شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
البحث الأدبي
عندما ننظر في البحوث الأدبية التي كتبها ابن عبد المقصود نجد أنها تدل دلالة واضحة على أن الرجل قد بلغ مبلغاً ممتازاً في أسلوب البحث الأدبي.
وحين نعرف أنه حين كتب هذه البحوث كان في الخامسة والعشرين ـ تقريباً ـ من عمره وحين نضم إلى هذا وذاك ما كان عليه أدباء عصره في الحجاز في تلك الأيام من إقبال أكثرهم على التأثر بأدباء المهجر ومصر والشام وتقليدهم لهم، ومجيء أدبهم على نحو من أدب أولئك مع ما كان يعتري نثر ناشئي الحجاز في تلك الفترة من تخلخل في اللفظ والأسلوب.
عندما ننظر إلى هذا كله نجد أننا أمام عبقرية فذّة خرجت على معايير زمانها، وأتت بما هو في الذروة من البحث الأدبي، فكراً ولفظاً، وأسلوباً، وطريقة بحث.
بدأ ابن عبد المقصود في جمع مادة كتاب (وحي الصحراء) وكان أثناء ذلك يطالع الكتب القديمة ويقرأ فيها أخبار الحجاز، ومن تلك الكتب التي ورد ذكرها في ما كتب (كتاب الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، (رحلة ابن بطوطة)، (العقد الفريد) لابن عبد ربه، (مروج الذهب) للمسعودي، (كتب ابن قتيبة والمبرَّد، وأمثالهما) وسوى ذلك من الكتب الكثيرة التي وردت إشارة إليها في ما كتب.
وكان يجمع أخبار الحجاز في السياسة والعلم والأدب والاقتصاد والعمران ونحوها فيقوم بدراسة تلك النصوص التاريخية والأدبية، ثم يستخلص منها بحوثاً تصور حياة الحجاز في مختلف أدواره التاريخية فخرج من ذلك بسلسلة متصلة الحلقات قام بنشرها في الصحف وبخاصة في صحيفة أم القرى (1) ثم جعلها مقدمة لكتاب (وحي الصحراء) الذي عاونه فيه الشيخ عبد الله عمر بلخير.
وتعد هذه المقدمة أطول بحث أدبي عثرنا عليه لهذا الرائد حيث بلغ عدد صفحاتها في كتاب (وحي الصحراء) أربعاً وثلاثين صفحة، وسنوردها بكاملها في نهاية هذا المبحث، لا لكونها تمثل أسلوب البحث الأدبي عند الرجل وإنما لأسباب أخرى أيضاً منها دلالتها على ثقافته الواسعة، ومنها أنها تصور لقارئ هذا الكتاب سلسلة تاريخ الحجاز السياسي والأدبي في بلاغة وإيجاز.
لقد صوّر الرجل في بداية بحثه هذا ما آل إليه أمر الحجاز حين تعاورته الفتن والقلاقل من بعدما أهمله الخلفاء وأرباب الشأن في الدولة الإسلامية فتعاورته الأهواء وتقاذفته النزوات، وكان أحرى المواطن بالعناية وصون الكرامة.
ولم يقف ابن عبد المقصود عند العصر الجاهلي ولم يزد في الحديث عنه على ثلاثة أسطر على الرغم من ازدهار الأدب العربي فيه، ولعلّه أغفل ذلك لأحد سببين أولهما أن العصر الجاهلي قد حظي بعناية الباحثين قديماً وحديثاً حتى صار أثرى العصور الأدبية بحثاً ودراسة وجمعاً وتحقيقاً.
والثاني أن سلسلة تاريخ الإسلام تبدأ بعد العصر الجاهلي والله أعلم.
ويرى ابن عبد المقصود أن الشعر في صدر الإسلام قد مر بحالتين متغايرتين تمام التغاير.
فهو في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قوي جزل، استصحب في عهده الجديد ما كان له من قوة في أيام الجاهلية، إلى ما أضافه إليه الأدب من أفكار ومعانٍ سامية كانت تظهر في شعر شعراء الإسلام، ثم ما نفى عنه من مستهجن الألفاظ والأساليب والأفكار الجاهلية.
وكان الصراع الفكري الذي اشتد بين شعر المسلمين وشعراء المشركين مصدر قوة دفعت بشعر تلك الأيام إلى ميادين رحبة كان فيها تهذيب وتجويد.
أما في زمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم فقد تغير وضع الشعر وتبدل حاله حيث فرض الوضع الجديد في الفتوح تقدم الخطابة وتقهقر الشعر.
وكان في بحثه يمزج الحديث عن السياسة بأحاديث الأدب وسائر شؤون الحياة وحينما وصل إلى الحديث عن الحجاز في العصر العباسي الأول أورد قول الأصمعي عن الأدب في المدينة وهو ((أقمت بالمدينة زماناً ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة، وكان بها ابن دأب يصنع الشعر وأحاديث السمر وكلاماً ينسبه إلى العرب فسقط وذهب علمه، وخفيت روايته)).
وقد ناقش هذا القول مناقشة الرافض له محتجاً بقول الدكتور طه حسين في مقاله (الحياة الأدبية في جزيرة العرب) في كتابه ألوان (2) ، وقول المتأخر ليس بحجة على المتقدم إلا إذا نصب المتأخر دليلاً مادياً. ويتدرج محمد سعيد عبد المقصود في بحثه تحت سلسلة التاريخ يتلمس الأدب ويستنطق الأخبار حتى يصل في مسيرته إلى زمن تأليف الكتاب (1355).
وأهم ما نلحظه في بحوث الرجل، الصدق، والتجرد من الأهواء، وتحكيم ما تنطق به الأخبار والآثار، وهذا لا يعني خلو بحوثه من هنات هينات يستطيع نظر الناقد التسلل من خلالها.
فمن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه لا يحيل إلى المصدر بل يكتفي بذكر اسم المؤلف حيناً (3) ، وحيناً آخر يكتفي باسم الكتاب (4) ، دون ذكر المؤلف أو قد يذكر اسم المؤلف والكتاب لكنه لا يشير إلى الصفحة (وهذا خلاف صنيعه في بحوثه الأخرى).
ومن ذلك أنه جعل الضعف الأدبي الذي اعترى الحجاز ناتجاً من الفتن والقلاقل، ونسي أن لذلك أسباباً أخرى كان من أهمها هجرة ذوي الطموح وطلاب الشهرة في الأدب والسياسة والعلم إلى مراكز الخلافة، وعندي أن هذا أهم الأسباب وأقواها، إلى ما أصيب به الحجاز من إهمال ذوي الأمر والنقض شأنه وبخاصة في العصر العباسي الثاني وما بعده.
ولقد كانت تلك البحوث التي دأب الرجل على نشرها محل عناية مزامنيه وإعجابهم، كما لقيت من المعارضين من ناقشها على صفحات الصحف ومنهم الذي رمز لنفسه بكلمة (ناقد).
فلقد أشار ابن عبد المقصود إلى شعر الغزل وفي تلك الإشارة وصف شعر ابن ربيعة بأنه يتسم بالعفة، ولعلّه كان يعني أنه من باب الشعر العذري، وأظنه كذلك، ولكن هذا لم يرق (ناقداً) فكتب مقالاً نشره في صحيفة (أم القرى) عمد فيه إلى نقض ما أثبت الأستاذ محمد سعيد، ويبدو لي ـ والله أعلم ـ أن منطلق حديثه الغيرة على الأخلاق أو هذا فتح حسن ما لم يصطدم بحقائق موضوعية، ومما ورد في قول هذا الناقد:
(وغريب من الأخ الأديب أن ينسى أو يتناسى ماضي الشعر العربي في العصر الجاهلي فيدعي أن شعر الغزل ـ أحد ضروب عديدة دخلت على فن الشعر لم يكن متأثراً بها بل لم يكن يعرفها. وأغرب من هذا أن يتخذ من شعر الأحوص والعرجي مرآة صادقة لتمثيل حياة اللهو والمجون في المدينة والطائف ثم يتخذ منه في الوقت نفسه من شعر ابن أبي ربيعة مرآة تعكس ثوب العفة الذي كان يغشى حياة اللهو المكية) (5) .
وذلك تعليق على قول محمد سعيد عبد المقصود.
(وقد دخلت ضروب عديدة على فن الشعر لم يكن متأثراً بها، وإذا شئت فقل لم يكن يعرفها فظهر الشعر السياسي والنقائض والشعر الغزلي).
.. ولقد كانت أغراض هذا الشعر الغزلي تختلف باختلاف الوسط والبيئة التي يقال فيها، فبينما نجد في شعر ابن أبي ربيعة حياة الدعابة واللهو نجد عليها مسحة من العفة تصور لنا الحياة المكية يومذاك بخلاف الحياة الطائفية والمدنية، فإنا نجد في شعر العرجي إباحة ومجوناً، وفي شعر الأحوص دعابة ولهواً، وكلاهما قد تجاوز الأدب المكشوف بمراحل وهذا يرجع إلى أن حياة اللهو في الطائف والمدينة كانت غيرها في مكة) (6) .
وعندي أن خوجه لم يجهل وجود الغزل في العصر الجاهلي وإنما أراد أن هذا الضرب من القول قد توقف في صدر الإسلام فجاء العصر الأموي فنبهه وأعاده إلى الحياة الأدبية من جديد، ومثل هذا القول يقال في الشعر السياسي أيضاً، ذلك أن الأشعار القبلية وكذا المناقضات في صدر الإسلام ما هي إلا شعر سياسي.
أما ظاهرة التبذل التي غشيت المدن الحجازية أو قل بعض جوانب الحياة الاجتماعية في تلك المدن أيام بني أمية فأمر معروف لا يقبل الجدل، وإن كان جل الباحثين، بخاصة من أهل هذا الزمان، قد بالغوا في ذلك حتى صوروا الحياة في مدن الحجاز صورة تبدو فيها وقد تحولت إلى مسارح اللهو والعبث والتهتك وهذا باطل وضلال، واتهام لأهل ذلك الزمان بما هم منه براء.
ومما يلحق البحث الأدبي ما نشر بقلم الرجل في الصحف المحلية وبخاصة (أم القرى)، (المنهل)، ومنه إسهامه في استفتاءَين طرحهما صاحب مجلة المنهل الشيخ عبد القدوس الأنصاري على بساط البحث أمام أقلام الأدباء.
أولهما: كان عن الأثر الذي تركه الأدب الحديث على أقلام الحجازيين.
والثاني: كان حول الكتب والصحف التي ننصح الناشئة بقراءتها.
ولقد أسهم أبو عبد المقصود في الإجابة عن الاستفتاءين فجاء جوابه عن الأول تصويراً جيداً لحياة الأدب الحجازي في منتصف القرن الرابع عشر الهجري.
كما جاء الثاني دالاًّ على ثقافة الرجل وسعة اطلاعه على الكتب والصحف والمجلات، وإن كان في ذلك يمثل رأي الرجل المثقف لا المتخصص يدل على هذا مزجه في الاختيار بين كتب الحديث والتفسير والتاريخ والأدب أو غيره من فروع المعرفة.
وكما كان باحثاً مبدعاً، وكاتباً مجوداً، كان كذلك خطيباً مفصحاً ومرتجلاً قديراً، يقول على البديهة مثل ما يكتب متأنياً، ومن ذلك خطبته التي ارتجلها في حفل افتتاح مدرسة العلوم الشرعية، وكانت قد وجهت اهتمامها، بادىء ذي بدء، إلى الخطابة لمسيس الحاجة إليها.
وسنثبت هذه النصوص الثلاثة إن شاء الله بعد مقدمة وحي الصحراء وقبل أن تطوى صفحات هذا البحث نود أن نشير إلى أن معارك نقدية قد قامت بين أبي عبد المقصود وآخرين، ولكن لكون ميدانها مباحث اجتماعية آثرنا ترك الحديث عنها هنا.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1088  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 8 من 61
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

يت الفنانين التشكيليين بجدة

الذي لعب دوراً في خارطة العمل الإبداعي، وشجع كثيراً من المواهب الفنية.