شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
أرضنا صهرت فأبقت على إنسانها
غرقت بين أحلام اليقظة ويقظة التفكير أفكر لأجد موضوعاً أكتبه فاتحة لمجلة الدارة فوجدتني أسأل عن هذه المفارقة بين أرض العرب كلها من الخليج إلى المحيط وبين شبه جزيرة الأناضول، فجزيرة العرب والأناضول، كأنهما جزيرة واحدة الأرض متصلة بالأرض، ولكن ما هي الأسباب التي منحت الأرض العربية أن تقهر غزاتها، لتصهر أنسالهم يصبحون وكأنهم أبناؤها، ينسون لغتهم ويتكلمون لغتها، ويعانقون طبائعها وتقاليدها، بينما الأناضول وقد كانت فيما عرفت أرض الحيثيين، حتى إذا احتل الأرض الرومان لم يبق الحيثيون، فانطبعت أرض الأناضول بطابع الرومان، وما زالت القسطنطينية بما فيها من أثر روماني تدل على أن الرومان كانوا هناك، وأن الحيثيين ذابوا، أما العرب فأذابوا.
وتقدم السلجوقيون كبعض ملوك الطوائف، فإذا هم يجعلون الأرض التي احتلوها وعاصمتها قونية أرضاً تركية ذاب فيها الرومان بغلبة الترك ولغتهم. وساد العثمانيون فإذا هم دولة عاصمتها بورسة يحتلون أرضاً لم يبق فيها روماني، فأصبحت تركية سلطاناً ولغة.
أفليست هذه مفارقة تدعوني أن أطالب من هم أعلم مني، أو من هم أقوى مني بأن يثروا هذا البحث الذي أثرته، لإيضاح الأسباب؟
وسؤال آخر، عن وصول جيش يزيد بن معاوية أيام أبيه إلى أسوار القسطنطينية يحاصرها كما وصل إليها جيش مسلمة بن عبد الملك، كلاهما حاصرها - وشهيد الإسلام أبو أيوب الأنصاري شهيد على ذلك. فكيف وصل جيش يزيد وجيش مسلمة عبر الأناضول كلها، يصل إلى الشمال؟ ألم يكن هناك رومانيون قد قاتلوه وقاتلهم فانتصر حتى وصل إلى القسطنطينية؟ أم أن الشعب في الأناضول كان يفتح لهم الطريق ليصلوا إلى القسطنطينية؟ لا بد من الإجابة عن هذا السؤال.
إن أرض العرب غزاها الفرس والرومان والتتار والصليبيون والاستعمار، قهروها حيناً ولكنها ما تقهقرت وإنما هي وبلغتها العربية قهرت وصهرت، فالعراق جار فارس لم يبق فارسياً، واليمن ابتلعت الأحباش والفرس وبقي اليمن يمناً عربياً، والشام طردت الرومان بالفتح المسلم وبتعصب العربي للعربي فما كان الجيش في اليرموك إلا بقيادة رومية وقلة رومية أما الكثرة فعربية. الشام طردت الرومان وطاردت اليهود لأنهم - أعني اليهود - لم يخضعوا لعملية الصهر، فكانوا قلة مغايرة لطبيعة الأرض وطابع اللغة. فأرضنا العربية كما تصهر فإنها تطرد، ومصر قهرت وصهرت غزاتها والشمال الأفريقي كذلك.
ولعلّ مصطفى كمال قد فطن إلى ذلك، أو استلهمه من واقع الحال لقوة ألمانيا وضعف الأتراك أمام الألمان، فحين أخذت ألمانيا امتياز خط برلين - بغداد لم يفطن الاتحاديون إلى ما فطن إليه مصطفى كمال، فقد كتب في مذكراته عن شرط في هذا الامتياز يعطي الألمان من أول الخط إلى آخره ثلاثة كيلو مترات شرق الخط وثلاثة كيلو مترات غرب الخط، أي إنهم أخذوا من الأرض ستة كيلو مترات شرقاً وغرباً على طول الخط كله، فقال مصطفى كمال: إن هذه الكيلو مترات تستوعب ستة ملايين ألماني لهم حق السكنى بهذا الامتياز، فهذه الملايين الألمانية كافية للقضاء على الجيش التركي، فهل كانت هذه فطنة مصطفى كمال استوعب التاريخ حيث ذاب الحيثيون والرومان بغلبة الترك، ليذوب الترك بغلبة الألمان؟
إنها خواطر أطرحها لأجد من يتوسع، من يخطّئ، من يصوّب!
 
طباعة

تعليق

 القراءات :824  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 129 من 1092
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذة الدكتورة عزيزة بنت عبد العزيز المانع

الأكاديمية والكاتبة والصحافية والأديبة المعروفة.