شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
(( كلمة سعادة الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه ))
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد النبي الأمي, وعلى آل بيته الكريم الطاهرين, وصحابته أجمعين.
الأستاذات الفاضلات..
الأخوان الأكارم..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
يسعدني أن نرتحل اليوم على بلاد وإن شطَّ مَزَارها فقد ألِفْنَا مكانتها الدولية وقامتها السامقة في مجالات العلوم التطبيقية والإنسانية, بالرغم من طغيان صوت السياسة وما يدور في فلكها على مُجمَل علاقاتها مع كثير من دول العالم.. نحتفي هذه الأمسية بالأستاذ الدكتور أليكسي فاسيليف, مدير معهد الدراسات الإفريقية والعربية بأكاديمية العلوم الروسية الذي قدم من جمهورية روسيا الاتحادية لإمتاعنا بصحبته, والاستفادة من علمه وخبراته, كأول عالم روسي نستضيفه بالاثنينية, على أن نسعى خلال السنوات القادمة لمزيد من التواصل بمشيئة الله مع مجموعة مميزة من العلماء والأدباء الذين أنجبتهم بلاد مكسيم جوركي, وديستوفسكي, وتولوستوي, وغيرهم من المشاهير الذين تتلمذ على مؤلفاتهم بعض أدباء جيل الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
وقبل أن نبحر مع ضيفنا الكبير, أُعَزِّي نفسي والحضور الكرام بوفاة الشاعر الكبير والأديب المعروف معالي الأستاذ أحمد الشامي, الذي كان من روّاد الاثنينية الأوائل, وشَرُفَت بتكريمه في عامها الثالث, أي قبل أكثر من عشرين عاماً, ولم ينقطع عنها إلا بعد أن أقعده المرض في بريطانيا حيث لبَّى نداء ربه, رحمه الله رحمة واسعة, وجعل الجنة مثواه مع الصدِّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
لقد أنجز ضيفنا الكبير العديد من الدراسات التاريخية المتعلقة بالمنطقة العربية, وقد سبقه في ذلك المجال المؤرخ الروسي عبد العزيز دولتشين الذي ألَّفَ كتابه المشهور (الحج قبل مائة عام), وقد تميزت أعمال ضيفنا الكبير بكثير من الجهد والموضوعية والأمانة العلمية, ومن بينها كتاب تاريخ مصر والمصريين.. وللأسف ليس بين يدي دراسات كثيرة عن منجزاته.. غير أن من المؤكد إسهامه بِدَور يُذكَر فيُشكَر في الحوارات الجادة بين الحضارات من خلال عمله مديراً لمعهد الدراسات الإفريقية والعربية, فقدَّم محاضرات قيِّمة في عدد من الدول العربية والإفريقية, وقد علمتُ مؤخراً أنه يعمل الآن على إصدار كتاب جديد يتناول فيه تاريخ جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله, ويبذل في سبيل ذلك الكثير من الوقت والجهد, فنتمنى له التوفيق والسداد في مساعيه.
ولعل أهم مؤلفاته بالنسبة إلينا كتابه القيِّم "تاريخ العربية السعودية" الذي نُشِرَ عام 1986م, وتُرجِمَ إلى العربية عام 1988م, وأصدرته دار الفضاء للطباعة والنشر.. وبالرغم من قراءتي للكتاب عند صدوره, إلا أن إغراء المناسبة جعلني أعود إليه مُجدداً, فهو مثل أي عمل إبداعي يقع بين نقد وتقريظ, وأحسبُ أن أول ما يُسَجَّل من نقاط لصالح هذا العمل الكبير اهتمام مؤلفه بالإحالة إلى المصادر التي اعتمد عليها حتى تصل في بعض الفصول إلى أكثر من مائة وأربعين إحالة, الأمر الذي يُشير إلى الجهود الحثيثة التي بذلها وصولاً إلى مستوى الموضوعية وعدم التحيُّز الذي تقتضيه مثل هذه الدراسات التاريخية.
ومن النقاط المهمة التي تُسجَّل له أيضاً اهتمامه بمصدرين أساسيين, يتفرَّع عن كلٍّ منهما عشرات القنوات التي سعى من خلالها ليجعل عمله متميزاً ومكتنزاً بكثير من الحقائق التي تنأى عن الأوهام وما في حكمها من الأقاويل التي قليلاً ما ينجو منها عمل تاريخي وثائقي.. فقد اعتمد على ما توافَّر له من مراجع من كتب التاريخ, أشار إلى كُتَّابها بتفصيل كبير, منهم عبد الرحمن الجبرتي, وعثمان بن سند البصري, وإبراهيم الحيدري البغدادي, وخير الدين الزركلي, وحافظ وهبة, وغيرهم.. ومن ناحية أخرى اعتمد على مصادر وثائقية دبلوماسية ومن بعض رجال المخابرات, ومصادر أرشيفية من وزارة الخارجية لروسيا الاتحادية والاتحاد السوفياتي السابق, بالإضافة إلى وثائق الإدارة البريطانية - الهندية, وكُتُبِ بعض الرحالة من بريطانيا, وفرنسا, وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية.
هذا التوسع في المصادر يجعلنا نقف إزاء عمل جاد أشار مؤلفه, الذي نسعد بالاحتفاء به, إلى محاولته تخطي حواجز السرد التاريخي إلى تكوين رؤية تُمَحِّص المضامين السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي واكبت الأحداث التاريخية وأثَّرتْ فيها وتأثَّرت بها.. ولاسيما وأن العمل بدأ بمرحلة قيام الدولة السعودية الأولى (1745 - 1881م) واستمر إلى الثمانينيات من القرن الماضي.. ليركض بالقارىء عبر مائتين وخمسة وثلاثين عاماً من الأحداث والتحليلات, وبأسلوب توخَّى فيه الحذر إلى حد كبير, والحكم له أو عليه يعود بطبيعة الحال إلى المختصين في هذا المجال.
وإذا كانت النخلة تقطع ثمانمائة كيلو متر في عمرها (30 إلى 40 يوماً) لتنتج خمسة غرامات من العسل, فإن ضيفنا الكبير قد أنجز عمله المضني ليختمه بالخلاصة التي ركَّزها في نهاية الكتاب, وهنا يبدو التباين الواضح بين المنهج العلمي الذي توخاه في معظم الكتاب, إلى إظهار انطباعاته الشخصية وتأثره بالثقافة السائدة في وقت صدور الكتاب, فقد حفلت (الخلاصة) بعبارات, ومضامين, ومصطلحات, ذات مدلولات تتعدى النسق التاريخي إلى تحليل يعتمد على توجهات فكرية وأيديولوجية معروفة, تتسم في أوصافها بنمط معين مثل (البرجوازية الصناعية) و(الطبقات المستغلة المضطهدة) و(جهاز القمع) و(المعارضة الديمقراطية الثورية) و(الأرستقراطية الحاكمة) و(الطبقة الإقطاعية الحاكمة) و(تعزيز الرجعية).. وغيرها من النبرات التي لا تلتزم الأسس العلمية, بل تعكس بوضوح تأثرها بثقافة المؤلف وخلفيته الفكرية وانطباعاته الخاصة.. ولعل هذا يُعدُّ من السلبيات المعروفة التي يقع فيها كثير من المؤرخين والباحثين, فلا يوجد عمل بشري متكامل مهما بلغت به العناية.. وهذا ينطبق مع مقولة العماد الأصبهاني الشهيرة التي تقول: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن, ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحْسَنْ, ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل, ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل.. وهذا من أعظم العِبَرْ, وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر) - انتهى كلامه ـ وبطبيعة الحال يمكن تجاوز مثل هذه الكبوات في الطبعات التالية, والتي تيسرت سُبُلها بدرجة كبيرة, فتغير الحال الذي ذكره شيخنا الأصبهاني.. وانتقلنا من الورَّاقين والخطّاطين إلى دور النشر, وشبكة الإنترنت, وطابعات الليزر.
وبالرغم من استحواذ كتاب ضيفنا الكبير الذي أشرت إليه آنفاً على اهتمام قطاع كبير من مثقفي المملكة, إلا أن مؤلفاته الأخرى أيضاً ذات رواج, وتمسُّ الكثير من المواضيع المهمة في التاريخ والعلاقات الدولية, وهذا يندرج تحت اهتماماته بالدراسات واللغات الشرقية, فتعامل معها بموضوعية ونظر إلى ثقافات الشعوب الأخرى نظرة مساواة, ومن منطلق المعرفة الإنسانية.. وأحسبُ أن لضيفنا اهتمامات ودراسات عن مراحل الاستعراب الروسي الذي بلغ أوجَهُ بارتحال العديد من المستعربين الروس إلى البلدان العربية في أزمنة مختلفة طالبين العلم, ودارسين للحضارة والتاريخ والمجتمعات الإسلامية من خلال المعايشة المباشرة, مما جعل تعلم اللغة العربية وانتشار الثقافة العربية الإسلامية شائعاً وممكناً, وهذا باب يظل مفتوحاً على مصراعيه, بتكاتف الجهود من جميع الحادبين على التاريخ والتراث والمخطوطات بين البلدين, وهو أمرٌ مطلوب بإلحاح بين علماء التاريخ العرب والروس من خلال مختلف القنوات للتبادل المعرفي في هذا المجال المهم.
أرحب مرة أخرى بضيفنا الكبير وجمعكم الكريم, متطلعاً إلى لقاء يجمعنا مساء الاثنين القادم لنحتفي بمعالي الأستاذ الدكتور محمود بن محمد سفر وكتابه الموسوم (أمريكا والإسلام وأحداث سبتمبر) الذي يشير من عنوانه إلى واحدة من أهم وأعقد قضايا الساحة وأكثرها سخونة والتصاقاً بهموم المثقف المسلم أينما كان.. فإلى لقاء نشرف فيه بهذه القراءة المهمة, وهي تواصل لما سعدنا به من قبل مُمَثلاً في الاحتفاء بكتاب (أبو هريرة الصحابي الجليل) لمعالي الأستاذ الدكتور محمد عبده يماني, وكتاب (الجواهري صناجة العرب) للدكتور زاهد زهدي "رحمه الله".
بهذه المناسبة كما تعودنا قيام بعض الفعاليات على ضفاف الاثنينية, فإنه يسرني تذكيركم الاحتفاء مساء يوم السبت القادم بنادي الصمِّ والبُكمِ بجدة, وفاء لبعض حقوق هذه الفئة من أبناء الوطن على المجتمع مع تسليط الضوء على نشاطاتهم ومقومات النجاح المرجو والعمل معاً على تذليل بعض ما يعترضهم من مصاعب, وعلى أمل أن نلتقي والجميع بخير متمنياً لكم أمسية ماتعة مع ضيفنا الكبير, وإلى لقاء يتجدد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
عريف الحفل: نبدأ الآن في الاستماع إلى كلام المتحدثين والمتحدثات, ونبدأ بصاحب المعالي الدكتور محمد عبده يماني المفكر الإسلامي المعروف.
 
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1096  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 122 من 235
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج