شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
سادن الوجع الجليل
عاتَبتُ ـ لو سمعَ القريبُ عتابي . .
وكتبتُ ـ لو قرأ البعيدُ كتابي!
وسألتُ ـ لو أنَّ الذين مَحَضْتُهُم
وِدّي أضاؤوا حيرتي بجوابِ!
وَعَصَرْتُ ماءَ العينِ لو أنَّ الأسى
أبقى بحقلِ العمرِ عُشْبَ شبابِ
وَأنَبْتُ عني لو يُنابُ أخو الهوى
بسخينِ أحداقٍ ونزفِ إهابِ (1)
وَتَرَنَّمتْ لو لم تكن مشلولةً
شفتي ... ومصلوبَ اللحونِ ربابي
كيف الغناءُ؟ حدائقي مذبوحةٌ
أزهارُها ... ويبيسةٌ أعنابي
شجري بلا ظِلٍّ .. وكلُّ فصولهِ
قيظٌ .. وظمآنُ الغيومِ سحابي
طَرَقَ الهوى قلبي .. وحين فَتَحْتُهُ
ألقى به عصفاً وعودَ ثقابِ
حتى إذا كشَفَ الضحى عن شمسهِ
ألفيتُني ميتاً بنبضِ ثيابِ
يتقاتل الضِدّان بين أضالعي:
عَزْمُ اليقينِ وحيرةُ المرتابِ
صُبْحي بلا شمسِ .. وأما أنجمي
فَبَريقُ بارودٍ وومضُ حرابِ
روحي تمصُّ لظى الهجيرِ وَتَسْتَقي
شفتاي من دمعٍ ووهجِ سرابِ
أرفو بخيطِ الذكرياتِ حشاشةً
خَرَمَتْ ملاءَتَها نِصالُ غيابِ
الدارُ بالأحبابِ .. ما أفياؤُها
إنْ أَقْفَرَتْ داري من الأحباب؟
عابوا على قلبي قناعةَ نَبْضِهِ
أنَّ الردى في العشقِ ليس بِعابِ
أنا سادنُ الوَجَعِ الجليلِ خَبَرْتُهُ
طفلاً .. وها قارَبْتُ يومَ ذهابي
* * *
صوفيَّةَ النيرانِ لا تترفَّقي
بي لو أتيتُكِ حاملاً أحطابي
قد جئتُ أستجدي لظاكِ .. لتحرقي
ما أَبْقَتِ الأيامُ من أعشابي
أنا طِفْلُكِ الشيخُ ... ابتدأتُ كهولتي
من قبلِ بدءِ طفولتي وشبابي
لَعِبَتْ بيَ الأيامُ حتى أَدْمَنَتْ
وَجَعي .. وَخَرَّزَتِ العثارُ شِعابي
يحدو بقافلتي الضَياعُ كأنني
للحزنِ راحٌ والهمومِ خوابي (2)
إنْ تفتحي بابَ العتابِ فإنني
أَغْلَقْتُ في وجهِ الملامةِ بابي
أهواكِ ؟ لا أدري .. أَضَعْتُ بداهتي
وأَضاعني في ليلهِ تِغْرابي
كلُّ الذي أدريهِ أني بَذْرَةٌ
أَمّا هواكِ فجدولي وتُرابي
نَزَقي عفيفٌ كالطفولةِ فاهدئي
أنا طفلكِ المفطومُ .. لا ترتابي
الشيبُ؟ ذا زَبَدُ السنين رمى به
موجُ الحياةِ على فتىً متصابي
"ستٌ وخمسون" انتهين وليس من
فرحٍ أُخيطُ به فتوقَ عذابي!
الدغل والزُقّومُ فوق موائدي
والقيحُ والغِسلينُ في أكوابي (3)
أحبيبةَ الوجعِ الجليل ِ مصيبتي
أن العراقَ اليومَ غابُ ذئابِ
لو كان يفتح للمشرّدِ بابَهُ
لأتيتُهُ زحفاً على أهدابي
وطويتُ خيمةَ غربتي لو أنها
عَرَفَتْ أماناً في العراق روابي
أوقفتُ ناعوري على بستانِهِ
وعلى دجاهُ المستريب ِ شهابي
* * *
عانَقْتُها فتوضَّأتْ بزفيرِها
روحي.. وعطَّرني شميمُ خضابِ
كادت تَفرُّ إلى زنابقِ خصرها
شفتي فرارَ ظميئةٍ لشرابِ
سكرتْ يدي لمّا مَرَرْتُ براحتي
ما بينَ موجِ جدائلٍ وقِبابِ
وحقولِ نعناعٍ تَفَتَّحَ وردها
وسهول ِ ريحان ٍ وطل ّ حبابِ (4)
لُذْنا بثوبِ الليلِ نَسْترُ شوقنا
من عين مُلتصٍّ ومن مرتابِ (5)
فشربتُ أعذبَ ما تمنّى ظامئٌ :
شهدٌ غَسَلتُ بهِ مُضاغَ الصّابِ (6)
يا أيها المجنونُ ـ صاحَتْ ـ دَعْكَ من
تُفاحِ بُستاني وَزِقٍّ رضابي
جَرَّحْتَ فستاني فكيف بزنبقي؟
فَأَعِدْ عليَّ عباءتي وحِجابي
حتى إذا نَهَضَ المُكبِّرُّ..... والدجى
فَرَكَ العيونَ ولاحَ خيطُ شِهابِ
وتثاءَبَ القنديلُ... وابتدأ السنا
عريانَ مُلْتَفًًّا بثوبِ ضَبابِ
صَلَّتْ وصلَّيتُ النوافلَ مثلَها
وبسطتُ صَحْنَ الروحِ للوهّابِ
* * *
خوفي عليَّ ـ وقد تَلَبَّسَني الهوى ـ
مني ... ومنكِ عليكِ يومَ حسابِ
إنْ كنتِ جاحدةً هوايَ فهاتِني
قلبي وتِبْرَ عواطفي وصوابي
نَمْ يا طريدَ الجَّنتينِ معانقاً
خالاًً يشعُّ سناهُ بين هضابِ
عَرَفَتْكَ مخبولاً تُقايضُ بالندى
جمراً وكهفَ فجيعةٍ برحابِ
* * *
أصحابَنا في دار دجلةَ عذرَكمْ
إنْ غَرَّبَتْ قدماي يا أصحابي
جَفَّتْ ينابيعُ الوئامِ وأَصْحَرَتْ
بدءَ الربيعِ حدائق اللبلابِ
أحبابَنا ... واسْتَوْحَشَتْ أجفانَها
مُقَلي وشاكسَني طريقُ إيابي
أحبابَنا عَزَّ اللقاءُ وآذَنَتْ
شمسي قُبيلَ شروقِها بغيابِ
أحبابَنا في الدجلتين تَعَطَّلَتْ
أعيادُنا من بعدكم أحبابي
ندعو ونجهل أَنَّ جُلَّ دُعائِنا
منذ احترفنا الحقدَ غيرُ مُجابِ
نَخَرَ الوباءُ الطائفيُّ عظامنا
واسْتَفْحلَ الطاعونُ بالأربابِ
عشنا بديجورٍ فلما أَشْمَسَتْ
كشفَ الضحى عن قاتلٍ ومرابي
ومُسَبِّحينَ تكاد حين دخولهم
تشكو الإلهَ حجارةُ المحرابِ
ومُخَنَّثين يرون دكَّ مآذنٍ
مجداً ... وأنَّ النصرَ حزُّ رقابِ
واللاعقين يد َ الدخيل ِ تضرّعا ً
لنعيم كرسي ٍ بدار ِ خراب ِ ...
جيف ٌ ـ وإنْ عافتْ عفونة لحمِها
أضراسُ ذئبان ٍ وناب ُ كلاب ِ...
وطنَ الفجيعة ِ والشقاء ألا كفى
صبراً على الدُخلاءِ والأذنابِ
* * *
طباعة

تعليق

 القراءات :996  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 52 من 53
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذ محمد عبد الرزاق القشعمي

الكاتب والمحقق والباحث والصحافي المعروف.