شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الاثنينية موسوعة من طراز خاص (1)
خالد محيي الدين البرادعي
عندما تقاس حضارات الشعوب يسجل الخبراء وضع الكتاب وموقعه في السلم الحضاري كعلامة مميزة من علامات التطور الحضاري. فالولايات المتحدة الأميركية مثلا التي تنتج سبعين في المائة من الأسلحة التي ينتجها العالم. هي نفسها الأمة التي تنتج حوالي ثلاثين في المائة من مجموع الكتب التي ينتجها العالم. على رغم الثورة التقنية المتقدمة والكاسحة والتي ظن المتشائمون أنها ستكتسح الكتاب في طريقها.
لكننا نحن العرب الذين كنا ننتج نصف كتب الدنيا في عصور الزهو والازدهار الحضاري، ننتج الآن واحداً في المائة من مجموع الكتب التي تصدر في العالم. ومن الطبيعي أن نفرح ـ والإبداع فرح ـ عندما نقرأ كتاباً جديداً أو نقرأ عن صدور المزيد من الكتب، التي تشكل أوعية الفكر وسجلات الفن، وحواضن المعرفة بعد زمن طويل من انتقال المعرفة من مرحلة: الشفاهية.. إلى مرحلة الكتابة. وبهذا المعنى نرى أن كل كتاب يصدر بلساننا العربي المبين يعزز الرصيد المعرفي لنا لنتجاوز الرقم الهزيل الواحد في المائة.
فأي شعور بالغبطة ينتابنا إذا وقفنا أمام كتاب صدر في ثمانية مجلدات له طعم معرفي خاص وفيه متعة جمالية مميزة.
وقبل الحديث عن الكتاب لا بد من سرد مكثف لحكايته. وكيف تحول من خاطرة معرفية شخصية إلى موسوعة معرفية محلية ثم إلى موسوعة حقيقية مجالها الوطن العربي والعالم الإسلامي. والكتاب الموسوعة مستمر في تتابع مجلداته التي صدر ثامنها عام 1994.
بدأت فكرة الموسوعة ـ الاثنينية ـ خاطرة لاحقت الشيخ الأديب عبد المقصود خوجه عام 1982 مقتفياً خطا والده الشيخ محمد سعيد خوجه الراحل، والذي أسس أول صحيفة في المملكة العربية السعودية بعد توحيدها.
والذي تحول مكتبه ومنزله إلى منتدى أدبي يضم عدداً من كتاب ومؤرخين وشعراء في جدة ومكة والمدينة وعز على الشيخ الابن أن يتحول منتدى والده إلى ذكرى تؤرقه، فجدد العهد وتابع المسيرة ولكن بأسلوب آخر.
فالصحف كثيرة. وغثها يصادر سمينها، والمحلي منها فائض والوافد منها غزير. ولا بد من إيجاد صيغة معرفية تتجاوز آنية الصحافة وتأثيرها الموقت. وتولدت فكرة المنتدى الأدبي الذي بدأه الشيخ عبد المقصود بجلسات ودية مع أدباء جدة أولاً. وكانت تلك الجلسات الأدبية تتم كل يوم أثنين من كل أسبوع لتتحول إلى ما يشبه الطقس المعرفي سرعان ما جذب إليه أدباء وشعراء ومفكرين من خارج جدة. وما لبث هذا المجلس أن عرف في كافة الأوساط الثقافية في الجزيرة العربية. ولأن ما كان يجري في جلساته من الحوار الجاد والطروحات الثقافية المميزة، كان مزوداً بخصوصية ثقافية قرر الأديب الشيخ عبد المقصود خوجه أن ينقل جلسات ـ الاثنينية من مجال الشفاهية والحوار المتموج في الأثير أو المسجل على أشرطة إلى مرحلة التدوين والكتابة، ليرى المثقفون في الجزيرة مؤسسة ثقافية كبرى يديرها وينفق عليها رجل واحد، تكرم كل يوم اثنين أديباً أو عالماً أو شاعراً أو فناناً أو متميزاً في حقل من حقول المعرفة. ثم اتسعت دائرة الاثنينية لتشمل بالتكريم والتعريف علماء وأدباء من الوطن العربي الكبير. وعندما غص الرصيد المعرفي، وكثر الذين نالهم التعريف والتكريم، بدأت فكرة التوثيق والنشر تلح على الظهور وتحول الاثنينية إلى مركز ثقافي هائل ينشر أمهات الكتب إضافة إلى نشر مجلدات الاثنينية الثمانية حتى عام 1994. والمجلدات مستمرة في التتابع حاملة على صفحاتها ثمرات التكريم والتعريف بعشرات العلماء والمفكرين العرب من داخل الجزيرة العربية وخارجها. وبلغ عدد الأدباء والعلماء والشعراء الذين سجلوا حضورهم في المجلدات الثمانية: مائة واثني عشر رجلاً يشكلون بتفاوت مشاربهم المعرفية موسوعة عربية آخذة بالنمو والتكامل إلى زمن قادم بعيداً.
واستعراض الأسماء التي تتشكل مادة الموسوعة الاثنينية منها، يطلعنا على نمط خاص من أنواع المعرفة وتعدديتها، إضافة شموليتها القومية والإنسانية. فنقرأ ونطلع على تعريف يصلح أن يكون كتاباً صغيراً للعالم المعرف به والذي شمله التكريم بدءاً من مسيرته الذاتية المكثفة التي تشمل ميلاده وموطنه واختصاصه وحياته الثقافية والعلمية. إلى التعريف بفكره وإنجازاته وأسماء مؤلفاته. إلى آراء النقاد به. إلى التعرف على نماذج من نتاجه إلى الحوار الحي الذي يجري بينه وبين جلساء التكريم والتعريف منقولا بدفئه وعفويته كلون خاص لا تعرفه الكتب.
وكان طبيعياً أن تحمل الموسوعة خصوصيات معينة لأصناف الرجال المكرمين الذين أغنى حضورهم صفحات الموسوعة وفصولها. ولن نصادف إنساناً عادياً على صفحاتها، بل نلتقي وجهاً لوجه: مؤسسي جامعات ولغويين وعلماء مسلمين لهم حضورهم في الثقافة الإسلامية، وفلاسفة ومؤرخين وباحثين في حقول التراث العربي والإسلامي، ومحققين في مجال التراث والتعريف به وشعراء لهم حضورهم القومي.
ومن الشرائح التي حملتها الموسوعة الاثنينية على سبيل المثال: الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود، والمؤرخ الباحث الدكتور حسين مؤنس. والأديب الدكتور الحبيب بلخوجه. والمحقق التراثي الدكتور صلاح الدين المنجد. والمفكر الأديب الدكتور عبد السلام المسدي. والمفكر الإسلامي الهندي الأصل أبو تراب الظاهري. والمفكر أبو الحسن الندوي. والشاعر اللغوي يحيى العلمي. والمفكر الدكتور حامد الغابد. والباحث الدكتور عبد الله المناع. والباحث الدكتور محمد رجب البيومي. والكاتب ملحم كرم. والكاتب الباحث الدكتور محمد سعيد القحطاني. والخبير الجيولوجي الدكتور محمد عبده اليماني. ورائد الفضاء الأمير سلطان بن سلمان. والموسيقار طارق عبد الحكيم مؤسس أول فرقة موسيقية في المملكة.
أما الشعراء الذين حفلت بهم الموسوعة تعريفاً وتكريماً ونقداً ونماذج من شعرهم فكثيرون. منهم: الشاعر عبد القدوس الأنصاري. والشاعر طاهر زمخشري. والشاعر عبد الله بلخير. والشاعر ـ الباحث ـ عبد العزيز الرفاعي. والشاعر أبو ريشة. والشاعر عبد الوهاب البياتي. والشاعر حسن عبد الله القرشي. والشاعر عمر بهاء الدين الأميري. والشاعر عبد الرحمن رفيع. والشاعر أحمد الشامي. والشاعر فاروق جويدة. والشاعر إبراهيم فودة. والشاعر فاروق شوشه. والشاعر محمد حسن فقي. ولا حاجة لتسمية المواطن العربية التي ينتمي إليها هؤلاء الراحلون والأحياء منهم فهم من: الجزيرة العربية. والخليج العربي. واليمن. والعراق. وسوريا. ولبنان. ومصر. وتونس.
ولأن الاثنينية قائمة كمؤسسة ثقافية ومستمرة في استقطاب رجال المعرفة من كل لون. لا بد أن نقرأ في مجلداتها القادمة أسماء من المغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا والسودان وفلسطين، لتكتمل شموليتها القومية كموسوعة جديرة بحمل اسمها، وبالصفة التي رأينا ملامحها على صفحاتها المترفة والأنيقة.
وللشيخ الأديب عبد المقصود خوجه، مؤسس الاثنينية ومؤسس موسوعتها رأي يحمل خصوصية المشروع واستمراره كلون ثقافي متميز وقد سجل هذا الرأي كمؤسس وكأديب في مقدمة المجلد الأول من موسوعة الاثنينية التي كانت كما يراها حصادا ثقافياً لتلك الليالي الطويلة والجميلة مع تلك المشاعل والرموز والتي تحولت إلى كم هائل راق من الأفكار والتجارب لتصبح صفحات ثقافية حية لم تعرفها الكتب. وبعد طبعها بصورتها الراهنة تدخل في تاريخ الثقافة العربية كجزء من تراثها الخالد لتكون زاداً جديداً للباحثين والدارسين وناشئة الفكر والأدب، وحلقة تواصل بين الأجيال الثقافية.
ولكي يظل الأديب الشيخ عبد المقصود خوجه في منطقة الحياد كمؤسس وراع لهذا المشروع الكبير يتحدث في المقدمة عن معنى حياده تجاه التعددية الثقافية التي تتزود بها الموسوعة فـ ((إن ما تضمه هذه الاثنينيات إنما هو تعبير عفوي من أصحابها لا يحمل أي معنى توجيهي أو اختياري من قبلي ولا يدل على وجهة نظري فيما تطرقوا إليه إنما تحمل النصوص أفكار أصحابها بغض النظر عن اتفاقي مع هذه الأفكار أو اختلافي)).
لينهي رأيه ويحدد هدف مشروعه بلغة شعرية كأنها مقطع من نشيد: ((في البدء كانت الكلمة))
ذلك النهر الخالد الذي يمضي من زمن لزمن.
ومن جيل إلى جيل
ومن أرض لأرض يزرعها
ويلهمها ويوقد شموع أحلامها.
لكن هذا الشيخ الأديب الذي أسس المشروع لا يتركه ويتوارى وراء أسمائه ورموزه، لكننا نراه في كل اثنينية هو الذي يقدم ضيفه ويدير الحوار معه، ويشارك في المناقشات وطرح الأفكار كواحد من الجلساء المتجاورين كما نراه، في كل مجلد من مجلدات الموسوعة يتوجه بمقدمة ضافية وبلغته الأدبية الرشيقة.
وبقدر ما تزيد موسوعة الاثنينية من معارف قرائها عن علماء وأدباء ومفكرين معروفين لدى عامة المثقفين، تطلعهم على ما لم يعرفوه من تطور الحركة الثقافية في أنحاء الجزيرة العربية. وقد زخرت مجلداتها بأسماء ومنجزات أدبية وفكرية لمن لا نعرف عنهم شيئاً بين الحجاز ونجد وعسير وجيزان والأحساء وشواطئ الجزيرة العربية. وهم يتعاقبون على تطوير الثقافة والإبداع مشاركة وزيادة لنطلع فيما نطلع على شعراء بعيدين عن وعينا النقدي بحكم الحصار المضروب على الكتاب العربي في كل أقطاره.
وسنشير إلى أسماء كوكبة من الشعراء الكلاسيكيين الذين لا يرون خارج أسوار الأصالة العربية وجود الشعر غير الشعر الذي ورثوه وتربوا في حقوله ومنتجعاته، بين امرئ القيس والأعشى وطرفة. ولبيد. والنابغة. وقيس بن الخطيم. وجرير. والفرزدق. والأخطل. وأبي تمام. والمتنبي. والبحتري والشريف الرضي. فنقرأ لهم نماذج شبيهة بنماذج شعراء الشام والعراق ومصر في عصر النهضة الذي يمتد من أواخر القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين لكنها تترجم مشاغلهم المعاصرة.
بل تفاجئنا معلومات كانت قبل هذه الموسوعة تشبه الغابة المجهولة بالنسبة إلينا، لنرى الشاعر حسين باشا سراج، ونتعرف ليس إلى شعره وحسب بل إلى عدد من المسرحيات الشعرية التي كتبها مثل: غرام ولادة. والشوق إليك. والظالم نفسه. كما تدهشنا أنباء الشاعر حسين علي عرب الذي طغت وظائفه الكبيرة وتسلمه إحدى الوزارات على صوته الشعري المميز. والذي نشر أعماله الشعرية الكاملة منذ سنوات.
والشاعر محمود عارف ابن مدينة جدة والذي ترك أحد عشر ديواناً من الشعر إضافة إلى ستة كتب نثرية تجمع بين الخاطرة والذكرى والدراسة الفكرية الممتعة.
والشاعر أحمد العربي الذي يكتب الشعر ولا ينشره في زحام مهماته ووظائفه الكبيرة والتي آخرها عضوية مجلس الشورى.
والشاعر محمد بن علي السنوسي صاحب الصوت الشعري المميز الذي أهله للحصول على جائزة شعرية كبيرة، والذي ترك ستة دواوين شعر وكتاباً نقدياً يتناول عدداً من الشعراء.
مثل هذه الأصوات الشعرية التي لا نعرفها بحكم الجسور المتهدمة بين العرب والعرب، تضاف إلى الأسماء المألوفة التي كان الشعر هاجسها، بقدر ما هي حريصة على توصيل الشعر إلى الآخرين كطاهر زمخشري وعبد الله بلخير وابن خميس وعبد القدوس الأنصاري وحسن القرشي وغيرهم.
ومن حول الأصوات الشعرية نلامس كتَّاب قصة وكتَّاب رواية ونقَّاد ومترجمين. كما نعثر على المحاولات التجريبية في الشعر ليلحق شعراء الجزيرة العربية بمركبة الشعر المتطور سواء كان ينتمي إلى شعر التفعيلة الذي أصبح يغطي ثلاثة أرباع مساحة الشعر العربي المعاصر، أم كان ينتمي إلى شعر البيت الذي نلامس تجديده وإدخاله في مجالات الحداثة التي يراها بعض شعرائنا هنا في سوريا لا تتعارض مع الشكل الأصيل للموزون المقفى. وقرأنا بعضاً من هذه التجارب المثيرة بحداثتها من جهة وارتباطها بالموروث الشعري الأصيل من جهة ثانية. والتي يقودها كوكبة من شعرائنا الشباب.
إن هذه الإشارات لا تغني عن قراءة مجلدات الاثنينية، التي لمسنا فيها مزيجاً من الدفء والحيوية والعفوية وكأننا بين ضيوفها الذين يتحاورون بود كاشفين الأستار عن تجاربهم الفكرية والفنية ببساطة وبدون افتعال. كما التقينا للمرة الأولى عشرات من المبدعين لا نعرف عنهم شيئاً من قبل.
فلم يعد غريباً أن نقول إن الاثنينية تمثل في وجهها الأول ميداناً لتكريم المفكرين والمميزين في تطور الحضارة العربية. كما تمثل في وجهها الثاني المطبوع موسوعة من طراز خاص هي في طريق النمو والتكامل.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :540  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 22 من 107
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

البهاء زهير

[شاعر حجازي: 1995]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج