شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
مُقَدِّمة المقدِّمات
قالوا: أحكم الحكماء، وأشعر الشعراء، كما قالوا: أغفل المغفلين، وأكذب الكذابين، وسميتُ إحدى قصائدي "دامغة الدوامغ" مبالغةً وتباهياً، ولما أردتُ أن أقدِّم لديوان شعري، الأعمال أو "الآثار الكاملة" كتبتُ بعد أن قرأتُ مقدِّماته: "مقدمة المقدِّمات"، وأنا لا أعني المبالغة، أو المباهاة، بل "الحقيقة".
فهذه "المقدمة" أكتبها بين يدي "مقدمات" دواوين شعرِي الذي نظمته خلال أربعين عاماً، ونشرت معظمه، وجمعته، وما لم ينشر في هذا الديوان، وسميتُه "ديوان الشامي".
لن أستطيع أن أضيف شيئاً عن الشعر والشاعر.. ولن أطرف بجديد إلاَّ إذا قلت: "إنه شعر لا يستحق النشر" لأنَاقِضَ ما قلتُه في مقدمة. "النفس الأول" منذ ثلاثين عاماً، وهو ما لا يمكن أن أقوله..
غير أن في إمكاني أن أذكر ما ساءلتُ به نفسي، حين قرأت قولي في تلك "المقدمة": "فما أنا براضٍ كلَّ الرِّضا عن شعري ولا أدري متى سأتمكَّن من إبداع الشعر الذي يرضيني.!"؟
"في أعماقي شعرٌ، ولكنَّه شعرٌ جديد على عالم الشعر المعهود، والجملة البيانية التي في قلبي أسمى من كل تعبير".
"والكلمة الكبرى.. ما برحت مُعَشْعِشةً في حنايا روحِي".
لقد ساءلت نفسي: وهل أنت اليوم راضٍ كل الرضا عن شعرك؟
وهل أبدعت شعراً جديداً؟ وهل نفثتَ بالكلمة الكبرى؟ أم لا تزال معشعشةً في حنايا روحك؟
ولقد كان الجوابُ: نعم! لا تباهياً، ولا لأنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، ولكن لأنني حقاً لا أستطيع أن أقول إلاَّ ما قلتُه، وقد حاولتُ الإِجادة جهدي، وأنا راضٍ –كل الرضا- عن "لزوميّاتي" وما نشرتُه في "حصاد العمر" و"بنات الخمسين"، أو ما ترنمت به "مع العصافير في بروملي"، أو ناجيتُ "الأطياف"، ولم يبق مُعَشْعِشاً في حنايا روحي إلاَّ الاستغفار من زلاّت القلم وشطحات اللسان. أناجي به شفق الأصيل، وتباشير الصباح في دياجي الأسحار.
وأريد أن أنبه إلى أن ما بين دفتي هذا الديوان هو جلّ شعري لا كلّه، فمن شعر الصبا قد أحرقتُ ديواناً صغيراً اسمه "دموع وأنات"، خوفاً من الاعتقالات التي طمّت موجتها صنعاء في شتاء سنة 1360هـ/ 1942م، ولكنّي لا آسف عليه، فكل قصائده حماسيَة، لم أكن فيها رصيناً بل ناقداً متحاملاً متطرِّفاً.
وقد اطّلع عليه أستاذي الشاعر عبد الكريم الأمير ونقح بعض قصائده، وقرأت بعضها على الشاعر أحمد المعلمي، كما أن بعض المراثي التي أنشأتها في سجن "حجة" قد ضاعت ومنها ما آسف عليه مثل قصيدتي في الأمير إبراهيم بن الإمام يحيى حميد الدين ومطلعها:
اللهُ أكبر مات إبراهيمُ
فانهدّ ركنٌ للفخـار عظيـمُ
وأخرى في أخيه الأمير يحيى، وثالثة في الإمام عبد الله الوزير. وقصيدة ميمية طويلة في مأساة "الجندي المجهول" علي حمود.. وأذكر أنّي عندما أمليتُها على الزَّميل العالم الشاعر عبد الرحمن الإرياني أظهر إعجابه بها، وقال: "يحق لي أن أتوقَّف الآن عن البتّ فيمن يستحق لقب شاعر اليمن"! ومن الغريب أنني لا أتذكّر الآن حتى ولا مطلعها، ولا أدري هل تستحق الأسف أم لا.!
ولي قصيدة "رائية" طويلة قلتها قبل ثورة الدستور وأنشدتها في حفلة تكريم أقيمت للأستاذ الفضيل الورتلاني بصنعاء سنة 1367هـ/ 1947م ومطلعها: "أفقْ يا فؤادي وانتعشْ بالبشائِر" ومنها:
بني وطني، هـذا الفُضيـل أتَت بـه
إلى سفحِ صنعا معجـزات المقـادر
أتى لا ليحْظى بالمديح، وإنما
ليهديَ أربابَ النهى والبصائر
ولقد رأيت "الفضيل" يعتز طرباً عندما قلتُ:
ولو علموا ما يبتغي، وهو جَلّ أن
يُقالَ ويُسْمَى لاهْتـدى كلُّ حائـر
ولانتعشتْ بشـراً مُنى كـلّ ثائـر
ولارتقبت نصراً جبـال "الجزائـر"!
وصافح حـرٌّ في "الربـاط" شقيقَـهُ
"ببغداد" أو في "مصر" أو في "المعافر"
وما بيننـا من بعد أوشـاجِ دينِنـا
وأنْسابِنا، إلاَّ اتحاد المصائر
وقد ضاعت بين ما ضاع من كتبي وأوراقي.
ولي "مسرحية" سمّيتها "جحيم الغيرة" وهي مأساة تشبه مأساة "عطيل" فصولها الثلاثة في خمسمائة بيت، وقد ضاعت في حقيبة "ثياب" ما بين لندن وباريس سنة 1384هـ/ 1965م وأظنها مما يؤسف عليه، وقد أثبت بقاياها في هذا الديوان.
هذا، وأمَّا ما مزَّقتُه أو أحرقتُه من أشعار النزقِ والمجون فلا آسف عليه، لأني فعلتُ ذلك تائباً مستغفراً، وعلى كلّ فهذا الديوان! هو جلّ شعري إن لم يكن كلَّه، وقد رتبتُ قصائده حسب تواريخ نظمها وليس حسب المواضيع أو القوافي، فهو كالغابة الطبيعية تتهادى فيها زهرة الياسمين، في ظلال النخلة السحوق، وشجرة الطَّلح، إلى جانب شجرة الزيتون، ولا أعرف ديواناً لوحظ فيه هذا الترتيب إلا شاعراً توفَّق في أن يضع لكل قصيدة تاريخاً عند إنشائها أو نشرها قبل هذا الديوان! وذلك من الصدف العجيبة، إذ لم أتعمدها تحسباً لنشرها في مثل هذا الديوان.
ولا شك أن من يهتم بتاريخ اليمن السياسي والأدبي في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري "العشرين الميلادي" ولا سيما إذا قارن ما في هذا الديوان بما ذكرته من تفاصيل في "كتاب حياتي". "رياح التغيير في اليمن".
وأستغفر الله من كل خطأ وقع فيه قلمي، أو زلل تقحَّمتهُ لساني وأسأله الهداية والعفو وحسن الختام.
أحمد بن محمَّد الشّامي
بروملي: 17 جمادى الآخرة سنة 1402هـ
11 إبريل سنة 1982م.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1252  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 4 من 639
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

سعادة الدكتور واسيني الأعرج

الروائي الجزائري الفرنسي المعروف الذي يعمل حالياً أستاذ كرسي في جامعة الجزائر المركزية وجامعة السوربون في باريس، له 21 رواية، قادماً خصيصاً من باريس للاثنينية.