شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
حَقيقة الشبَاب
هل الشباب سن أم روح؟
هل هو أعضاء مفتولة وأهاب غض وشعر فاحم؟
أم هو دم فوار وحس مستوفز وعقل ذرب؟
وأيهما نفضل.. شباب الجسم أم شباب الروح؟
الحق الذي لا مرية فيه أن الشباب شباب الروح، وأن السن لا تنال من هذا الشباب مهما اسْبَطرَّت، كما تنال من شباب الجسم.. على أن الشبابين ليسا بضدين لا يأتلفان، فكثير من الشباب يتميز بالروح الناشط الوثاب والإرادة الجبارة الحطوم.. فإذا شهدنا الانعكاس وواجهنا الشباب الخامل المغتر فإننا أمام هيكل تضطرب فيه الحياة التي تضطرب في الحيوان الأعجم ما يعنيه إلا الطعام والشراب والسلامة ثم على الدنيا العفاء..
ولقد يؤدى الحيوان، إذا ما صادف دسامة المرعى والعلف الجيد المذخور دوراً نافعاً ما يؤديه المرء الفاشل.. ومن أجل هذا كانت قيمة الروح أقدس من -قيمة البدن وأجدر- بالتجلة والتقدير.. هي قيمة الجوهر لا تنافسها قيمة الصدف.. فالشباب ما يغنينا إلا بمقدار عزيمته وروحه.. وشيخوخة الجسم ليست بذات بال - في حساب القيم الإنسانية -إذا- نعمت بشباب الروح المتجدد المنبعث.. وما أصدق المتنبي وما أسد نظرته إلى حقائق الحياة حين قال:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه
... ولو أن ما في الوجه منه حرابُ
يغيّر منّي الدهر ما شاء غيرها
... وأبلغ أقصى العمر وهى كعَابُ
هذا هو الشباب الخالد الذي لا يبلى.. شباب النفس والروح.. أما الهيكل فما أسرع ما تدب إليه الشيخوخة وتنال منه بحكم سنة الكون التي لا مفر من الانصياع إليها على استكراه أو رضى.. وهى –بعد- ليست بالشيخوخة التي تغير كما تغير تلك الشيخوخة الثقيلة الباردة..
ها هو بطلنا يستعرض من صفحة حياته ويحاسب نفسه حساباً عسيراً.. إنه على أبواب الأربعين من سني عمره الحفيل بالعِبَرِ والخوارق..
والأربعون -في اعتقاده- هي قمة المنحدر يصعد إليها صعداً حثيثاً فيما قبلها من السنين فإذا افترعها أطل من حالق على ما يعج تحته من زحمة وضوضاء ومقالب ومزايا وقهقهة ودموع وظفر وخيبة ولهاث وراحة ثم عاج إلى سجله يقلب صفحاته ويدقق حسابه ليعرف مبلغ الربح من الخسران قبل أن ينحدر من القمة إلى القاع.
هل أدى دوره في الحياة أداءً طيباً؟
هل كان عضواً نافعاً في جسم المجتمع؟
هل وأد ضميره أم باركه وانصاع لتوجيهه؟
هل ألغى عقله وعاش كالسائمة، أم قدسه ورعاه؟
لهذا فتح عينيه على حياة لاغبة شقية فهل تحطم أم كافح؟
وتعاور عليه اليتم والتوجد والشذوذ والملاحاة واللدد، فهل ثبت أم اندحر؟
وحاربه طبعه ونفسه وعقله قبل أن يحاربه الخصوم فهل صمد في الساحتين أم ولى الدّبر؟، قالت له نفسه –بعد أن راضتها التجارب وأنضجتها الصروف – لقد نجحت في حياتك ما في ذلك شك..
نجحت كطالب، ونجحت كأستاذ، ونجحت كصحفي، ونجحت كموظف.. ثم وهذا هو الأهم، نجحت كأديب وها أنت نابه الذكر بعيد الصيت عارم الفكر متوقد الخيال الأثر وما عدوت طور الشباب فماذا تريد؟
فتهافت من قولها فما كان ليخدعه عن حقيقته بهرج الإطراء والتوشية لأنه نجاح في معايير الناس الذين لا يقيمون وزناً إلا لمادة رخيصة أما نجاحه فهو رهن بمبلغ ارتياح ضميره واطمئنان قلبه ولا عليه بعد ذلك من تصفيق الناس وتهليلهم فإنما هو تمثيل وهو يأنف منه ويستنكر.
ولقد يلاقي في سبيل مخالفة ما تواضع عليه الناس شر ما يلاقي حر عيوف فما يثنيه قيد شعرة عما يعتقد.
وهو قد طبق على نفسه من قبل هذا المعيار الدقيق فغادر المدرسة إلى الصحافة ثم غادر الصحافة إلى الوظيفة وبقي في الوظيفة كارهاً حتى يحدث الله له أمراً..
حتى في خلال هذه الفترات عاتب نفسه قليلاً وتسخط كثيراً وما زايلته قط شجاعته ولا ثقته في انتصار الحق في النهاية..
وإذا كان اليأس قد راوده ولم يستول عليه فهو عسى أن لا يستخفه الطرب ويأخذ بمجامعه الغرور بحمد ليس له بأهل.. فما يفخر بمكذوب الحمد إلا فدم..
واشرأب بعنقه إلى المرآة فطالعه قوام فارع الشباب ريان العود وثيق البناء قوي الأسر.. وصافحت عينه وسامة ونضرة فتساءل هل استوفت تجاربه وامتلأت كل حياته؟ واستأنى يفكر قبل أن يجيب الجواب يطمئن له وجدانه ويرضى به حجاه.. ولم يسعه إلا أن يعترف أنه يستهل عهداً جديداً حياً بالجد والحزامة نابضاً بالمنى والأحلام.. فالأربعون هي سن الرشد الناجح والإنتاج الموفور، بل هي بداية الرجولة الكاملة التي تتوازن فيها القوى النفسية وتتكامل القوة الجثمانية..
واسترجع في ذهنه حياة المبرزين الذين ازدانت بروائع سيرهم صحائف التاريخ من قدامى ومحدثين فألفى الكثرة الغالبة منهم لم يبرزوا في سن يافعة وإنما لمع نبوغهم واستوت أقدامهم على أرض الخلود وأنتجت عقولهم وأخيلتهم الروائع المعجزة التي أرست دعائم الحضارة وأجزلت طفولة حابية.. وألفى أن الأربعين،. وهى قمة الشباب، قد ينحدر جسم صاحبها رويداً من القمم إلى السفوح إذا لم يكن له رصيد مدخر من غابر أيامه لقابلها.. أما الذهن والشعور فلن يزيدها الزمن إلا مضاء وألقاً وعراقة وفحولة إذا لم يجد منهما أيناً خسيساً.. بل فإنهما ينموان مع الأيام نمواً مطرداً ويضيفان كل لحظة ثروة جديدة من الدربة والكفاية..
وغمره فيض من الشعور بالسعادة وهو ينتهي من مكانه الفكري إلى هذا المنتهى الحصيف.
وأحس بعقله ناشطاً منطلقاً، وبخياله محلقاً مشرعاً وبأحاسيسه جياشة طامية وخيل إليه أن بمقدوره أن يحث الأحداث ويخطط المناهج ويقرر المصائر، ويعرض لنفسه مكاناً تحت الشمس.
وتبلورت في ذهنه هذه المشاعر والأفكار حتى كادت تتمثل في منظور ملموس فادخر من يومه لغده.. وعقد العزم الفاصل على أن يمضى في سبيله ما يريم.. وأن يكون شعاره العمل.. والعمل الدائب النافع الجسور ما نبضت فيه نبضة حياة.. فإن هذا هو الخليق بمن يحترم نفسه كفرد والبشرية بأسرها كمجموع..
وكان ضياء الفجر الوليد يتعثر في أكفان الدجى المحتضر حينما أطل الشاب من النافذة يستنشق النسيم العليل ويفعم صدره بنفحه العطر.. فانطلق إلى فراشه وهو يتمتم بالآية الكريمة..
"حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" صدق الله العظيم.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :662  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 18 من 18

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الذييب

المتخصص في دراسة النقوش النبطية والآرامية، له 20 مؤلفاً في الآثار السعودية، 24 كتابا مترجماً، و7 مؤلفات بالانجليزية.