شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
ذكر سيل الجحاف وما جاء في ذلك
قال أبو الوليد: وكان سيل الجحاف في سنة ثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان صبح الحاج يوماً وذلك يوم التروية وهم آمنون غارون قد نزلوا في وادي مكة واضطربوا الأبنية ولم يكن عليهم من المطر إلا شيء يسير، إنما كانت السماء في صدر الوادي وكان عليهم رشاش من ذلك، قال أبو الوليد قال جدي: فحدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: لم يكن المطر عام الجحاف على مكة إلا شيئاً يسيراً، وإنما كانت (1) شدته بأعلى الوادي، قال: فصبحهم يوم التروية بالغبش قبل صلاة الصبح فذهب بهم وبمتاعهم ودخل المسجد، وأحاط بالكعبة، وجاء دفعة واحدة، وهدم الدور الشوارع على الوادي؛ وقتل الهدم ناساً كثيراً، ورقى الناس في الجبال؛ واعتصموا بها، فسمي بذلك الجحاف (2) وقال فيه عبد الله بن أبي عمارة:
لم تر عيني مثل يوم الاثنين (3)
أكثر محزوناً وأبكى للعين
إذ خرج المخبئات يسعين
سوانداً (4) في الجبلين يرقين (5)
فكتب في ذلك إلى عبد الملك بن مروان ففزع لذلك وبعث بمال عظيم وكتب إلى عامله على مكة عبد الله بن سفيان المخزومي، ويقال: بل كان عامله الحارث بن خالد المخزومي يأمره بعمل ضفاير للدور الشارعة على الوادي للناس من المال الذي بعث به وعمل ردماً على أفواه السكك يحصن بها دور الناس من السيول، وبعث رجلاً نصرانياً مهندساً في عمل (6) ضفاير المسجد الحرام، وضفاير الدور في جنبتي الوادي وكان من ذلك (7) الردم الذي يقال له: ردم الحزامية على فوهة خط الحزامية (8) والردم الذي يقال له: ردم بني جمح وليس لهم ولكنه لبني قراد الفهريين فغلب عليه ردم بني جمح (9) وله يقول الشاعر:
سأملك (10) عبرة وأفيض أخرى
إذا جاوزت ردم بني قراد
قال: فأمر عامله بالصخر العظام فنقلت على العجل وحفر الأرباض دون دور الناس فبناها وأحكمها من المال الذي بعث به، قالوا: وكانت الإبل والثيران تجر تلك العجل حتى ربما أنفق في المسكن الصغير لبعض الناس مثل ثمنه مراراً؛ ومن تلك الضفاير أشياء إلى اليوم قايمة على حالها من دار إبان بن عثمان التي هي عند ردم عمر هلم جرا إلى دار ابن الجوار فتلك الضفاير التي في أرباض تلك الدور كلها مما عمل من ذلك المال، ومن ردم بني جمح منحدراً في الشق الأيسر إلى أسفل مكة وأشياء من ذلك هي أيضاً على حالها، وأما ضفاير دار أويس (11) التي بأسفل مكة ببطح نحر الوادي فقد اختلف علينا في أمرها فقال بعضهم: هي من عمل عبد الملك؛ وقال آخرون: لا، بل هي من عمل معاوية بن أبي سفيان وهو أثبتهما عندنا، 5 - وكان قد جاء بعد ذلك سيل يقال له: (سيل المخبل) في سنة أربع وثمانين أصاب الناس عقبه مرض شديد في أجسادهم، وألسنتهم، أصابهم منه شبه الخبل، فسمي سيل المخبل، وكان عظيماً دخل المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، 6 - وكان بعد ذلك أيضاً سيل عظيم في سنة أربع وثمانين وماية، وحماد البربري أمير على مكة، دخل المسجد الحرام وذهب بالناس وأمتعتهم وغرق الوادي في اثره في خلافة الرشيد هارون، 7 - وجاء سيل في سنة اثنتين ومايتين في خلافة المأمون وعلى مكة يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي خليفة لحمدون بن علي بن عيسى بن ماهان فدخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة وكان دون الحجر الأسود بذراع ورفع المقام عن مكانه لما خيف عليه أن يذهب به السيل، وهدم دوراً من دور الناس وذهب بناس كثير، وأصاب الناس بعده مرض شديد من وباء وموت فاشٍ فسمي ذلك السيل سيل ابن حنظلة، 8 - ثم جاء بعد ذلك في خلافة المأمون سيل وهو أعظم من سيل ابن حنظلة في سنة ثمان ومايتين في شوال جاء والناس غافلون فامتلا السد الذي بالثقبة (12) فلما فاض انهدم السد فجاء السيل الذي اجتمع فيه مع سيل السدرة (13) وسيل ما أقبل من منى فاجتمع ذلك كله فجاء جمله فاقتحم المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة وبلغ الحجر الأسود، ورفع المقام من مكانه لما خيف عليه أن يذهب به، فكبس المسجد والوادي بالطين والبطحاء، وقلع صناديق الأسواق ومقاعدهم وألقاها بأسفل مكة، وذهب بأناس كثير، وهدم دوراً كثيرة مما أشرف على الوادي، وكان أمير مكة يومئذ عبد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وعلى بريد مكة وصوافيها مبارك الطبري، وكان وافى تلك السنة العمرة في شهر رمضان قوم من الحاج من أهل خراسان وغيرهم كثير، فلما رأى الناس من الحاج وأهل مكة ما في المسجد من الطين والتراب اجتمع الناس فكانوا يعملون بأيديهم، ويستأجرون من أموالهم حتى كانت النساء بالليل والعواتق يخرجن فينقلن التراب التماس الأجر والبركة، حتى رفع من المسجد الحرام ونقل ما فيه فرفع ذلك إلى المأمون (14) فأرسل بمال عظيم فأمر أن يعمل به في المسجد، ويبطح، ويعزق وادي مكة؛ فعزق منه وادي مكة، وعمر المسجد الحرام وبطح ثم لم يعزق وادي مكة حتى كانت سنة سبع وثلاثين ومايتين فأمرت أم أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله باثني عشر ألف دينار لعزقه، فعزق بها عزقاً مستوعباً (15) .
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2262  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 200 من 288
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج