يمتلك قدرة هائلة، وربما إبداعية على ابتكار كمية من السخرية التى ينثرها عبر النكتة، والقفشة، والتعليق المميز بلماحية، وسرعة بديهة.
ـ سأله ((حازم)) في لحظة جلوسه الأولى أمامه: ما هى أخبارك.. ماذا تفعل.. ما هو الجديد مما تكتبه للطبع وليس للاستهلاك الصحافي اليومى؟!.. إشتقت إليك.. أخبرني.
قال ((عادل)): كما يقول البعض ((على حطة إيدك))!
قال ((حازم)) ضاحكاً: كلنا يا سيدي ((على حطة إيدك)).. أشياء كثيرة في حياتنا اليومية، وأحيانا التفاؤلية مما نترقب تطوره، أو تحسينه: مازالت ((على حطة إيديك)) هات كلاماً جديداً!
قال ((عادل)): من القديم ما يتجدد في ما يعيشه الإنسان اليوم، أسمع.. كنت قد توقفت البارحة أثناء قراءاتي عند عبارة أعجبتني، وصمختني، يقول فيها كاتبها: (انظر إلى وجهك في عيني من يرافقك في الحياة، ومن تراه دائمًا أمامك، وعش معهما.. فالناس لا يعيشون إلا معاً، ولكن عندما يموتون.. يدخلون القبر فرادى)!
قال ((حازم)) عبارة جميلة.. فى حالة إذا وجدت أو ضمنت من يرافقك فى الحياة ممن نسميهم أصدقاء، ومن تراه دائماً، ولكن ((فانتازيا)) المعايشة اليوم للناس، ولمشكلات الحاضر.. تقوم على الخوف من استفحال هذا الاضطراب، ولا نقول الضياع، فى رسالة ((بناء الإنسان))!
نتساءل: ما هو مضمون الإنسان اليوم من الداخل؟!
بدون تشاؤم: ولا تعبيس للحياة، نقول: المضمون محزن، وكأنه قش.
اتذكرّ الآن معك عبارة ((علي بن أبى طالب)) كرم الله وجهه.. وقد قالها من 1400 سنة ((الفقر فى الوطن: غربة.. والغنى فى الغربة وطن)).. كلام قيل من ذلك التاريخ التأسيسى لبناء الإنسان السوي، والشريف، والمتعاطف، والمنتج، والملتصق بوطنه أو أرضه.. ويومها لم يكن الناس يتعاملون بالكروت، أو ((بالترافيلر))!
سأله ((عادل)): ماذا تسمي هذا العصر الذي نعيشه بكل خوفنا، وفجائعنا؟!
قال ((حازم)): نحن فى عهد صناعي.. بدون صناعة، (قياساً على إدعائك لشيء لا تملكه)!
قهقه ((عادل))، وقال: نحن نحاول بلورة أشياء قديمة بأشياء متجددة، ولكن لا جديد فيها، ونصيغها حسب الرغبة، والحاجة، والمصلحة.. بغية أن يكون شعور الناس كلهم: واحداً، بكل الصعوبة التى فيه.. وأن تكون نكهة الحياة. متداخلة ومنشغلة دائماً بترتيب الحياة التي تزداد فوضى!
قال ((حازم)): بناء الإنسان من الداخل.. هو الذى نفقده الآن.. هو هذا ((الخراب)) الذي يستشري في داخل الكثير من الناس بالدوافع التى ذكرتها أنت: الرغبة، والحاجة، والمصلحة، والعجز الذي يدفع إلى السرقة، والكذب وتزوير الحقائق!
تماماً.. مثل ذلك الشخص الذي بدأ حياته: بوابًا عند مدخل عمارة، حتى كبر وتضخم، واشترى تلك العمارة التي كان بواباً لها... لكنه ما زال في داخله يمارس أسلوب البواب ويتعامل مع الناس، وربما مع نفسه على أنه: بواب!
والعمارة التي نشاهدها من خارجها: مغرية، ومكسوة بالمرمر.. وتعود إليها في صباح اليوم التالى، فتجدها قد تهاوت وصارت حجارة وتراباً.. تجد أناساً بيننا اليوم مثل هذه العمارة.. لا يهمهم الداخل، ولا الأساس، بل المظهر فقط!
وعمارة قديمة: تقف شامخة ثابتة منذ عشرات السنين.. لأن أساسها وداخلها متين، وقواعدهما غير مغشوشة!
والشخص: الذي كان يحتل مركزاً مرموقاً في المجتمع أكثر سنوات عمره، حتى بلغ مشارف الشيخوخة التي تتطلب منه الراحة، والتأمل: تجده بعد أن يفقد مركزه ذاك.. يركض وراء من كانوا تابعين في إدارته له.. ليضعوه في موقع أقل من قيمة مركزه بكثير.. المهم أن يتحدث عنه الناس!
* * *
خرج من مكتب صديقه ((حازم)) وهو يشعر بدوار يصك رأسه:
إلى هذه الدرجة.. بلغ مستوى الحياة، وانغمر الناس في قش كثير لكنه لا يستر عوراتهم؟!
في إمكاننا أن نرى صفاً طويلا من النمل، يتخذ طريقه مستقيماً على الحائط في نظام عجيب وباهر، ولم يعد البشر يتقنونه أو يلتزمون به اليوم (!!).. وتأتي نملة في عكس الإتجاه، كما يفعل الكثير من بشر هذه الحقبة.. وتسير النملة إلى طريق مضاد، فتصطدم بالصف، ويتحول إتجاه الجميع: الصف، والفرد، أو تحول النملة الواحدة اتجاه الصف الطويل!
وانطلق إلى السوق.. ينتقي ((هدايا)) تُسعد ((نوار)) وتعبر لها عن مشاعره.
تمنى لو أشترى كل الأجمل في السوق.
ترى... هل يعجبها ذوقه الذي يختار لها الآن: ما تلبسه، وما تتضمخ به وماتتزين؟!
إنه يجتهد، ويثق فى ذوقه.. الذي كثيراً ما خدمه!!
وهو يستعجل عقارب الساعة أن تفرّ بدل أن تركض، وأن تجن بدل أن تأخذ دورتها المعتادة.
يبقى من الزمن: النصف الآخر من اليوم، والليل بطوله الممض، والنصف الأول من نهار الغد.. وقت طويل كأنه دهر!
فى المساء... قال لـ ((نوار)) الخبر:
ـ بعد ظهر الغد.. سأكون فى طريقي الى عينيبك، فهل تلبين دعوتي لك على العشاء؟!
قالت: ((بجد بتهزر))؟!
قال: هذه الأمور لا تحتمل المزاح يا صغيرتي.. ولكن اسمعي: لقد فكرت ألا أسكن فى فندقك الذي تعملين فيه!
قالت: وما هي الأسباب؟!
قال: أنت اقترحت ذلك، يوم طلبت مني الحضور بشرط أن أختار فندقاً آخر!
قالت: صحيح.. المهم أن تأتي، مشتاقة إليك جداً
ـ قال: هل تسمحين لي بقيادة سيارتك الجديدة، وأنت بجانبي؟!
قالت: ((يا سلام... ده أنت أول واحد بعد ماما وأخواتي طبعا... على فكرة: أنا حكيت لماما عنك كل حاجة، وبتشكرك جداً، وباينها حتطبخ لك بإيديها))!
ـ قال: إيه ده... أنا أشوف لى صاروخ، والاّ طاقية الإخفا، وتلاقيني قُدامك مثل ملكة سبأ.
قالت ضاحكة: إنت عندك جن تستخدمهم؟!
ـ قال. كقاية أنا!!
واستمر الحوار ضاحكاً، يرشه عطر الفرح بلقاء الغد.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1962  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 140 من 545
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور سعيد عبد الله حارب

الذي رفد المكتبة العربية بستة عشر مؤلفاً في الفكر، والثقافة، والتربية، قادماً خصيصاً للاثنينية من دولة الإمارات العربية المتحدة.