شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
كلمة الناشر
بقلم: عبد المقصود محمد سعيد خوجه
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن الأمم العظيمة ذات التاريخ المجيد تقف بكل تقدير واحترام أمام المنعطفات المهمة في مسيرتها الهادفة نحو التقدم والازدهار، وتجعل من نبض التاريخ زادها لغد مشرق، وتوثيقاً لماضٍ عريق تستمد منه إشراقات النور، ومنصة انطلاق نحو آفاق تحمل في رحم الغيب كل بذور النماء والعطاء.
وتأتي الذكرى المئوية لتوحيد المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الباني الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - نبراساً يحقق الكثير من المبادئ المهمة التي نتطلع إليها ونسعى لترسيخها في حياتنا اليومية بما يخدم حاضرنا ومستقبل أجيالنا بمشيئة الله.. ومن حسن الطالع أن تواكب تلك الذكرى اختيار الرياض عاصمة للثقافة العربية لعام 2000م، وكان من الطبيعي أن يكون صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز راعياً لافتتاح فعاليات البرامج والنشاطات الخاصة بهذا الحدث تمشياً مع الدور الكبير الذي نذر له نفسه ولا يزال قلباً نابضاً في جسم الحركة الثقافية بما له من صداقات وطيدة وعلاقة متينة مع الكلمة ورجالاتها على امتداد العالم العربي، وقد بُنيت شبكة الصداقات على تفهم كامل للدور الثقافي المطلوب وما للكلمة من أهمية في بناء صروح التواصل بين الشعوب، بالإضافة إلى دورها الرائد في توجيه الحركات الثقافية والفكرية.. وكان سموه بذكائه اللماح قد أدرك منذ بواكير شبابه هذه المسؤولية الخطيرة الملقاة على عاتق المثقفين وتعمقت هذه المعرفة مع تعمق الصلات الطيبة فكان هذا التلاقح الفكري والثقافي عطاءً ثراً وسنداً كبيراً وعضداً مؤثراً لدعم هذه المسيرة الخيرة خاصة مع مراكز الثقل في مصر الحبيبة ولبنان المعطاء قبل صحافته المهاجرة وبعد عودتها في ظل صداقات أساسها الندية والتقدير، فحظي سموه باحترام كبير يليق بمكانته وسموق قامته في دنيا الثقافة والإعلام.. وقد دعم سموه هذا الإطار من التواصل بمعرفة وثيقة بكثير من خلفيات كل حدث وتطوره، وكان ولا يزال مطلعاً على أدق التفاصيل، ويحرص كل الحرص أن يلم شخصياً بكل كبيرة وصغيرة عبر منظومة تستهلك الكثير من وقته، ولكنه يقوم بذلك بحب كبير يجعل تواصله مع الكلمة ورجالاتها يداً تمتد لتصافح، وتساند، وتكرم، أصحاب الكلمة انطلاقاً من تقديره للدور الذي يقومون به، متخذاً في سبيل ذلك طريق الحكمة وإعطاء العذر، والأخذ بحسن الظن، فأينع عطاؤه وانتشر شلال فرح ليشكل مع شمس نهضتنا الحضارية
قوس قزح يحكي للأجيال القادمة قصة الإبداع الثقافي في أحلى صورها وأبلغ مدلولاتها، لتبقى هذه الذكرى أبداً الصوت الشجي، والصورة الناصعة، المتألقة في وجداننا.. ولا ننسى في غمرة هذه الأفراح أن نور اقرأ قد انبثق من بين شعاب "مكة المكرمة" زادها الله تشريفاً وتعظيماً، فظلت عبر العصور النبع الصافي للكلمة الخالدة بخلود القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فما أسعدنا بهذا الماضي التليد والحاضر المشرق والمستقبل الواعد.
وقد خلد الشعراء الكبار على امتداد التاريخ مآثرَ وأحداثاً وقيماً ما كان لها أن تجد الألق الذي تحظى به لو بقيت ضمن إطارها التاريخي الكلاسيكي، لكن الشاعر بما خصه الله سبحانه وتعالى من شفافية، ورقة وجدان، وتفاعل مع الأحداث بما يعكس مكنون نفسه، بل ويتعدى ذلك ليصوغ نبض الشارع في قصيد يتردد مع الأيام، يستطيع أن يغرس بكلماته صوراً جمالية ذات مدلولات اجتماعية وإنسانية وفلسفية قد لا يعيرها التأريخ جانباً كبيراً من الأهمية.
في هذا الإطار رأيت المبادرة بجمع الأعمال الشعرية الكاملة لشاعرنا العملاق الأستاذ أحمد بن إبراهيم الغزاوي - رحمه الله - لترى النور أخيراً بعد احتجاب طويل في غياهب النسيان، ولهذا الغياب الذي استمر منذ وفاة شاعرنا الكبير عام 1401هـ وحتى الآن ملابسات لا بد أن أشرك فيها القارئ الكريم، فقد ترك الفقيد مكتبة غنية، وعدداً كبيراً من القصائد التي لم يسبق نشرها، وكثير منها بخط يده، وبعضها مطبوع بالآلة الكاتبة، وبقي جانب كبير من هذه الثروة الأدبية موزعاً في عدة ملفات بين مئات الكتب والمخطوطات، إلى أن تفضلت عائلة شاعرنا الكبير مشكورةً بإهداء مكتبته، وما فيها من مخطوطات، وأوسمة ونياشين، وهدايا عينية، إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة.. وقامت الجامعة بتنظيم وتصنيف هذا التراث القيم، وعثرت ضمنه على كثير من أصول هذه القصائد منسوخة بخط يد الفقيد أو مطبوعة بالآلة الكاتبة كما أسلفت، ومن ثمَّ عملت على حفظ هذا التراث بما يناسبه من قدر وقيمة وقامة ترقى لهامة الفقيد الكبير.. وقد قُلِّد شاعرنا الكبير أوسمة، وحاز عدداً من الميداليات، ومُنح هدايا من كثير من رؤساء الدول وبعض المسؤولين والمحبين، وتمكنت من تصويرها بحيث أمكن ضمها إلى هذا العمل، الذي اشتمل أيضاً على بعض الإبداعات النثرية من جزأين في هذه الأعمال الكاملة التي يشكل الشعر عمودها الفقري بأجزائه الأربعة، مع ملاحظة أن ما نشر في جريدة "الندوة" نثراً يشكل جزءاً كبيراً ومهماً لذلك أفردنا له جزءاً خاصاً به.. فجا العمل بحمد الله وافياً بما يعطي صورة شاملة عن نبوغ هذا الأديب الفذ.. علماً بأن مجلة "المنهل" قد سبق أن طبعت نثره الذي سبق أن كتبه شاعرنا الكبير خصيصاً لها في كتاب ضخم فخيم بعنوان "شذرات الذهب".. وتكملة لهذا الجهد المبارك، قمنا بجمع ما حصلنا عليه من نثر نُشر في مختلف الصحف.. فأوردناه في مجلدين خاصين حسب ما نُشر في كل جريدة بتسلسلها التاريخي.
وتعود إرهاصات هذا العمل لثلاث سنوات خلت حين تحدثت مع معالي الأستاذ الدكتور سهيل بن حسن قاضي، مدير جامعة أم القرى حول طباعة الأعمال الكاملة لشاعرنا الفذ، ولمست من معاليه تجاوباً مشكوراً لمنحي شرف طباعة ونشر هذا الديوان تحت مظلة "كتاب الاثنينية".. ولا يسعني في هذا السياق إلا أن أتقدم بعميق الشكر والتقدير لمعاليه، على الجهد الكبير الذي بذله لتذليل الصعاب التي اعترضت ظهور هذا الديوان بشكله النهائي، وتعاونه واهتمامه بنشره، خدمة للأدب والفكر والثقافة في بلادنا، ومساهمة في تغذية المكتبة العربية بمثل هذه الأعمال الجادة، والشكر موصول لمعالي الأستاذ الشاعر الكبير حسين عرب الذي تفضل بقراءة مسودة الأعمال الشعرية وكتب مقدمتها، وللأستاذ الدكتور محمود بن حسن زيني، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى الذي ساعد مشكوراً في تذليل كثير من الصعوبات.. كما لا يسعني إلا أن أشيد وأشكر القائمين على إدارة المكتبات في جامعتي "أم القرى" بمكة المكرمة، و "الملك عبد العزيز" بجدة، والحرم المكي الشريف، بالإضافة إلى المسؤولين في جريدة "الندوة" ومجلة "المنهل" لما بذلوه من جهد مقدر للوصول إلى النصوص الشعرية والنثرية.. والشكر موصول لأعضاء اللجنة الأساتذة: الشاعر الكبير راضي صدوق، وحسين أحمد حسون، وسعد سليمان محمد، ومحمد الحسن محجوب عثمان، سائلاً الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسنات كل من ساهم في إنجاز هذا الديوان الذي ظل حبيس الأضابير ردحاًً طويلاً من الزمن.. ولعلَّ في هذه الكلمات على قلتها ما يقوم مقام الشكر والتقدير لكل من ساهم في إخراج هذا العمل بالصورة التي نتطلع إليها، وذلك أن من لم يشكر الناس لم يشكر الله.
وبالتزامن مع هذه الرغبة المشتركة بين جامعة أم القرى و"كتاب الاثنينية" لنشر هذا التراث وحفظه للأجيال القادمة، تداعت إلى ذهني فكرة ضم القصائد التي سبق أن نُشرت في بعض الصحف السعودية ومنها جريدة "أم القرى"، وجريدة "البلاد السعودية" - التي سميت فيما بعد "البلاد" وما زالت تحمل هذا الاسم - كما نشر بعضها في جريدة "الندوة" ومجلة "المنهل"، سيما وأن الدكتور مسعد عيد العطوي قد قام بجهد مقدر لجمع كثير من تلك القصائد، واستعان بمراجع أخرى ليخرج علينا بدراسة قيمة حصل بموجبها على درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ونشرت الدراسة عام 1406هـ-1986م، متضمنة الأشعار المذكورة في جزأين منها.. وقامت اللجنة مشكورة بمراجعة أصول النصوص التي أشار إليها الدكتور العطوي، وبعضها موجود في مكتبتي الخاصة، والبعض الآخر في أرشيف الصحف المذكورة آنفاً وتمت مطابقة نصوصها مع نصوص شاعرنا الكبير وتصحيح ما يحتاج لذلك حيث لاحظنا اختلافاً في بعض الكلمات بين ما أورده الدكتور العطوي وبين الأصل وربما يعود السبب في ذلك إلى بدايات الطباعة آنذاك، وأحياناً يكون الاختلاف تماماً مع إسقاط بعض الأبيات مما يدل على أن الشاعر الكبير كان يعمد في آخر لحظة إلى حذف بيت أو تغيير كلمة أو أكثر نظراً لظروف لا يعلمها إلا الشاعر.. وقد أثبتنا ذلك في الحواشي للأمانة العلمية.
وهكذا بعد تسلم النصوص من جامعة أم القرى بدأت مرحلة جادة لإعداد الديوان للطباعة، وهو جهد لا يعرف قدره إلا من كابد وعانى التعامل مع نصوص مهمة على أوراق متناثرة وشبه متآكلة، وشمرت اللجنة المكونة من خيرة الأساتذة الأفاضل عن ساعد الجد لدراسة العمل في مجمله، ثم تشكيل النص كاملاً - بما فيه القصائد التي سبق نشرها في الصحف - ومن ثمَّ تبويب القصائد وفق أغراض الشعر المختلفة، والإشارة إلى القصائد التي وردت في دراسة الدكتور مسعد عيد العطوي "بعلامة *" وذلك حفظاً لحقه الأدبي وجهده الذي يستحق عليه كل الشكر والتقدير، مع الإشارة في الهامش إلى رقم الجزء والصفحة من دراسته.
كما قامت اللجنة بوضع نفس العناوين التي اختارها الشاعر لقصائده، فقد لاحظنا أن الشاعر يختار صدر بيت أو كلمة منه، وأحياناً يختار بيتاً كاملاً مما يرى أنه عين القصيدة ليكون تحت العنوان مباشرة، وقد أثبتناه بخط أكبر قليلاً، مع ملاحظة أنه يرد أيضاً ضمن سياق القصيدة.. كما قامت اللجنة بتصويب بعض الأبيات التي قد ترد فيها عبارات مبهمة أو تحتاج إلى تصويب، دون مساس بالنص الأصلي.. ويشرفني أنني قد ساهمت بجهد المقل في تحقيق عدد كبير من القصائد ومناسبتها بالرجوع إلى بعض الأساتذة الذين عاصروا تلك الحقبة، أو ممن لهم صلة مباشرة بالحدث الذي تناولته القصيدة، وقد وجدت منهم مشكورين كل تعاون وتفهم أدى إلى ظهور العمل بهذه الصورة التي آمل أن تنال إعجابكم..
كما أوليت هذا العمل عناية فائقة خاصةً وأن شاعرنا الكبير استعمل من قاموسه الكثير من الكلمات التي لها دلالات تتعلق بالبيئة أو الأشخاص أو المعالم الحجازية مما يصعب على غير ابن الأرض معرفته بدلالة الكلمة وأحياناً سلامة نطقها.
ومما يذكر أن قصيدة "إمام الهدى" قد جاء في مناسبتها أنها أول قصيدة قالها الشاعر في جلالة الملك عبد العزيز بمناسبة انعقاد المؤتمر الإسلامي بتاريخ 17 صفر 1345هـ، حيث يجدها القارئ في الجزء الثاني صفحة 545 وقد نشرت جريدة "الندوة" آخر قصيدة لشاعرنا الكبير بعد وفاته وعنوانها "سبيل السعادة" بتاريخ 19/6/1405هـ، وأوردناها في الجزء الثالث صفحة 1286.
إن منبع تعاطفي مع شعر أستاذنا الغزاوي يعود لارتباطي الوجداني بالوميض الذي ينبعث من بين جنباته وهو يستشرف نور الفجر في بطاح مكة المكرمة.. وأترسم ملامحه حين يطل على جبل النور، وحين يتوشح الضياء والزهور بين الحطيم وزمزم، وحين تهب عليه نسمات الصبا فيستلهم أرق الشعر وأعذبه في قوالب لا تبتعد كثيراً عن الشعر التقليلدي المحافظ على رصانة العبارة، وفخامة الأسلوب، وجزالة اللفظ، وحلاوة الجرس، بالإضافة إلى ما لديه من نزعة نحو التجديد والتحديث الذي لم يخرج في كل أطواره عمَّا هو مألوف للذائقة العربية، وموسيقية اللفظ، وروعة الكلمة ومعناها ومبناها.. فقد أبدع الدمج بين التجديد والتقليد بروح العصر التي عاشها في فجر النهضة السعودية، فكان بعض شعره أنموذجاً للتسجيل الأدبي لبعض وقائع التاريخ، دون أن يغفل الجوانب الأخرى التي لا غنى للشعر عن ارتيادها كالوصف والرثاء والفخر، فضلاً عن تخصيص قصائد للإسلاميات والإخوانيات، وغيرها من أغراض الشعر المختلفة التي أبدع فيها أيما إبداع، ومن ميزات شاعرنا الكبير أنه بالرغم من امتلاكه أسلوباً لاذعاً إلا أنه لم يعمل قلمه في الهجاء، ولم يعرف عنه إلا الأدب الرفيع وحلو المعشر وطيب الخلق.. ولم نجد له إلا قصيدة واحدة في الهجاء رأينا من الأنسب وضعها في آخر الديوان.. كما وجدنا له عدة قصائد تحمل عنوان "تحايا" لذلك من حقه علينا أن أفردناها في قسم خاص.. وعلى ذات النهج عُرف عن شاعرنا الكبير إلقاء "حوليات" بمناسبات استقبال وفود الحجيج ليلة السابع من ذي الحجة في عهود أصحاب الجلالة الملوك عبد العزيز، وسعود، وفيصل، وخالد، (رحمهم الله) وعيد الأضحى يوم 11 ذي الحجة بمنى، وعيد الفطر.. وقد أوردناها في قسم خاص حسب تسلسلها التاريخي.. وقد قمنا بعملية مراجعة شاملة للصحف التي نشرت تلك الحوليات وحصلنا منها على حوليات ألقاها عبر خمسة عشر عاماً لم ترد عنها إشارة في دراسة الدكتور العطوي، كما لم نجد لها أثراً بين أوراق شاعرنا الكبير، ولا نعلم السر في ذلك.. ونظراً لمعرفتي التامة بعدم انقطاع شاعرنا الكبير عن إلقاء حولياته الشهرية إطلاقاً إلا في عام 1400هـ حيث أقعده المرض، ثم في عام وفاته حيث وافاه الأجل المحتوم في جمادى الآخرة سنة 1401هـ.. لذلك حرصت على البحث عن هذه الحوليات التي تشكل إضافة هامة لتكملة إبداعات شاعرنا الكبير، وأوردنا المصدر في الحاشية.. ولعل تتبع الدكتور العطوي لنشر الشعر حسب نظرية النشوء والارتقاء قد دفعه لإيراد قصائد شاعرنا الكبير بناء على تاريخ نشرها، وهذا غير المتعارف عليه في تبويب الشعر حسب أغراضه مع التسلسل التاريخي لكل باب على حدة، أو لأمر آخر. (كما وجدنا في كتاب (الملك عبد العزيز في عيون شعراء أم القرى) الذي أصدرته دارة الملك عبد العزيز أكثر من خمس عشرة قصيدة لم ترد في دراسة العطوي ولم نعثر عليها بين أوراق الشاعر).
ولعل القارئ العزيز يلاحظ أن الجانب الأكبر في هذا الديوان يتناول المدح كغرض شعري ألزم نفسه بخدمته حتى استحق على ذلك لقب "حسان صاحب الجلالة" بموجب أمر ملكي أثبتنا صورته بعد صورة الشاعر الكبير في مستهل هذا الكتاب، وقد ساعدته ذخيرته اللغوية القوية وقراءاته المتعددة في دواوين كبار الشعراء وتأثره بالبيئة المحيطة بمكة المكرمة على الانتقاء من مفردات اللغة ما أهله لإبداع قصائد المدح ببراعة متناهية.. وفي تصوري أنه لم يشطط فيتحول إلى "مداح" كما لم يقصر فيمر على تلك الأحداث المهمة مرور الكرام، بل سجلها بكثير من الدقة ومنحها من وقته وذاته الشيء الكثير، وثابر لكي يصل صوته إلى من يخاطبهم فكان له ما أراد من انسجام مع مختلف مشاربهم، وتغريد في ذات سربهم، وانصهار في بوتقة أحاسيسهم.. كما أن المناصب المتعددة التي تقلدها منذ عهد الملك عبد العزيز رحمه الله وأبنائه من بعده الملوك سعود، وفيصل، وخالد "رحمهم الله" قد مكنته من ترسيخ علاقات اجتماعية لا يستهان بها - حيث عمل في أمانة العاصمة بمكة المكرمة، ثم رئيساً لديوان رياسة القضاء عام 1344هـ، كما عمل معاوناً لمدير الطبع والنشر بمديرية المعارف العامة، ثم تولى التحرير في صحف أم القرى، وصوت الحجاز، ومجلة الإصلاح، ثم عين سكرتيراً عاماً لمجلس الشورى، ثم عضواً فيه عام 1347هـ إلى أن أصبح نائباً ثانياً لرئيس مجلس الشورى بتاريخ 29 صفر 1372هـ، كما تولى أستاذنا الغزاوي رحمه الله رياسة لجنة الحج العليا ما بين عامي 1351هـ و 1352هـ.. هذا وقد منحه جلالة الملك سعود بن عبد العزيز مرتبة وزير مفوض من الدرجة الأولى الفخرية عام 1374هـ، وكان أحد مؤسسي جمعية الإسعاف الخيرية بمكة المكرمة، التي كان لها نشاط ثقافي ملحوظ، وتولى كذلك رئاسة المجلس البلدي بالإنابة وعضوية لجنة التعويض والتنسيق والتقاعد بوزارة المالية.
وشاعرنا الكبير يُعد من شعراء المنصات العالية.. فقصائده للمحافل أولاً، ثم للقراءة ثانياً، وعشاق شعر المحافل يكتفون من الشاعر بالإثارة الوجدانية وتأجيج المشاعر، وكم تأججت فعلاً مشاعر المتلقين عندما كان شاعرنا الغزاوي يهز الوجدان ويبهر العقول ويأخذ بمجامع الألباب ببديع بيانه، ورصين عبارته، وأنيق وصفه، وفوق كل ذلك صدق العاطفة وحسن الإلقاء وبدونها يصبح المديح مجاملة ونفاقاً.. وفي ذلك يقول الفاروق عمر رضي الله عنه عندما سئل عن شعر زهير بن أبي سلمى "كان لا يعاظل في الكلام، ولا يتبع حَواشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه".. وقد عُرف عن شاعرنا تعوده على إلقاء قصائده شخصياً لما يتمتع به من صوت جهير، وإلقاء جميل، واعتداد بالنفس، ولم يتخلف عن إلقاء قصائده إلا في حالتين حيث ألقى الأستاذ عبد القادر أشقر إحدى القصائد بعنوان "إني دعوت إلى الهدى" نيابة عن الشاعر في حفل مدرسة النجاح (صفحة 1393 الجزء الرابع)، والأخرى بعنوان "هم الفجر في التاريخ والصبح والضحى" أنشدها الأستاذ الشاعر عبد الحميد الخطيب في حفل تسمية سمو الأمير المولود "سعد" نجل الملك فيصل (صفحة 1607 الجزء الرابع).
وعند إطلاعي على مسودات هذه القصائد لاحظت أن شاعرنا يستفتح أكثر قصائده بدعاء من القرآن الكريم "رب اشرح لي صدري.. واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي".. بهذا الانفتاح على الآخر، كان شاعرنا الفقيد يستهل معظم قصائده، فتطمئن نفسه، وينحسر مد الرهبة الذي يعانيه بالتأكيد أي مبدع يسعى نحو آفاق الكمال الإنساني.
وقد يرى بعض النقاد أو متذوقي الشعر أن في "شعر المناسبات" أو "المدح" مثلباً يقلل من قيمة العمل الإبداعي.. غير أن الشعر في مجمله يخدم مجموعة من الأغراض، والمسألة في تصوري لا تخرج عن انطباع ذاتي من المتلقي تجاه تحبيذه هذا اللون أو ذاك.. وقد كان يوظف معظم شعره لخدمة أهداف وطنية سامية، ويسعى من خلاله لخدمة مجتمعه وتحقيق طموحاته.. كما امتاز شاعرنا بسرعة البديهة والأخذ بألباب المتلقين.. فمن المواقف الطريفة أنه أعد قصيدة وداعية أنشدها أمام جلالة الملك عبد العزيز في ميناء جدة.. وكان من بين الحضور أعضاء بعثة الشرف المصرية، ومن بينهم الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد.. وعندما وصل شاعرنا الكبير إلى البيت يقول فيه (وأخشى الذي نخشاه في مصر).. أعاد صدر البيت مرتين.. مما أثار الترقب وهواجس أعضاء البعثة، إلا أنه أكمل قائلاً:
وأخشى الذي نخشاه في مصر
أنها تنافسنا فيك الهوى فنضيع
فابتسم الحضور.. وعلا التصفيق الحاد، والإشادة بهذا الإنشاد الحاذق.. وهي منشورة في الصفحة 776 الجزء الثاني).
ولا شك أن استمرار أستاذنا الكبير في قرض الشعر بهذا المستوى الرائع لمدة تزيد عن نصف قرن، وأكثره في مجال المديح على وجه التحديد، يدل على طول باعه وثراء قاموسه الشعري في هذا اللون..
كما استطاع تكريس موهبته الفذة وذكائه اللمَّاح لتسجيل كثير من الأحداث السياسية شعراً، وتعرض من خلال شعره لكثير من المنجزات الحضارية التي تحققت على أيدي الملوك الذين عاصرهم، كما سجل بمشاعره الدفاقة بعض أهم وأخطر القضايا التي شغلت الأمة الإسلامية مثل قضية فلسطين وتوحيد الجزيرة العربية على يد المؤسس الباني الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، كما وظف ثقافته الواسعة وقراءاته المتعددة في كتب التراث ليربط الحاضر بالماضي بوشائج من الحب والتطلع إلى المستقبل المشرق.
أما النثر الذي وفقنا الله لجمعه في جزأين فقد حصلنا عليه نتيجة عملية مسح مكثفة في الجرائد والمجلات والدوريات، موسوماً كلاً منها بمصدره ومناسبته.. وقد تم تصنيف النثر ليضم مقالات أديبنا الكبير الإبداعية في جزء خاص.. والجزء الآخر اشتمل على مقالات نشرها تحت عنوان: "يوميات الندوة" و"تعقيبات الندوة"، وهي عبارة عن بعض عيون الأدب والشعر التي استلها من بطون الكتب وعكف على التعليق عليها وتوضيح جوانبها الجمالية، وقد ذهب في ذلك مذهباً مشابهاً لما كتب به "شذرات الذهب" الذي أشرت إليه آنفاً.. ولا نعلم إذا قام الدكتور العطوي بنشر جميع النثر في رسالته أم حدث شيء من السقط كما لاحظنا بالنسبة للشعر.. وعلى كل فقد نشرنا جميع ما حصلنا عليه مع ذكر المصدر.. ونأمل أن نكون بذلك قد غطينا جميع نثره.
وبهذه المناسبة أناشد كل من له صلة مباشرة أو غير مباشرة بشاعرنا الكبير أن يتفضل ويمدنا بما لديه من شعر أو نثر مما لم يرد في هذه المجموعة وذلك ليصار إلى نشره في جزء خاص إذا كان بالحجم المناسب أو يضاف في الطبعات التالية بمشيئة الله.
وأحب أن أركز في ختام هذه الكلمة على محاولتي تناول هذا العمل من ناحية توثيقية صرفة، ليكون مجتمعاً لأول مرة بهذا الشكل في متناول يد الدارسين والباحثين والنقاد، ويفتح المجال رحباً من أجل إثراء الساحة عطاءً، ومقارنة، وإمتاعاً، وتشريحاً للنص بما يعود بالفائدة والنفع العميم على المهتمين بهذه الجوانب التي قد تخفى بين طيات النص، وتحتاج إلى ناقد حصيف كي يجليها كأبهى عروس يغمر عطرها الوجدان، وتتيه فرائدها بين النفوس المتلهفة لجميل القول وحلو الكلام.. آملاً أن يكون بعض ما سطرته شاهداً على جزء من عصر شاعرنا الكبير الذي شرفت بمعرفته طفلاً، وتوطدت صلتي شرفاً به مع يفاعة الشباب وحتى انتقاله إلى رحمة الله حيث سعدت بمجالسته كثيراً وسمعت ولمست منه طلاوة الحديث وشفافيته مع غزير علمه وكِبر ذاته وحلو نبتته وبديع بيانه وسريع بديهته.. وقد كان من الرجالات الذين قابلت ممن عرفوا جدي لوالدي "عبد المقصود" معرفة وطيدة حيث عملا في بدء حياتهما الوظيفية في غرفة واحدة ضمتهما بأمانة العاصمة في مكة المكرمة، فأغنى بذلك شخصي الضعيف بكثير من تاريخ جدي وما عرف عنه في زمن لم تكن فيه أصلاً وسائل متاحة لتسجيل ذلك إلا بالرواية من فرد إلى آخر، فجزاه الله خيراً على ما أفضل به فضلاً على فضل. والشكر موصول إلى معالي الأستاذ الشاعر الكبير حسين علي عرب على تفضله بكتابة مقدمة ضافية لهذا العمل.. كما أشكر سعادة الأستاذ الدكتور محمد بن سعد بن حسين الذي ساهم في متابعة العمل ولم يبخل عليه بحصيف الرأي، وصائب التوجيه، فجزاهما الله خيراً.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، ونسأله سبحانه وتعالى القبول والرضا، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
عبد المقصود محمد سعيد خوجه
جدة: صفر 1421هـ - مايو 2000م
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1717  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 4 من 1070
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

يت الفنانين التشكيليين بجدة

الذي لعب دوراً في خارطة العمل الإبداعي، وشجع كثيراً من المواهب الفنية.