شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
ذكريات من باب العنبرية (9)
لم يكن (جمعة) وحده الذي يجد في ظل شجرة النبق أمناً وأنساً يعوضه عن أنس الناس. وإذا الآخرون ضنوا على (جمعة) بالحب فقد أعطاهم إياه نغماً في وضح النهار يتعشقونه، وغذاء للروح يحلق بها في عالم الطهر والصفاء. وإن هم تركوه وحيداً فلقد منحته الأنات الحزينة، في تصاعدها من أعماق نفسه، أنيساً لا يؤذي وجليساً لا يغدر وخديناً لا يلوي لسانه استهزاءً لحظة انصراف من يجالسه أو يعتقد متوهماً أن هذا الخدين توأم روحه.
لم يكن (جمعة) وحده الذي أنس بالوحدة والعزلة أو أنست به هي الأخرى فلقد كانت (سيدة) تخرج من حوش (عميرة) متلفعة بعباءتها السوداء في الصباح الباكر وتعود ليلاً إلى بيت بني من الطين وشيد من الحجارة، لا تتكلم مع أحد ولا تؤذي أحداً. لقد شعرت بالغبن يوم فقدت أباها في وضح النهار وفي ساحة العنبرية. لقد سمع الآخرون صراخه، فلم يستجيبوا له وارتطم جسده بالأرض الصلدة وفقد القدرة عن الدفاع عن نفسه فلم يجد قلوباً رحيمة كقلب الرجل الشجاع سعود دشيشة أحد أبرز رجالات المدينة من حي العنبرية في تاريخها البعيد والقريب. فلقد اختطفت يد المنون الدشيشة وهو في مقتبل العمر وكان قد اصطفاه موحد الجزيرة المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود هو والشيخ ذياب ناصر جلساء له من أهل البلدة الطاهرة. وقبل الملك عبد العزيز، عدلاً منه ووفاء وحكمة، مشورة (الدشيشة) بإلغاء ما كان يعرف (بالكوشان). ولم أجد أحداً أشار إلى هذا سوى الأستاذ محمد علي مغربي - رحمه الله - في كتابه الذي أرخ فيه لرجالات الحجاز. ولقد اشتهر (سعود) بجرأته وحَمُلَ اسم محمد دشيشة. وأروي هنا عن والدي - رحمه الله - غير عابىء بمن ينكر علي الرواية عن والدي، فلقد كان - رحمه الله - يحفظ من تاريخ المدينة حاضرة وبادية ما لا يحفظه أنداده ومجايلوه. نعم لقد سمعته في مركازه يقول (المعرفة لمحمد دشيشة والحظوة لسعود) وكلا الرجلين على عظمته وتفرده لم يخلف أبناء ذكوراً وأخال أن الصحافي الناجح الابن مجدي وعدداً من أحفاد الشيخ محمد وإن ما يعرف الأستاذ مجدي دار أجداده لأمه من آل الدشيشة، فلقد عرفها الفتى في حارة الآباء والأجداد العنبرية. فلقد كانت الدار التي تقوم تحت حانوت أبناء (الخشة) محمد وحسن - رحمهما الله - واسم العائلة الحقيقي (الكردي) وعرفت دارهم في برحة حوش عميرة بين داري الشيخ حسن بشير والسيد صالح حلواني - رحمهما الله - وإن كانت الذاكرة لم تعني على التذكر فإن رجالاً من أبناء هذا الحي من أحياء البلدة التي سمت وطابت وتنورت بسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتباركت أرضها بوطئه لثراها وهي التي ضمته حباً ووجداً وهياماً وبركة مضاعفة وشرفاً لا يدانى وعزاً وسؤدداً دائمين عندما لحق الشفيع المشفع عليه صلوات الله وسلامه - بالرفيق الأعلى نعم إن أخواناً من أمثال الأستاذ المؤرخ ناجي حسن عبد القادر الأنصاري والسيد الفاضل سعد حلواني والمهندس المخضرم إبراهيم عاتق أبو مزيد وغيرهم يعرفون عن الحي أكثر مما أعرف، فهم أكبر مني سناً ومقاماً وكم تمنيت أن يلتفت معالي الدكتور رضا بن محمد سعيد عبيد إلى تاريخ هذا الحي الذي شهد طلعته الأولى فيدون ذكرياته عنه. وأظنه قادراً على أن يفعل. فتاريخ المدينة الاجتماعي حافل بتلك الصور الأخاذة، ففيها من مشاهد البطولة والوفاء والحب والتقوى والأخلاق الإنسانية ما يمكن أن يكون نبراساً للأجيال الصاعدة التي اندرس من بين أنظارها المكان فهلا كان منا العون والوفاء لعاصمة الإسلام الأولى ومهد الحضارة وموئل الإيمان والمعرفة والعلم بما لا يمكن للعين السليمة في رؤيتها أن تنكره أو أن تتأذى من الإقرار به لنأخذ بأيدي أجيال حائرة إلى البحر الذي فاضت منه الأنهر والعيون ماء زلالاً وصافياً ونخلي بينهم وبين المورد العذب ليعبوا منه عباً، وليغترفوا ويشربوا؟ فسوف تحيا منهم قلوب، وتضيء بين جوانحهم بصائر، وتعود النضارة إلى جسد تصلبت منه شرايين وأوردة بسبب هذا المد الحضاري القادم والخالي من ومضات الروح والمليء بكثافة المادة وتصحرها وتحثرها.
ويبدو أن مودة عميقة كانت تربط بين الشيخ سعود دشيشة رحمه الله والسيد أحمد أسعد الذي كان يعمل مستشاراً لدى السلطان عبد الحميد آخر سلاطين آل عثمان والذي رفض عروض الإنجليز واليهود معاً السخية، شريطة أن يفتح باب الهجرة لليهود إلى أرض فلسطين. وقال كلمة مشهورة: ((فلسطين ملك للمسلمين جميعاً ولا أملك حق التصرف فيها)). فأتى الغرب بكمال أتاتورك وحطم الخلافة العثمانية وأقام دولة علمانية مكثراً من وعوده لهم بأنه سوف يصلح اقتصادهم ويرفع من شأن عملتهم. واستمر الغرب لمدة طويلة يرفض طلب تركيا للانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة بحجة انتهاك حقوق الإنسان حيناً ومن ضعف العملة النقدية حيناً آخر. ويتمادى بعض السياسيين الأتراك في قمع كل ما هو إسلامي حتى إن أولئك الذين يصلون لربهم، أو اللواتي يضعن حجاباً على رؤوسهن يتعرضون في بلد العسكر لأقصى عقاب. ويتوهم هذا البعض أن هذا هو السبيل لإرضاء الغرب مع أن الزعماء الغربيين يصلون في كنائسهم ويتركون من يدعونهن بالمتبتلات يلبسن لباسهن الذي يغطي الجسم كله من الرأس إلى القدم، ولقد انتشر المد للأسف إلى بعض النخب العربية، التي تزعم أنها تنتمي للتيار العلماني الغربي وتحجر على عامة الناس أن يقاطعوا اقتصادياً الغرب الذي يساند إسرائيل ويمدها بالسلاح الفتاك مما يمكنها من قتل الشيوخ والنساء والأطفال وتجويعهم هذه الفئات، فهمت العلمانية الغربية فهماً خاطئاً. وعلى هذا الفهم القاصر أسست عداءها لتراثها وعاداتها وتقاليدها. وأن الغرب الذي تفتح مؤسساته السياسية برامجها واجتماعاتها بالصلاة في الكنيسة ويؤمن بأسطورة العهد القديم - أرض الميعاد - ليبتسم دهاء واستهزاء بأولئك الذين يتلقفون عنه الأشياء بحماس وعن قصور في الوعي والإدراك.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1064  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 135 من 482
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الغربال، قراءة في حياة وآثار الأديب السعودي الراحل محمد سعيد عبد المقصود خوجه

[قراءة في حياة وآثار الأديب السعودي الراحل محمد سعيد عبد المقصود خوجه: 1999]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج