شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
(( كلمة المحتفى به الأستاذ محمد ناصر العبودي ))
ثم أعطيت الكلمة للمحتفى به محمد ناصر العبودي فقال:
- بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.. ونصلي ونسلم على سيدنا ومولانا وحبيبنا نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
- الحمد لله الذي قدر هذا الاجتماع المبارك في هذه الساعة الطيبة، مع هؤلاء الصفوة من الإِخوة من أصحاب المعالي وأصحاب الفضيلة، وممن هم فوق الألقاب.. ثم نشكر لأخينا الوجيه النبيل الأخ الكريم، الأستاذ عبد المقصود خوجه، الذي هيأ هذا اللقاء، الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله لقاءاً مباركا، وأن يجعله لقاءاً مفيداً لي لأنني كأي فرد من الإِخوة المسلمين محتاج إلى الاجتماع بإخوتي وتبادل النصائح، لا سيما وأنني أشغل وظيفة من الوظائف العامة التي لها علاقة بالإِخوة المسلمين في جميع أقطار العالم، ولذلك أجدني محتاجاً إلى نصيحة إخواني كل بقدر ما يرى أنه مفيد ولازم ونصائحهم جميعاً إن شاء الله مفيدة بإذن الله.
- ثم أشكر لأخينا المذيع النابغ الذي تكرم فقدمني بكلمات أنا في الحقيقة لا أستحقها ولكن مرجع ذلك إلى حسن ظنه بي، وإنني على استعداد لكي أتكلم فيما ترون أنه مناسب، وإنني مع الأخ الكريم لأنني هنا بعيد عن هذا المكان، ولكنني كما تفضل قريب جداً منه أتابع هذه الندوات الطيبة المباركة وأستفيد مما يبلغني عما يدور فيها.
- إنني كما ذكر أخونا الكريم وطلب مني سيرتي الذاتية.. الواقع أنني أعتقد أنه ليس في سيرتي الذاتية ما يستحق الذكر، ولكن إذا أراد أخونا ومضيفنا الكبير الكريم أن أتكلم على سيرتي الذاتية بصفتي فرداً من أفراد هذا الشعب فإن أي شخص يجب أن يعرف أو يسمع فرداً من أفراد الشعب، لأنه يكون أنموذجاً للآخرين.
- اسمي محمد بن ناصر العبودي، ولدت في مدينة بريدة بالقصيم عام 1345 للهجرة، وفي مدينة بريدة دخلت أحد الكتاتيب.. إن هذا الكُتَّاب لا أريد أن أشرح لكم حالته ولا ما كان يدور فيه، ليس لأن هذا لا يستحق أن يذكر، فأنا أعتقد أنه يستحق أن يذكر لأنه يمكن بالمقارنة بين حالة ذلك الكُتَّاب وما وصلت إليه حالة المدارس عندنا، ولله الحمد أن نعرف أي فرق عظيم قد طرأ على حياتنا منذ ذلك الوقت إلى الآن، لكني أخشى أن يتسبب الحديث أو التبسط في الحديث في ضياع الحديث أو في عدم الحديث عن شيء أهم منه.
- ذلك الكُتَّاب هو بيت من الطين خال من الفرش مكون من غرفتين، ليس فيه من المدرسين سوى واحد هو مطوع.. والمطوع هذا شخصية عجيبة غريبة، حتى البسطاء يتهمونه بالبساطة، وقد يخرج بعضهم به وبالحديث عن بساطته إلى حد التغفيل. المطوع هذا كان مغفلاً بالفعل، ولكنه أحياناً يتغافل أيضاً لماذا؟ لأنه يبحث عن شيء يريد أن يحصل منه على رضا أولياء أمور الطلبة إن صح التعبير أنهم طلبة.
- كنا في ذلك الكُتَّاب نجلس على الأرض كما قلت ولا نعرف شيئاً اسمه فراش فيه، ولم يكن المدرس أو (المطوع) يعلمنا هو بنفسه، بل كان ينتدب الكبير من الطلاب ليعلم من هو أصغر منه ومن هو أصغر منه يعلم من هو أصغر منه، أي يعلم المستجد الذي طرأ حديثا، ثم هو يشرف على الجميع ليس بعقله إنما بعصاه. وكلنا كنا نخاف من عصاه أكثر مما نخاف من الأشياء الأخرى. وكانت تحدث منافرة بين المدرس وبين المطوع هذا وبين بعض ذوي الحظ من الطلاب الذي أهاليهم على شيء من الثراء.. المطوع يريد أن يقرب هذا الطالب الذي يرجو من ورائه شيئاً يكون ولي أمره دسماً والطالب يريد أن يبتعد لأنه لا يريد أن يكون تحت الرقابة الكاملة للمطوع، ويحدث ما يحدث من فوضى.
- وكما قلت لن أتكلم على الكُتَّاب وإنما بعد الكُتَّاب درسنا في المساجد، وأذكر أن أول من بدأت القراءة عليه هو شيخنا الشيخ صالح بن كريديس رحمه الله، وهو رجل كان يقول عنه بعضهم: إنه أكبر من المطوع ودون الشيخ، وهو في الواقع أكبر من المطوع بلا شك، لأنه يحفظ القرآن الكريم ومطلع على كثير من الأحاديث الشريفة، بل يحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وله يد طولى في الفقه، وكان محتسباً أيضاً يجلس لنا في المسجد الذي نصلي فيه، مسجد الحي، أما كونه دون الشيخ فأنا أعتقد أنه أكبر من كثير من الشيوخ العامرين علماً وعملاً.
- كان هذا عام 1359 وكان كما قلت لا يأخذ أجراً بخلاف المطوع الذي في الكُتَّاب، الذي كان كثيراً من همه يصرفه إلى ما قد يحصل عليه، أما هذا فكان محتسباً لله سبحانه وتعالى، بل كان يقول إنكم أنتم الذين تفيدونني.. يريد بذلك أننا نقرأ عليه، نطالع له، في الكتب، فنحن بذلك نفيده كما قال.
- ثم بعد ذلك انتقلت من القراءة على الشيخ صالح بن كريديس في مسجد الحي إلى طلب العلم على الشيخ عمر بن سليم في المسجد الجامع. والشيخ عمر بن سليم هو قاضي بريدة وبمثابة رئيس قضاة منطقة القصيم، لأنه لا يعين قاض في تلك المنطقة إلا بعد مشورته، وكان مرجعاً للجميع ولكن لم تطل مدة القراءة عليه لأنه توفي رحمه الله في آخر عام 1362؛ ثم بعد ذلك بشهور قدم إلى بريدة الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد، ولعلنا نعرفه أو لعل أكثرنا يعرفه حق المعرفة فكان قدومه فتحاً لطلاب العلم الذين كنت أعد نفسي واحداً منهم في ذلك الوقت، فنظم لتعليم الطلاب وإفادتهم حلقات منتظمة، ولا ننسى أنه كان يجلس للطلاب من بعد صلاة الفجر حتى قرب طلوع الشمس ثم ينصرف إلى بيته ويظل فيه حوالي نصف ساعة أو ساعة، ثم يعود ثانيةً إلى المسجد فيجلس للطلاب إلى انقطاع الضحى ثم يعود إلى بيته، وبعد صلاة الظهر يجلس للطلاب أيضاً، وبعد العصر يعقد درساً آخر وبعد المغرب دروسا أخرى وهكذا.
- وكانت دروسه عامرة، وكانت له طريقة في التدريس هي طريقة المناقشة بعد أن كانت طريقة العلماء الذين قبله هي الطريقة التي يسميها طلبة العلم الإِمرار، بمعنى أن طالب العلم يمر بالكتب أو يمررها كما يقولون ولكن الشيخ لا يناقشه ولا يستفسر منه عما قرأ.
- أما شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله وجزاه عنا خيراً، فإنه كانت له طريقة حديثة، كان يناقش الطلاب، وكان يستعيد الدروس التي سبق أن ألقاها عليهم، يستعيدها بعد خمسة دروس أو سبعة دروس أو عشرة دروس يستعيد ما سبق أن ألقاه إليهم ويناقشهم فيه.
- بعد تلك بفترة عينت مديراً للمدرسة المنصورية في بريدة، وكان في ذلك الفرار من القضاء، لأنه قد صدر أمر بأنه لا بد من أن يختار شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد عدداً من طلبة العلم، لإِرسالهم قضاة في أماكن نائية وكنا في ذلك الوقت بطبيعة الحال من طلبة العلم الصغار، ولكن المطلوب أن يذهبوا إلى قرى نائية من قرى البادية أو من القرى التي لا يستطيب أمثالنا الإِقامة فيها، لأنه ليس فيها ما في المدن، مع أن مدينة بريدة في ذلك الوقت وإن كانت مدينة من حيث عدد السكان فإنه ليس فيها من المرافق ما في المدن الآن.
- وكان التعيين في القضاء أو مباشرة عمل القضاء عملاً صعباً مادياً ومعنوياً. بالنسبة لصعوبته المادية أمر معروف، لأن من ينتقل من المدينة إلى قرية قبل حوالي 40 سنة لا يستطيع أن يعيش عيشته التي تعود عليها وكلنا نعرف ذلك.
- وأما المعنوي فإن طلبة العلم في ذلك الوقت كانوا على غاية من الورع ومن خوف الله سبحانه وتعالى ومن الخوف من الخطأ أو الزلل، فكان بعضهم لا يرضى بأن يتولى القضاء حتى ولو كان وراء ذلك مكسب مادي، لأنه يخشى أن لا يستطيع القيام بهذا الحمل الثقيل أو يخشى من نوازع النفس أو من تأثير الهوى وهو لا يقصد ذلك، فقبلت أن أكون مديراً للمدرسة المنصورية في مدينة بريدة وهي المدرسة الثانية التي فتحت فيها في عام 1368. ثم بعد ذلك بخمس سنوات أي في عام 1372 عينت مديراً للمعهد العلمي في مدينة بريدة، وكان المعهد العلمي في ذلك الوقت ثاني معهد علمي أسس في المملكة العربية السعودية تابع للكليات والمعاهد العلمية، إذ كان المعهد العلمي بمكة موجوداً قبل ذلك بسنوات، وكان معهد الرياض العلمي موجوداً، أما المعهد الثاني في عهد إدارة الكليات والمعاهد العلمية فكان في مدينة بريدة، وقد لاقى هذا التعيين استحساناً مني، لأن مستوى المعهد أعلى من الناحية العلمية من المدرسة الابتدائية، لأن المدرسة المنصورية كانت مدرسة ابتدائية. وكان لدينا في المعهد عدد من العلماء، بل ممن يعتبرون من المدرسين في مستوى الكليات الجامعية في ذلك الوقت، وبالفعل عين بعضهم في التدريس في الكليات بعد ذلك، وكان لدينا أيضاً في المعهد العلمي سبعة من الأساتذة المصريين، وكان لدينا ستة من الأساتذة السعوديين وأستاذ شنقيطي واحد موريتاني، كما كنا نسميها كما تعلمون شنقيط قبل أن تصبح موريتانيا.
- وفي عام 1380 أي بعد أن أمضيت في المعهد العلمي ببريدة حوالي سبع سنوات ونصف عينت مديراً للجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة، وكانت الجامعة الإِسلامية في ذلك الوقت تحت الإِنشاء ومضت أشهر حتى افتتحت عام 1381 فأصبحت وظيفتي فيها الأمين العام للجامعة الإِسلامية، وكان فيها فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز هو نائب الرئيس والرئيس الذي يعتبر بمثابة الرئيس الأعلى، وليس الرئيس العامل هو الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس القضاة رحمه الله. عندما عينت في الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة كان هذا بداية لمرحلة.. بداية في شعوري وتفكيري لمرحلة مهمة جداً، استمرت حتى الآن وهي مرحلة الاتصال بالإِخوة المسلمين في خارج المملكة العربية السعودية، فكان المقصود من إنشاء الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة هو توفير الدراسة الإِسلامية لأبناء المسلمين من خارج المملكة العربية السعودية، وعندما كانت الجامعة في طور الإِنشاء في عام 1380هـ كما أسلفت قبل أن تفتتح بحوالي خمسة شهور تألفت لجنة لوضع نظام مؤقت للجامعة كان فيها الأستاذ عبد العزيز المعمر وكان فيها مستشار مصري أظن اسمه عبد المنعم مصطفى، كان ممثل مصر في هيئة الأمم المتحدة في جنيف، وانتدب مستشاراً قانونياً في الديوان الملكي في ذلك الوقت.
- وكنت عضواً في اللجنة، وكان معنا الشيخ يوسف ياسين رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت فاختلفت الآراء.. هل ينص في النظام على أن تكون الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة مقصورة على أبناء العالم الإِسلامي، أم يكون فيها طلاب من السعوديين وطلاب من أبناء المسلمين في الخارج.
- وجرت في اللجنة مداولات تطرقت إلى أن الطلبة السعوديين كما نعرف يوجد لهم في ذلك الوقت كلية للشريعة في مكة المكرمة وكلية الشريعة في الرياض.. كانت هناك كليتان للشريعة.
- إذن الرأي الذي يقول أن تكون الجامعة الإِسلامية مقصورة على أبناء المسلمين في العالم من خارج المملكة يقول إنه يمكن للطلبة السعوديين الاكتفاء بالالتحاق بهاتين الكليتين في مكة المكرمة والرياض، وتكون الجامعة الإِسلامية في المدينة لأبناء المسلمين من الخارج، ثم رؤي أن يكون الأمر حلاً وسطاً، بأن لا تتجاوز نسبة السعوديين 20 بالمائة أو على الأصح الخمس، لأن 20 بالمائة هذا تعبير يطلقه عوام الكُتَّاب، والصحيح أن يقال الخمس (1/5).. فصدر النظام المؤقت بهذا الأمر: ألاَّ تزيد نسبة الطلاب السعوديين في الجامعة الإِسلامية على الـ 1/5، والهدف من وراء هذه المادة هو توفير الدراسة لأبناء المسلمين في الخارج.
- كانت مقاعد الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة، أي مقاعد الطلبة توزع على شكل منح على الإِخوة المسلمين المحتاجين في أنحاء العالم، فعند التجربة تبين أننا لا نستطيع أن يكون توزيعنا دقيقاً وصحيحاً وموافقاً للحاجة، بمعنى أن نقدم البلد المحتاج على البلد الأقل حاجة، وليس هنالك بلد إسلامي لا يحتاج إلى التعليم الإِسلامي، ولكن هناك بلد أكثر حاجة من بلد آخر.. إذن كيف نستطيع أن نحصل على معلومات عن المسلمين في العالم وبخاصة في القارة الأفريقية التي كانت في ذلك الوقت هي أعظم ساحة يتصارع فيها الفكر الإِسلامي مع نقائه وبساطته مع الفكر الغربي الذي سلاحه التنصير مع ما زود به وما لديه من قوة مادية مالية، ومن قوة عظيمة في كيفية التعامل مع الشعوب الأخرى ومنها الشعوب الإِفريقية؟.
- نحن في ذلك الوقت المبكر من تاريخ التعاون مع المسلمين وتقديم المساعدة لهم، لم تكن لدينا التجربة في التعامل مع الجمعيات الإِسلامية، إذن لا بد أن تكون لدينا معلومات ميدانية صحيحة موثقة مبنية على المشاهدة، لأننا وجدنا في ذلك الوقت مع الأسف الشديد. أننا كنا نعتمد في معرفة أحوال إخوتنا المسلمين في أفريقيا على ما يكتبه الأجانب وفيهم أعداء الإِسلام نحن بطبيعة الحال نأخذ بقوله سبحانه وتعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا * اعدلوا هو أقرب للتقوى أي ينبغي ألا يُنسينا بغضنا لقوم مالهم من محاسن إذا كانت له محاسن.. المستعمرون الأوروبيون ومن سار في ركبهم، كانوا يذهبون إلى تلك الأقطار بآراء مختلفة بعضهم من أجل التنصير وبعضهم من أجل حب المعرفة فقط، فيكتبون ما يكتبون، ويبقى كل شخص منهم متأثراً بما في ذهنه عندما أراد الكتابة.. إما أن يكتب أحد منهم متجرداً ولغرضِ أن يعطي معلومات صحيحة كاملة عن الإِخوة المسلمين فهذا ما لم نجده في ذلك الوقت، لذلك رفعنا الأمر إلى صاحب السمو الملكي في ذلك الوقت الأمير فيصل، وكان وقتها رئيساً لمجلس الوزراء وولياً للعهد وشرحنا له الأمر وقلنا إنَّنا بحاجة إلى الاتصال بإخوتنا المسلمين في أفريقيا، ورفعنا أمام سموه؛ الطريقة التي سنقوم بها في سبيل الاتصال بالإِخوة المسلمين، ووضعنا عدة أشياء كرؤوس أقلام منها: معرفة الجمعيات الإِسلامية العاملة، ومنها: معرفة الحركات التي تؤثر على الإِسلام والحركات المعادية والظروف الاقتصادية والظروف السياسية، والبلاد الأكثر حاجة من البلاد المحتاجة؛ فوافق رحمه الله، بل وشجع على ذلك، حتى أنه أمر لنا بمبلغ من المال لكي نعطيه للإِخوة المسلمين هناك مباشرةً وبدون كتابة تقارير.
- تألف وفد من الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة فذهب إلى أفريقية، وكنت مع ذلك الوفد وسموني رئيس الوفد ومعي اثنان من زملائي في الجامعة، أحدهما هو فضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة وهو نعم الرفيق ونعم الأخ جزاه الله عنا خيراً، والرفيق الثاني هو صاحب الفضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري، ولعلكم تعرفونه من العلماء العاملين الثقاة، وذلك في عام 1384 أي بعد أن فتحت الجامعة الإِسلامية بثلاث سنين.. قضينا في الأقطار الأفريقية ثلاثة شهور وسبعة عشر يوماً، كان أول اتصال ميداني لنا مع الإِخوة المسلمين، في أوطانهم وكان المبلغ الذي نحمله بمقياس المبالغ لهذا الزمن لم يكن كبيراً من المال ولكن كان مفعوله كبيراً.
- أذكر أننا زرنا مدرسة في مومباسا ونحن نتفقد مدارس المسلمين، فهذه المدرسة مدرسة إسلامية تديرها أخت من أخواتنا المسلمات، فأعطيناها مائة شلن كيني.. المائة شلن كيني في ذلك الوقت تساوي 56 ريالاً سعودياً، وصادف أن هذه المائة كانت قطعة واحدة من فئة المائة شلن، فأخذت هذه المرأة تعين البنات خلفها ومن حضر من المسلمين وأخذوا يدعون للأمير فيصل وهي تبكي. وقال لي أحد الإِخوة الموجودين هناك وهو الأخ مبارك بن دهري من إخواننا الحضارمة المهاجرين في مومباسا، وكان معنا في جولتنا في مومباسا قال: هذه المرأة تقول: إنه لم يقع في يدها في حياتها كلها قبل هذا مائة شلن قطعة واحدة، وهي تدعو للأمير فيصل.
- شملت زيارتنا حوالي أحد عشر قطراً، ثم رجعنا بحصيلة أعتقد أنها جيدة من المعلومات عن الإِخوة المسلمين والهدف منها هو هدف إسلامي وليس هدفا سياسياً.. نحن لسنا من أهل السياسة ولم يكن الهدف من ذهابنا سياسياً، ثم بعد ذلك اقترحت في التقرير الذي رفع للملك فيصل رحمه الله أنه لا بد من إرسال دعاة، وأن تعتمد خمسون وظيفة للدعاة لتفريقها على أفريقيا، ومبلغ من المال ومنح دراسية فصدرت الموافقة السامية، وأمر جلالة الملك فيصل رحمه الله في ذلك الوقت بإعطائي مبلغ350.000 ريال، وربما يساوي الآن ثلاثة ملايين ونصف بالقيمة الشرائية، فذهبنا إلى هناك مرةً ثانية في عام 1386هـ إلى أفريقية ولبثت خمسة شهور وعشرة أيام، ووصلنا إلى جنوب أفريقيا، ووصلنا مناطق لم نصلها في المرة الأولى، ووزعنا منحاً دراسية في جامعة المدينة، ووزعنا أماكن للدعاة، ثم بعد العودة أخبرت بعض إخوتي الكرام، وأذكر منهم الأستاذ محمد بهجة الأثري الذي فاز بجائزة جلالة الملك فيصل قبل أيام، بأنني كنت أكتب مذكرات يومية عن جميع ما رأيته في أفريقية، والسبب في ذلك وأنا الرجل الذي كنت أعمل في الجامعة الإِسلامية في المدينة ويفترض أن يكون عندي شيء من المعرفة بأحوال المسلمين، وجدت أننا لا نكاد نعرف شيئاً من المسلمين في أفريقية، وفوجئنا بالمعلومات العظيمة التي لا نعرفها، وفوجئنا بالحركة الإِسلامية، وفوجئنا بدعاة من إخواننا الأفارقة مجهولين عند الناس معلومين عند الله، لهم أعمال جليلة أسلم على أيديهم آلاف من الناس، وقاوموا ببساطتهم وبنيتهم الحسنة قاوموا جهود المنصرين وأموال الأوروبيين، وكان الواحد منهم يخرج من ماله خروجاً حتى أن أخانا الشيخ شعيب من كوتومو في أوغندا.. هذا الرجل كان يملك قطعة من الأرض لا يملك غيرها وهي قطعة طيبة، وفي أوغندا كان هنالك محصولان رئيسيان هما البن والموز.. والموز يستعملونه للغذاء وليس فاكهة فقط، لأن النوع الأخضر من الموز يطبخونه طبخاً قبل أن ينضج، ويستعملونه كما نستعمل نحن الآن الأرز وكما يستعمل أهل الشام ومصر الخبز، وهو الوجبة الرئيسية عندهم فأوقف جميع هذه الأرض لله سبحانه وتعالى، وبنى فيها مدرسة ومسجداً، وسماها مدرسة الدين والتهذيب الإِسلامي، واشترط على كل طالب يود الدخول فيها أن يعمل على افتتاح مدرسة مماثلة لهذه المدرسة بعد تخرجه منها؛ عندما وصلنا إلى ذلك المكان في عام 1384هـ - 1964م كان عدد المدارس التي انبثقت عن هذه المدرسة عن طريق التلاميذ أو الطلبة الذين تخرجوا منها قد بلغ 18 مدرسة.
- مثل هذا الأخ لم ينوه بجهوده أحد، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، لذلك رأى بعض إخواني رأياً لم يكن رأيي في أول الأمر، أن أنشر ما رأيته وما شاهدته عن أحوال المسلمين خاصة وعن أحوال الناس عامة هناك، فكتبت كتاباً في الحقيقة نزولاً عند حسن ظن الإِخوة الكرام، وأسميت الكتاب "في أفريقية الخضراء مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن الإِسلام والمسلمين" وعندما نشر الكتاب في بيروت استقبل استقبالاً حسناً، لم يكن طموحي أن يصل إلى حسن ذلك الاستقبال، وأحسن إخواننا الكرام في الظن به، وربما كان على رأسهم أستاذنا الكريم الكبير الأستاذ علي حافظ، فقد قرظ الكتاب بكلمات حسنة لا أدري ربما يكون نسي هو ولكني لم أنسَ.
- بعد ذلك عندما استُقبل هذا الكتاب استقبالاً حسناً كان هذا حافزاً لي، وبالتعبير الصحيح الدقيق كان مشجعاً لي على مواصلة الكتابة عن أحوال المسلمين، فكان الكتاب الثاني عن "مدغشقر" ومدغشقر التي سميت بعد ذلك مالاجاش لها حديث طويل وحديث شجي، كلمة شجي تأتي للحزن وللفرح وهي هنا تأتي للحزن فقط، لأنه ليس في حالة مدغشقر ما يفرح.
- عندما وصلنا إلى هناك وجدنا مدغشقر أو مالاجاش اسمها مدغشقر هذا قبل الاستقلال، ثم سماها أهلها بعد الاستقلال مالاجاش، أخذاً من كلمتي أو نَحْتاً من كلمتين هما الماليون في مدغشقر والمراد بالماليين الجنس الماليزي، لأن القسم الأكبر الذين لهم النفوذ ويشغلون الهضبة الوسطى المنطقة المرتفعة من مدغشقر كانوا في الأصل جاءوا من ماليزيا أو من أندونيسيا، وكانوا جاءوا قبل أن يصبحوا مسلمين، أي قبل أن يصبح الماليزيون مسلمين فأصروا على أن يسموا البلد باسمهم يعني المالي الذي يعيش في مدغشفر مالاجاش، نصف الكلمة من مدغشقر ونصفها من مالي يعني ماليزيا.
- وهذه التسمية تسمية ناشئة عن تعصب وليست صحيحة إطلاقاً، يعني ليست صحيحة بكل معانيها لأن مدغشقر يتألف سكانها بصفة رئيسية من عنصرين أو جنسين كبيرين، بغض النظر عن التفصيلات والأجناس الأخرى.. الأول هم الماليزيون أو الأندونيسيون الذين يعيشون في المنطقة الوسطى بالمرتفعات، والثاني هم الذين يعيشون على السواحل، والذين يعيشون على السواحل هم من السواحليين إن صح التعبير، أي من الأفريقيين الذين اختلطوا بالعرب ولا يزال للعرب الآن مكانة ليست مكانة سياسية ولكن مكانة تاريخية وعلمية، حتى الأسماء.. الآن رئيس مدغشقر راتا سيراكا هو من قبيلة اسمها (بيت مشارك) بهذا اللفظ العربي الصريح، بيت مشارك، فهو من قبيلة عربية الأصل ولكنها ضيعت أصلها وضيعت أهم من أصلها دينها، فأصبحوا لا يدَّعون الإِسلام، بينما أسماؤهم أسماء المسلمين، ويصومون شيئاً من رمضان، ويتلون آيات من القرآن الكريم عند الزواج، ويقولون هذه بقية لنا من تقاليدنا.
- فعندما استعمر الفرنسيون مدغشقر سارع أولئك الماليزيون أو لنقل الأندونيسيون الأصل إلى دخول المدارس النصرانية، واحتضنهم الغربيون لعدم وجود ديانة لهم ولا تقاليد عريقة تتنافى أو يخشى منها أن تتنافى مع المدينة الغربية، بخلاف سكان السواحل الذين هم عرب مختلطون وفيهم العنصر الإِسلامي فالحكومة الفرنسية سلمت السلطة لهم فسموا البلاد باسم عنصري يدل على بلادهم وهو مدغشقر كما قلت، وإلا فكثير من الناس وخاصةً سكان السواحل ليسوا من مالاجاش وليسوا من أصل أندونيسي، وإنما هم من أصول أفريقية سواحلية، اختلطت بأصول عربية ولا تزال الشواهد جديدة ماثلة للعيان، حتى أن هنالك مدينة كبيرة مشهورة اسمها صلالة لأن أول من أسسها عمانيون من أهل صلالة.. سموها صلالة على اسم المدينة صلالة الموجودة في عمان الآن.
- عندما وصلنا إلى مدغشقر وجدت أن الذين يقولون إنهم مسلمون وهم في أكثرهم لا يفهمون شيئاً عن الإِسلام لا يتجاوزون 4% مع الأسف الشديد، أما البقية حوالي 40 إلى 50% فهم من المسلمين الضائعين الذين كانوا مسلمين، ثم انقطعت صلتهم بالمسلمين وبجزيرة العرب فأصبحوا غير مسلمين، ولكنهم لا يقولون إنهم نصارى ولا يقولون إنهم مسلمون.. فكتبت كتاب مدغشقر وكنت متأثراً بما رأيته، وهو جدير بأن يتأثر الإِنسان به.
- ثم انتقلت في عام 1394هـ من الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة إلى الأمانة العامة للدعوة الإِسلامية، والأمانة العامة للدعوة الإِسلامية أنشئت لتكون أمانة عامة للهيئة العليا للدعوة الإِسلامية، والسبب في إنشاء الهيئة العليا هو أن الملك فيصل رحمه الله عندما اتسع عمل المملكة ورؤي أن الجهات التي تعمل في حقل الدعوة الإِسلامية وتساعد المسلمين، قد أصبحت عديدة، منها في ذلك الوقت رابطة العالم الإِسلامي، والجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة، ووزارة الحج والأوقاف، ورئاسة البحوث العلمية والإِفتاء؛ وبعض الجامعات كانت تقدم مباشرةً مساعدات للمسلمين، فرأى تأليف هيئة عليا من خمسة وزراء تنحصر مهمتها في ثلاثة أشياء هي: التخطيط للدعوة، والتنسيق بين الجهات العاملة في الدعوة، ومتابعة ما يصدر من أوامر تتعلق بالدعوة الإِسلامية وما يرسم من خطط، وكان رئيس الهيئة في ذلك الوقت هو الشيخ محمد الحركان غفر الله له بصفته وزيراً للعدل، فجلالة الملك فيصل طلب منهم أن يختاروا أميناً عامًا للهيئة للدعوة الإِسلامية، وأن يتخذوا محضراً بذلك، فرشحوني أنا واتخذوا محضراً يتضمن ترشيحي، ووافق عليه الملك فيصل رحمه الله، فانتقلت من الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة إلى الرياض والحقيقة أنه لو كان انتقالي إلى جهة غير جهة الدعوة لما رضيت عن المدينة المنورة بديلاً، لأنني كان قد مضى عليَّ في سكني المدينة المنورة أربعة عشر عاماً وهي مدة طويلة، وأنتم تعرفون مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم لا يستطيع من يجلس فيها مرة أقصر من تلك أن ينتقل منها إلا بصعوبة أو لأمور ليست في يده، ولكن انتقالي للدعوة الإِسلامية نرجو أن يكون هو الحافز.
- وظيفتي التي انتقلت إليها مسماها الأمين العام للدعوة الإِسلامية وأمين الهيئة العليا، وهي وظيفة كان يفترض في شاغلها أن يكون على اطلاع كامل.. كيف يضع مشاريع الخطط ويقدمها للهيئة العليا، إلا إذا كان عنده معلومات متكاملة فاتسعت الحاجة بذلك إلى المعلومات بل زيادة المعلومات عن الإِخوة المسلمين.
- وكان الاهتمام منصباً في أول الأمر على القارة الأفريقية، إلا أن الإِخوة المسلمين في العالم أخذوا يقصدون المملكة العربية السعودية بطلب المعونة وهذا أمر طبيعي، لأن المسلمين كما يتجهون في صلواتهم في اليوم والليلة خمس مرات إلى الكعبة المشرفة وهي مهوى قلوبهم، فإنهم يتجهون إلى جهة الكعبة المشرفة أيضاً ابتغاء النصر والمعونة على تحقيق أمور دينهم، لا سيما وزعماء النصارى والعاملين في التنصير يتجهون إلى موضع آخر هو الفاتيكان.. نحن لا نقول هذا من باب المقارنة بين مكة المكرمة وبين الفاتيكان.. حاشا وكلا، لأنه لا رهبانية في الإِسلام، ولكن نقول هذا هو الذي دفع المسلمين أو كثير منهم إلى أن يبحثوا عمن يساعدهم على أمور دينهم، فإذا رأوا أن النصارى أو بابوات روما يساعدون من يريد أن يبني كنيسته وأحياناً يبنون هم الكنيسة لهم كاملة، فإن المسلمين يتجهون بأبصارهم ويتجهون بطلباتهم ورغباتهم إلى مكة المكرمة، إلى إخوانهم في المملكة العربية السعودية، فكان ذلك الاتجاه يقابل بالترحيب.
- وكان لا بد أيضاً من الإِشراف على ما يقام من المشروعات، أو ما يخطط له من هذه المشروعات، فاتسعت بذلك دائرة العمل، فكان يطلب مني أن أسافر في كثير من الأحيان إلى البلاد الإِسلامية للاطلاع على المشروعات التي تحتاج إلى مساعدة أو لمعرفة من هو الجدير بالمساعدة، وهذا أمر بديهي، فكتبت عدة كتب في هذه الفترة عن أحوال المسلمين والسبب في ذلك ليس رغبة في الكتابة، مع أنه مطلوب من الإِنسان الذي يقرأ أن يكتب، لأن الإِنسان إذا رأى المعلومات لنفسه واختزنها لنفسه فإنه سيكون كمن عنده طعام واحتكره، وإذا كتبها وأذاعها فإنه يكون قد أفاد من يجد في كلامه فائدة، ولكنه يكون قد عرض نفسه أيضاً للانتقاد كما يقول علماؤنا الأجلاء القدماء: "مَنْ ألف فقد استهدف" ولا أظن أن الاستهداف منع أستاذنا الدكتور صلاح الدين المنجد، أو خوف الاستهداف من التأليف حتى بلغت تآليفه وما حققه من كتب الآن ما يزيد على مائة، وربما أسميه أنا سيوطي هذا العصر، لأنني رأيت للإِمام السيوطي رحمه الله كتيباً لا أدري هل اطلعتم عليه، اسمه "التحدث بنعمة الله" وهذا الكتيب نالت فيه فتاة إنجليزية درجة عليا لا أذكر هل هي الماجستير أو الدكتوراة، سماه "التحدث بنعمة الله" وذكر فيه مؤلفاته التي أتمها في ذلك الوقت فبلغت 376 إلى حين كتابة كتابه ذلك، ولا ندري عما ألفه بعد ذلك إلا من باب التخمين إلى حين وفاته.
- وبطبيعة الحال ربما تجدر الإِشارة هنا إلى ما قاله بعض الناس في الإِمام السيوطي، لأن بعض الناس قالوا هذا جهد لا يمكن أن يقوم به بشر، كيف يستطيع أن يؤلف الإِمام السيوطي كما قيل 500 أو 600 مؤلف.. فهل هو بالفعل ألفها كلها؟ بعض المؤرخين الذين لا نستطيع أن نقول أنهم مبرؤون من الميل لأن خصومة السيوطي مع السخاوي صاحب الضوء اللامع مشهورة، حتى بلغ بعضهم بها رتبة العداوة، وقال: إنها تحاسد الأقران أو تحاسد العلماء مع الأسف الشديد، فتحاسد العلماء معروف من قديم الزمان، وهو أمر يكاد يكون معروف السبب إن لم نقل يكاد يكون طبيعياً، لأن الأمثال القديمة تقول (عدو المرء من يعمل عمله) وليس المراد أن العلم هو عمل يعمل به، ولكن ذلك فيما يتعلق بالتصنيف والتاريخ، لأن الإِمامين كليهما مصنف ومؤرخ.
- فالذين لا يعطون السيوطي الحق كله في تأليف هذه الكتب، يقولون: إنه رجل ورث ثروة عن أبيه، وكان يقال له ابن السيوطي، وهذه الثروة تشتمل على أراضي زراعية تسمى الأطيان في مصر كما تعرف.. فكان يأتي بمجموعة من طلبه العلم المحتاجين عنده يقرؤون عليه وينفق عليهم، ويطلب منهم أن يختصروا بعض الكتب، وأن يؤلفوا، ثم ينظر فيها هو ويكتب عليها. هذا قول ربما إن صح على بعض مؤلفات الإِمام السيوطي فإنه لا يصح عليها كلها، لأن إماماً آخر هو الإِمام ابن حجر رحمه الله ألف من التآليف ما لا يتصور المرء أنه كلها له، وهو رجل رئيس قضاة، أو ما يسمى بقاضي قضاة في مصر - فهذا الرجل ألف في التاريخ وحده ما يزيد على 56 مجلداً، طبع منها حوالي الأربعين، ومنها "تهذيب التهذيب"، "ورفع الإِصر عن قضات مصر"، "وتعجيل المنفعة" "والدرر الكامنة"، ومؤلفات أخرى أكثرها مطبوع. ثم صنف الكتاب العظيم الذي يجدر أن يكتب بماء الذهب وهو "فتح الباري شرح صحيح البخاري".
- وعندما عزل من القضاء، أي من رئاسة القضاء في مصر، صار الناس يأتون إليه يطيبون خاطره، ويقولون له نحن نحمد الله سبحانه وتعالى على أن سلمت من مشكلات القضاء ومن تبعاته، فيقول: الحمد لله لقد عوفينا، ثم يذهبون إلى البلقيني، وهو الذي عين خلفاً له يهنئونه بتولي القضاء فقال لابن حجر أبياتاً عن هذا الأمر، ربما لا مانع من إيرادها لأنها طريفة يقول:
عِندي حديثٌ طريفٌ
بمثله يُتَغَنَّى
عن قَاضيين يُعزَّى
هذا وهذا يُهنَّى
فذا يَقُول أكْرَهوْنا
وذا يَقُول استرحنا
ويكذبان جميعاً
فمن يُصدَّقُ مِنا
- هذا كلام ابن حجر رحمه الله.
- وبعد أن مكثت في الأمانة العامة للدعوة الإِسلامية حوالي 9 سنوات، وبعد وفاة الشيخ محمد الحركان رحمه الله، وهنا لا بد من ذكر قضية مهمة جداً، وهو أن صاحب المعالي الشيخ محمد الحركان رحمه الله عندما ترك وزارة العدل، وكان يلي رئاسة الهيئة العليا للدعوة الإِسلامية بصفته وزيراً للعدل، صدر الأمر السامي بإسناد الرئاسة في الهيئة العليا للدعوة الإِسلامية إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران، وقد قبلها سموه رغم أعماله ومشاغله الكثيرة، وكان يقول: - وأقسم مرة - إنَّني أتمنى لو لم يكن لي شغل إلا أن أتفرغ للدعوة الإِسلامية.
- وقد سعدت بأنني عملت مع سموه الكريم حوالي سبع سنوات في الهيئة العليا للدعوة الإِسلامية، تحت رئاسة سموه. ثم عندما توفي الشيخ محمد الحركان رحمة الله في اليوم الثامن من شهر رمضان عام 1403هـ صدر الأمر بأن أتولى وظيفة الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإِسلامي، وبالفعل توليت هذه بصفة ما يسمى بإعارة، ولا بد من ذكر هذه وإن كنت لا أريد أن أكون معاراً أو مستعاراً، ولكن هذا هو التعبير النظامي، وأنا لا زلت على وظيفتي في الدعوة الإِسلامية رسمياً، لكن حسب الأمر أتيت إلى هنا.. ولا أزال أشغل هذه الوظيفة.
- أرجو أن لا أكون قد أطلت عليكم بهذا الكلام.
 
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1343  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 173 من 187
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور معراج نواب مرزا

المؤرخ والجغرافي والباحث التراثي المعروف.