شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
كيف تكون سعيداً
ـ سؤال قد يكون محرجاً لأني لا أستطيع أن أطرح تعريفاً له بينما هو لا يخرج عن كونه صفة عادية يرغبها كل الناس، وهي في الوقت نفسه مطلب غير عادي يعز على كثير من الناس.
قال لي من أملي عليه إنك كتبت عن الحب والجمال والجوى ولم أرك قد كتبت عن السعادة، فلماذا لم تكتب عنها؟ ألأنك تتمتع بها وتخفي أسرار وصولك إليها أم أنك ذقت بعضها وأذاقتك بعدها؟
قلت: إن السعادة ثوب فضفاض، ما يسعدك قد يشقى به غيرك، وبعض ما تشقى به قد يسعد به غيرك. فالعادة حرفتها المفارقة، والمتعة بها المعانقة، والمفارق قد يعود إليك أو تعود إليه. والمعانق قد يعانقك في طراوة حتى إذا أحسست أن عناقه بدأ يتسرمد ترفض العبودية لأي سرمدة حتى لو كانت السعادة.
فالسعادة التي ينبغي أن يعيشها الإِنسان ليس قوامها الترف، وليست شقوتها بالشظف، هي شيء لا يأتي من خارج نفسك. إن بعض الذين يعيشون الشظف لا ترى في وجوههم إلا السعادة، لأن ما في داخل النفس طرد الاهتمام بما يكون خارج النفس. وبعض المترفين قد يتذوقون السعادة فيما ملكوا إذا أحسنوا فيما سلكوا. إن الترف حين يستحيل إلى بطر يتوهم صاحبه أنه سعيد، بينما نظرة الناس إليه تأتيه بما هو خارج النفس بتلك النظرات التي تحتقر البطر ليشعر صاحبه أنه موضع الاحتقار. وشر ما في الشقوة أن يحتقر إنسان، وخير ما في السعادة أن يحترم الناس غيره ليحترمه غيره. فتبادل الاحترام إثبات للقيمة وارتفاع بالقيم، وتلك السعادة التي تتزاوج مع متعة النفس بما هو داخلها، ومتعة النفس بما جاءها من خارجها. بهذا التزاوج يفتقد السعيد المفارقة حتى لا يكون الافتراق بينه وبين من سعد بهم وسعدوا به.
فالسعادة منحة تطمئن لها النفس، لكن المتعة بها تكبر حينما يطمئن الإِنسان إلى خلقه، يحدده سلوكه مع الناس.
أنا سعيد بكثير مما أشقى به لأني تعلمت احتراف الطرد. سعيد بأني مع الناس للناس، لا أبخل بعون وإن لم يشكر، ولا أرفض الشكر لمن أسدى معروفاً إلي. فشاكر المعروف هو القادر على صنعه وناكر المعروف هو العاجز عن صنعه الباخل به. والقدرة على شكر المعروف وصنعه سعادة.
إذا أردت أن تكون سعيداً فإياك أن تكره أحداً. ولو شعرت بمن يكرهك، لأن الكراهية عطاء كالحب، لأنها إشغال للوجدان، وجدانك يشغل بمن تحب وأنت تشغله بمن تكره، فالكراهية صفة يشقى بها السعيد.
إن السعادة أن تكون مسلماً، يسلم الناس من يدك ولسانك.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :953  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 435 من 1092
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذة بديعة كشغري

الأديبة والكاتبة والشاعرة.