شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الفصل الرابع
(1)
* كفكف ((زياد)) دمعة مرة.. كأنه كان يختزنها في عمق عينيه من ((تلك الليلة)) قبل خمسة أعوام.
((مشاعر))... نعم، لم ينسها أبداً، ولم يتنازل عنها ببساطة، وأصر يومها وبعده: أن لا يخذل قلبه ويشقيه ببعادها عنه.
انتهت حرب الحقد الصدامي، وأعيدت الكويت إلى ربعها، وعاد أهلها إلى حضنها... تدفق الفرح مع خطوات العودة، ولكن.... بقيت دمعة تترقرق في عين كل كويتي لم تجف: بكاء على الأسرى الذين يحتجزهم الطاغية في غياهب ظلمه.
في أفراح النصر... انبعث ((الحلم)) من جديد في نفس ((زياد)).
لعل الحلم الماتع يعود، ويتحقق في: حقيقة هذا النصر الذي يطرز الجديد من الأحلام وينسجها: واقعاً، ومستقبلاً.
لا بد أن يبحث عن ((مشاعر)).. بعد أن كلَّت يده من النداء على هاتفها في لندن، ولا أحد يجيب، والبحث عنها هذه المرة سيكون في ديرتها/ الكويت.
استأذن من مديره في العمل ليغيب يومي الثلاثاء والأربعاء بحجة أن عمته في الطائف: مريضة جداً!
انطلت الكذبة على المدير الذي لم يتعوَّد الكذب، أو عدم الانضباط من ((زياد)) في عمله. اشترى التذكرة، وحجز مقعده، وسافر يوم الثلاثاء إلى الكويت.... بحثاً عن ((مشاعره)) هناك.
ليست لديه تليفونات مكاتبها ولا منزلها، ولا حتى عنوان مكتبها الرئيسي.
وحتى لو عرف كل ذلك منها في لندن... فالحرب غَّيرت الناس، أفلا تُغير العناوين وأرقام الهواتف؟!
طلب من الفندق أن يبحث له عن عنوان مكتبها الرئيسي، أو حتى هاتف المكتب.. بعد أن زوَّد المسؤول هناك بالاسم الكامل لها، ولشركتها.
انتهى ليل الثلاثاء وهو قابع في الفندق يرتقب البشارة دون جدوى، فهو لا يعرف أحداً هنا.
بعد ظهر الأربعاء.. قال له الموظف في الفندق:
ـ هات البشارة... أكتب العناوين والهواتف.
تناهت إلى سمعه أصوات دفوف وزغاريد.... لم ينتظر، ارتدى ملابسه، وانطلق إلى عنوان الشركة الرئيسي، وهو يقول لنفسه: ((تليفون إيه اللي أسأل منُّه.. ما حك جلدك مثل ظفرك)).
وقف أمام واجهة الشركة، تريث قليلاً، التقط أنفاسه اللاهثة، أصلح من وضع عقاله وغزله، وبسمل وهو يضع خطوته الأولى في مدخل الشركة.
وجد موظف الاستعلامات في وجهه، اتجه إليه وطلب منه أن يدله على مكتب المدير العام للشركة.
صعد إلى الدور الخامس حسب إرشاد الموظف له، وبهدوء وبطء: دفع باباً كبيراً أمامه، ولا غيره في هذا الدور، ومضى إلى قاعة كبيرة، وقدماه تصطكان.. حتى بلغ نهاية القاعة حيث وقف أمام آنسة تجلس خلف مكتب عريض، وقد سرى التلجلج في صوته وهو يقول لها:
ـ من فضلك.. أريد المدير العام شخصياً ولأمر هام.
* قالت له السكرتيرة: هل لديك بطاقة باسمك؟!
ـ قال لها: آسف... فقط هذا اسمي: ((زياد)) قادم من ((جدة)).
غابت عن عينيه، ثم فتحت باب مكتب المدير، وأشارت إليه أن يتفضل.
اختلج.. تبعثرت خطواته:
ـ تُرى.. كيف تكون المفاجأة لها، كيف ستستقبله.. هل تصافحه، تحضنه؟!
فوجئ برجل سمين يجلس خلف مكتب زجاجي فخم، ويضع سيجاراً مطفأ بين شفتيه.
اقترب منه وهمس: مساء الخير... أريد أن أقابل المدير العام من فضلك.
ـ ارتفع صوت الرجل الأجش قائلاً: أنا المدير العام.
* قال زياد: عفواً... إنني أسأل عن..... السيدة ((مشاعر)).
ـ آ آ آ..... وهل من خدمة أؤديها لك؟!
* أشكرك جداً... الخدمة الوحيدة التي تسعدني بها: تدلني على مكتب هذه السيدة، أو بيتها، أو هاتفها... معي رسالة هامة لها من ((جدة)).
ـ نعم... نعم... في إمكانك تسليمي هذه الرسالة وأنا أوصلها لها.
* ردَّد زياد في نفسه كلمة: ((غِتت.. والله غِتت، أعوذ بالله)).
فاجأه المدير السمين كأنه يوقظه بصوته الضخم.. طالباً منه الرسالة.
ـ قال: عفواً... لا بد أن أسلمها للسيدة شخصياً.
* قال المدير: ولكنها ليست هنا.. إنها في أمريكا حيث تعيش هناك، وتدير أعمالها من هناك... وأنا هنا أمثِّلها.
ـ رد زياد: هل أطمع في الحصول على هاتفها هناك؟!
* آسف... لا بد أن أستأذنها، ولكن...... من أنت، وماذا تريد؟!
ـ هي تعرفني يا سيدي... فقط أخبرها عني، اسمي ((زياد))، وهذا هاتفي ورقم غرفتي في الفندق.. فمتى أنتظر منك رداً؟!
* حسناً... غداً صباحاً في العاشرة!
* * *
* أوف... رجل سئيل، ومتعجرف.
في طريق عودته إلى الفندق.. انهالت الأسئلة في رأسه على قلقه:
ـ هل هاجرت إلى أمريكا.. تزوجت، أم اكتفت بتجربة واحدة.. أجرت العملية؟!
لم ينم تلك الليلة المرهقة لوحدته في فندق أبكم.. كان التلفاز سلوته حتى يسأم منه، ويمسك بكتاب اصطحبه معه.. فهو لا يتنقل إلا ومعه زاد عقله.
في الصباح... اكتشف أنه نام على الكنبة. بملابسه، والكتاب ملقى بجانبه.
الساعة التاسعة صباحاً.. تبقى ساعة بطيئة مملَّة، حاول أن يفنيها بالاستحمام، وبالفطار، وبقراءة الصحف التي طلب من الفندق إحضارها له.
الساعة العاشرة الآن.. أيها الهاتف رن، أصرخ، غني!
اندهش من نفسه.. وهذه الدمعة اللائجة في عينيه، بماذا يصفها؟!
فجأة..... علا رنين الهاتف، التقطته أصابعه المرتعشة:
ـ آلو... آلو.
صوتها.... نعم ((مشاعر)).. هو صوتها ببحته الجميلة:
ـ أهلاً زياد... ويش لونك؟!
* ((مشاعر... أنا... لوني... لوني ممتقع، إنت فين، ليه تعملي كده في قلبي))؟!
ـ صوتها منضبط على الجدية: أنا بخير.. عملت العملية وطبت الحمد لله، آسفة ما كنت أعرف رقم هاتفك في جدة حتى أتصل بك!
* لكني يا حبيبتي كتبت لك رقم هاتفي في تلك الليلة بلندن.
ـ صحيح... لكنه ضاع مني.
* كما ضعتُ أنا يا ((مشاعر)) عندك؟!
ـ معليش يا زياد... الإنسان المحظوظ يحلم مرة واحدة، ويعيش الحلم بقية عمره..
وأنا حلمت معك فكنت أنت المرة الوحيدة، أو الحلم الأساسي، وصدقني أنني أعيشك حتى الآن.
* تعيشينني حلماً يا مشاعر.. طيب ليه ما نحوِّل الحلم إلى حقيقة؟!
ـ صعب.. أنت فوق إمكاناتك، وأنا تحت ظروفي وواقعي.
* يعني يا مشاعر؟!!
ـ عشنا تلك الليلة.. حلماً رائعاً كأنه العمر كله، سامحني يا زياد، أنت أفضل مني.
لم يجد كلمة إضافية يقول لها.. ليست هي الصدمة، ولا الفجيعة، ولا الهزيمة.. بل أكبر من ذلك بكثير!!
كأنه ينترع سماعة الهاتف من فوق أذنه ببطء شديد، ويعيدها إلى موضعها... دون أن يرد على كلماتها الأخيرة.
ها هي ((التفاحة)) التي وصفها ((برنارد شو)) ذات يوم... وكيف عطبت؟!
كل حقوله وزروعه.. هجم عليها الجراد دفعة واحدة على شكل الكلمات التي قالتها له ((مشاعر)).
هل طواه كابوس رهيب؟!
أفظع، أفظع... الكابوس! نستيقظ منه، لكن ((زياد)) سيبقى لفترة طويلة: عاجزاً عن الخروج من هذا النفق المظلم الذي رمته فيه ((مشاعر.. الأنثى، المليحة التي كان يصر دائماً أن يناديها: يا مشاعري!!
ـ قال: المرأة تفر من الرجل الذي أحبها غالباً... مثلما الرجل: لا يتزوج من المرأة التي عشقها!
* * *
* امتدت يد ((زياد)) إلى ورقة ((الألبوم)) التي تتصدرها هذه الصورة.. تساءل في نفسه:
ـ هل يمزق الصورة وفيها: صديقه سمير، وذكرى الأيام العصيبة لزوجته الراحلة ((إلهام))، وذلك الإذاعي وزوجته الإذاعية في إذاعة الـ ((BBC))، وتدليس هذه الإذاعة على العرب في حرب الخليج بالذات... وفيها: هذه الخلفية لظلال ملامح ((مشاعر)).. تضيء ابتسامتها المترددة هذه الظلال؟!
إنه يكره التمزيق... حتى ولو أشعلت أبعاده هذه الصورة: حرائق الغابات في جوفه.
ضوء الأباجورة الخافت الذي تنعكس ظلاله على الصورة، بل و ((الألبوم)).. يراه وكأنه يرتعش، يضعف التيار الكهربائي ويقوي.. يترنح كرأس ((زياد)) أمام تلك الليلة التي ذبحت صديقه ((سمير))، وتلك الليلة التي ظن أنها ميلاد جديد لخفقه، و.... ذبحته أيضا!
ـ ((لا... لن أذهب إلى لندن))!
منذ ذلك العام لم يطأ أرض الدم الثقيل بعد إهدار دم قلبه هناك... خمس سنوات كان يتجه فيها إلى باريس، ومرة إلى قبرص... لا يشخص بصره إلى أنثى، لا يدع التفاتاته تتأنى أمام وجه مليح، ليس بعد ((مشاعر)) بزخم الصدق الذي حسبه متجذراً فيها، و.... دفنته في صدرها معه!
ـ عاد يطرح السؤال الخفي في نفسه: ((ما هي أخبارك يا مشاعر.. تعيشين أم رحلت.. تزوَّجت أم..... أخذك اللهو الخفي كسؤالي هذا))؟!
أفاق من شروده على رنين الهاتف العالي.. مزعج، نسي أن يخفض صوته:
ـ آلو... أهلاً سامي، أعذرني.. لم أستطع الخروج والالتحاق بكم في سهرتكم.
* لعلع صوت صديقه المعتاد: يا انعزالي، يا اندياحي، يا استبطاني، يا جدراني.. ألا تفك أسر نفسك من نفسك؟!
ـ رد ((زياد)) بصوت مرهق جداً: معليش... خدني على قد جدراني!
يعود إلى ((الألبوم)).. يحضنه كأنه ((مشاعر))، ومعها كل تلك الذكريات الضاحكة، والباكية.. وتلك الليلة، والأخرى، حتى تحوَّلت لياليه إلى: خرس، وبُكْم!
دوامة الإرهاق تلفُّه ولكنَّ النوم يجافيه.
اتجه إلى المطبخ، وأعدَّ فنجاناً من شاي الرشاقة بدون سكر، فهو يحافظ على نحافته، ويكره أن تتكور بطنه أمامه كالحوامل!
في أعماقه: خفقة تنتحب، ونبض يتحوَّل إلى صرير، ودم مجنون يجري في شرايينه.
لا بد أن يتمتع بإجازته، ولكن بعيداً عن لندن.
خمس سنوات.. ولم يُشْف بعد من ((تلك الليلة))!
* * *
* استقبلت نظراته ورقة جديدة في ((الألبوم))، وعليها صورة قديمة.. مضي على مناسبة التقاطها أكثر من عشر سنوات.
تجمعه هذه الصورة بصديقه الذي كان رفيقاً له، وأحياناً يحلو له فيناديه: يا توأمي/ حسن العلاّمي.
في الصورة: يضع حسن يده على كتف ((زياد)) مرسلاً ابتسامة عريضة إلى أبعد من مستقره اليوم.
تسللت أصابع ((زياد)) تتلمس ملامح صديقه ((حسن)) كأنه مجسد أمامه.
ـ خاطب صديقه في الصورة: باعدت بيننا الأيام بعد هجرتك إلى أميركا... نعم، لماذا لا تكون إجازتي هذه المرة عند صديقي/ توأمي القديم؟!
أزاح ((ألبوم)) الصور.. وقام يفتش في أوراقه بحثاً عن عنوانه الذي زوَّده به حين كان ((حسن)) يواصله بالرسائل، قبل أن يقطعها نهائياً!
* * *
(2)
* مرة واحدة في العام تهطل الأمطار على مدينة ((جدة)) بغزارة.
الناس يصلُّون الاستغاثة طلباً للمطر.. وسكَّان ((جدة)) يصلُّونها ويطلبون أن تكون: ((حوالينا ولا علينا.. على المزارع، وبيوت الشَّعَر)).
دائماً... عندما يحين موعد المطر السنوي على جدة.. فهو ينسكب، يتدفق، وتغرق المدينة في مياه تتلاطم بشدة حتى تغطي أرصفة الشوارع، وتزحف إلى مداخل البيوت. اصطكت الرعود بالبرق... ودوَّى ذلك الصوت الذي يخاف منه ((زياد)).. بل تصيبه الرعشة من رؤية البق، وهدير الصواعق.
نحَّى ((ألبوم)) الصور جانباً.. وأخذ يركض في أرجاء ((فليلته))، يقفل النوافذ المفتوحة، ويسد المنافذ منعاً لتسرب المياه إلى الداخل.
أطفأ الكهرباء في كل البيت بقفله لسكينة التيار، وفضَّل أن يضيء شمعة في غرفة نومه، و.... معيشته في الوقت نفسه حينما لا يكون لديه ضيوف، وما أقلهم.
واحتضن في صدره ((ألبوم)) الصور خوفاً عليه من أن تمزقه ريح المطر، أو تتلفه هذه المياه المنسكبة بغزارة على المدينة.
الحمد لله أن الأمطار السنوية هذه.. هطلت قبل موعد سفره، ولكنه عندما يسافر في كل عام.. يودع مفاتيح ((فليلته)) عند أخته بالرضاع، وهي تتفقدها، ((تشقِّر)) عليها، وتنظفها له قبل موعد عودته من السفر بيوم.
أخلد للنوم بعد أن شارفت الساعة الواحدة من صباح اليوم التالي.. وبعد أن توقف المطر.
لكنه لم ينم وقتاً طويلاً.. هبَّ من نومه، واتجه مباشرة إلى نافذة غرفة نومه في الطابق الثاني، فتحها على مصراعيها.. وهاله منظر مياه الأمطار التي كانت تضرب في بوابة منزله، وتغطي رصيف الشارع.
الشارع الرئيسي يغرق هو الآخر، والسيارات: معطلة داخل المياه... المنظر المألوف كالعادة كلما استقبلت ((جدة)) الأمطار.
ـ قال لنفسه: كيف أخرج الآن، وأخوض هذه البحيرات بسيارتي الصغيرة.. حتى أصل إلى مبنى السفارة الأمريكية؟!
قرر أن تكون إجازته هذا العام في أمريكا.. يذهب إلى: مَنْ كان يناديه: توأم روحي، حسن أبو علي، أو ((أبو الحسون)).
ـ همس ((لا بأس.. اليوم من بُكرة، وبُكرة من اليوم، هيَّا الدنيا طايرة))؟!
قام بتفقد بيته.. تحسباً من أن يكون المطر قد عاود هطوله أثناء نومه.
قال يخاطب نفسه وهو يدخل المطبخ لإعداد فنجان شاي الصباح.. فهو لا يتناول إفطاراً أبداً: ((الحمد لله.. كل شيء تمام، لا سقف عندي يخرُّ كَبيوت آبائنا وأجدادنا، ولم تتعرض النوافذ لكاشح)).
وضع كأس الشاي على الطاولة بجانب سريره، وعاد يحتضن ((ألبوم)) الصور، والصفحة مفتوحة على صورة قديمة له في جدة مع ((أبو الحسون))... وهو يسترجع الذكريات والأصداء من تلك السنوات الجميلة التي آخت بينه وبين صديقه ((حسن)).
* * *
* كان يداعب صديقه ((حسن)) دائماً بهذا النداء: أبو الحسون.
هذه ملامحه في الصورة وفي ذاكرته: وجه شبيه بالفرنجة من ذوي العيون الزرقاء، والرطانة الهوجاء، والشعر الأشقر.
ـ يقول له مازحاً: لا بد أن جدَّك ألمانياً، أو... لعلك من القوقاز أو واق الواق.
ملامح ((حسن)) في الوجه، والقامة وانسدال خصلات الشعر، واستدارة الشارب والحاجب.. هي أقرب إلى صورة ((أدجار ألن بو))/ الأميركي القلِق الحائر.. الفنان والشاعر الذي وصفه برنارد شو بقوله: ((لقد تم اكتشاف أميركا، ولم يتم اكتشاف بو)).
أبو الحسون أيضاً في تقييم ((زياد)) له: أنه شخص، شيء.. لم يتم اكتشافه بعد!!
ممكن أن يصف توأم روحه ((أبو الحسون)) بما يصف به ((ألن بو)): فنان أشد روعة من الفنانين الرائعين، مفطور على أرستقراطية الكلمة..... واحسرتاه!
((ألن بو)) لم يعش هناك.. لكنه مات هنالك، وتم إلقاؤه كسكير وفاشل.
و ((أبو الحسون)).. يعيش هناك في أميركا، ولا يعلم إذا كان مازال حياً يرعى، أو أنه مات - مثل ألن بو - دون أي تعليق؟!
سيكتشف هذه الحقيقة، أو الإجابة على سؤال الموت والحياة.. عندما يذهب إلى أميركا بعد أيام، ويفاجئ صديقه، مَنْ كان توأم روحه.
يحدق ((زياد)) في الصورة.... لا، بل في ملامح ((حسن)):
إنه يحمل هذا الوجه النابليوني الأليف.. عيناه: تُشعَّان ذكاءً ومكراً، وجبهته العريضة: تنسدل فوقها خصلة شعر شقراء.
((أبو الحسون: يجيد إلقاء النكتة الأميركية ذات الكلمات الضخمة والإيقاع... بجانب لهجته ((المكَّاوية)) القُحْ، بأعماق حارات: الشامية، والشبيكة، والقرارة، والمسفلة.. في مكة المكرمة.
يمتلك طاقة جاهزة دائماً من: الحيوية، والنشاط، والتدفق الذي لا يعرف الملل ولا التعب.
صاحب قامة قصيرة مقتحمة.. يطاول بها غيره من العماليق، وذلك باللسان الطويل، وحسن البيان، ونزق رعاة البقر... لذلك أحب أميركا كثيراً حتى هاجر إليها منذ سنوات. كان ((زياد)) يتقاسم مع صديقه ((أبو الحسون)): اللقمة، وعلبة السجائر عندما كان يدخن، والعشاء الأخير... فقد كان دخل كل منهما متواضعاً: ((يا يدِّي فُكِّي حلقي، عشانا عليك يا رب)).
في صداقة كل واحد منهما للآخر.. ذلك الإيثار الجميل الذي يلغي الأنانية.. وقد ربط بينهما وعد مشترك من: الضياع، والألفة، والغربة، والشوق.. إلى التجوال، والمغامرة، والسفر، واقتحام الآفاق.
كانا - معاً - يطوفان أحياء ((جدة)) العتيقة ليلة بعد ليلة: مفلسين سعداء.
تجدهما مرة في حارة: المظلوم، وتارة في حارة البحر، أو حارة الشام، أو الصحيفة... يتحايلان على إنفاق الليالي بشتى حيل الأذكياء، وفنون الصعاليك والمحتالين.
أبرما عقداً ملزماً بينهما: أن لا يفترقا.
وأصر كل منهما أن يحافظ على هذا العقد/ الاتفاق لعدة سنوات.
لم يفترقا إلاَّ.... حينما تحقق حلم ((حسن)) القديم، وسافر كأنه ((طار)) من توأم الروح/ زياد... ذهب إلى أميركا ليعانق معشوقته التي لا يمل من الحديث عنها، وإليها، ومناجاتها كحلم!
لكنَّ هذه السبل لم تنقطع بينهما، ولم تقطع كل واحد عن الآخر.
كانا يلتقيان من حين لآخر في ((لندن))، عندما كانت هذه المدينة أيضاً: معشوقة زياد. حتى استقام الحال لـ ((أبو الحسون)) هنالك في أميركا... بعد أن تزوج من امرأة، وصفها ((حسن)) لصديقه في إحدى رسائله التي لم تكن تنقطع:
ـ ((عثرتُ على فتاة أميركية في الجامعة: لا تتعاطى الكحول، ولا تحب زحام الاختلاط.... حسبتها في البدء: انعزالية، أو تشكو من عقدة نفسية، أو ((نفساوية)) حسب تعبيرك... واقتربت منها، تذكَّرت فيها: هدوءك، وصمتك، وتحديقك... قلت: أتزوجك... عفوا: أتزوجها، وبذلك ضمنت في شخصيتها: زوجتي وصديقي/ توأم روحي!!
طلبت منها أن تسْلم، شرطي الوحيد... لكنها رفضت الأمر، وطلبت مني أن تدرس ديني، وتتعلمه، وتفكر... حتى تُقدم على هذه الخطوة بقناعة.
احترمتها - يا مبجَّل - ولم أعد أفاتحها حتى انتهاء العام... وفوجئت بها تقول لي:
ـ موافقة... سأتزوجك.
* قلت لها: لأ... قولي إنك ستُسلمي وتتزوجينني!
((أجل إيش؟!.. العين الحمرا يا ولد، بس يا سيدي.. ودي كانت آخر عين حمرا مني لها، بعد ذلك.. تبدَّل لون عينيها الأزرق الجميل إلى... لون أحمر))!!
الآن... صار عندي: ولدان وبنت مولودة حديثاً... لو تزوجت، كان لازم تجيب ولد ونزوجه على البنت.. لكنك خايب، فيلسوف مرتكس، حميمي مع صمتك!!
تلك إحدى رسائل "أبو الحسون)) التي كان يبعث بها بين فترة وأخرى، على مدى أربع سنوات.. حتى انقطعت الرسائل، ثم أخباره، وقفشاته، ونكته الأميركية.
لكنَّ عنوان ((أبو الحسون)) مازال لدى ((زياد)) في الشركة، وفي البيت.. همس كأنه يخاطب صديقه:
ـ ((يعني حتروح مني فين يا هارب))؟!
كتب ((زياد)) رسائل عديدة قبل أكثر من عام إلى صديقه/ مَنْ كان توأم روحه... لكنه لم يتلق أجوبة عليها أبداً!
تُراه مات هناك كموت ((إدجار ألن بو))؟!
أم أن ((زياد)) هو الذي مات في وجدان صديقه؟!
عندما كانا يلتقيان في لندن.. في كل مرة يعقد العزم على الاجتماع معاً في أميركا.. يدعو ((أبو الحسون)) صديقه مغرياً له، قائلاً:
ـ ((تعال أيها الحميمي... نُتوِّج ليالي الضياع التي كانت في جدة بليالي دولية، بعد أن صار الشيء الدولي هو الأفضل حتى في الضياع!
تعال أيها الفيلسوف المرتكس.. نجني ثمرات الأحلام الليلية على شاطئ جدة)). ...
* * *
* مازال اللقاء متاحاً... لا مشكلة.
التذكرة جاهزة، ولا عائلة معه تشغله.
أمنيته الدائمة: أن يهبط على صديقه/ مَنْ كان توأم روحه - فجأة - ذات صباح أو مساء... ليحضنه، ويستعيد أحلى الذكريات.
خمسة وعشرون عاماً من الصداقة، والإخاء، واجترار الأحلام.
وغداً.... سيطرق باب صديقه، ويلتقي به في مهد ((إبراهام لنكولن))، وعلى ضفاف الميسوري!
أطبق ((ألبوم)) الصور... ولعلها وقفته الأخيرة أمام صور هذا ((الألبوم)) قبل أن يشد رحاله إلى أميركا، بحثاً عن صديقه ((أبو الحسون))/ مَنْ كان توأم روحه.
وفي اليوم التالي - بعد المطر - قاد سيارته اليابانية الصغيرة في ما تبقى من مياه الأمطار، متجهاً إلى السفارة الأميركية لمنحه التأشيرة.. وإلى مكتب الخطوط لشراء التذكرة وحجز مقعده في رحلة نهاية الأسبوع.
(3)
* عندما هبطت به الطائرة في مطار ((سانت لويس)).. كان أول شيء بادر إليه: الاتصال بصديقه الحميم/ مَنْ كان توأم روحه ((أبو الحسون))... ذلك الذي رحل من الوطن ولم يعد، واستقر به الحال في الوسط الأميركي، وكانت أمنيته التي طالما همس بها في أذن صديقه ((زياد)): أن يعيش في أميركا.... فتحققت أمنيته!
ولكن... كيف يعيش ((أبو الحسون))؟!
هذا هو الأهم الذي ينبغي أن يتفقده ((زياد)) في حياة صديقه.
جاءه صوت ((حسن)) في الهاتف متعلثماً.. كأنَّ المفاجأة عقدت لسانه:
ـ زياد... متى وصلت، وأين تكون الآن؟!
* أنا في ((سانت لويس)) يا أهبل.. وراك وراك.
ـ عنوان مكتبي لم يتغير.. خذ التاكسي وتعال بسرعة.
البداية رائعة ومشجعة ((زياد)).. فالتلعثم في صوت ((أبو الحسون)) لا بد أن يكون من الفرحة بقدوم مَنْ كان توأم روحه، وصديقه الأعز.
استقل ((زياد)) التاكسي من المطار في طريقه إلى مكتب صديقه حسن.
كانت هواجسه ضاحكة ومستبشرة.
هو الآن في أميركا/ سيدة القوة في العالم بلا منارع، بعد أن تهاوى ما كان يُسمى بـ ((الاتحاد السوفييتي)) مثل كرتون فارغ، ولم تعد موسكو الروسية هي العاصمة التي كان يُطلق عليها: ((الستار الحديدي)).. تقوَّضت، وتبعثرت إيذاناً بسقوط الشيوعية العالمية التي توَّجت الصين الشعبية نفسها زعيمة لها بعد سقوط هذا الاتحاد!
نعم... أميركا هي سيدة القوة التي تصول وتجول اليوم، وتتحكم أيضاً في مصائر شعوب العالم، خاصة العالم الثالث... بكل هذه الضخامة التي يراها، وتفتتحها نظراته المندهشة.
بعد دقائق.. سيهبط على صديقه ((حسن))، مزوداً بمواثيق العهد القديم الدافئة، غنياً فؤاده برصيد أيام الشباب الأصلي، وليالي النضوج.. وكل الوشائج الأصيلة التي تسري في العروق مسرى الدم بين صاحبين سارا معاً على مدارج الفتوة والشباب، واجتمعا تحت سقف المسكن الواحد، وامتدت بهما الليالي الشاعرية الضائعة سنوات متفرقات حيناً، متعاقباً حيناً آخر!
الآن... يتاح لهما أن يحقق كل واحد منهما: حلمه القديم، ويكون اللقاء في نسيج تجسيد لأحلام.
لقد افترقا إلى حين.. وأملهما في لقاء - حتى لو كان مؤقتاً - لكنه يتوِّج أحلام الصبا والشباب، وتلك الليالي الأجمل.
سرت رعشة برودة خفيفة في جسد ((زياد))، ليس من برودة الطقس... بل من خاطرة عبرت ذهنه فجأة في سؤال طارئ:
ـ هل ينغمر دف الصداقة في جليد الغربة وصقيع الرحيل؟!
هل تتبدد أحلام الصبا والشباب في عواصم الضباب، والركض المادي، والتعامل بالرومنت والكمبيوتر؟!
هل تتحوّل مواثيق الليالي الساهرة المحترقة في حناجر الأوهام: إلى بقايا من رماد السأم، وهشيم الأيام... فيملُّ فيها الصاحب صاحبه ويبدله؟!
تذكَّر ((زياد)) بيت شعر قديم، حكيم:
- وليس خليلي بالملول، ولا الذي إذا غبتُ عنه... باعني بخليل!
* وقفت به التاكسي أمام عمارة ضخمة، وحمل حقيبتيه: ملابسه، ويده إلى داخل العمارة التي استطالت في وسط المدينة.
هالته فخامة مكتب ((أبو الحسون))، وهو يلج من بوابته، حاملاً حقيبتيه بجهد مرسوم على وجهه... همس:
ـ ((ما شاء الله... والله وقبِّيت على وجه الدنيا يا أبو الحسون)).
في طريقه إلى مكتب السكرتيرة... تناهى إليه صوت صديقه القديم الحميم وهو يصرخ أثناء محادثة هاتفية، وبعد أن انتهى منها.. أخذ يصرخ على موظفيه كعادته عندما يتحدث. وهكذا اطمأن ((زياد)) على أن صديقه بخير وعافية.
اقترب من السكرتيرة الحسناء جداً، وأخبرها باسمه... دون أن يلحظ عليها أي اهتمام، وعرف أن ((أبو الحسون)) نسي أن يخبر سكرتيرته بمجيئه كعادته أيضاً.
عادت السكرتيرة من مكتب المدير صديقه ((أبو الحسون))، وطلبت منه أن ينتظر قليلاً... فالمدير مشغول بمحادثة هاتفية.
فوجئ ((زياد)) للوهلة الأولى، قال:
ـ ((ول... توقعت أن يركض إلى الخارج ليحضنني)).
* سأل السكرتيرة: هل أخبرته باسمي الكامل، وبأنني قادم من السعودية؟!
هزت الحسناء رأسها في تعالٍ ملحوظ.... وبقى الصديق الحميم ((ملطوعاً)) ومنقوعاً في الانتظار أكثر من نصف ساعة.
استفتى ((زياد)) نفسه: هل يحمل حقيبتيه ويخرج، ولكن... إلى أين، وهو الذي اختار أميركا بالذات لإجازته السنوية من أجل صديقه.. بكل اشتياقه له؟!
ومازال صوت ((حسن)) في صراخه، وهدير الأوامر.. يتناثر من بين ضلفتي باب مكتبه.
ـ قال زياد لنفسه كأنه يسلى انتظاره، ويوجد عذراً لصاحبه الحميم: ((ربما كانت أشغاله كثيرة، ولكن... تحدثْتُ إليه بالهاتف من المطار، وتوقعت أن يطلب مني البقاء حتى يبعث إليَّ بسيارته.... لا تدقّ يا واد يا زياد))!
هو الذي كان يحرضه في لقاءاتهما بلندن على ((ارتكاب)) هذه الزيارة لأميركا.. ليستعيد أيام زمان.
فجأة... خرج ((أبو الحسون)) من مكتبه صارخاً، ثم واثباً نحو ((زياد))، معانقاً له.
لم يتغير ((أبو الحسون)) كثيراً.. نفس الوجه الأبيض النابليوني المشرب بحمرة الحياة وهاتين العينين الخضراوين، والشعر الأصفر المسدل على جبهته، وطاقة النشاط التي لا تكل ولا تتوقف.
تعانقا.. وقدم مَنْ كان توأم روحه: الاعتذار على الانتظار، والتفت إلى السكرتيرة الحسناء جداً، ووجَّهها أن تطلب لهما: كأسين من الشاي الأخضر!
ـ قال زياد ضاحكاً: شاي أخضر.. هنا في أميركا؟!
* ((رد حسن: من جدة مباشرة يصلني كل شهر تموين ((الجراك)).
ـ قال زياد: وما زلت تتعاطى الشيشة، وتدخن الجراك؟!
* ضحك حسن وقال: نعم... الجراك يشيع في بيتي رائحة جدة، لا... بل رائحة مجتمع الحجاز.
ـ قال زياد: الحياة تتطور يا صديقي.. لا بأس، أخبرني عنك.
وبدأت الأسئلة بينهما.
ولا حظ ((زياد)) أنه يفتقد: توأم روحه وصديقه الحميم ((أبو الحسون))... من يراه أمامه الآن يكاد يكون شخصاً آخر.. ((مسَترْ خسن أو هسن)).. خواجة يتكلم معه باللغة العربية، حتى لهجته ((المكَّاوية)) أصابها الغزو الأميركي لمشاعر ولسان هذا الشخص الماثل أمامه باسم صديقه القديم ((أبو الحسون)).
شعر ((زياد)) بتغير ملحوظ على صديقه.. خيّل إليه كأنه جاء عبئاً ثقيلاً عليه، أو كأنه داهية داهمته فجأة.
ـ سأله حسن: هل حجزت غرفتك في الفندق؟!
* قال زياد: ليس بعد.. أنت أعلم مني بأسماء الفنادق ومستوياتها.
رفع ((حسن)) سماعة الهاتف، وطلب من الحسناء جداً أن تحجز غرفة لصديقه في فندق قريب من مكتبه.
والتفت إلى مَنْ كان توأم روحه بوجه باهت.. قائلاً:
ـ أرجوك تعذرني يا زياد... المفروض أن يكون سكنك عندي في البيت.
* قال زياد: ليس مفروضاً يا صديقي... فالبيت للأهل وللأولاد، والأصدقاء لهم الفنادق.. المهم أن نلتقي.
ـ قال حسن: و.... حتى هذه أيضاً، سأعتذر لك عن كثرة لقاءاتنا، فقد جئت في ظروف صعبة.. وقتي مشحون جداً باجتماعات ومقابلات.. لكني أعدك أن نلتقي في ((الويك إند))، حتى أعرِّفك بزوجتي وأولادي!
جللهما صمت... في ذهول ((زياد)) وبداية بحثه عن صديقه القديم في شخصية هذا الماثل أمامه!!
استدرك ((حسن)) بعدما لاحظ تبدل ملامح صديقه، وقال بصوته العالي جداً:
ـ لكن... طبعاً، هذه الليلة أنت ضيفي، سنتناول العشاء في مطعم جميل بأطراف المدينة.
جاءت السكرتيرة الحسناء بورقة وضعتها أمام ((حسن)).
ـ التفت إلى صديقه ((زياد)) وقال: هذا هو حجزك في الفندق.. سيوصلك السائق إلى هناك، وسأتصل بك في المساء للعشاء.
بقي ((زياد)) صامتاً.. يطيل النظر في وجه صديقه/ مَنْ كان توأم روحه.. في وجهه النابليوني وقد تضخَّم أكثر بهذا السيجار الطويل الذي يحبسه بين شفتيه، وهو مستغرق في قراءة الأوراق التي على مكتبه... كأنه يقصد الفرار من نظرات صديقه ((زياد)) التي اصطبغت بالحزن، أو بالصدمة.
ـ وتساءل زياد في نفسه: هل ستكون ليلة ثالثة لتصبح أيضاً: ((تلك الليلة)) مع صديق عمره، وعشير فتوَّته وشبابه؟!
عادت السكرتيرة الحسناء جداً، تخبرهما بوصول السائق.
أصر ((زياد)) أن يحمل حقيبتيه بيديه.. وخرج يتلفع بصمته وصدمته، وصديقه ينحط جسمه على الكرسي الضخم الدوَّار.. كأنه مثبَّت به لا يستطيع حراكاً.
* * *
* غرفة جميلة.. صغيرة لكنها مريحة.
فتح حقيبة ملابسه، وأخذ يُعلق ملابسه في الدولاب، كعادته كلما دخل فندقاً وهو في سفر... لكنَّ طنيناً كالنحل يلف رأسه بعد هذا اللقاء الأول بصديقه الحميم.
هل يلبي دعوة صديقه على العشاء هذه الليلة... أم يختفي، ويترك هذا الفندق في الصباح إلى مكان آخر لا يعرفه ((أبو الحسون)) رحمه الله؟!!
ـ قال ((عيب يا واد... نشوف الآخرة معاه)).
حين جمعهما المساء... كان حديث صديقه الحميم منصبًّا على أعماله، وطموحاته للمستقبل.. لم يذكر لمحة واحدة من ذكرياتهما معاً.. لم يسأله عن الوطن، ولا عن تلك الحواري العتيقة في ((جدة)) التي تغيرَّت اليوم.. بعضها شقه طريق عريض طويل، وبعضها فقد ملامح التراث، وتلك البيوت القديمة ذات النوافذ الخشبية والرواشين.
كان ((زياد)) شارداً بعيداً عن صوت ((حسن)).. عاد به الشرود إلى جدة، وإلى تلك السنوات التي طوت معها أجمل الذكريات، وأكثر المواقف أصالة وحباً.
كانت تلك الليلة في انطباع ((زياد))، بل في وجدانه: مملَّة جداً... لعله تنفس الصعداء في إنهائها هو، وقد اعتذر لصديقه بأنه متعب من السفر ويحتاج للراحة.
ـ قال حسن وهو يودعه عند مدخل الفندق: لديك أرقام هواتفي، وسنلتقي في نهاية الأسبوع لترى أولادي.
لم يلتفت ((زياد)) إلى صديقه وهو يغيب في بهو الفندق!
* * *
(4)
هذا الصباح... استيقظ ((زياد)): نشطاً، بل ومرحاً، لا يشعر بغضب نحو صديقه، ولا بألم من التبدّل الذي غّير شخصيته القديمة التي كان يعرفها فاقترب منها بحب، إلى شخصية مركّبة وغريبة عن معرفته القديمة بمَنْ كان توأم روحه ((حسن)).
((تلك الليلة/ البارحة))... كان من الممكن أن تحدث له وفيه: صدمة جديدة تضاف إلى صدمات الليالي اللواتي سبقنها، لكنَّ، ((زياد)) يستقبل اليوم الثاني له في ((سانت لويس)) بنفسية مرحة.. بابتسامة صباحية أولى قفزت على كل الأحداث في بدء دخوله إلى هذه المدينة التي يأتي إليها حسب تعبير أهله في الحجاز: (صرارة).. للمرة الأول.
تناول إفطاره بهذه الروح المقبلة على الحبور... وخطرت له فكرة، أرادها أن تكون كالاختبار المحدود لصديقه الحميم/ مَنْ كان توأم روحه.
قام إلى الهاتف، وطلب ((المستر هَسَن)) لعله يعود إليه بصوته وهو ((أبو الحسون)) صديقه القديم... لكنَّ السكرتيرة الحسناء جداً أخبرته بأن ((المستر)) لم يصل بعد إلى مكتبه بسبب اجتماع لديه خارج المكتب.
رجاها أن تُخبري ((المستر هسن)) بضرورة الاتصال به حين عودته.
لكنَّ ((حسن)) لم يتصل حتى بلغت الساعة الثانية بعد الظهر.
واصل ((زياد)) إحراجه المتعمِّد لصديقه، فطلبه ثانية على الهاتف.
جاءه صوت ((المستر)) بصراخه المعتاد:
ـ أهلاً زياد... تِصّدق بالله، الآن أخبرتني السكرتيرة أنك طلبتني.. تذكّرتْكَ عندما سمعت صوتك.
* لا بأس يا ((أبو الحسون)).. بالمناسبة: هل تذكر اسمك هذا؟!
ـ طبعاً يا زياد... يا سلام، كانت أيام.
* معليش... جمال السكرتيرة يغفر لها نسيانها، المهم يا صديقي: قررة أن أواصل الرحلة، فلا أبقى هنا في ((سانت لويس)) كل إجازتي، لأني.....
ـ قاطعه حسن: جميل... فكرة رائعة، طبعاً يا صديقي إنت جاي في إجازة، لازم تتفرج، وتتنقّل.
* قال زياد: لذلك... أطلب منك خدمة أخيرة تؤديها لي، بأن تُكلف أحداً في مكتبك بحجز تذكرة لي إلى نيويورك بالقطار السريع.
ـ أجاب حسن: بس كده، يا سلام... ولكن عليك أن تعرف أن الزمن بين ((سانت لويس)) ونيويورك يستغرق ثلاث ساعات!
خدعة من ((حسن)) قصدها مع صديقه الحميم الذي قدم من ((جدة)) لرؤية مَنْ كان توأم روحه... وكأنَّه يُسهل على ((زياد)) مغادرة (سانت لويس) ونيويورك بأسرع وقت!!
لم يفطن ((زياد)) إلى خدعة صديقه الذي طلب منه أن ينتظره في الفندق، وهو سيكلف مَنْ يشتري له تذكرة ويحجز له.. ثم يأتي إلى ((أبو الحسون)) ليقلَّه في سيارته إلى محطة القطار.
عاد((زياد)) إلى دولاب الملابس، وأخرج منه بِدَله ثانية، ورتبها من جديد داخل حقيبته.. ولم يعد لديه ما يفعله سوى انتظار هاتف صديقه الذي انفلتت فرحته من خلال صوته عندما أخبره ((زياد)) برغبته في ترك ((سانت لويس)).
لكنّ ((زياد)) لم يتوقع هذه السرعة في إجراءات (تسفيره) من صديقه الحميم.
رنّ هاتف غرفته في الفندق بعد ساعة... و((تدلدل)) صوت صديقه الصارخ دائماً من سماعة الهاتف، قائلاً له:
ـ خلاص يا زياد.. كل شيء تمام، هل أغلقت حقيبتك؟!
* نعم يا حسن... أنا جاهز.
ـ إذن... سأكون أمام فندقك بعد ساعة.
* لا تكلف على نفسك من فضلك.. فقط إبعث لي بالتذكرة وعنوان محطة القطار.. وأنا أتصرف.
ـ يا رجل... عيب أنا ((أبو الحسون))!
شعر ((زياد)) بالفرحة الطاغية في صوت صديقه.. سيخلص منه تماماً.
ـ همس: ((ول.... إلى هذه الدرجة صرت ثقيلاً على مَنْ كان توأم روحي))؟!
* * *
* لعل ((حسن)) أراد بتحمله مشقة حمل صديقه ((زياد)) بنفسه أو بسيارته إلى المحطة: أن يتأكد ويطمئن بأن صديقه غادر ((سانت لويس)).
وخاب ظن ((حسن))... فقد تأخر القطار عن موعده أكثر من ساعتين، وأحس أنه (دبَّس) نفسه مع صديقه الذي أراد إجلاءه عن المدينة في أقصر وقت... واكتظت المحطة بآلاف المسافرين الذين هجموا على القطار لحظة وقوفه.. في الوقت الذي أخذ غروب الشمس يهجم بدوره!
اكتشف ((زياد)): أن صديقه ((أبو الحسون)) قد خذله للمرة الثالثة.. وذلك حين فوجئ بأن التذكرة التي قطعها له كانت: عادية وبلا نوم!!
صار لزاماً عليه في القطار أن يبحث لنفسه عن مكان... ولا مفر له من طرقات القطار، يتسكع فيها، ويتكئ على نوافذه التي كان يطل منها على كتل الظلام والجبال والقطار يسير في قلبها زاحفاً كالثعبان!
وخيّل لهذا الغريب ((زياد)) أن القطار لن يصل.. الطريق تزداد طولاً، والوقت يتمدد مللاً، والوجوه: غريبة هي الأخرى كأنها هبطت بجانبه من كوكب آخر، برغم أن ملامح هؤلاء البشر عادية.. مثل التي يراها في الصحف، والتلفاز، والسينما... لكنه في هذا القطار، وبعد ذلك التوديع الحار من صديقه الحميم، شعر أن الوجوه اختلفت، وأن الأصوات بلا حناجر.
طافت بذهنه صور الطفولة القديمة، وشرخ الفتوة حتى الشباب.. وتذكر كل ما قرأه في الروايات البوليسية عن هذا القطار العجيب الذي يطوف أميركا... وكيف يشق الجبال شقاً، ويسير فوق البحار بسرعة البرق، ويكتشف ((أرسين لوبين)) في داخله: أغرب الجرائم.. ويُتعب ((شرلوك هولمز)) المجرمين الهاربين والطامعين في خزائن النقود، وخطف الجميلات!
وتصوّر قطّاع الطرق، وعتاولة اللصوص - بالرغم من الحرّاس الفولاذين - وهم ينحدرون من جوف الظلام، ويطلقون سيلاً من الطلقات النارية في الفضاء، تنكفئ لوقعها فتاة شقراء على صدره لتحتمي به.
ينتفض قلبه، ويغلي الدم في عروقه.. ويتخيّل نفسه ذلك الفارس النبيل الذي يهبط على الأرض معتلياً ظهر جواد أشهب بغرة فوق الجبن، ويقفز إلى جوف القطار، ليداهم اللصوص، وينقذ هذه ((السنيوريتا)) الجميلة، ويردفها خلفه على صهوة جواده، وينطلق مترنماً بقصيدة شعر!!
خبط وجهه بكفه ليفيق من هذه التهويمات التي اقتحمته وهو يتسكع في ممرات القطار وأمام نوافذه.
كان الخيال أجمل من الواقع... وهو سبيله الوحيد لاختصار المسافات، وقَتْل ساعات الملل، و..... تناسى وجه صديقه الكذوب!
* * *
* وجوه وسحنات مختلفة تراكم في ردهات القطار.
بنات وشُبّان يركبون القطار.. يستلقون على أرضيته،، يدخّنون ويشربون البيرة: مفلسون وصعاليك.. ظن أنهم يشاركونه ساعات الغربة والملل.
لكنهم عشّاقْ.. يفترش بعضهم البعض الآخر في ممرات القطار ودواوينه.. يشارك بعضهم الأحاديث، والعناوين، والتليفونات.
إذن... هذا هو الجيل الجديد الذي يُشكّل مجتمع أقوى دولة في العالم/ سيدة القوة أميركا؟!!
لعبت نفسه... يريد أن يتقيَّأ من تأثير هذه المشاهد، أو عليها.
تسلل إلى عربة الطعام... وقد لدغه الجوع والبرد.
تجوّلت نظراته خارج أسوار القطار.. تتلمس الزرع، والجبال العالية، وامتداد الطبيعة.. وتتابع شروق شمس صباح جديد، ما لبثت أن كابت فجأة مع النسمات الباردة وراء الجبال التي لا تحدها الأبصار.
طوت الشمس في حزمها الضوئية: لدغة الجوع، لكنها تغيب وتشرق في محاورة جميلة.
لم يقطع القطار المسافة في ثلاث ساعات، كما قال له صديقه المراوغ.. كذبة أخرى صنعها ليُعجِّل بالتخلص من ((زياد)) في سانت لويس.
أخيراً... توقف القطار، ومع وقوفه: تصلبت ساقاه من ذلك العذاب الذي عانى منه طوال الرحلة.
هبط إلى رصيف المحطة، وفوجئ بالطقس القارس.. حتى تجمد من البرد.
كان المطر ينهمر رذاذاً جليدياً... و((زياد)) بملابس خفيفة، لم يستعد لمواجهة هذه العاصفة من المطر الثلجي، أو الثلج الممطر.
ـ همس: ((سامحك الله يا مَنْ كنت توأم روحي... وهذا مقلب رابع منك))!
فيّل البرد في جسده إلى عواء... ومازال الوقت صبحاً، فكيف سيكون المساء أو الليل؟! أشرق يومه الرابع في بلاد ((العم سام)): وحيداً، يرتجف من البرد.. كأنه محموم الجسم... أو كأن الإجازة التي حلم فيها بليلة واحدة - على الأقل - جميلة، ودافئة.. قد تحوّلت إلى إجازة من الراحة، خالية من الاطمئنان والأمان النفسي.
ـ ((روح يا مستر خَسَن... الله يكافيك يا شيخ))!!
وقف في مكانه على رصيف المحطة: جامداً يرتعش وهو لا يقوى على نزغ إحدى يديه لفتح حقيبته والتقاط ملابس ثقيلة يتّقي بها هذا البرد.
كثر تلفته عن يمينه وشماله.. غريب لا يعرف أحداً، ولا يدري إلى أين يتجه؟!
ـ قال: ((سيارة تاكسي أولاً، ويدلني سائقها على فندق!
يدلَّك؟!... هذه نيويورك يا مبجَّل، يعني: زحام، وضياع، وضخامة، وخوف، وانبهار، وجنون، وحضارة))!
فجأة... نبت أمامه شابان تدل سحنتهما على أنهما من السودان، وبادره أحدهما يسأله:
ـ رأيناك محتاراً في وقفتك.. هل من مساعدة؟!
توجّس خيفة في البدء.. مدّ يده إلى المتكلم ورفيقه يصافحهما، يريد أي شيء يدفئ يده فيه، ومازال توجُّسه يتصاعد في بلد الحضارة، والجريمة معاً!
ـ قال: فقط... أريد فتح هذه الحقيبة اللعينة لأخرج منها جاكتاً ثقيلاً أتدثر به، وأتّقي البرد.
تابعَتْهُما عيناه وهما يفتحان الحقيبة، ويخرجان منها أول جاكيت صادفهما.
ـ قالا له بصوت واحد: هل من خدمة نؤديها لك؟!.. العربي للعربي في الغربة.
شكرهما بحرارة، واتجه إلى خارج المحطة.. وألقى بنفسه في سيارة أجرة، قائلاً للسائق:
ـ من فضلك.. خذني إلى فندق قريب من المطار، قريب جداً.
لا... لم يعد في حاجة إلى أية ليلة في أي مكان... عليه أن يعود إلى ((جدة))، اشتاق إلى وحدته في بيته الصغير، إلى أهله وزملائه في العمل.. حتى إلى تلك المتناقضات أحياناً!!
ماذا يفعل في نيويورك... وحده في مدينة مخيفة ((قدّ الدنيا كلها))؟!
ـ همس: ((يا غريبْ... بلدك)).
فَقَد الحماس، والفرح الطفولي بالإجازة، وباكتشاف مدينة أخرى في هذا العالم الذي صار ينام ويصحو على متفجرات، وحروب أهلية، وقمع سياسة القوة.
استراح يومه وليلته في الفندق الذي اختاره له السائق... لم يبرحه أبداً، أنيسه في الغرفة: كتاب، والتلفاز.. حتى أشرق الصباح الخامس له، وأكد موعد عودته إلى جدة... قانعاً، راضياً، مكتفياً بما طعنه به مَنْ كان توأم روحه!
* * *
(5)
* هنا في ((جدة)) / عروس البحر الأحمر: الأمان، وتذويب كثافة الرحيل.
هنا ((البحر))... بأمواجه البيضاء النقية، العنيفة في اندفاعها كنفسية الإنسان.
يُشكّل ((زياد)) في رؤاه الآن: سيرة هذا البحر/ الإنسان، وهذا الإنسان/ البحر... بدايات، ونهايات.. مدّ وجزر.. تمدُّد وانحسار.
البحر: أعماق... والأعماق: إنسان!
دخلت الطائرة أجواء مدينة ((جدة)).. همس ((زياد)):
ـ ((الله... ما أجملك يا وطني، ما أعمق حميميتك في نفسي يا مدينتي، ما أسعدني بهذه الطمأنينة التي يمنحها لي تراب الوطن))!
كان رأس ((زياد)) يتكئ على زجاج نافذة الطائرة... ومدينة ((جدة)) تحت النظر: متلألئة بأضوائها الصفراء، والبيضاء... شاسعة كهذا البحر، كهذا العشق في فؤاد ((زياد)) لذرة تراب من وطنه.
من هذا العلو: يشاهد أسطح البيوت، يبتسم والخاطرة تلوب في ذهنه، متذكّراً أيام الطفولة... ويسترجع صوراً من ذلك العهد بصوت ينبعث من داخله مرتاحاً، فيّاضاً بالشجن:
ـ ((كنا في طفولتنا نصعد إلى ((السطوح)) أعلى مكان في البيت، لنلعب... فلم يكن أهلنا يسمحون لنا بالخروج إلى الشارع، فالشارع خطر و((فَلْته)).. يتساوى في ذلك الولد والبنت خوفاً على الطفل والطفلة من الانحراف عن التربية السليمة.. دون أن يبحث الآباء آنذاك: نتائج حبس الطفل في سطح البيت، وعندما ارتفعت العمارات الشاهقة لم يعد هناك (السطوح)، بل أصبح للعمارة رأس.... فقط!!
كان الأطفال يسمعون أصوات أمهاتهم محذرة:
ـ لا تطلع يا ولد فوق جدار السطوح!
لقد فقدنا سطح البيت، ومعه فقدنا: قيمة الجوار، والحارة، والجيران الذين تشعر بهم وكأنهم أهلك..... ياه، ما أجمل تلك الطفولة، وذلك الزمن البسيط)).
عبرت ملامح ((أبو الحسون)) في ذهن ((زياد)).. عودة إلى طفولتهما معاً، ولعبهما في سطوح البيت، وكانا يسكنان متجاورين!
اختفى سطح البيت، مثلما اختفى أيضاً ((أبو الحسون))، وظهر شخص آخر اسمه: ((مستر هسن، أو خسن)).. مع ظهور الشقق التي يسكنها أناس لا يعرف بعضهم البعض الآخر!
تحوّلت الحياة إلى مدن كبيرة، وإلى أسطح اختفى منها الأطفال، واستُبْدِلوا بـ ((إريل)) التلفاز... عشرات الأعمدة الحديدية، و((الإريلات)).
كان الأطفال يُطلُّون من تلك الأسطح على الشارع، فيرون الناس يمشون بأحجامهم الحقيقية.. وعندما فقد الناس ((السطح))، تحوّل الناس إلى أحجام مختلفة!
وكانت حواري مكة المكرمة، وجدة تضم تلك المقاهي الممتلئة بالناس الذين لهم لغة واحدة، بل ولهجة واحدة، وأصداء ضحكاتهم تشيع في الأرجاء... حتى اختفى الناس داخل البيوت الزجاجية، والسيارات المنطلقة... فتبعثروا في صناديق الفضاء/ الطائرات.
في ((تلك الليلة)) اليتيمة التي استضافه فيها ((مستر حسن)). حاول أن يشده إلى الماضي قليلاً لعله يتذكّر نفسه.. إلى الطفولة، والفتوة، والشباب.. فقال ((زياد)):
ـ ما زلت في السطح يا ((أبو الحسون))... هل تذكر أيام طفولتنا حين كنا نلعب معاً في سطح منزلنا أو منزلكم؟!
* رد حسن باستعلاء: لا تذكِّرنا يا شيخ... البدايات دائماً تأتي متواضعة، أنا الآن في سطح أوسع وأبعد.. ومازلت ألعب في السطح ولكن بدونك، وحدي بقيت في السطح.. فأنا الآن رجل أعمال في الأعالي، وحياتي تحوّلت إلى سفر دائم لمتابعة أعمالي.. أي أنني: فوق السطح.
ـ ارتسمت ابتسامة باهتة ساخرة على شفتي زياد، وقال لصديقه القديم: ولكن..... ألا تحن للأرض البسيطة، لدهليز البيت، لكرسي في مقهى؟!
* قال بلهجته المتعالية: دهليز إيه؟!.. إنت ما اتغيرت، ليس عندي وقت حتى للتفكير في هذا الذي تُضيِّع به وقتك... فكّر في الغد، كيف تكبر، وتنتشر، وتلمّ الناس حولك!
ـ سأله زياد: وراحة البال... هل تضمنها؟!
* قال حسن: راحة البال لا تتفق مع التفكير والطموح يا صديقي.
ـ قال زياد: صدقت... راحة البال تتوفر فوق الأرض لا فوق السطح.
* قهقه حسن قائلاً: تعرف... إنت إنسان مسكين، مازلت عاطفياً، رومانسياً كما عهدتك من زمن طويل.
ـ قال زياد يُجاريه في الضحك: لكني أركب الطائرة.. ألا تكفي الطائرة: سطحاً لي؟!
صمت ((زياد)) قليلاً وهو يحدق في وجه صديق طفولته.. وقال:
ـ أعترف لك يا ((أبو الحسون)): أنك وأنت فوق السطح.. لا أحد يراك، في حين أنك قادر أن ترى، ولا تعرف ما تريد في زحام نفسك هذا وأفكارك.
صدّقني - يا صديق طفولتي - الإنسان يتوق أحياناً إلى أحد يراه بجانبه.. لا تحته، ولا فوقه!!
* * *
* أعلنت المضيفة ربط أحزمة المقاعد، استعداداً للهبوط في مطار وطنه.
الوقت يمر بطيئاً في لحظات هبوط الطائرة فوق مدرج مطار ((جدة)).
يريد أن يجري... ينطلق من أقصى الوطن إلى أقصاه:
ـ همس: ((نعم.. لا شيء يعادل الوطن، ولا حتى الفرح... إن الوطن أعظم وأكبر)).
فُتح باب الطائرة، وأخذ الركاب طريقهم إلى ذلك الأتوبيس المعلّق.. حشدوا الناس فيه، زادوا الزحام، والناس قد ملأوا المقاعد، وتشبَّثوا بالأعمدة الممتدة في أعلى الأتوبيس!!
خيّل لـ ((زياد)) أن هذا الأتوبيس كجهنم.. جعله موظفو الخطوط يقول: ((هل من مزيد))؟!
امرأة تحمل طفلها، ولا تقدر أن تمدّ يدها إلى أعلى الحافلة المعلقة، التفت ((زياد)) إلى رجل منتفخ الأوداج، ذكّره بصديق طفولته ((حسن)).. هزّه في كتفه، وقال له:
ـ (قف من فضلك.. ودع السيدة/ الأم تجلس مكانك)).
كان الرجل من أقاصي الهند.. ((بربر)) بالهندية، ونصب طوله الذي يماثل طول ((عوج بن عنق))... ومازال موظفو الخطوط (يحشون) الحافلة بالركاب، حتى اختنقت أنفاس الناس، وأخذت الأصوات المتذمرة تعلو.
أخيراً... أقفلوا الباب، ومرت دقائق بطيئة مملة استغرقها هذا الأتوبيس المعلّق، ما يسمونه إلى ((موبل لاونج)) أو الهودج.. حتى هبط من أمام باب الطائرة حتى الأرض، ومشي بطيئاً كراقصة مبتدئة، وتوقف أمام بوابة مقفلة للدخول إلى المطار، وتكررت العملية.
وكعادة الناس: اندفعوا وتدافعوا.. كل واحد يريد أن يكون هو الأول أمام موظف الجوازات... ولم يفعل ((زياد)) مثلهم، بل تأنى وترك الزحام ينتهي، ربما كان هو آخر راكب هبط إلى صالة الجوزات، وآخر إنسان يقف في الطابور الطويل.
حاول أن يسلّي نفسه ليخرج من ملل الانتظار في الطابور، وحتى يصل إليه الدور.. فانطلقت نظراته تتمعن في هذه السحن البشرية القادمة معه من نيويورك.
أطول هؤلاء البشر هم أبناء العم سام: الأميركان.. بسواعد مفتولة ونظرات متجولة ببطء في أرجاء صالة الجوازات، وعلى شفاههم ابتسامة تلغي كل تذمر، أو قلق، أو تعب من وقفة الطابور..
أكثر الأجساد ((كروشاً)) في هذه الطوابير: هم العائدون إلى وطنهم، ربما بعد إجازة ((ممتعة)) مثله، أو بعد إنجاز عمل ((بزنس)).
يتأمل ((زياد)) هذه السحن، ورأسه لم يتوقف عن الحركة كبندول الساعة التي تكاد بطاريتها أن تفرغ!
شعر بيد من خلفه تدفعه إلى الأمام، وصوت صاحب اليد:
ـ الطابور مشي... تقدم يا أخي، والله هلكانين.
تقدّم.. زحف وئيداً، حتى بلغ ((كاونتر)) موظف الجوازات، وختم له، وانطلق إلى قاعة الحقائب.. يُمنِّي نفسه أن تكون حقيبته من أوائل ما يُفتح أمام موظف الجمارك.
أكثر من ساعة.. حتى وجد نفسه خارج بوابة القدوم، وحوله يتزاحم سائقوا التكاسي.
لم يبق فيه نَفَس... واسترخى في مقعد التكاسي الخلفي، وأغمض عينيه.. ثم ما لبث أن فتحها فزعاً على وجه مَنْ كان توأم روحه، أصبح ((يتفزز)) منه!
ابتسم.. والتاكسي يقف به أمام بوابة ((فُلَيْلته)).
أول ما لفت انتباهه في عشه الهادئ هذا: ورقة التقويم.
ـ قال: ((حقاً... رحلة إلى أميركا، إجازة مدتها أسبوع فقط؟!.. ولا بقيمة التذكرة، الله يكافيك ياللي في بالي)!!
* * *
* تمدد ((زياد)) على سريره بعد أن سبح في بانيو ((حمَّامه، وسكن في المياه أكثر من ساعة، وفي رأسه عبارة: ((رشِّدوا الاستهلاك))... يُحدق في الجدار، في التلفاز الأخرس، في تلك الأباجورة التي يميل ضوؤها إلى اللون الأحمر.
لا يدري الآن... هل هو ساقط في الإحباط، أم قد أفاق بضربة حقيقية على دماغه؟!
هل يعاني من ضيق صدره الآن، أم يهنأ بهذا الاسترخاء مع حريته وخصوصياته، بعد تجربة مضنية راوحت في نفسه ما بين الفجيعة، والصدمة؟!
يستعيد التجربة القاسية لحظة بلحظة.. تكاد تتجسد أمامه على جدار غرفة نومه، كلوحة تجريدية.. كخطوط ((بيكاسو)).
لا يكاد يُميّز ما استقر في أعماقه من حصيلة هذه التجربة: هل هي الهزيمة له، أم أن الهزيمة تنال من صديقه الذي فُجع فيه؟!
تتلاحق ضربات قلبه.. تذكّر نصيحة أمه يرحمها الله له في مثل هذا الوجع.. كانت تعد له كأس ماء وتمزجه بماء ((الكادي))، شرط أن يكون من تقطير أهل الطائف.
قام بتثاقل إلى المطبخ، وبحث عن زجاجة ماء ((الكادي))، وقطّر منها على كوب ماء بارد. وضع يده على صدره... كأنه يعلن خوفه على قلبه، همس:
ـ ((أعرف.. إنه زمن القلوب التي صارت تعطب بسرعة، طبعاً... مما تشوف، وتسمع))!!
لكنه مازال يفتش - بعناء - عن الحب... فمن يدلُّه على طريقه ليكون هو طوع بنان الحب.. أو مَنْ يدلّ الحب عليه لتصبح حياته دافئة بأجمل المشاعر!
ـ ((آه... مشاعر، ماذا فعلت الحياة بها؟!
هي اختارت أن تُحدث هذا الانقلاب المرير، وتأمره أن يخرج من حياتها)).
كانت نظرتها العميقة تطوف من عينيها الواسعتين على وجهه.. تمتزج بحدقتي عينيه، تذوب في دمعته الساخنة التي فرَّت منه.
تُرى... هل هناك حب يقسو، أو حب قاسٍ؟!
كأنَّ ملح البحر قد ملأ صدره... وشعر بضيق في تنفسه، امتدت يده إلى كأس الماء المخلوط بـ ((الكادي))، ورشف منه.
هل فاض صدره حتى تحوّل إلى جوف طبل؟!
أم أن ملح البحر.. قد طرد الخفقة، وانبثَّ بين الضلوع؟!
* * *
* لتسقط الأسئلة والأجوبة معاً.
قام إلى جهاز التسجيل، واختار أن يصغى في ليله هذا إلى موسيقى كورساكوف العالمي: ((شهرزاد))!
ـ تمتم: وأيّ شهرزاد؟!.. ولا غيرها تلك الليلة.
تجمَّدت عيناه على ((ألبوم)) الصور الذي تركه قبل سفره فوق جهاز التلفاز.
قفز كالمذعور.. أمسك ((بالألبوم))، وأخذ يمزقه وهو في حالة هياج طارئة وعنيفة.
مزّق الصفحات، والصور... حتى جلدة ((الألبوم))، وبعثر كل هذه الأوراق في أرجاء غرفة نومه.. وقذف بجسده على السرير يلهث كأنه كان يخوض معركة.
معركة حقاً... بعد أن محى أقسى ما في ذلك الماضي.
ـ قال: غداً.. سأشتري ألبوماً جديداً، و... سأتركه فارغاً، نظيفاً.. بدون صور!!
انتهت
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1825  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 146 من 545
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج