شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
مُقَدِّمة الدّيوانْ
بقلم الشاعر الأديب: إبراهيم بن أحمد الحضراني
يجدر بي – وأنا أكتب أول مقدمة لأول ديوان يطبع لشاعر يمني حديث – أن ألمَّ إلمامةً قصيرة بتاريخ أدبنا المعاصر.
إلى ما قبل عشرين عاماً. والفكر اليمني يغط في نوم عميق إذا استثنينا تململاً لا يكاد يذكر ظهر في أدب الطليعة الأولى كالقاضي يحيى بن محمد الإرياني والقاضي عبد الكريم مطهر رحمه الله والقاضي أحمد الحضراني الذي لا يزال يساير أطوار الأدب فيتأثر بها ويؤثر فيها.. ولكن أدب هؤلاء ومن على شاكلتهم بقي مشدوداً شداً محكماً إلى عجلة الماضي، زد على ذلك أنه لم تصحبه دعوة إلى التجديد فبقيت أصواتهم خافتة لا تكاد تجاوز آذانهم.
فما هو إلاَّ أن قدم إلى اليمن بعض أبنائها الذين عاشوا مدَّة من الزمن في البلدان العربية الأخرى فحملوا إليها ما تأثروا به من الاتجاهات الفكرية الحديثة. كما أن المطبعة من جهة أخرى بدأت تغزو مجتمعات اليمن بالكتب والجرائد والمجلات، فتكوّنت آنذاك طبقة ممتازة يرأسها السيد النابغة أحمد عبد الوهاب الوريث الذي كان رئيساً لتحرير مجلة الحكمة اليمانية رحمه الله ورحمها (توفي سنة 1358هـ).
ولكن هذه الطبقةَ بقيَتْ متأثرة بنوع خاص من التفكير لا يتعدى الناحية الاجتماعية والتاريخية وشيئاً من السياسة قليلاً.
وكنتيجةٍ لهذه الحركة نجمَ عددٌ من الشعراء يصح أن نسميهم شعراء (العلا والمعالي) – ولن أنسى ما ساهم به جلالة (الإمام الناصر) في تكوين هذه الطبقة، وأذكر مرةً أنه برم بما كان يقدِّم إليه من قصائد المديح، فقال مخاطباً لمن بحضرته من الأدباء والشعراء وهمُ الصفوة المختارة في البلاد:
ما الشعر إلاَّ ما حوى
روحاً به تحيا الشعوب
وبلغ هذا الاتجاه الشعري أوجه على يد الشاعر محمد محمود الزبيري. وكان الزبيري مأخوذاً إلى حدّ كبير ببطولة جلالة "الإِمام أحمد" ورجولته المثالية وصفاته الكريمة، وبهذه الروح جعل ينظم الشعر ويلقيه بين يدي جلالته لا باقات من الزهور، ولكن مواد متفجرة ينخلع لها فؤاد الجبان:
عليَّ أن أخلـب الألبـاب محتكمـاً
كما تحكَّم في الأعناق بتّارُ
وأن أقيم لك الدنيا وأقعدها
حتى تكون كما تهوى تختارُ
وأن أصوغ لهـذا العـرش أجنحـةً
من القوافي عليهـا العـرش طيّـارُ
فضع دعائم هذا الملك في كلمي
فإنها كالرَّواسي ليس تنهارُ
كما كان "الزبيري" معْنِيّاً بزخرفة الجملة البيانية كقوله يخاطب جلالة الإمام يحيى رحمه الله:
من نور هذا المحيـا يشـرق العيـدُ
ويعبق المجد والعلياء والجود
ما للمحاكم تستفتي أهلتها
وأنت يا "سيد الأقمـار" موجـود؟
ما أنتَ إلاَّ "شعـاع الله" جـاء بـه
من غرة المصطفى آبـاؤك الصيـدُ
وضعتنا في "يـد الرحمـن" فارتفعتْ
بنا مكاناً سوانا عنه مطرودُ
صدّيت عنا جحيم الغرب إذ فتحتْ
فما تـذوب به الأمصـار والبيـدُ
ومن الجدير بالذكر – أن كثيراً من النقاد يرون أن شاعرية "الزبيري" فقدت شيئاً من قوتها بعد أن ابتعد عن هذا الوسط.
بينما كان "الزبيري" يستأثر بإعجاب الناس – كان اثنان من الشباب – لا ثالث لهما – ينظران إلى هذا النوع من الأدب نظراً فيه شيء من الريبة والشك، ويعتبران حصرَ الشعر في هذا النطاق الضيِّق وحده خنقاً لروحانيته المطلقة وتحديداً لنفحاته القدسية المنطلقة، وكانا قد تأثرا بمطالعات خاصة أهمها ما كان يُكتَبُ في مجلة "الرسالة" المصرية (القديمة) عن الأدب، وما كان يُنشر فيها من الشعر – وراحت نفساهما تنفتحان لكل ما في هذا الوجود من جمال وجلال.
كان أحد (1) هذين الشابين صاحب "النفس الأول" صديقي الشاعر السيد أحمد بن محمد الشامي، فلقد كان ينظم الشعر آنذاك على نمط لم يستسغه المجتمع بعدُ، فلم يُعهَد من قبله أنّ شاعراً يمنيّاً نظم في أغراضٍ مختلفة تحت عناوين خاصة كالآتي:
"أنَّةُ قلب" و"دموع الغريب" و"بين الصخور". إلى آخر ما كان ينظمه صديقي في ذلك الحين.
إذن فصاحب النّفس الأوَّل هو في القمة من هذا التدرّج، واليمن إذ تقدَّمه تقدم نهايةَ ما وصل إليه نموها الفكري والأدبي الحديث.
ولْنَطوِ تاريخ شاعرنا منذ بدأ يقول الشعر إلى الآن – على ما في تاريخه من عظات وعبر – ونكتفي بما قد سنجده في ديوانه هذا من صدى لحياته الصاخبة، ونفسه الملتهبة، وخياله الوثّاب.
سنجد ذلك – ولكن بعد لأي ومشقّة – في قصيدة "التقينا" وفي "دموع سجين" وفي "النور الشهيد" وفي غير ذلك من الشعر الذي تأتى للشاعر أن ينقل لنا فيه شيئاً من خوالج قلبه، ورعشات نفسِه، وما الشعر في نظري إلاّ براعة في نقل خوالج القلب ورعشات النَّفس.
على أن في الديوان ما هو من وحي المناسبات والظروف، صاغه عقل سليم – ورأي رصين، وذاكرة هاضمة – وهو صورة ناطقة لاهتمام الشاعر بالقضايا العربية العامة وتجاوب روحه مع أمانيها واقرأ "عيد استقلال لبنان" و "اليمن تكرم لبنان" و"دمعة على الثعالبي" تجد مثالاً حيّاً للروح العربية المؤمنة.
أما قصائد المديح فهي جيدة الأسلوب، حسنة السبك سامية المعاني، عليها مسحةٌ من التجديد ويُعْجبني فيها شعر المناجاة والاستعطاف ذلك الشعر الذي يعلِّمنا كيف تخاطب القلوبُ القلوب وتناجي الأرواح الأرواح، واقرأ "ضراعة سجين" و"وحناناً أمير المؤمنين" و "إلى مفخرة العرب" وغيرها.
أما الناحية الاجتماعية بكل فروعها فإن في نفسه طاقة يعجز الشعر عن حملها، وقد تحدَّث عنه حديث المتحكم فيما يقول، لأنه قد عرف الكثير من تقلبات الأيام، فبلا الشدّة والرخاء، وعرف كيف ينقلب الصديق فيصبح عدوّاً وكيف ينقلب العدوّ.. كما عرف الشيء الكثير عن نفس الإنسان وما يكتنفها من ضعف وما يكمن فيها من قوَّة، وعبَّر عن كل ذلك بحرارة وإيمان في قصائده (تحية) و (المعري) و(اعتراف) وفي مراثيه التي أشهد أنه كان فيها رائعاً قويّاً، وشاعراً حكيماً.
وبعد:
فخيرٌ من أن أشغلك – أيها القارئ – بإطالة الحديث عن "النفس الأول" أن أقدِّمه لك فاكهةً شهية تجد فيها متعة العقل وغذاء الروح فإلى النفس الأول.
إبراهيم بن أحمد الحضراني
الحديدة: ربيع الآخر 1374هـ
ديسمبر 1954م
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1074  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 6 من 639
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

سعادة الأستاذة صفية بن زقر

رائدة الفن التشكيلي في المملكة، أول من أسست داراُ للرسم والثقافة والتراث في جدة، شاركت في العديد من المعارض المحلية والإقليمية والدولية .