شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
ذكرى (1)
أَرستقراطيُّ الأسرة..
ولذا كان في المدرسة على الرغم من توقد ذكائه، وشدة حساسيته، لا يمتاز أمثاله من ذوي الحساسية والذكاء. بل كان -شأنه شأن أكثر أبناء الذوات أو أبناء الأسر الأرستقراطية- تلميذاً متوسطاً، لا هو بالمتفوق النشيط، ولا هو بالمتأخر الكسول.
ويشاء الله أن ينتهي هذا التلميذ المتوسط من سني دراسته المقررة في تلك المدرسة، ويفوز بشهادة النجاح، ويخرج لكي يبدأ من جديد حياة الدراسة الأخرى، حياة الدراسة العملية في مدرسة الحياة.
ولكنه لم يكن من أولئك الممتازين الأوائل، الذين تخطبهم وظائف الحكومة في بعض الأحيان، ولسوء حظه كان المتفوقون عليه كثيرين، وكانت النتيجة أن زاد العرض على الطلب -كما يقول الاقتصاديون- ولم يبق لأخينا محل شاغر يعمل فيه، وكانت النتيجة الأخرى أن تقدم عليه زملاؤه في تلك الوظائف وتأخر هو.. أو بعبارة أخرى بقي حيث كان.
لقد كان أرستقراطي الأسرة!
وإذن، فليس هو في كبير حاجة إلى أن يبحث له عن عمل آخر، وإلى أن يغامر في ذلك الميدان الرحيب الفسيح، ميدان الأعمال الحرة، ويجاهد مع سواه ممن غامروا فيه.
وهكذا، فهو يظل قابعاً في دار أبيه، مكباً في بعض الوقت على مطالعاته في الأدب وغيره، ومنشغلاً، أو على الأصح شاغلاً نفسه في الأوقات الأخرى باستقبال من يرتادون تلك الدار من ضيوف أبيه، وضيوفه هو أيضاً والقيام بما يجب في مثل هذه الأحوال من المجاملات، وتبادل الأحاديث والنكات مع أولئك الضيوف. ولكنه شديد الحساسية كما علمت. ثم هو يرى زملاءه الكثيرين، يسيرون، ويتقدمون وإذا بهم وقد أصبحوا أصحاب أعمال يشار إليهم بالبنان، وإذا بالبعض منهم وقد أصبحوا ماذا؟ أصبحوا في قائمة الشخصيات التي يسميها الناس (الشخصيات البارزة)، ومعنى ذلك أنهم أصبحوا من أولئك الرجال المشهورين في ذلك البلد الذي يعيش وإياهم فيه.
الشهرة الشهرة ذلك السراب الخدّاع، الشهرة على اختلاف أنواعها، ذلك ما كان يحلم به فتانا، هذا الغضّ الإهاب، شهرة العلم، شهرة الأدب، شهرة السياسة، شهرة العمل الناجح في ميدان الاقتصاد، شهرة التقدم على الأقران في معترك العمل الحكومي، إلى آخر هذه الأنواع.
وصاحبنا لغرارته وسذاجته، أو لذكائه وحساسيته، لا أدري صاحبنا هذا مفتون بذلك البريق الكثير اللمعان، ذلك البريق الذي يتلألأ دوماً أو على التحقيق يبدو أنه يتلألأ في رأي الأكثرين حول هذه الأنواع من الشهرة، هو مفتون جداً بأن يكون شهيراً، في الأدب أو في العلم، أو في السياسة أو في أي شيء، مفتون جداً بالشهرة ومحروم منها، مفتون جداً بأن يلحق بأولئك الزملاء السعداء، أو الذين يظن في قرارة نفسه أنهم سعداء.
ولكنه حيل بينه وبين ما يتمناه.
لشدّ ما حاول أن يعمل لكي يكون كأصحابه أولئك، ولكي يغدو رجلاً ناجحاً في الحياة -كما كان يقول- أو من أولئك الأشخاص البارزين، ولكي يفوز بقلادة الشهرة. ومن ثم لكي يكون إنساناً سعيداً في عداد السعداء.
ولكنه أرستقراطي!
وأرستقراطيته هذه كانت تحول على الدوام بينه وبين تحقيق ما يريد.. كانت توحي إليه في كل وقت بأن ليس سوى (الوظيفة) طريق أصلح للوصول إلى ما يطمح إليه من شهرة ومجد.
* * *
ويحس إحساساً شديداً جداً بما هو عليه من سوء الحال وسوء المصير.. ويزداد إحساسه هذا شدة بتوالي الأيام، وتنتابه الهموم والآلام، وينتابه المرض أيضاً بل المرض الوبيل الفتّاك، المرض الذي يصاحبه الإهمال وعدم الاكتراث وعدم العمل على استئصاله والقضاء عليه في درجاته الأولى، وإذن فهو فريسة هذا المرض العضال، ولا بد من أن يتحمل هموماً أخرى، وآلاماً أخرى، أشد فتكاً به من تلك الهموم الأولى، وتلك الآلام الأولى.
وكانت نوبات المرض العضال تشتد عليه تارة؛ وتشتد حتى يمكث الأسابيع بل الشهور تلو الشهور وهو حليف الوسادة، طريح الفراش ثم تخف عنه طوراً آخر وتخف حتى ليوشك أن تزول كل أعراض ذلك المرض الوبيل، ويشعر هو بذلك، يشعر بأنه قد أصبح سليماً معافى، فحدث ما شئت عن السعادة الكبرى التي تملأ فؤاده على أثر هذا الشعور.
في تلك الليلة، التي لا يمكن أن يزول ما أبقته في النفس من أثر أليم ومن شعور حزين؛ في تلك الليلة جاءني هذا الفتى المريض الصحيح،يزف إليّ تلك البشرى، بشرى قبوله موظفاً وتعيينه في إحدى البلدان النائية واعتزامه السفر على الفور إلى مقر عمله، لكي يباشر القيام بما أسند إليه من مهام.. ولكي يستأنف منذ الآن حياة أخرى، حياة فيها جد وعمل، لا حياة كلها كسل وفراغ، ولكي يبدأ منذ الآن في تكوين نفسه، وفي تحقيق أحلامه الذهبية الكثيرة؛ أحلامه الطويلة العريضة في الشهرة والسعادة والنجاح.
في تلك الليلة، كان صاحبنا سعيداً جداً، كان نشيطاً بكل معنى النشاط صحيحاً بكل معنى الصحة، متفائلاً بكل معنى التفاؤل، وناظراً إلى الحياة -لأول مرة- بمنظار آخر جديد، خلاف ذلك المنظار الحالك السواد الذي تعود كثيراً أن ينظر به إليها؛ في تلك الليلة كان صاحبنا سعيداً كل السعادة، وإلى جانب ذلك كان أيضاً متألماً كل الألم، ولعلّك ستعجب من هذا التناقض الغريب، ستعجب كيف يتألم صاحبنا بعد أن بسمت له السعادة، وبسم له الحظ، وفتح له باب تحقيق آماله الواسعة وأحلامه الكثيرة على مصراعيه!
أمَّا أن صاحبنا سعيد كل السعادة، فلن نقول عن ذلك شيئاً بالطبع، وأما أنه متألم فلأنه سيسافر للمرة الأولى من بلده، ومرتع صباه، سيغادر للمرة الأولى دار أسرته التي نشأ فيها وترعرع بين جنباتها، وعاش فيها طفلاً وصبياً ثم شاباً ثم ماذا؟.... إنه سيترك للمرة الأولى أمه وأباه وهما أقدس من يحمل لهم في قلبه الحساس عواطف الحب والاحترام والوفاء، وسيترك أيضاً أختيه الصغيرتين وهما من كانتا خير أنيس له في تلك الدار، وسيترك للمرة الأولى أيضاً أصدقاءه الكثيرين، أولئك الذين كان يودهم ويودونه، وكان يخلص إليهم ويخلصون إليه.
لقد كان صاحبنا متألماً جد الألم لكل هذه الأسباب، ولقد كان كما علمت حسَّاساً مفرطاً في الإحساس، أهذا هو دائماً سر ألمه؟ وهذا هو سر عذابه وهذا هو سر شقائه المستديم.
في تلك الليلة كان صاحبنا يبكي أمامي أشد البكاء، لقد كان هذا منه أمامي لأول مرة، بل -كما علمت فيما بعد- لأول مرة في حياته الماضية، تلك الحياة المفعمة كلها بأشد أنواع الألم والشقاء.
ما أروع تلك الليلة النابغية، وما أروع ذكراها، لقد كانت ليلة بشرى وليلة صفاء وليلة وداع، وكانت ليلة آمال طوال عراض، وفي الوقت نفسه كانت ليلة ألم وبؤس وشقاء.
وسافر صاحبنا على بركات الله، وباشر عمله بمنتهى الرغبة والشوق والأمل والنشاط، وكانت رسائله طيلة السنوات الثلاث التي أمضاها هناك مستمرة لأصدقائه العديدين مبشرة لهم على الدوام باستمراره صحيحاً معافى، سليماً من أعراض دائه الأول، ذلك الداء الخبيث الذي تأكدوا في النهاية بأن زواله الأخير كان زوالاً نهائياً إلى حيث لن يعود.
* * *
قال محدثي:
وفي ذات يوم، بينما كنَا نتسلَّى بقراءة إحدى الجرائد المحلية، ولم يكن يخطر في بال أي أحد منا أي شيء يتعلق بذلك الصديق الحميم النائي؛ لأنا كنا في أحسن حالات الاطمئنان عليه، وكانت آخر رسائله لصديقه (ف) وردت منه في صباح ذلك اليوم.
بينما كنا نتلهى بقراءة أخبار تلك الصحيفة إذا بنا وقد اعترانا جميعاً شيء من الوجوم، لم نتعرف في تلك اللحظة الرهيبة مداه.. يا لها من لحظة رهيبة رائعة قاسية، بل من صدمة عنيفة ارتجفت لها القلوب لأنها لم تكن على استعداد لمواجهتها، أجل لقد كانت مفاجأة مؤلمة، ممعنة في الإيلام، حينما تلونا في تلك الصحيفة نعي ذلك الصديق النائي الذي كان قبل يومين اثنين يكتب كعادته إحدى رسائله لأحد أصدقائه ولم يكن يعلم أنها ستكون رسالته الأخيرة.
لقد مات الصديق النائي بعد أن عاد إليه داؤه الأول، ولم يرحم له شباباً غضاً ولم يرحم له أهلاً وأصدقاء، فجعوا جميعاً بموته العاجل على غير انتظار.
وختم محدثي كلامه قائلاً:
لا أزال -يا عزيزي- كلما استعرضت ذلك الماضي الحي لذلك الصديق النادر بين الأصدقاء، تمر بخاطري في مقدمة ذكريات ذلك الماضي، تلك الذكرى الأليمة، تلك الذكرى الرائعة. ذكرى ليلة الوداع.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1519  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 6 من 72
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور سعد عبد العزيز مصلوح

أحد علماء الأسلوب الإحصائي اللغوي ، وأحد أعلام الدراسات اللسانية، وأحد أعمدة الترجمة في المنطقة العربية، وأحد الأكاديميين، الذين زاوجوا بين الشعر، والبحث، واللغة، له أكثر من 30 مؤلفا في اللسانيات والترجمة، والنقد الأدبي، واللغة، قادم خصيصا من الكويت الشقيق.