شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
العائشتان بلا حياة
وعن هذا العنوان عن العائشتين عاشتا بلا حياة فماتت الأولى، من كربها فإذا هي حية حين ماتت تحيا في ذاكرة المراهق كاتب هذه الأسطر، والأخرى عاشت ميتة في سنوات قليلة ثم امتدت حين زال الكرب.. العائشة الأولى كنت أراها صديقة للعائشة الثانية ولمّا أبلغ العاشرة من عمري لكن الطفل بعد العاشرة يأخذه الجمال في كماله لم يأخذ منه إلاَّ الذكرى في أحلام اليقظة. كانت العائشة الأولى مضرب المثل في الجمال ففي عينيها سهام أهدابها تشق القلوب قبل الجلود كما وصفها المتنبي، وحين بلغت سن الزواج تقدم إليها أكثر من خاطب لم تعرف واحداً منهم إلاَّ بوصف الخاطبة فلم يقبل أبوها واحداً منهم مع أن كل واحد منهم، في سن الشباب لكنه فارغ الجيب وأبوها يريد جيباً لا قلباً لم يكرمها من أبيها لهؤلاء فلعلّها كانت تياهة بجمالها حين تقف أمام المرأة أو حين تراها عجوز تقول ((ما شاء الله تبارك الله: عين الحسود فيها عود)).
فثناء المرأة وثناء العجوز أغنياه عن الغضب تدعو الله أن يمن عليها بعريس يرضاه أبوها ويرضيه.
وفي يوم أسود أخبرها أبوها بأنها ستنزف إلى عريس سيفه ذهب وعباءته مقصبة، وعقاله مرعزي من شغل محمد القين لأنه شيخ شذ عن قومه في ثورتهم على الترك والتحق بفخري باشا فأعطاه الجنيه العثماني ((الاستنبولي)) وما تمنعت لأنها تخاف من قسوة أبيها تخاف أن يضربها إذا ما قالت لا فيتعطل ثناء المرأة، واستجابت وزفّت إلى عريسها وقد كان زوجاً لغيرها، وقد كان قصيراً مجدوراً أحول العينين قد نيَّف على الخمسين وهي لم تصل إلى العشرين، وبكت وإذا الرمش يتعطل وإذا اللون يتغير كأنما خديها ياسمينتان ذبلتا ترميهما الدادة خارج الحوش في زاوية القمامة، ولم تدم طويلاً أو لم يبق طويلاً لأنه لم يجلب نصيراً من العرب إلى فخري باشا فإذا الوسيط بينه وبين فخري ((غالب باشا الشعلان)) يقول لزوجها الذي أعرفه معرفة بصلته بالوالد يقول له أنت عربي وأنا عربي كتب عليّ أن أبقى لأني ضابط في الجيش التركي فأركب ذلولك وأخرج فالباشا فخري قد ينالك بسوء وذهب إلى قومه يعتز إليهم، أما هي فقد أمضها الحزن لا على فقده وإنما على ضياع جمالها وقتل فؤادها، فماتت بالحمى الراجعة ((أبو الركب)) وقد انتشرت في المدينة مرضت، لا تستطيع أن تمشي فأدركتها حياة المدينة وتداركها موت العيش، ولها أخت كانت حكايتها كما أختها تزوجت بأمر أبيها إلى من نيِّف على الستين لأنه كان يملك الستينات من ألوف الجنيهات ولم تعش طويلاً يعذب الجسد فماتت وقد بلغت العشرين لأن موتها كان في عهد قديم.. أما العائشة الثانية فزوجها أبوها لمن عنده مال وكان مشلولاً كسيحاً قد نيِّف على التسعين يبول فوق سريره تحمل المبولة جاريته.. وعائشة لمَّا تبلغ العشرين تذوب ولكنها رحلت من المدينة مع الأسرة حتى إذا عادوا بعد هزيمة الترك وجدته ولما يطلقها قد مات فإذا هي تحيا.. يتزوجها شاب تعيش معه وأنجبت الأطفال فاغتنى واقتنى فإذا هي وكأنها مد السعد عليه كما كان هذا وصف عارفيها وهكذا..
 
طباعة

تعليق

 القراءات :922  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 1044 من 1092
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور معراج نواب مرزا

المؤرخ والجغرافي والباحث التراثي المعروف.