شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
وعاش الملك
مات الملك... عاش الملك، شعار له حكم القانون وسلطان التنفيذ.. كأنه المبدأ في الشعوب الديمقراطية التي احتفظت بالعرش سلطاناً عليها... وإذا ما قالوها اعتنقوها فنفذوها؛ لأن القصد من ذلك ليس هو الحفاظ على العرش فحسب، وإنما هو الحرص على بقائها واستمرارها... لأن بقاء الدولة واستمرارها يعني الاستقرار للشعب، يستمر في مسيرته نحو أهدافه وغاياته.
إن الشعوب التي حافظت على النظام الملكي لو قارناها بغيرها من تلك الشعوب التي اختارت نظماً جمهورية على صور شتى لوجدنا أنها تعيش الأمن من خوف التغيير... وتعيش التطور... تصنع لحياتها بقاءها... الطمأنينة، بل وتصنع لأحيائها تنظيم المطامع للرجال من خلال التنافس بين الأحزاب أو في وسط العراك بين المذاهب؛ لأن سلطان الدولة حين بقي ثابتاً ((مات الملك، عاش الملك)) قد منع أن تكون فتنة يحدثها من يتزعم بأنه مبعوث العناية الإلهية للإصلاح... فالوضع في العالم العربي أستطيع به إذا ما قارنت بين النظم الثابتة وبين النظم التي تتغير حيناً بعد حين كلما قفز ثائر غير وبدل فإذا هو لا يصنع شيئاً لشعبه إلا فيما ندر، وإنما يصنع كل الشيء للكلمة ((أنا)) أما الكلمة ((نحن)) فوضع آخر.
إن ثبات النظام عرشاً أو نظاماً جمهوريًّا في الشعوب الديمقراطية التي جربت نزوات الأباطرة وامتنعت على مفاجآت العسكر قد أعطى لهذه الشعوب أن يستقر أمنها وأن ترعى مصالحها.
فهناك كلمة للإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة تغمده الله برحمته.. قالها وقد تعرض لأن يفتن أو ليقود فتنة على أبي جعفر المنصور قال ((فوضى ساعة شر من استبداد سنوات، أنا لن أخوض فتنة)) فهذا الإمام الذي حسبوه محدثاً وفقيهاً فقط قد جاء بأبرع كلمة يقولها زعيم ينكر ذاته لأنه يعترف بكل ذات من ذوات الشعب، لقد أنكر الشر من الفتنة وقد تنكر للشر من الاستبداد... فبين سمعنا وأبصارنا اليوم الوضع الذي يجري في إيران... ففيه التفسير الواضح لكلمة مالك بن أنس.
فحين توفى الله الملك خالد لم تكن هناك إلا رجفية الحزن في أفئدة الشعب، شعبنا في المملكة العربية السعودية... أما الإرجاف فلم يخطر على بال... وأما انتظار المفاجآت فلم يكن هناك، لأن الثقة في ثبات النظام الملكي لدينا والحرص على استمرار الدولة قد وضع الحد لكل ما يرجف ولأي ظن من سوء، فإذا النبأ يعلن ((مات الملك عاش الملك، مات خالد... بويع فهد)).
في الدقيقة الأولى أعلن البيان استمرار الدولة وقوة النظام... فإذا الشعب وقد حزن قد لبسته الغبطة، لا يعبر عنها مستكنًّا في بيته أو في متجره وإنما كان التعبير عن الغبطة بهذه المشاعر الفياضة يزحف الرجال كل الرجال إلى الرياض، يقدمون التعازي ويعانقون البيعة... كأنما كل هذا الكيان الكبير أراد كل رجل فيه أن يزحف إلى الرياض، فإذا هو استفتاء إجماعي... فالعاصمة الرياض والعاصمة مكة والعاصمة الأولى المدينة وعواصم المناطق تستقبل أهلها... أبناءها... آباءها... يصافحون باليد اليمنى أميرهم، كأنما كل يد صافحت يد أمير أرسلت برهان الطاعة ويقين السمع وعزمة الجهاد... كلهم بايع الملك فهد... كلهم بايع ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز.
إن هذه البيعة التي تمت بأنظف المشاعر وأشرفها وأصدق الولاء أعطت لوجدان الملك وولي العهد حبها لأن الشعب على يقين من أن عطاءه للولاء والإخلاص والحب إنما هو تقييم لقيمة هذا العطاء من الملك وولي عهده.
لقد سمعت كلمات التقدير لهذا الموقف من الشعب حتى قالوا إن كل مشروع عمراني هو من عطاء الشعب لنفسه بما أفاء الله عليه من الخير... ويعني ذلك أن الملك وولي العهد والحكومة والشعب كلهم شعب واحد.... كلهم أسرة واحدة، فأيما عطاء كان ويكون من شعب واحد... كلهم أسرة واحدة. فأيما عطاء كان ويكون من الدولة كيانها مؤلف من العرض والحكومة والمؤسسات والشعب والأرض فلم أقل الحكومة وإنما قلت الدولة.
إن استمرار الدولة هدف قد تحقق بالولاء للعرش من خلال الولاء للدولة كلها، ولعلي لا أختم هذا المقال إلا واضعاً في كل أذن من آذان الشعب، بل في كل فؤاد كلمة الإمام ناصر السنة أحمد بن حنبل، فقد قال وهو في كرب عظيم من جور السلطان عليه ((لو أن لي كلمة مدخرة مستجابة لصرفتها للسلطان)) لأن أحمد بن حنبل ما شغله حب ذاته بل شغله حب أمته يوم كان الإسلام أمة واحدة تحت سلطان واحد... وكأنما مالك بن أنس وأحمد بن حنبل لم يفترق بهما طريق وإن عبر كل منهما عن الطريق الواحد بأسلوب إن اختلف في ألفاظه فقد اتحد في معانيه.. وعاش الملك.
ولا بد من تذكير الشعب ليعرف أن هذه المشاعر ما جاءت إلا من الوعي العميق الذي يدل على أنه يعرف تاريخه... فهذا البلد بلدكم الكيان الكبير.. المملكة العربية السعودية عاشت بعد عهد النبوة وسنين الخلافة، ومن الدقيقة الأولى التي قتل فيها عثمان ذو النورين رضي الله عنه... في الدقيقة التالية بعدها التي خرج الإمام علي فيها من المدينة المنورة لم يذق هذا البلد الطمأنينة، فقد عاش في الأمن المريب والخوف المستديم، فالأباطرة من أبنائه عافوه فعقوه وأصحاب القيم من أبنائه خاضوا الفتنة فكانت هي الفوضى التي عناها أبناؤه عافوه فعقوه وأصحاب القيم من أبنائه خاضوا الفتنة فكانت هي الفوضى التي عناها مالك بن أنس... زمن طويل نحو ألف وثلاثمائة عام لم يأمن بلدكم هذا لحظة ولكنكم في هذا الكيان الكبير الآن قد رد لكم البطل عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل الإمام السلطان الملك الاعتبار وصان أبناؤه هذا الاعتبار.. اذكروا ذلك جهراً، فاستمرار الدولة والولاء للعرش ينبغي أن يكون إثباتاً للوعي وثباتاً على قيم هي لكم وهي بكم، فأنتم المسلمون على الذروة والعرب على السنام، لا تبخلوا بالعطاء.. فقد تعودنا أن بلدكم هذا قد أعطى وأعطى... ولكنه المأخوذ والمجحود فليكن الأخذ رحمة منا وتوثيقاً لوحدة الأمة... وليكن الجحود عارضاً يمر... لا يفرض علينا أن نبخل.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :860  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 997 من 1092
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الأعمال الكاملة للأديب الأستاذ عزيز ضياء

[الجزء الرابع - النثر - مقالات منوعة في الفكر والمجتمع: 2005]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج