| كليمنصو واليونان |
| ـ وتبرعت اليونان، ترسل سفناً خمساً يبحر عليها الفلسطيني الطري من بلده، المشرد من أرضه، المقتول برصاصة أخيه وسلاح اليهود. تبرعت اليونان كأنها أضافت إلى مجد الفلسفة وثقافة الإِنسان العريقة في القدم مجداً جديداً يعرفه العرب الآن كما قد عرفه العرب قبل الآن. |
| تبرعت بهذه السفن كأنما هي تشير إلى الدنيا تقول.. إن فيثاغورس وإقليدس وسقراط وأرسطو وأفلاطون وهوميروس هم الأصدقاء المعلمون لكثير من فروع العلم، لابن سينا والفارابي وابن رشد وجابر بن حيان ومحمد بن موسى الخوارزمي والبيروني ومن إليهم من الذين حين أظلمت الدنيا على حضارة اليونان أشرق بها اللسان العربي على دنيا الإِنسان اليوم. فما من إنسان اليوم إلا وعليه بصمتان.. على الخد الأيمن بصمة العرب المسلمين، وعلى الخد الأيسر بصمة الإغريق. |
| اليونان تبرعت بهذه السفن، واليهود ومن إليهم يهددون بالفزع والخطر على هذه السفن. وجرت المفاوضات وجيوش الغرب في لبنان لم تحرك ساكناً لردع إسرائيل، غير أن فرنسا لسبب أو لآخر، ولعلّ السبب الأقوى هو أن فرنسا طريق الحضارة إلى الغرب عبر جبال البرنات (البرانس)، أشفقت على نفسها ألا تكون نصير حضارة، احترقت نفسها أن تكون حارسة حقوق الإنسان، تضغط على عواطفها مع اليهود حين طغت عليها عاطفة حضارة، فإذا هي ترسل أسطولها يحمي سفن اليونان، يحمي الفلسطيني ياسر عرفات كما يحمي البنات والأمهات من غائلة اليهود. |
| أربعة آلاف فلسطيني تحميهم فرنسا، فمهما كانت الأسباب فإن فرنسا قد وضعت قيداً من الدين على العرب، كما وضعت الإِدانة على بعض العرب، وعلى الإمبراطوريتين اللتين لم يتبرعا بالضوء الأحمر أمام إسرائيل. |
| ولعلّ فرنسا حين أرسلت حاملة الطائرات ((كليمنصو)) لم تنس كما ينسى العرب أبطالهم. |
| إن ((كليمنصو)) كان رئيس الوزراء في فرنسا أيام الحرب العالمية الأولى، أطلق عليه شعبه الفرنسي لقب ((النمر)) منقذ فرنسا. |
| ورغم أن ((كليمنصو)) كما وصفه حليفه ((لويد جورج)) رئيس الوزارة البريطانية حينذاك بأنه نابليون، فقد سألوا ((لويد)) جورج حين خرج من القاعة في قصر ((فرساي)).. ماذا تركت في القاعة.. أو من تركت في القاعة؟ |
| قال: تركت رجلين، أحدهما يريد أن يكون نابليون، يعني ((كليمنصو))، والآخر يريد أن يكون المسيح، يعني الرئيس ويلسون رئيس الولايات المتحدة حينذاك. |
| قال: ((لويد جورج)) ذلك لأنه أراد أن يرث الإمبراطورية العثمانية كلها، و ((كليمنصو)) أراد أن يتقاسم معه التركة، بينما ((ويلسون)) بالمبادئ الأربعة عشر لا يريد للعالم أن يكون تركة بين الإمبراطوريتين.. إنجلترا وفرنسا. |
| وحجب الفرنسيون أصواتهم عن انتخاب ((كليمنصو)) رئيساً للجمهورية، فاعتزل، وهناك مُلحة نذكرها، فقد كان يتريض في إحدى الحدائق في باريس، فإذا فتاة تسأل أمها.. من هذا الجالس هناك؟! |
| قالت: إنه النمر.. منقذ فرنسا.. مسيو ((كليمنصو)). |
| فقالت الفتاة لأمها: أهو مثل ((جان دارك))؟! |
| قالت الأم: نعم. |
| فقالت الفتاة: لماذا لم يحرقوه؟! |
| وسمع ((كليمنصو)) ذلك فقال بحسرة العظيم وشقاء العظيم: |
| ها أنا أنتظر الإحراق منذ الآن! |
| وإضافة إلى سيرة ((كليمنصو)) فقد قال كلمة مجنحة يصف رئيس الجمهورية ((بونكاريه)) ووزير الخارجية ((باريان)). |
| قال: ((بنكاريه)) يعرف كل شيء ولا يفهم شيئاً.. و ((باريان)) لا يعرف شيئاً ويفهم كل شيء!! |
| وهكذا فرنسا: لم تحرق ((كليمنصو)). بل إنها زخرفت اسمه تطلقه على حاملة طائرات تحرس حقوق الإنسان من طغيان اليهود. |
|
|