شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
المحاضرة (6)
في كل ما سقناه من كلام على الحياء اضطراب واضح، فينبغي أن نستخلص حقيقة النظرة العامة إليه.
كان معنى الحياء في تربية البيت الأولى، وفي تربية الزقاق والمدرسة، أنه قوة تحاول أن تجعل الإنسان متسقاً، مؤدباً، فلا يلتهم الطعام، ولا يصرخ من الألم، ولا يسب نِدَّه أو يعابثه، ولا يضرب الكلب لأنه ضعيف. ولا يغتصب شيئاً ليس له، ولا يذهب بحريته مذهباً يزعج غيره، ومعناه أن يكبح نفسه، ويضبط قيادها، ويتعالى بها عن مواطن الرَّيب والظِنّة.
ألا يقصر في الدرس، ألا يكذب، أو يثير الأستاذ، وأن يؤمن بالفضائل.
معنى الحياء إذاً تربية وقانون..
وهو قانون معقول، ولكنه فقد العدالة، ولم يوزعها بين الكبار والصغار، فأصبح مراً..
الإنسان القديم كان يقارن ويستنتج.
فالإنسان الجديد أكثر مقارنة، وأدق استنتاجاً.. لذلك تكون عقدة العصبية أشد خطورة.
* * *
عندما ينتهي البيت من مهمته، والزقاق من مهمته، وانتهت المدرسة من مهمتها.. صارت القيادة للتربية الاجتماعية.. للقدوة.. للممثلة.. للحوادث.. للواقع المخيف.. للعقد العصبية.
في الواقع المخيف.. كان الحياء صفة، لا تشرف صاحبها، وصفة يجب الاستغناء عنها لمن يريد أن يكون قوياً، يتمتع بمزايا حريته، ويتمتع بإعجاب الناس وتقديرهم، وكان صفة تؤخر.. ولا تقدم.
يتوقح الشاب لأن الناس يتوقحون.. ولأن الوقاحة في ما رأى وسمع واستنتج قوة، يأخذ في هذا السبيل.. ينشأ لا يعرف الرحمة بالناس. لأن الناس لا يعرفون الرحمة به، ولأنه لم يعرف الرحمة بنفسه.
وينشأ لا يعرف الجمال والاتساق والاعتدال والتوازن.. لأنه لم يكن حراً.. وينشأ منكراً للعدالة، لأنه عرف أن الحق للقوة، ولأنه كان في كل أدواره مهضوماً..
ويكون أخيراً بلا ضمير..
الفرد مرآة الأمة.. تنعكس عليها الصور العامة لها.
والأمة مرآة الفرد في أول نشأته.. وهي مثاله الذي ينشأ عليه.
إذا رأى شجاعة نشأ شجاعاً.
إذا رأى قوة نشأ قوياً.
إذا رأى فضيلة نشأ فاضلاً.
إذا رأى رحمة وصدقاً وعدالة واتساقاً، نشأ رحيماً صادقاً عادلاً متسقاً.
لكنه إذا رأى في هذه الأمة.. غير ما قرأ في المدرسة.. لم يكفه أن يكون كأخيه العامي المغلق، إنما ينقلب مجرماً خطراً سيأتيكم الحديث عنه.
يرى الفضائل تجارة وخداعاً، وزواجر ليست لها قوة القوانين المسلحة، فيتاجر، ويخدع، ولا يخاف إلا القانون..
المجرم أيضاً هكذا -لا يخاف إلا القانون!
القوانين لا تربي الأمم.. ولا تربي الأخلاق.. ولا تبني الحياة.
المدارس تعلم الأخلاق.. ولكنها لا تصنع رجالاً فضلاء.
العقوبات ترد الناس عن الرذائل والنقائص ظاهراً، ولكنها لا تردُّهم عنها باطناً، فهي لا تربي الأخلاق، ولا تبني الحياة.
إنما تربيها وتبنيها تربية البيت الأول، وتربية الزقاق الأولى، إذا استحالتا إلى مشاعر وعقد عصبية.. وإنما تربيها المدرسة بالقدوة الصحيحة لا الفاسدة وتربيها الحياة الاجتماعية بصداها الفاضل.
وتربية البيت مثله الصحيحة وحريته الفاضلة، لا زواجره.
وتربية الزقاق، أن يكون زقاقاً فاضلاً.
وتربية المدرسة، أن تكون عملاً وإدراكاً وممارسة، لا آلية فكرية، وقواعد وترديداً..
وتربية الحياة الاجتماعية، أن تكون أفعالاً صالحة تطابق الأقوال.
هذه كلمتنا في الحياء.. كما يعرفه الناشىء تدريجاً.
وهذه كلمتنا في الحياء.. كما يفهمه الناس.. والأطباء..
الناشىء معذور في مجافاة الحياء.. لأنه الضعف، ولأنه الشذوذ الذي عرفته عقده.
والناس معذورون في مجافاته لأنهم لا يعرفون عنه إلا ما عرفته عقدهم العصبية، وإلا ما تعرفه حياتهم العامة.. وسبيلها العوجاء.
والطب معذور لأنه يرى الحياء مظهر ضعف، باطن أو ظاهر في الجسم..
وهكذا تتضافر على هدم هذه الفضيلة التي قادت الإنسان الأول، فطرته إليها، في معنى من معانيها وهو الرحمة.
وهكذا يفقد الميزان الذي هو جماع الفضائل الصحيحة، أولى كفتيه، فيصير الحياء ضعفاً.. وهو القوة..
وهكذا تفقد الفضائل قوامها.
فهل هذه حقيقة الحياء؟
كلا! فالحياء قوة.. وقوة حرة في أروع المظاهر.. قوة فيها الرحمة التي هي الجمال.. وفيها العدالة التي هي الحق.
أنا إنسان مهذب ذكي، لبق، واسع الإدراك والخيال!
هل يكون نصيبي من الشهوات نصيب الرجل العاري من هذه الصفات؟ كلا!
أنا أحب فأجعل من هذا الحب دنيا تطيف بها ملايين المعاني والألوان والشهوات.. والأهواء..
وهو يحب حباً جنسياً محدوداً..
أنا أتمنى ألوف الأماني، وأحمل ألوف الأطماع، وتجول في رأسي غرائب الأحلام.
وهو يتمنى أن يأكل، وأن ينتهج أضيق سبل الحياة (فكراً وجسداً) هذه سعادته لأنه لا يعرف كثيراً ولا يشعر -الضروري عنده كل شيء..
أنا أعرف كيف أؤثر، وأخدع، وأمثل، وأصل إلى أغراضي من السبل الآمنة، ومن السبل الخفية، التي لا تثير الشبهة.. وأعرف كيف أبتسم لمن أبغضه بسمة الحب العميق، والصديق الخالص، لأضربه الضربة القاضية..
وهو لا يعرف من هذا شيئاً، وإن عرف ففي أضيق الحدود وأبسطها، وأوضحها للعيان.
جرائم المتعلم الحاذق إذاً، أروع من جرائم الجاهل الساذج.
كان الناس يتحاربون بالسيوف والأجساد، صاروا يتحاربون بالغازات الخانقة تزهق الأرواح بلا عناء ويتحاربون بما يشبه السحر.
كانوا يتحاربون على سطح الأرض، صاروا يتحاربون في أعماق البحار، وفي أجواء الفضاء.
كانوا يفتتحون المدن بالقوة، صاروا يفتتحونها، ويفتتحون النفوس، والأفكار بتسميم عقائدها (بالدعاية).
كانت الحرب حرب أجساد، صارت حرب أعصاب، وعقول، وأفكار.
ليس هذا هو الفارق بين الأمس واليوم.
إنما هو الفارق بين إنسان الأمس، وإنسان اليوم.
والناس في الأمس لم يكونوا سواء.. وهم اليوم ليسوا سواء..
أنا ذكي. أنت فطري.
أنا ذكي وعاقل. أنت ذكي فقط.
أنا ذكي وعاقل وعالم. أنت ذكي وعاقل فقط.
وهكذا!
تقدم الذكاء، والعقل والعلم.. هزم القوانين المسلحة وهزأ بها، لأنه أقوى منها.
المحاكم غاصة بقضايا الجرائم. السجون غاصة بالسجناء. دوائر الشرطة تتصبب عرقاً في علاج الحوادث وتتبعها وضبطها.
هذه حرب طاحنة بين القوانين المسلحة، والجمعية البشرية! ولكن ما حصادها؟.. حصادها الضعيف الأقل ذكاء. الأقل علماً..
لا نرى في السجون الأذكياء، ولا العقلاء، ولا الفضلاء.. ولا العلماء ولا الوجهاء. ولا الأغنياء.
بل نرى الفقراء والضعفاء.. والأغبياء.. والجهلاء -دائماً. هذه نظرة غريبة -أيها السادة- (قد تضحككم -وهذا يسرني).
ولعلكم جميعاً تودون أن تقولوا في استنكار عنيف، هذا طبيعي معقول، فما تمتلىء السجون بعلية الناس، بل بسفلتهم.
نعم، هذا طبيعي ومعقول! ولكني لست مخطئاً.
النسيان ليس عيباً، فما يعيبكم أن تنسوا.
نسيتم أن المهذب، الذكي، اللبق، واسع الإدراك، والخيال، الذي مثلت له بنفسي.. هو مجرم أيضاً، بل هو المجرم الخطر.. لأنه أذكى، وأوسع إدراكاً وخيالاً، وأبعد مطالب ومطامع، وأحدَّ شهوات.. هو المجرم الخطر.. ولكنه قوي..
أقوى من المجرم الذي يضرب رجلاً بسكين لنزاع بسيط يقوم بينهما.. ومن المجرم الذي يأكل ويعيش.
أقوى من المجرم الذي يسكر ويترنح في الطريق على أعين الناس، وعين القانون ومن المجرم الذي يزني، ولا يحذق فن التستر، فيقع!
المجرم الضعيف الفقير، الأقل ذكاء وحذقاً، يقتنصه القانون بسهولة أو بصعوبة.
والمجرم الذكي القوي الذي يعرف كيف يضلل القانون، ولا يقتنصه القانون -هذه هي الحقيقة عارية مجردة!
وأظن أن الفكرة وضحت قليلاً الآن..
إن متاعب الإنسانية بأعباء الرذائل والجريمة، ليست هي المتاعب التي يسببها المجرم الساذج الغبي الذي يقتنصه القانون بسهولة أو بصعوبة، بل هي المتاعب التي يسببها المجرم الذكي المهذب اللبق، واسع الإدراك والخيال، الذي سميته أنا..
والذي لا يقتنصه القانون إلا نادراً جداً، لأنه، لا يترك وراءه أثراً.. هو عقدة العقد، وسبب متاعب الأمة التي يكون بينها، وسبب انهيار الأخلاق فيها:
بل هو الذي لا تقوم للأخلاق قائمة إلا إذا اقتنص! هو الذي يتصدر المجالس، ويقود الأفكار، ويسحر العيون، ويخدر النفوس.. وينفق المال سخياً، ويشترك في الأندية والجمعيات، ويساهم في وضع القوانين، ويكتب في الصحف، وينظم الشعر، ويعظ ويتولى تربية الناشئين، ولا يترك وراءه دائماً إلا آثار الجد والرصانة والسلوك الموزون، والسمعة الطيبة.
معنى هذا أن السجون ستمتلىء، وأن الناس كلهم إلا السذج البلهاء مجرمون هكذا تقولون في نفوسكم!
أما أنا فأقول كلا، وستقولونها بعدي!
معنى هذا أن القوانين لا تربي الأخلاق، ولا تبني الأمة.. ولا تقتنص المجرم الخطر.
إنما يربيها ويبنيها، ويقتنص مجرمها الخطر، الحياء، لأنه أقوى أو لأنه القوة..
الحياء الذي جهلناه، وأضعنا أثره، فحسبناه ضعفاً نتنكر له، وننتزعه انتزاعاً من دماء أبنائنا وناشئتنا، وهو قانون الفطرة الإنسانية، وقانون قوتها المطلقة.
الحياء الذي هو القوة والرحمة والعدالة.
اعرفوه وأصيخوا لندائه، فهو الذي يبني الحياة الفاضلة لأنه قانون ديننا.. وقانون إنسانيتنا.
هو موجود في دمائنا.. هو العقدة العصبية القوية التي ما تهزمها العقد العصبية إلا إذا تحولت إلى مسلك عام.. تؤازره الحياة الظاهرة، والحياة المستورة.
يرى المجرم الخطر الذي سميته (أنا) تاجراً ساذجاً، أو رجلاً غبياً، يمكن أن يفترسه، ويختلس ماله على عين القانون، فيستحي برده ضميره الذي هو الحياء..
يرى السرقة سهلة ميسورة من سبيل الربا الذي لا يعاقب عليه القانون إذا كان في ظاهره اتفاقاً تجارياً، أو قرضاً إحسانياً، يسجله القانون نفسه.. فيستحي.
تنازعه نفسه ألا يصوم، لا يصلي، وفي وسعه أن يفعل، لأنه يعرف كيف يتستر ويخدع الناس بالصلاة أمامهم وبالتحدث عن إيمانه، فيستحي.
يستحي أن يكون إيمانه بالناس، أكثر من إيمانه بمعبوده، وبفرائض دينه.
يرى الضعيف الجائع لا يفرض له القانون على الناس شيئاً، ولكن يفرض عليه ألا يسرق، ألا تمتد يده إلى أردية الناس، فيتألم ويستحي.
يرى أنه يتمتع بمنصب مرموق، يكون فيه وسيلة لاستغلال الضعفاء، والعبث بحقوقهم، فيستحي ويتنحى.
يرى العامي الذي لا يعرف شيئاً في الحياة إلا سبيل طعامه، يراه إنساناً قديماً آبداً لا يحسن الكلام، ولا يحسن الفهم ولا يحذق الأساليب المهذبة، فيقول هذا ليس ذنبه، ويستحي.
يرى الشاب الناشىء الضعيف. يتعلق بأسباب العيش فتخذله، ولا من يأخذه بيده فيستحي ويرق.
يرى الغلام الهزيل، تكدح عليه أمه الفانية، أو يكدح عليه أبوه المضعوف. يراه يذهب هدراً، فيتذكر ولده المتعلم المتنعم المترف، فيستحي ويعطف.
يرى المرأة العجوز، والرجل الهرم، أقعدهما كلال السن، والحاجة. يراهما يدبان على الأرض يتلمسان العون من أبنائهما.. فيستحي.
يرى الفتاة تدفعها الحاجة القاسية دفعاً إلى حيث تساوم على قوتها بعفافها فيتذكر ابنته، أو أخته، فيستحي..
يرى اليتيم الذي يعيش بين إخوانه الآدميين، وكأنه ليس منهم، فيستحي.
يرى المرأة الغريرة يستطيع أن يضع لها حبائل الشيطان في حبائله. يراها مأخوذة به، وما بينها وبينه، إلا أن يقبل عليها بعينه، فيستحي. يرى هذه القروح الدامية في وجه أمته، فيحسها قروحاً دامية في ضميره، وقروحاً دامية في نفسه، وقروحاً دامية في عقله، فيستحي. ألا يكون رجلاً يقوده ضميره، وتقوده نفسه، ويقوده عقله إلى العمل والبر والإحسان، صامتاً.
يرى أن أمته لا تكون أمة، ما دام جسدها العام يسيل بالقروح الدامية فيستحي ألاّ يعمل شيئاً.
ويراها نكرة بين الأمم يعصف بها الضعف والجهل، وما هو شر من الضعف والجهل، فتثور به نفسه تطلب لها العلم والقوة والعلو والتمكين.. ويستحي.
يرى أن ثروته ليست من صنع يده، بل من صنع الله الذي أعانه وجعله عضواً حياً في جسم أمته، ويراها من صنع هذه الأمة، ومن صميم متاعب أبنائها وكدحهم، ومن صميم حياتهم الجاهدة، ويرى أنه حجر في هذا البنيان الذي لا يكون قائماً إلا بأن يشد بعضه بعضاً فيستحي أن يقول "ثروتي -حقي" ويستحي ألا يفعل شيئاً للأمة التي كونته وكونت حقه.
يستحي أن يكون التراب أعدل وأرحم منه.
يستحي أن يكون التراب رحيماً يريح الفقير، والجائع ويضم العاري والمنكوب والضعيف، وعادلاً يساوي بين عيال الله فقيرهم وغنيهم، وضعيفهم وقويهم. ألا يكون هو رحيماً عادلاً.
يستحي أن يرى المرأة، أو يرى الرجل، يغالب كلاهما الحاجة، ويتعفف، ويتحمل الصبر، فلا تبضُّ له بقطرة حتى يقول، أو حتى يسأل، أو حتى يشكو أو حتى يصرخ، أو حتى يسقط إعياء.. يستحي ألا يسمع ضميره إلا الأهوال وألا يرى قلبه إلا الدم.
هذا هو القانون الذي يقتنص المجرم الخطر.. ويجعله رجلاً.. وفاضلاً..
وهو القانون الذي يقفل السجون، ويخفف عن الأمة أعباءها، ويطلق سراح الأغنياء، والجهلاء، والضعفاء، والفقراء (المجرمين المساكين الذين يقتنصهم القانون بسهولة).
هذا هو الحياء.. الذي هو القوة.
افتحوا عليكم بصائركم، تفتحوها على القوة التي هي من قوة الله.. من قوة شريعته.. ومن قوة فطرته.
ومن قوة الأنانية الفاضلة، ومن قوة الضمير الذي هو النفس اللوّامة، التي أقسم الله بها في كتابه..
هذا هو الحياء الذي تنطوي فيه الرحمة، وتنطوي فيه العدالة..
هذه هي القوة التي لم تكن رسالة الدين الإسلامي إلا محاولة، حكيمة جادة لتربيتها في نفوس المسلمين.
أرادتها تربية، ولم تردها فرضاً.
كانت في حياة محمد صلى الله عليه وسلم، تضحية صادقة إلى آخر حدود طاقة النفس الإنسانية واحتمالها.
كانت حياء يدفع الناس ألا ينهزموا في مواطن الجهاد.. أمام الكثرة، وأمام الموت المحقق.
كانت حياء لا يترك، الغني يأكل، حتى يشبع الضعيف.
وكانت مثلاً أعلى. تضر به قطعة من لحم، كما تضر به قافلة ضخمة يجلبها عثمان للتجارة، فينفقها للحياء..
قطعة من لحم تطوف على بيوت الأنصار والمهاجرين مطافها الطويل حتى تعود إلى مهدها الأول.. وكانت مثلاً تضر به شربة ماء يدفعها جريح يعالج سكرات الموت، يستحي أن يشرب وهو يسمع أنين أخيه الجريح فيقول حياؤه، ربما كان أحوج إليها مني، فتدور فيدفعها جريح إلى جريح حتى تعود إلى دافعها فإذا هو قد مات.. وإذا هم قد ماتوا..
هذا ما أراده القرآن.. فكان.. وما يريد القرآن مستحيلاً.. إنما يريد الممكن. وهذا هو الحياء الذي تنطوي فيه الرحمة بجمالها المطلق؛ وتنطوي فيه العدالة بحقها المطلق، لأنه القوة المطلقة.
القانون الذي تحول في دمائنا إلى زواجر لا شعورية، وإلى مشاعر مغلفة، وإلى عقد عصبية سامية، مات مفهومها، وبقيت قوة لكنها غامضة مبهمة، وقانوناً لكنه أعمى، ومبدأ لكنه منكور.!
تجري به كلمة "استح" غامضة مبهمة، متحيرة، ضالة، لا تعرف سبيلها القويم تارة تصيبه وتارات تخطئه. في البيت، في الزقاق، في المدرسة، وعلى لسان الأب والأم، والأخ والأخت، والرفيق، والأستاذ، والرجل العابر!
وعلى لسان البنت الخفرة التي ما تحس عرفاً ولا نكراً، تقولها بدمها الطافر إلى وجهها المحتقن، حمرة قانية تفاجىء طبيعتها، بشيء تنكره طبيعتها -استحي.
ألا ما أحبها كلمة، ولو كانت غريبة بيننا، ولو كانت مجهولة، ولو كانت مجفوة، ولو كانت بلا مدلول.. أو كان مدلولها حائراً ما يهتدي..
هي بقية تراثنا، وقوتنا، الذي ما فقدناه في دمائنا بعد أن فقدنا كل شيء.
ذخيرتنا فاعرفوها.. اعرفوها.. ولو لم تعملوا بها.. ورددوها..
فالمعرفة أساس الإيمان..
والتكرار وسيلة الإقناع..
اجعلوها في البيت قوة تعرف سبيلها.
وفي المدرسة معرفة لا زجراً.
وفي الحياة مبدأ وعقيدة وسلاحاً.. لا لعبة..
أيها الخطيب الذي يضلل الضمائر، ويقول ما لا يعتقد -استح
أيها المتحدث الذي يخدع أخاه، بما يضمر ضده -استح
أيها البائع الذي يروج سلعته، بالزيف والتمويه -استح
أيها الكاتب الذي يئد الحق والجمال والقوة ليظهر -استح
أيها الشاعر الذي يصنع الكذب والباطل والملق في شعره، فيسجل به عاراً على أمته -استح
أيها الفاضل الذي يتاجر بفضيلته.. ليقيد بها مالاً وسمعة وجاهاً -استح
أيها الكريم الذي يقيم المآدب، ينفق عليها المئات، في مآتم أمته -استح
أيها المتعلم الذي يحتقر الأمي والعامي. ليس هذا ذنبهما -فاستح
أيها المتكبر الذي يتنكر للضعف والفقر، ويبصبص للقوة والنفوذ -استح
أيها الشاب الذي يمتهن الشيوخ.. كان الإنسان القديم يحترمهم -فاستح
أيها الطبيب الذي يعرف لغة المال والجاه، ولا يعرف لغة الحياء والضمير -استح
أيها الوطني الكاذب الذي يتنكب سبل الجهاد، ويروغ من التضحية الصادقة، فيجعلها فلسفة تتعلق بالممكن، وغير الممكن -استحِ.
أيها الوطني الصادق، إن أعجزك الجهاد لأنك ضعيف، أو لأنك فقير، فجهادك أن تأخذ بيد الضعيف تواسيه، وبيد الحائر تهديه، وبيد المصاب تعزيه، وبيد الجاهل تعرفه ما يجهل، وبيد العاثر تنهضه.. وجهادك أن تنفخ في الضمائر حتى تحيا.. فإذا ابتليت بما يبتلى به المجاهد المضعوف، من سخر يلذعك، أو غمزة تجرح كرامة نفسك، فقام في رأسك أن هذا واجب الجميع، لا واجبك وحدك -استحِ.
أيها الرجل الذي لا يرى في المرأة إلا الجسد هي الأم التي تلد الحياء.. والرحمة.. والعدالة.. والأم التي تلد الرجال، لو اصطنعت على ما يهيئها لهذا -فاستحِ.
أيها الأب الذي يكفيه من حبه لابنه أن يبنيه ليعيش لا ليحيا وأن يبنيه لنفسه ولأسرته، ولا يبنيه للخير ولأمته -استحِ.
أيها الشاب الذي يتطرى ويذوب حتى يفقد رجولته، اللغد نعت الإناث استحِ.
أيها الأديب الذي يظن أن ما وهبه الله من إدراك ويقظة، حقه لا حق الأمة عليه، ولا أمانتها عنده. الأدب نصيبك من الجهاد فاصدع به، وتصبب عرقاً، للأمة التي ما بلغت بك الرشد على ضعفها، حتى تصببت عرقاً، كن لنفسك قليلاً.. ولها كثيراً.. واستحِ.
أيها الرجل الذي يسمم عقائد الناشئين وأفكارهم بأفعاله، وأقواله، هذا عماد قوة الأمة في مستقبلها -فاستحِ.
أيها الوطني، أنت رجل لا ينسى قضية نفسه وأسرته، فلا تنسَ قضية أمتك ووطنك. اشتغل بها في نفسك، حتى تكون عقدة عصبية، يرثها ابنك وبنتك -فإذا كانا صغيرين، ولقيا رجلاً يضحك في مأتم أمته، طفر الدم إلى وجناتهما حمرة قانية، وصرخا به -استحِ.
أيها الوطني لا تحقد على الضعيف إذا كنت قوياً، ولا تحقد على الضعيف إذا كنت ضعيفاً. هو في الأولى دونك، وفي الثانية ندك.. أنتما قوة فحذار أن تضيع بالانقسام.. كان ابنك الصغير، يضرب الكلب الصغير، فتقول له استحِ.
وكان يضرب نده، فتقول له استحِ.. فاستح أنت من ضعيف يكون دونك، ومن ضعيف يكون مثلك.. واحقد ما استطعت على القوي المتكبر، وعلى القوي الظالم.. احقد حتى تكون قوياً فاضلاً، يأخذ حقه فيعدل، أو يأخذ حقه فيرحم.
أيها الوطني.. المسلمون أمناء بعض.. بنتي وابني أمانة في يدك وبنتك وابنك أمانة في يدي، فافعل بأمانتي ما تريد أن أفعل بأمانتك.
وأيها الوطني الذي ليست له أمانة.. لا تكن مجرماً..
إن كنت عقيماً ففي الأمة يتامى.. فيها بنات يفسدن.. وأولاد يفسدون. يفسدهم الفقر والضعف، وتصلحهم التربية والإحسان. التبني سنة نبيك، فاجعله فرض حيائك..
وإن كنتَ أعزب، فما أقول لك تزوج، فإني أعرف أن الزواج امتحان عنيف للضمير وللرجولة وللطاقة. امتحان قد لا تستطيع احتماله قوتك.. لأن الناس جعلوه تجارة فما أقول لك تزوج ولكني أقول لك استحِ.
إن كنت مريضاً مرضاً معدياً.. فلا تتزوج، ولا تكن مجرماً.. واستحِ.
إن كنت بحاجة إلى خادم، ولست بحاجة إلى زوجة فاستحِ.
إن كنت لا تعرف في المرأة إلا لغة جسدها، ولغة شهوتك فاستحِ.
إن كنت لا تستطيع أن تعول زوجتك وتربي ولدك، وتؤدي به أمانة أمتك وأمانة وطنك فاستحِ.
أيها الأب.. أيها الأخ.. أيها الوالي!
إن كنت لا تريد لفتاتك إلا الفتى ولو لم يكن رجلاً.. فاستحِ.
إن كنت تبيعها لمن يدفع الثمن الذي تحدده فوراً، ويحقق الشرائط التي تفرضها.. ولو كان مريضاً.. ولو كان طاعناً في السن.. فاستحِ.
إذا تقدم إليك الرجل.. ووقع في نفسك أنه الرجل، فادفعها إليه دفعاً. لا تضع في سبيله عراقيل المهر الضخم، والمآدب الفخمة، والنفقة المسرفة دع ما في يده، يستعن به على حياته، وحياة فتاتك وأعنهما ما استطعت.
المهر للتحليل، فلا تجعلوه تهويلاً.. إن الله يكره الإسراف.. ويكره الغلو.. والشيطان هذه فخاخه.. يصطاد بها بناتنا وأبناءنا.. الزواج ضرورة الحياة.. وفريضة الدين.. فرائض الله، تؤدى على التراب، وينوب فيها شيء عن شيء، ينوب فيها الصعيد عن الماء.. والإيماء عن الأداء.. وتقوم فيها النية الطيبة مقام العمل الصالح..
هذه فرائض الله لا غلو فيها..
فلماذا نجعل الزواج تجارة.. تتم بها الغلبة علينا للشيطان..
أيها الأب، أيها الأخ، أيها الولي، إذا كنت على شيء مما تتم به الغلبة للشيطان.. فاستغفر الله واستحِ..
أيها الوطني الذي تدمع عيناه للعظة لا يدمع لها ضميره -استحِ.
أيها الوطني الذي يدمع للعظة ضميره، ولا يفعل شيئاً.. استحِ.
أيها الوطني الذي لا يفرق بين كلمة الحق يرسلها الضمير ناراً، وكلمة الحق يرسلها اللسان لهواً استحِ.
أيها الوطني الذي يسمع بأذنه، ويرى بعينه، ولا يسمع بضميره، ويرى بحيائه -استحِ.
أيها الوطني إذا هممت أن تؤذي ضعيفاً خرق قانونك، أو قصر.. فاذكر من يعول.. واذكر أن الفقر يعلم الناس العثار.. استح!
أيتها المدرسة التي تدفع إلى الحياة شباباً حائراً لا يعرف سبيله في الحياة -استحي.
أيتها المدرسة التي تخرج متعلمين، لا مؤمنين، وقوالين، لا فعالين، وتخرج ذكاء، ولا تخرج حياء، وتخرج أجساداً، ولا تخرج رجولة وقوة وطنية -استحي.
وأيتها الأمة التي لا تبني مدرسة تصنع الرجال الأقوياء يقيمون مجد الوطن -استحي.
وأيها المتعلم المترفع عن غشيان معترك الحياة، كما يغشاه الأمي والعامي، يعمل كلاهما بنفسه، وبيده، وبجسمه، العمل شرف وقوة ورجولة فاستحِ.
ما نظننا الآن وقد طال بنا الحديث، بحاجة إلى تحليل الرحمة والعدالة.. بعد تحليلنا الحياء الذي هو القوة.
الحياء والرحمة والعدالة، تنطوي معانيها في معانيها فتكون المعنى الأسمى، كما تنطوي أجزاء الجمال في أجزائه، فتكون الجمال.
ونجمل لكم القول في معنى الحياء.. الذي هو القوة.. والذي هو قوام الفضائل..
معنى الحياء في الرجل أنه الرجل الذي لا يقتنصه القانون، ولا تقتنصه القوة ولكن يقتنصه ضميره ويغلبه حياؤه..
ومعناه في المرأة أنها المرأة تهزم الشيطان، وتطرد المجرم الخطر، وتجعل من جسدها حرماً لا يتدنس وفيها حياة.. ما دامت لها طاقة!
فإن كانت جاهلة، أو محتاجة، أو ضعيفة، فذلك ذنب الأمة التي لا يكون فيها رجال -وإن كانت طائشة، بها مس من طبيعة الشيطان فيها، فذلك ذنب الرجل الذي يراها جسداً.. فتنقلب به حيواناً بقرنين.. وبنفسها حيوان لا يستحي.
فليكن الحياء، شعار الضمائر في هذه الأمة، وشعار حياتنا، وشعار الفضائل فيها..
وليكن أساس تربية المنزل والزقاق، والمدرسة والحياة..
عودوا الآن إلى كلمة الأستاذ العقاد (ليس بحي الضمير من لا يسمع صوت ضميره مرة) واجعلوها: ليس رجلاً ذا ضمير، من لا يسمع صوت حيائه دائماً.
قال محمد صلى الله عليه وسلم: الحياء والإيمان مقرونان فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر. وقال: لكل دين خلق. وخلق الإسلام الحياء. وقال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
خاطبنا الضمائر والنفوس هذا الخطاب الشعري الذي نرجو أن يكون مؤثراً وأن يكون تفصيلاً لنظرتنا إلى الحياء، وعلينا الآن أن نسأل كيف نستفيد من هذه القوة المذخورة في دمائنا، وكيف نجعلها أساساً نبني عليه تربيتنا الفاضلة؟
وهذا في الواقع لبُّ الحديث وخلاصته، والنقطة التي يجب أن تبقى مداراً لجهاد أقلام قوية من أدبائنا وشعرائنا، ومثاراً للتوليد، والقول، والتفكير الدائم.
وقد طال القول، وهذا ما يدفعنا إلى اقتضابه حتى تحين فرصة لدراسات خاصة، تعطي حكم الاستقلال والتفرغ.
لا تحيا أمة إلا بالتربية الصالحة، وما نراه من الفروق بين الأمم الناهضة إنما مردّه تفاوت أساليبها في التربية.
وقد تماثل أمة أمة في قوتها الظاهرة، ولكن الغلبة تكون دائماً لأقواهما خلقاً.
وتفوّق السياسة الإنجليزية ليس مردّه القوة الحربية، ولا امتياز الذكاء والإدراك، ولا قوة النفوذ، وامتداد السلطة وارتفاع ميزان الثروة، لأن هذه النتائج ضمنتها قوة الخلق في الفرد الإنكليزي.
ولقد كانت فرنسا، وما تزال أقوى ذهنية، وأحد شعوراً، ولكن اتجاه المزاج الإفرنسي، كنتيجة لأسلوب التربية الغالب في فرنسا جعل الفرنسي، دون الإنجليزي، في متانة الخلق، وصدق الاتجاه، وقوة العزيمة، وضبط النفس.
والإجماع عام على أن أية نهضة لا تقوم على قوة خلقية في أمة، إنما تكون نهضة مقضياً عليها بالانهيار والتحير..
واتجاه الأمم في إطلاق الحرية لتربية الطفل، واتخاذها سياسة لا تنزل المنزلة الثانية من سياسة الشعب العامة، دليل على صحة هذا القول.
فإذا قصد الأهل دور السينما، والمتنزهات لم يحرموه هذا الحق، وإذا كانوا يمارسون ألواناً من اللهو البريء، لم يحجروا عليه ممارستها، وإذا كان يلقنونه الرحمة والعدالة والاتساق والأدب، كانوا في كل تصرفاتهم أمامه رحماء عادلين، متسقين، مؤدبين، وإذا أطلقوا لأنفسهم عنان الحرية في شيء لم يمنعوه أن يأتيه.
فالطفل جزء من المجتمع الصغير في بيته، ومن المجتمع الكبير في مدرسته، فهو لا يشعر أنه صغير، أو ضعيف، أو مقيد الحرية أو مهضوم.
وخطؤه فرصة تنتهز للتفاهم معه، والنصيحة له، وإرشاده، لا لزجره وازدرائه وكبته، والتربية في المدارس في أكثر مراحلها، توجيه وليست قيادة وتحتيماً. والمدارس تفرح بالطفل الشاذ، لأنها تعرف أنه سيكون رجلاً من نمط خاص، فهي تعنى بتهذيب هذا الشذوذ فيه وتوجيهه، ولا تقاومه أو تقسره.
وإذا كان وجود الكبير بين الصغار تقييداً لهم، وحجراً على حريتهم، فإن وجود الطفل بين أهله، حري بأن يكون تقييداً لهم، يحملهم على أن يسلكوا أحسن السلوك وأدقه، مراعاة لما يجب أن تقع عليه عينه من صور الكمال والجمال.
فلو قلنا للطفل عندما يضرب كلباً، استح، وشرحنا له أن الكلب ضعيف لا يستطيع الشكوى، ولا الدفاع عن نفسه، وأنه وديع ولا يؤذي، وتظاهرنا بالحزن والرثاء على هذا الكلب، وأوجبنا على الطفل أن يقدم له ترضية من طعام، واتجهنا هذا الاتجاه في كل ما يشبه هذه الحادثة، لكانت عقدة الطفل العصبية، عقدة نبيلة، تجعله يشعر بالقوة وبقانون حريتها.
نحن نخطىء كثيراً عندما نظن أن الأطفال في سني حياتهم الأولى لا يعرفون، ولا يدركون.
إني أعتقد أن أحسن مبادىء التربية، وأسوأها، لا ترسخ في دم الطفل ووجدانه وعقله الباطن، بقدر ما ترسخ في العشرة الأولى من تاريخ نشأته.
وإذا كنا نعرف خطر تسميم عقل الشاب، بالمعلومات والمبادىء الفاسدة في الخامسة عشرة، أو العشرين من عمره، فيجب أن تكون أكثر تقديراً، لما يسمم دمه، ويكون عقده العصبية في طور مراهقته الفكرية.
والملوك والزعماء، عندما يريدون تنشئة أبنائهم على أخلاق وميول خاصة، يطلقون لهم حرياتهم، ويحيطونهم بما يطبع نفوسهم وأفكارهم على ما يراد إعداده له من حياة وتقاليد.
فالذي يراد له أن يكون كريماً يجعلون له بيتاً، وحاشية تأتمر بأمره وخيولاً مطهمة.. وقصاداً، ومآدب -ويكون هو في أثناء هذه الحياة جاهلاً معانيها كل الجهل، في الظاهر، ولكن دمه ينطبع عليها بالإيحاء والممارسة.
والذين يريدون الخيول على أن تحذق أساليب خاصة من السير والحركة والنشاط الظاهر والفراهة، يأخذونها بأنواع التدريب والتمرين، ويبذلون في هذا من الجهد، ودوام الملاحظة والعناية كثيراً، ويرسخون فيها كلمات، ونداءات خاصة، وإشارات، تتأثر بها مع طول التجربة، وهذا يكون عندهم ضرورياً لضمان هذا المطلب.
ومن الغريب حقاً أن يهمل الطفل، ويكبت، ويعامل كما يعامل حيوان مغلق لا يحس ولا يدرك، فإذا كانت بعض الحيوانات، تستفزها كلمات وإرشادات، عودت على الاستجابة لها، فكيف يهمل الطفل الذي يراد له أن يكون رجلاً مؤدباً قوياً حراً، يضطلع بمسؤوليات بيته، ووطنه في المستقبل؟
إننا نرى صلات الأمهات والآباء في الأمم الراقية، بأبنائهم، صلات ودية عميقة، تشبه أن تكون صداقة وارتباطاً في معظم أدوار النشأة، ونراها عندنا صلات تشملها القسوة والجمود والإهمال والفوضى، على اعتبار أنها تربية وحدود تقتضيها فوارق السن والإدراك، والمقام.
فإذا ترك الطفل لنفسه، شعر بغربته في هذا المحيط، وتعلق بالزقاق أو بالخدم، فنشأ نشأة شاذة مضطربة، تكون شر أساس لحياته المدرسية، فإذا كانت هذه مضطربة شاذة خرج إلى معترك الحياة، حيواناً له مظهر الإنسان..
حدثني صديق كان يتلقى الطيران على يد أستاذ إنجليزي، قال كان الإنجليزي يشرح كيفية استعمال البراشوت (مظلة النجاة) قائلاً:
عندما تفشل في ضبط طيارتك وهي هابطة، تلقي بنفسك في الهواء، وتحل في اتزان، أربطة المظلة، فلا تلبث أن تمتلىء بالهواء، وتقلك، فبادرته سائلاً.. وإذا فشلت المظلة، فأخذ الإنجليزي بغرابة هذا السؤال، وقال بلا روية، وبلهجة عنيفة.. يستحيل أن تفشل.. إنها مصنوعة في إنجلترا، فهذه عقدة عصبية لهذا الإنجليزي، تعطينا فكرة واضحة عن تشبع نفسه، ودمه، بعظمة مصنوعات إنجلترا، ودقتها، واستحالة احتمال فشلها، في أداء مهماتها، ولو كانت فكرة واضحة لوسعه أن يتصور أن في الدنيا مظلات غير إنجليزية يحتمل أن تفشل.. إذا كان الفشل لمظلات إنجلترا مستحيلاً!
هي نادرة يصح أن تكون دليلاً على جمود طبع الإنجليزي، وضيق مدى فكره، ولكنها استجابة خاطفة، تشير إلى إحكام العقد العصبية الأولى أيضاً..
لا يستحيل أيها السادة أن يعرف الطفل من حياته المنزلية، قوانين العدالة، والرجولة، والحرية، والوطنية، والجمال، والعواطف، والجندية، والموسيقى، والرياضة، والاتساق، والكرم، والشجاعة، والرحمة.. متى عرفنا كيف تستغل قوة الحياء فيه هذه القوة التي نفسد بها حريته، ونبلبل اتجاهاته، ونكبت بها نزعاته المتطلعة، وتقضي على نشاطه المأمول، بدل أن نجعلها قانون القوة فيه، وقانون الحس والشعور والغيرة، وتربية الضمير.
مع أن الإنجليز اليوم يضربون أعلى المثل في نظام تربيتهم المدرسية، فإنهم قليلو الثقة بهذه المدارس، فهم لا يدفعون إليها الطفل إلا بعد أن يطبعوا نفسه بطابع الرجولة، ووثائق الخلق، ويقيموا عليه من ضميره وتقاليده الراسخة في دمه حارساً يقظاً قوياً.
وقد أصبح كل باحث في التربية تقريباً، يعتقد أنه لا شيء يعادل في الأهمية السنين الأولى من حياة الطفل، فهي التي تكون مركز القيادة الوجدانية والجسدية والفكرية فيه، ويعتقد بعض علماء النفس، أن الطفل في نهاية سنته الثانية، يكون قد أتم شكل قالبه المستقبل، فلو توسعنا قليلاً بهذه النظرية إلى حد الرابعة، فما هي طائلة العقاب المعنوي الذي تتعرض له أسرة لا تعرف إلا أن الطفل في الرابعة أشبه بحيوان لا يعي ما حوله؟
ولم تلتقط هذه الصور الحساسة مما يدور حولها؟ وكم تفعل سيطرة الآباء والأمهات، في القضاء على القوة الطبيعية في الطفل، بهذه الحيرة العمياء لا تعرف سبيلها.
إذا كان الأطباء يعدون من المسائل الكبيرة الخطر في حياة الطفل الجسدية، مسائل التهوية، والبكاء، والغذاء والنوم، والملابس، والأمراض المعدية، فإننا نرى أنها تقل خطراً عن مسائل صحة العقل، والعقد العصبية، والعادات الوجدانية.
إننا نرى أمماً لم يمنعها فقدان النظام الصحي من تكوين حضارتها، ولكننا لا نرى أمة تفقد التربية النفسية والفكرية، بقديرة على أن تقيم حضارة تسلكها في عداد الأحياء الحقيقيين. ومن سوء الحظ أن مدارسنا -على ندرتها- لا تزال تتبع الطرق القائمة على الكبت والقمع، وسوء استغلال قوى الطلبة وتبديدها، إما بسوء أساليب الدراسة، أو بدراسة مطولات تثقل الذاكرة، وتشوش الفكر، أو بتدريس مناهج أجنبية، لم تُبن على طاقة الطالب عندنا، ولم ينظر فيها إلى المقومات الذهنية والنفسية التي يجب أن تكون شخصيتنا الخاصة كأمة مستقلة.
إن العيوب التي تتخبط فيها مدارسنا يرجع معظمها إلى جهل أساتذتها علم التربية، وإلى عدم وجود قيادة خبيرة تبني مطالب التربية وفروضها على دراسة دقيقة عامة لطاقة الفكر والذكاء، ومقوماتها الذهنية، والنفسية، وإن كانت الحركة التعليمية الأخيرة تعد ثورة بالنسبة إلى الماضي.
ولو استقصينا هذه العيوب لما رأينا إزاءها حسنة واحدة.
وحسبنا دليلاً على هذا، أن الدراسة عندنا لا تزال قائمة على حشو الذهن بالمعلومات والقواعد، وعلى إرهاق طاقة الطالب، وكبت نزعاته النفسية والوجدانية..
وها نحن نرى آثار هذه العيوب، في انمحاء آثار الشخصية من جميع مَنْ تخرجهم المدارس وفي كلال أذهانهم وأعصابهم، وفتور حيويتهم الفكرية، فلا نكاد نجد أثراً لنشاط الفتوة في نفوس أبنائنا.
فالغلام عندنا مطبوع بطابع الكهل، والشاب مطبوع بطابع الشيخ الهرم.
إننا نرى آثار القمع ظاهرة في ما يلوح على أبنائنا من أعراض الحكمة والفلسفة الخامدة، فالشاب قصير النظر، فاتر الطموح، لا يتطلع إلى غير أن ينال عيشه، ويتجنب ميادين النشاط والحرية والاستقلال.
إن مسألة اختيار الأستاذ والمربي، لم تعد من المسائل الثانوية بالنسبة للتربية العامة، وإذا كانت طبيعة حياتنا قد أفقدتنا الأب والأم الرشيدين، فلا أقل من أن تعوضنا التربية المدرسية أساتذة يقودوننا بحكمة وخبرة، ليعدلوا ما فينا من اعوجاج.
يقول الأستاذ الألماني ليبنتز "سلمني قياد التربية، وأنا ضمين لك أن أغير وجه أوروبا قبل قرن واحد من الزمن".
فمن الخطأ أن تعطى مقادة التربية العامة، لأناس لا همّ لهم إلاّ تلاوة المقررات المطولة والمقررات الجامدة ليعيدها الطالب حفظاً وتسميعاً.
إن سياسة التربية يجب أن تنزل المنزلة الأولى، من حياة الأمة التي يراد لها التقدم، وتبتغي لها الحياة.
عندما أرادت انجلترا تكوين فكرة صحيحة عن المبادئ المثلى للتعليم والتربية، أسندت هذا العمل إلى أكفأ رجالها، من ساسة، وأدباء، ونقاد، وفلاسفة، وعلماء، ورياضيين، وفنانين، وصناع وكانت النتيجة أن يقدم لها القرار في عشرين مجلداً ضخماً..
ففي أي عدد من الأوراق يوضع القرار الذي تستند عليه التربية المدرسية عندنا؟ لهذه الأمة؟ وفي يد أية جماعة توضع دفة التربية العامة لهذه الأمة..؟
أليس من العار أن تكون مدارسنا، معامل تفريخ، كل غايتها أن تدفع عدداً من حملة الشهادات، لا يعرفون فناً تجريبياً، ولا علماً عملياً، ولا صناعات يدوية، تفتح في الحياة ميادين نشاط جديدة، غير ميدان "الوظيفة، والمكتب والديوان".
أليس من العار أن ينال الكتاب المدرسي من عناية القائمين بقيادة التربية، ما لا ينال عشره الطالب، وذكاؤه، وأعصابه وطاقته، وسلوكه، ونفسياته واتجاهاته الطبيعية، وحريته.. ومستقبله؟..
أليس من الخطأ القاتل.. ألا يعبأ قادة التربية بتغيير القوالب والأوضاع بعد أن تغير، وتغيرت مطالبه، وبعد أن كشفت الفنون، والعلوم، والبحوث، والتجاريب الدقيقة عن نفس الناشئ، وعينت الاتجاهات التعليمية التي تجعله رجلاً وإنساناً عظيماً، وفعالاً، وقوة..؟
مما يدعو إلى الأسف حقاً أن الباحث في الفضائل والرذائل لا يتاح له الوصول إلى حقيقة قيمتها في الواقع إلا متى طالع الناس بهذه الصور الشاحبة المرعبة، كأنما همه أن يعرض شر ما في الحياة.
على أن غاية المفكر والأديب، يجب أن تكون دعوة إلى اكتشاف مسرات الحياة ومحاسنها، لأن النظرة السلبية إلى الحياة، دليل الفتور وضيق مدى الخيال.
فإذا آنس الناس منا هذا التجهم للفضائل، فليعلموا أنه ليس تجهم الكفران والإباحة والإطلاق، إنما هو تجهم الشعور بالخيبة والإخفاق، وتجهم من لا يرى بداً من الاعتراف باختلال المعتقدات التي تقود حياة الأمة والناشئين في طريق غير طريق الحياة المثلى.
إن كثيراً من مفكري الغرب وقادة الفكر فيه، يفرقون من اختلال التوازن بين قوانين الأخلاق والفضائل التي كانت خلاصة جهاد العقول، في تاريخ الإنسانية الطويل، وبين سير الحياة العام، ويهولهم هذا التنافر الظاهر بينهما. ويدركون أن التربية المدرسية السامية تذهب ضحيته، ويعرفون أن النظرة العامة إلى الفضائل لم يبق لها من القوة والتماسك، ما يدع مجالاً للأمل في مستقبلها.
ولكنهم لا يعرفون طريقة لعلاج هذه الحالة إلا طريقة الوعظ، والإنحاء باللوم والتقريع، على من يكشفون الستار عن حقائق هذه الفضائل التي تتعبد بها الأفكار هذا التعبد الشعري الفاتر.
ونعتقد أن علماء التربية البدنية وقادتها، أفادوا الفضائل أضعاف ما أفادها هؤلاء الخطباء الذين ينتهزون الفرص لإلقاء الكلمات الغامضة المطلقة الشعرية عن أحلامهم بالفضيلة، والتشريح والتشخيص، كانا دعوة موفقة إلى بث روح العفة، والاعتدال في الناس، ولما يكتب النجاح للمواعظ والتعليم والزواجر.
هناك طريقة لتربية القوة، وتربية الفضائل ظهر نجاحها للعيون، هي طريقة الصراحة والتجريد، والتربية القائمة على العمل والممارسة، لا على العظة وإثقال الذاكرة وطحنها، وإذا صعب علينا أن نخضع الناس لسلطان ألفاظ لم يبق لمدلولاتها صدى في حياتهم العامة، فإن الصراحة والاعتراف هما سبيل إعداد النفوس للإصغاء إلى أصوات الضمير والمصلحة.
لم يعد من مصلحة الحياة أن تكون النظرة إليها نظرة ارتياب وقلق ومن الحماقة أن ينزل النواح منزلة الإصلاح والجد والقوة.
فمن لا يرى أن التسليم بواقع الحياة، والتقدم لمجابهة قوانينها الصارمة، وحقائقها العارية، أمر لا بد منه لناشئة بلاد يراد لها الحياة..؟
فالتكتم والتستر على خلل بعض القواعد السائدة، والحقائق والتقاليد الموروثة وضعفها، جريمة لا يغتفرها العقل الطامع، لأنها تجر إلى الفشل والحيرة والفناء.
وليس لنا أن نفرق من مواجهة الحقائق، فمن المتوقع أن يكون مستقبل كثير من الحقائق الراسخة، والتقاليد المتحجرة والأوضاع المتصلبة، قاضياً عليها بالزوال.
ولا خسران في هذا للحياة، ولا بوار لخير ما فيها، فهذه نواميسها، أن على من يريد البقاء والنجاح أن يتذرع بالقوة، وأن ينظر إلى الحياة بعينين يقظتين، لا تراودهما الأحلام الفاتنة.
وقد كشف الطب عن أمراض مغلغلة مستعصية، في بعض الأمم، والأسر، والجماعات، والأفراد، كان التستر سبب استفحالها.
فإذا وقفت التربية المدرسية ووقفت قيادة الفكر عندنا، موقف التستر والمداورة والجبن، في مواجهة الحقائق وواقع الحياة، انتهت بنا أمراضنا النفسية والفكرية إلى اضمحلال محقق.
هذه لمحة سريعة نقيم بها المثال والمقياس فقط، ومجال الحديث فيها بعد، ما يزال واسعاً جداً.
عرفنا مما تقدم، الفضائل وجماعها، وقوامها فما عماده الذي ينهض بأعباء رسالتها، والذي يكون سلاحها وحامل لوائها؟
إنه الرجولة، ولذلك اخترنا أن يكون عنوان هذا الحديث "الرجولة عماد الخلق الفاضل" ولذلك سيكون خاتمة حديثنا، تحليلنا للرجولة.
إن الرجولة كالجمال قانونها فيها، ولذلك كانت أساس نشأة الفضائل في الأطوار الأولى التي تحدثنا إليكم عنها طويلاً.
ونحن لم نر في ما أسلفناه من دراسة وتحليل وفرض (بعد الغرائز الأصلية، وقوانين ضروراتها) أساساً لنشأة الفضائل، أو نشأة القوانين الأدبية التي نسميها فضائل إلا الرجولة التي كانت رمز القوة، والشعور بمحاسنها والميل إلى اتباعها وتقليدها.
فالقوة الجسدية بعد أن أدت رسالتها دفاعاً ومقاومة واكتساباً، وتمهيداً وبناءً وتقريراً للذات، نزعت أو انقادت انقياداً طبيعياً إلى إقامة حدود ساذجة لقوانين أدبية، كانت أشبه بفرائض اختيارية تشد من أزر الجماعة، وتجعل مدى القوة، أوسع، وأرحب غير شاعرة بأنها فضائل تتصل بدخائل النفس لوضوح اتصالها بأسباب حياتها الظاهرة.
لا نريد بهذا التمهيد أن نعتبر الرجولة فضيلة، أو قواماً لها، لأننا قد انتهينا إلى أن الحياة قوام الفضيلة، وإلى أن الرجولة عمادها، الناهض برسالتها، لكنا نريد امتحان هذا الرأي لنعرف نصيبه من القوة والصحة.
قد يكون الإنسان فاضلاً ونصيبه من حرية الفكر نصيب منقوص، ويكون فاضلاً، ونصيبه من الغيرة على الحق والجهاد له، نصيب عادي، ويكون فاضلاً بالقناعة، والعفة، والأمانة، والصدق، والجود.
لكن الرجل لا يكون تام الرجولة إلا متى أخذته نفسه أخذاً صارماً بفضائل طبعه، وأخلاقه، وإيمانه الصارم، وهذا قانونه..
فإذا لم يكن عفيفاً كان مستحياً، وإذا لم يكن شفوقاً كان حليماً وإذا لم يكن إيثارياً كان محسناً، وإذا لم يكن قنوعاً، كان شهماً، أنوفاً، وإذا لم يكن رحيماً كان عادلاً..
وقد حللنا إعجابنا بالفضائل وقلنا إنه إعجاب بقيمة شيء نرى مشقة في اكتسابه، وانتهينا إلى أن الفضائل ترمز إلى القوة، أو تقرب أن تكون محاولة قوة.
أما إعجابنا بالرجولة الناضجة، فليس إعجاباً بالقوة فحسب، بل هو إعجاب بحرية هذه القوة في أروع مظاهرها.
فالفضائل قوة بأثرها، وإشاراتها، وغلابها للنفس، لأنها اكتساب وممارسة.
ولكن الرجولة طبع وفطرة.
والفاضل يقود نفسه، أو يقسرها.
والرجل تقوده نفسه، وتقسره، ويقوده طبعه القوي وفطرته العارمة، وإيمانه الصارم.
فقوة الرجولة إذاً قوة حرة، تؤمن بحريتها، إيماناً صارماً.
ومعظم الفضائل، انحراف نفعي مستور، بمطالب النفس، وأنانيتها الخفية، وقد سبقت الإشارة الواضحة إلى هذا.
ونحن نعرف الرجل بطبعه القوي، وقانونه الصارم في نفسه، وضراوة فطرته المجردة، وباتزان خطوات هذه الفطرة، والاستجابة الاضطرارية لها.. نعرف الرجل بهذا، وقد يكون مجرداً من الفضائل الهنية المستحبة والمزايا الكسيحة.
فالرجولة قوة في ذاتها، ولكن الفضائل قوة بما فيها من سمات الشعر وشياته، فهي قوة في مجال الفتنة، لذلك كانت بواعثها تهذيبية محضة.
ومن الأمثلة التي تضرب في هذا الموقف الدقيق للتقريب، مثال رجل يملك ألفين فيجود بنصفها ورجل يملك واحداً فيجود بنصفه.
فالمقارنة المادية الجامدة تضع واهب الألف في القمة، لكن المقارنة الفكرية الدقيقة، تقدم عليه ضده، لأنه يهب مادة حياته، ومادة أمله، فما يبقى له بعدما يهب ما تصيب به الحياة أقل مطالبها، وواهب الألف يهب ما لا تفقد بعده النفس أحفل هذه المطالب.
ذاك يهب من نفسه، وهذا يهب من ذخيرته الطائلة.
ذاك تكلفه نفسه أن يهب، لأنه يستحي ألا يفعل فهو قوي وهذا يستجيب مختاراً أو مضطراً لما يجب أن يستجيب له الغني المجدود، فهو أقل قوة.
ذاك يعطي من نفسه لا ليأخذ، وهل يحلم أن يأخذ بنصفه شيئاً؟
وهذا يعطي من ماله ليأخذ.. يأخذ إكبار الناس، وبعد الصيت، والمكان المرموق، والمثل المضروب.
إذا دخل واهب الألف من باب الكرم، والتضحية الضخمة، والفتنة، دخل واهب النصف من باب الرجولة الشامخة.
ففي الحياة إذاً مسافات وأمداء ما تقاس بالذراع، لكن بمقاييس الفكر والضمير.
وأنا إذا ذهبت أقيس الرجل بصداه في جيله، فإنما قمت أقيسه بأفضل المقاييس، وأكثرها خداعاً، لأني ناظر إلى السعة الظاهرة، لا إلى العمق المتخيل.
فالرجولة هكذا تكون مقلة، ومنزورة، وتكون ضعيفة، وهزيلة، في منطق الموازين الجامدة، ولكنها القوة، والحياء.. والرحمة والعدالة.. في منطق الضمير ووزنه.
يتزحزح الفاضل بفضائله قليلاً أو كثيراً، فلا تشيل كفته الراجحة في العرف وموازينه بهذا الانحراف، لكن الرجل لا يستطيع الانحراف بهذا القانون القائم في دمه ناراً، قبل أن يقوم في نفسه مبدأ وإيماناً، فما يرضيه الحق حتى يكون حقاً كله، ولا الرحمة حتى تكون حسماً لبواعثها فيمن يستحقها، أو فيمن يلتمسها، ولا الحياء حتى تكون قوة تصدّ النفس عن مواطن الشبهات والضمائر والرذائل، وحتى يكون قوة تذهب بالهمة في أسمى معارج السمو.
ولو كان كل هذا، أو بعضه مستحيلاً في نظام الحياة المطرد.. ولو كان هذا كمال معنى الرجولة، وتمامها ونضوجها.
وهذا قانونها!
أعود بكم إلى تعريفي التمهيدي للرجولة.. فقد كان تعريفاً رمزياً، أو كان تعريفاً مدرسياً تبنى فيه النظرة على نتائجها، التي هي الأسباب مجتمعة، ولكنها ليست النظرة مفصلة.
قلت إن الرجولة مجموعة من الصفات الرائعة، في الرجل الرائع.
أما الرجل الرائع فهذا الذي جردت لكم الحديث عنه، وأقمت صورته عارية. وأما الصفات الرائعة فهي: القوة، الجمال، والحق، القوة تقابل الحياء.
والجمال يقابل الرحمة والحق يقابل العدالة
فالرجولة إذاً قوة وجمال وحق
هذا قانونها
وهو قانون الحرية أيضاً
وهو قانون الإنسانية السامية
أما الفضائل فجمال فقط.
أحسبكم لا تجدون صعوبة في موافقتي على تجريد الفضيلة من القوة دون الحق، ولكني أجردها من الحق أيضاً.
وأنا لا أمتهن الفضيلة بهذا التجريد القاسي، ولا أغض من قيمتها إنما أريد التحديد، فإذا كانت الفضيلة تهب لتأخذ، لم تكن قوة، ولو كان هذا الأخذ من وراء ستوره الكثيفة، لذة فكرية، أو متاعاً نفسياً، أو مطلباً فكرياً..
وإذا لم تكن الفضيلة إيماناً صارماً بالتضحية، والجهاد الصادق للحق والعدالة، لم تكن حقاً، ولو بقيت بعد جمالاً ظاهر الفتنة للعيون، وصوفية تغذي المشاعر، ولا تكون الضمير.
وهنا موضع التحرز من خطأ، فلقد قلت في مطلع حديثي إن الرجولة في الطور الأول للحياة كانت صفة القادرين على الاحتيال لتوفير الطعام وإقامة المأوى الواقي، وهي بهذا التحديد تكون مزية سابقة في نشأتها لنشأة الفضائل، أو السجايا، التي لا يجيء دورها في النشأة منطقياً إلا بعد اتساع أفق الحياة، وتشعب مسالكها.
وقلت إن الغرائز في الإنسان مصدر أنانيته، وإن الإنسان، الغريزي لا يتعدى حدود ذاته، فلسائل أن يسأل، كيف كانت الرجولة طبعاً وفطرة، وقانوناً في الدم، وقد كانت أنانية.
والجواب على هذا السؤال، أن الرجل أناني لا شك في ذلك، ولكنه في هذه الأنانية عادل فهو ما يرضى أن ينال حقه، حتى ينال كل حقه، وحتى يكون الحق مبدأ عاماً لحياة الجماعة، تساهم النفس في الجهاد له بأقصى قواها، وبكل دوافعها، وليست لها من وراء هذا الجهاد لذة ولا متاع، يتجلى هذا في دعاة الإنسانية، وفي الفلاسفة، وفي قادة الفكر، والفنانين الموهوبين، والعباقرة، ورجال الثورات، والعلم والطب والإصلاح، في أولئك الفقراء الضعفاء المشردين، الذين تتنكر لهم الحياة حتى ما تبض بقطرة، ويتنكر لهم الناس حتى ما يعرفون الرحمة، فإذا أصابوا من دنياهم شيئاً، فإنما يكون القليل.
أولئك الذين يعد الفرد منهم حدثاً بشرياً هائلاً، وعاملاً من أقوى عوامل الطبيعة... لأنه جزء من تاريخ الحياة الجاهدة، أو جزء من تاريخ الإنسانية.. أو جزء من تاريخ أمته.
إن الحياة لا تحابيهم بالنجاح الترابي إلا نادراً، لأنهم يحتقرون التراب، إنما تحابيهم بصفحاتها الذهبية اللامعة، لا لأنهم الشذوذ والندرة، بل لأنهم الرجال الذين يقيمون مأتم الحياة، وأعيادها، ويقودون مواكبها، وجحافلها.. والذين يعملون للحياة، بالحياة، أو بالموت، ومثلهم الأعلى الحياء، الرحمة، العدالة، أي القوة، الجمال، الحق، أي الرجولة.
ولا أدري مَن مِن المفكرين قال إن الرجل العظيم طفل، لأنه لا يتصرف بقوته تصرفاً ينطبق على مقاييس العقول الراجحة، ففي هذا القول إشارة إلى أن الرجل إذا أخذته نفسه بقانون الحق والاستجابة للأعمال العظيمة الخالدة. لم تكن التضحية عنده شيئاً اختيارياً يسير فيه على قواعد المنطق المرتب، والرغبات الموزونة، إنما يكون مغلوباً على أمره، إزاء قوة خفية فيه.
فسعد زغلول لم يكن أفضل المصريين خلقاً، ولا أعظمهم مواهب، ولا أكبرهم فكراً، ولكنه كان أكثرهم عناداً وتطرفاً وإصراراً على تحقيق ما يعمل له كاملاً، فهو أكثرهم رجولة.. كان يطمع في الاستقلال التام، ولا يرضى بالحلول الجزئية على أنها النهاية التي لا يبقى بعدها مجال للسعي والمطالبة.
ولو شاء أن يرضى بربع الاستقلال أو بنصفه، لطابق بهذا منطق العقل والسياسة، ولكنه لم يكن يرض أن تكون أمته ربع أمة.. فهذا مظهر أنانية الرجولة..
وسقراط في منطق العقل، طفل لأنه شرب السم مختاراً لئلا يتقهقر عن مبدئه.. فهو رجل يقهره دمه، وقانون قوته، على ألا يصانع في ما يراه حقاً لازماً..
ومن ينكر أن فلسفة العقل متى تسلطت على وزن الحقائق وتحقيقها، أفقدتها كثيراً من طبيعة إيجابها وتأثيرها؟
فلو لم تكن الرجولة قانوناً في الدم وفطرة، لما عدت طفولة لا تعبأ بنفسها في سبيل استجابتها لمطالب قوتها القاهرة.
ها نحن نرى أمة. أمة نكرة بين الأمم يعجزها النهضان، ويصرفها لهوها بالفضائل، عن انتهاج سبيل القوة والارتقاء، وسبيل الحياة والسمو، فأين القوة والجمال والحق تأخذ بيدها؟
أين الرجولة تأخذ بيدها، وتقيل عثراتها؟
الرجولة التي كانت رمز القوة الفعالة في الإنسان القديم!
ورمز سجاياه ومحاسنه في أولى وثباته إلى التطور!
ورمز الحياء والرحمة والعدالة في فجر مدينته المنبثق!
ورمز المبدأ للعربي يوم نهض بأعباء رسالته التاريخية!
أين الرجولة تأخذ بيدها وتقيل عثراتها؟
الرجولة التي ورثها الصحابي الرجل، عن أبيه العربي الرجل، عن جده القديم الرجل، فكانت عماد مبدئه الإنساني الذهبي.
الرجولة التي كانت النار المندلعة، والثورة الجانحة في دماء صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي دماء أعوانه، وأنصاره، على الجهاد للحق والقوة والمبدأ.
الرجولة التي طبعت كل شيء حولها بطابعها الجبار.
الرجولة التي دوت بها صرخة قائد البشرية الكامل محمد صلى الله عليه وسلم، فاقترع بها قمة المثل العليا، يوم قال:
والله يا عم. لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما فعلت، حتى يظهره الله، أو أموت دونه.
هكذا يقول قائدنا الكامل البطل، بل قائدنا الكامل الرجل.
فهذه رجولة رجل، قبل أن تكون فضيلة نبي، وقانون دم قبل أن يكون سمة خلق فاضل، وعقيدة مؤمن يستهين الموت في سبيل التراجع المفروض عليه دونها، غير ناظر إلى الجزاء.
هذه قوة، وجمال، وحق، حياء، ورحمة، وعدالة.
حياء من الهزيمة في الحق.
ورحمة للجاهلين بالحق.
وعدالة تأخذ للحق بالحق.
ألا فلتكن دستورنا، كلمة قائدنا الكامل الرجل، لتكن فينا فضيلة الفاضل، وغيرة الغيور، ومبدأ المصلح، وفكرة الأديب وعقيدة الوطني الحر، جهاداً يظهره الله، أو نموت دونه..
ولا تكن فضائلنا وأخلاقنا، ألاعيب يتنكب بها ميادين الجهاد والنهوض بأعبائه، ولا فخاخاً تقتنص بها اللذة والصيت، والفتنة، ولا أملاً مطمئناً نخلد به إلى الراحة والهدوء.
ألا فلا تكن الفضيلة إيماناً، بل مسمى صادقاً لإظهارها، ونشر لوائها، فما تكون الفضيلة استقامة، حتى تكون مبدأ يظهره الله أو نموت دونه..
ألا وإن في عنق كل منا رسالة، لا تتم الأمانة إلا بأدائها، وبإقامة منارها، وبالكفاح لنصرتها، ودحض نقائضها.
ألا وإن تاريخ كل أمة حية يقيم اليوم عيده البهيج.. فهل ترضى رجولة الرجال في هذه الأمة أن يقيم تاريخها مأتمه الباكي..؟
سادتي -إخواني
رددوا معي: أين التربية.. أين المدرسة.. أين الرجولة.. لتعرفوا لماذا يقيم تاريخنا مأتمه الباكي؟
* * *

(*) الصفحة الأخيرة من مخطوط كتاب الرجولة بخط يد المؤلف

* * *

 
طباعة

تعليق

 القراءات :1180  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 7 من 71
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج