شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
استعراض الصراع بين القديم والجديد في بلادنا (1)
لا يزال الصراع بين القديم والجديد مستمراً في جميع أقطار الشرق العربي منذ أمد بعيد، ولم تبرح مواقف النصر الهزيمة تتداول بين الفريقين المتصدييْن لهذا النزاع المحتوم، وما انفك عقلاء الفريقين يتأثرون هذه المكافحة ويتدبرون نتائجها ويتوخون أن يكون وراءها انتخاب وازدهار للنهضة العتيدة وتبشير بالأصلح ونبذ للسيء من قول وعمل وخلق.
إن المتتبع لهذه المشادة العنيفة ليستخلص منها العبرة بما آلت إليه الحال في جميع الأوساط المتأثرة بهذه النزعة الحديثة، يتراءى له خلالها أشباحاً مخيفة تتربص الدوائر بتراث الإسلام، كما لا يعدم أن يجد في صفوفها دفاعاً موفقاً يتولاه رجال بررة أتقياء يكافحون عن هذا التراث ويتأسْونَ بالمَثَلِ الأعلى ويخافون الله واليوم الآخر.
ومهما كان الأمر فإن شيوع الحضارة الغربية وامتدادها إلى الآفاق الشرقية والإسلامية قد حمل الكثرة الساحقة على الانبهار بزخارفها الفاتنة، واقتفاء آثارها واصطناع أشكالها وأوضاعها مهما كانت ملائمة أو مخالفة للتقاليد والعادات والأخلاق المصطلح عليها منذ أجيال وقرون!!
وهنالك يتناوب الهجوم والتراجع بين أبطال الفريقين وأنصارهما معاً في حماسة وكبرياء، ويتناول البحث بينهما مختلف الشؤون والمواضيع الدينية والاجتماعية والأدبية، ويأخذ كل منهما سبيله إلى الغاية التي يذود عنها والهدف الذي يصبو إليه. وتتسع مسافة الخلف أحياناً إلى درجة تبعث على الحرج والاضطراب وتنذر بشر مستطير يتهدد كيان العقائد والأخلاق والعوائد والتقاليد وكل ما درج الناس عليه من آماد طويلة.
وكما أنه ليس في وسعنا الاستقصاء فإنه من غرضنا المقارنة بين ما هو ضار ونافع، وخطأ وصواب، وصالح وفاسد فيما يدور حوله النزاع بين الجديد والقديم لفرط ما اشتبه من مخايل الرشد والهوى واختلط من أدلة الخير والشر وتناقض من بيّنات الخصوم.
ويستطيع المسلم المتمكن من دينه وإيمانه والمستبصر بهداه والمتوفر على دراسة شريعته المقدسة أن يحمي نفسه بتوفيق الله تعالى من كل النزعات ومن الوباء الوافد وأن يتلمس في أعماق هذه المجادلات الصاخبة وجوه الهدى، والضلال، ويختار ما شاء الله له من سعادة وتوفيق.
ومتى كان هذا الاتجاه هو المهيمن على تفكيرنا وكانت إساءة الظن بكل ما يأتي به العصر الحديث من مشاكل متعارضة فيما يتصل بالدين والأدب والخلق والعادة أساساً للمناقشة فيها حتى يتبين ما هو الحق والضلال على ضوء ما يهدي إليه القرآن الكريم وتدعو إليه الشريعة المطهرة، فإنه لا ضير علينا من كل صيحة وتتجاذب بها الأصداء في كل مكان !! ولا داعي للخشية من تصديع ما أبقت عليه الأحداث من أطلال ورسوم.
أما في بلاد العرب المحافظة وفي الأراضي المقدسة التي لم تبلغ شأوها البعيد وشرفها التليد في الماضي والحاضر إلا بالتمسك بأهداب الدين والخضوع لسلطانه المبين فإننا لنحمد الله تعالى على ما مَنّ به من ولاية راشدة وحكم صالح وشرع نافد وعدل وارف وأمن شامل، وأعظم واجب علينا الحرص على هذه النعمة الكبرى بالشكر المتواصل، وذلك لا يكون إلا بتكريس الجهود لإحياء ما اندرس بين ظهرانينا من معالم المجد والعلم والفضل، والسعي الحثيث لإعادتها سيرتها في نواحي العمل المنتج والإشادة بتاريخها الحافل بالذكريات الخالدة. وبرجالاتنا العصاميين الذين كان لهم في ميادين المجد والفخر مجالات تثير الدهشة والإعجاب.
هذا فيما يختص بالوجهة التي نود أن تتيمّم شطرها، وأن تتسع خطوات الناشئة والشباب والشيوخ إلى إدراكها مهما استجابت الظروف وأمكنت الفرص، والنجاح مكفول بحول الله، ومتى توطدت العزائم وحسنت النيات وكان النبراس الذي نتلاقى حياله في جميع الأغراض والمحاولات (وحي الله المنزل) (وسنة نبيه المرسل).
وفيما يعنينا من هذا الكفاح العام بين القديم والجديد - يستطيع المتأمل أن يتمثل الفرق جلياً بين ما كنا عليه وصرنا إليه في حدائق الحياة وأساليبها ومظاهرها وجدها وهزلها وتقدمها وتقهقرها - وبأدنى مقارنة يدرك الباحث كنه التطور بين العهدين المتقاربين.
لقد استبدلنا كثيراً من العوائد المستهجنة بأخرى مطابقة لصالحنا وملائمة لأجوائنا بعد أن طال الرزوح تحت أعبائها الثقيلة، مما كانت تبذر فيه الأموال بغير حساب، أو تتعالى منه الشكوى دون تفريج إلى ذلك أهملنا من الآداب الخلقية والاجتماعية التي تجب المحافظة عليها في جميع الظروف والأحوال.
إن البوادي - التي كانت - تحت ضغط العوامل المختلفة عابثة بالأمن غارقة في الدم مهددة للسبل، أقرب وسائلها إلى الحياة السلب والنهب قد أكرِهتْ على السكينة واطمأنت إلى الرزق الحلال تبتغيه في مظانِّهِ المشروعة.
أما الحواضر والمدن والقرى فقد استطاعت أن تتغلب على ما رسخ فيهما من عيوب الأزمنة الجائرة، وأن تحلل من قيود التقاليد البالية، وأن تستعيض عن ذلك بأخلاق الرجولة والكدح والعمل، فاختص فريق بخدمة وفود الحج وتأمين وسائل مواصلاته وتنقلاته، وآخرون بطوافه ومناسكه، وطائفة تغرب في فجاج الأرض من مشرقها إلى مغربها داعية إلى الفريضة متصلة بالعالم في جميع أصقاعه وهي بمثابة الرائد الأمين.
كل أولئك أصبحوا غير ما كانوا بالأمس يشعرون بالواجب يقدرون المسؤولية ويكابدون مشقة السفر والارتحال فيحسنون بذلك إلى أنفسهم وبلادهم ويستفيدون المنافع من وجوهها المفلحة مقابل أتعاب مضنية ودأب عظيم.
واشتغل قسم في متاجرة وتنمية ثروة بلاده. وفريق بالتدريس والتعليم وسواهم بمناصب القضاء ووظائف الدولة، وغيرهم بالمصانع المحلية، وعدد كبير في الجند والشرطة وهكذا نجد البون شاسعاً بين ما نشأت عليه الأجيال قبلنا من حياة الرفاهية والدعة والخمول والركون إلى الراحة وانتظار (الصدقات) (والغلال) (والأبدال) وما إلى ذلك من وجوه الإحسان المضمحلة، وبين ما طرأ على ذلك إلا انقلاب يصعب تصوره على الذين عاشوا في البيئة الأولى زاهدين في العمل ينعمون بالرغد كله دون تعب أو كلال!!
ولا يكاد المتلمس يعثر اليوم على شخص واحد يتعلق بحبال العنكبوت أو تجتذبه الأحلام!! والرؤى!! ولئن شق ذلك كثيراً في أدوار الانتقال بين عهدين فإن هذه المشقة لتتلاشى وينعدم الشعور بها بمرور الأيام وتذوق لذة الحياة الجديدة الكادحة ويتناسى الجميع مرارة الخيبة في اكتساح الأماني العتيقة التي كانت تسد منافذ النشاط والعمل وتحمل على السخرية والاستهزاء.
ودليل آخر، شاقني عصارى أحد أيام الأسبوع منظر إرهاط متتابعة من العمال والمهندسين والكتّاب يتدفقون في صفوف منظمة - يغادرون مراكز العمل في (الورشة الأميرية) للسيارات بضاحية جرول.. رأيتهم كذلك بعد أن أؤذنوا بالانصراف فكان عددهم وفيراً وجمعهم غفيراً وسلوكهم حسناً ونشاطهم كبيراً وعلائم الغبطة والانشراح مرتسمة على وجوههم وكلهم يتصببون عرقاً ويترنمون طرباً أن أدوا الواجب وعادوا إلى منازلهم قريري العين مبتهجي الفؤاد مفتولي السواعد ميسري الرزق.
كان هذا المشهد الجميل باعثاً على الاعتزاز والإكبار، وما كان هؤلاء وأمثالهم الكثيرون جداً ممن احترفوا العمل والصناعة والاكتساب إلا فلذات أكبادنا هذا الشعب في صميمه وما كان هذا المنظر مألوفاً قبل زمن قريب في هذه البلاد.
فهل بعد ذلك نرتاب في شبابنا طموحاً واستعداداً كبيراً للسير في طريق العمل المثمر؟ ومسايرة مطالب الحياة ومجاراة أرقى البلدان؟ وأن هذا الشعور وهذا الطموح إنما يزداد رسوخاً وإنتاجاً كلما تهيأت الوسائل لاستغلال الحيوانات الزاخرة بالنشاط.
لقد كان بعيد الاحتمال أن يتزاحم النشئ على الانخراط في البعثات التي تدرس في المعاهد العلمية في مصر وسوريا ولبنان وسواهم، وكان ذهاب التلاميذ إلى الكتاب أو المدرسة أمراً ذا بال يستدعي ضروباً من الاحتيال ويكبد أولياءهم صعوبات جمة، كان ذلك فانعكس إلى ضده فعاد التلاميذ يحرصون على التفوق ويتنافسون في النبوغ ويتبارون مع أقرانهم ولو تجشموا في سبيل ذلك وَجْدَ الفراق وشجون الاغتراب.
وإذا ألقينا نظرة على الإنتاج الأدبي فإنه ليستهوينا ما نراه من ثمرات الأفلام وآثار الكتّاب والشعراء في أعوام قليلة، ومع أن هذه الباكورة لم تزل في أدوار التكوين الأدبي فإنه في المؤلفات الحديثة التي تقدمت بين يديها ما يشايع الأمل ويقوي اليقين في ازدهارها ومسايرتها لأمثالها في أقطار أمعن رسوخاً وأوسع خطى في هذا السبيل.
هذه الظواهر كلها مجتمعة مع ما يلوح من بشائر المستقبل تجعلنا نجزم بأن الكفاح بين القديم والجديد في ربوعنا قد كانت الغلبة فيه بحسن التوجيه للجانب الأفضل والأصلح من الوجهة الاجتماعية والأدبية والاقتصادية وهو إلى ذلك مثير للإعجاب بالجهود المبذولة من ولاة الأمور الذين يواصلون السعي في مصالح الأمة وإيقاظها وإنشائها نشأة أخرى.
على أنني أشاطر الرأي أولئك الذين يتوجسون خيفة من انتشار مالا ينفع وما يضر من (الروايات) المبتذلة والآراء الفجة المرتجلة التي تغلغل في أحشاء بعض المطبوعات الحديثة، تلك البضاعة التجارية التي تسلل وفي أطوائها السموم الناقعة، وأرجو أن تضاعف الرقابة عليها من الجهات المختصة حتى لا تترك أثراً سيئاً في عقول الناشئة والطلاب.
وأشعر كغيري أنه ما برحت بعض العوائد والأخلاق الموروثة من عهود بعيدة والمستجدة بالتطور والتقليد الأعمى، تتطلب مكافحة وإصلاحاً وتكليفاً ملائماً، ولن يتأَتَّى ذلك إلا بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأخيراً أؤكد الدعوة في كل مناسبة (وأرجو أن أجد في "المنهل الأغر" وصاحبه الأستاذ الأنصاري الكبير عضداً قوياً على تأييدها) إلى سد الفراغ المحسوس في دروس الوعظ والإرشاد العام وفي مختلف الفنون والعلوم في أروقة "الحرمين الشريفين" حتى تعود لهما السمعة العالية من الوجهة العلمية ويكون منتجع العباد ومكترع الوارد من أطراف الأرض، وإلى القيام بالواجب العظيم من هداية الخلق إلى دينهم وشريعتهم المثلى، ففي ذلك دحض للباطل ونصر للحق وأداء للأمانة وتبليغ للناس، وما لم نحتفظ بهذه الميزة قبل سواها فإننا لمقصرون كل التقصير وغافلون عن إكرام ما ورثناه عن السلف الصالحين وكل امرئ بما كسب رهين.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :398  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 636 من 1070
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتورة مها بنت عبد الله المنيف

المدير التنفيذي لبرنامج الأمان الأسري الوطني للوقاية من العنف والإيذاء والمستشارة غير متفرغة في مجلس الشورى والمستشارة الإقليمية للجمعية الدولية للوقاية من إيذاء وإهمال الطفل الخبيرة الدولية في مجال الوقاية من العنف والإصابات لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة الصحة العالمية، كرمها الرئيس أوباما مؤخراً بجائزة أشجع امرأة في العالم لعام 2014م.