شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
-1- مدخل إلى ذكريات عبد الله بلخير
ذكريات الشاعر عبد الله بلخير معرض معرفي، بل دائرة معارف احتشدت بصنوف ألوان وأشكال الفكر ونتاج العقل.. جمعت الشخصيات وسماتها والوقائع وأبعادها، والقيم ومراميها، من خلال التمازج والتلاحم بينه وبين تلك الشخصيات الحية الشاخصة في ذاكرة أديبنا بلخير، فتوحي الكثير من المعاني والرموز والدلالات في الذهن والوجدان والخيال إيحاء يضم الدين والتاريخ والسياسة والإعلام والأدب والشعر والصحافة والاجتماع وغيرها من الأمور الأساسية في حياة الأمم والحضارات. فضلاً عن قصة التعليم الأولى.
ولهذا فقد كان أديبنا بلخير، في استرجاع الذكريات واستحضار الماضي، يقوم على انتقاء واصطفاء الأحسن والأجود من جواهر الأمور، وأساسيات القضايا، أو هكذا يبدو لنا. ورغم يقيننا بالتوارد العفوي في الاسترجاع، فإن هذه الأمور والقضايا هي من شؤونه وأموره المصيرية والحتمية والمتلاحمة بدمه ونبضه، لأنه رجل كبير القدر، عظيم الشأن.. فلا يتوقع منه غير جليل الأعمال والوقائع والأخبار، ولأنه يرتفع عن صغارها، فلا تهمه وتستدرجه غير كبارها.
ومن هنا جاءت هذه الذكريات حافلة بالشخصيات السياسية والتاريخية والدينية والفكرية والأدبية: السعودية والعربية والإسلامية والعالمية. وقد أحياها لنا ذهنه وخياله وقريحته وذاكرته بمقدرة فائقة. إذ توفرت لديه عناصر الإحياء التي وهبها الله له. وبخاصة عنصري أو حاستي، البصر والبصيرة. فقد كان يبصر الرجال بعين حسية ثاقبة كعين الصقر، وعين ذهنية تبصر ما خلف أغشية الحس والواقع، وتستشف ما وراء الأبعاد والآماد الشاسعة.. لأنها رؤية فكرية حادة قوية، لا تخيب. فكان الصواب حليفه فيما يرى وفيما يحس، وفيما يتصور، وفيما يتوقع، وفيما يحدس، وفيما يأمل، وفيما يتيقن.. فهو رجل ذو وعي يقظ، وقريحة متحفزة، وبديهة حاضرة، وذكاء فطري، فضلاً عما اكتسب من هذه الحياة من تجارب وعبر وحكم من أعماله ومواقفه ورحلاته الرسمية والخاصة، ولأنه رجل يتعامل مع رجال أفذاذ في السياسة والفكر.
ومن كان هذا شأنه ومكانه، فلا بد أن يتمتع بتلك المزايا، ويتحلى بتلك السمات، ولا بد أن تنطوي نفسه على تلك الخلال والخلائق.
وهكذا حفلت ذكرياته بتلك المآثر والفضائل والقيم المعرفية والثقافية: التاريخية والذاتية والميدانية، فجمعت المعلومات والحقائق الثابتة مقرونة بحرارة الواقع الحي واللقاء المرئي.. والتي نكاد لا نجدها في عشرات المكتبات المحتشدة بآلاف الكتب الخالدة.
ومن هنا أيضاً جاءت ذكرياته ناطقة بالصدق، مشعة بالنور والحرارة. فأصبحت كتاباته تشكل عملاً فنياً تقترب من أدب السيرة والرواية، بل تجمع الفنين: السيرة بحسها السردي الوجداني واعتمادها على البوح والذاتية، والصراحة، والرواية بمقدرتها على الرسم والإثارة والتشخيص، وإنماء الأحداث والوقائع وتحريكها ذات اليمين وذات الشمال، وباعتمادها على الحوار والحركة – والوصف، والعناصر البلاغية والأسلوبية المعهودة.
ولهذا جاءت كتابة الذكريات التي أفاض بها بلخير مؤثرة، تمتلك لبّ القارئ، وتسيطر على مشاعره.. لأنها فاقت كل فن على حدة.. فاقت السيرة بما فيها من خصائص فنية روائية، وعلت على الرواية لما فيها من فن السيرة، التي تتوج بالصدق والصراحة والاعتراف بالحقائق والوقائع كما هي، ولا تعرف تهويمات الروائيين الذين يثيرون قراءهم بأساليب مصطنعة من الخيال والتصميم المسبق.
ومن خلال هذا العمل الأدبي الرفيع المعاصر جعلنا – بكل الحب والمودة، واللباقة، وأصول حديث المجالس – نرافقه في رحلته التاريخية، عبر الرجال والأماكن والمناسبات والأحداث والأخبار. فقرب منا شخصيات ملكية ورسمية وسياسية وفكرية، سعودية وعربية وإسلامية وعالمية. وزرنا معه بلداناً وأماكن عربية في لبنان وسورية والعراق، وأجنبية في أمريكا والبلدان الإسكندنافية وغيرها، بالإضافة، إلى بلدان نقلنا إليها نقلة تاريخية، حين أحضر معها التاريخ بأحداثه، ورجاله القدامى والمعاصرين. ومن خلال تلك البلدان والمواقع والأمكنة التي مرّ بها مررنا معه، ليس مرور السائحين، وإنما مرور المثقفين من الشعراء والأدباء. فقد عرفنا معه – وبشكل عفوي غير متعمد ومصطنع – الكثير من الشخصيات والبلدان والعواصم والمدن والقرى والمدارس والأحياء والفنادق، والشوارع والحدائق، ومراكز ومجمعات الثقافة.. فضلاً عن المساجد وأشياء أخرى كثيرة، سواء ما كان يذكرها وهو صبي وفتى في بلده من ذكرياته، أو ما كان يراها وهو شاب ورجل في بلاد العرب والغرب في رحلاته، بالإضافة إلى الكثير من ذكر الأرقام لسنين وتواريخ.. كلها تؤكد وتشهد لأديبنا بلخير بقوة ذاكرته العجيبة، التي هي أشبه ما تكون بالحاسب الآلي المعاصر.
ونقول ذلك، لأنه يملي ذكرياته إملاء، وهو بعيد عن مصادره ومراجعه ومكتبه ومكتبته ووثائقه، ولذلك فلم تسعفه في استحضار وجمع تلك المعلومات الغزيرة غير ذاكرته.
يكتب أو يملي أديبنا بلخير ذكرياته، التي عاشها أو عاناها أيام شبابه، وقد مضى عليها حوالي نصف قرن، وكأنها وقعت وجرت عليه البارحة. فتضفي هذه الحالة على كتاباته أو ذكرياته، دفقاً من الحرارة، وزخماً من الحيوية والوحدة. فيظل القارئ يتابع بشغف وشوق كل كلمة -ينطق بها- بل تصبح كل كلمة لها وقعها الخاص في وجدانه.. فيتابع ويسترسل بلا انقطاع، لأنه يعرف ماذا يقول، وماذا يختار من ذكريات فضلاً عن حسه المتوثب الذي يلتقط فضائل ومزايا الرجال المثلى، وإن كرر بعضها فإن القارئ لا يجد في ذلك أي ملل أو سأم.
وقد عبر أديبنا بلخير عن طريقة وطبيعة تلك الذكريات في مواضع عديدة من هذا الكتاب، إذ كانت أحاديثه أو روايته لتلك الذكريات على شكل بَوْح صريح، واعتراف بريء، بحقيقة وطبيعة هذا الكلام.
فيقول وهو بصدد الكلام على بلاد الحبشة: "والحديث عنه متشعب ومتداخل ومعقد، وأكثر ما أذكره عنه وعن غيره في سلاسل أحاديثي المتوالية هو من رواسب القراءات والمطالعات وأحاديث الحياة، يترسخ في الذهن منذ عشرات الأعوام، ثم يعود أو يعود أكثره أو أقله إلى الذاكرة، فيجيء على هذا النسق الذي لا يكتب بحثاً أكاديمياً، ولا على التسلسل التاريخي، ولكنه حديث عفو الخاطر فيه معلومات عامة لا يستغنى عنها".
كما بيّن حكم الآخرين على تلك الطريقة وهذه الطبيعة، وقد أوضح كل ما يحيط بأمور هذه الكتابات بالنسبة له، وبالنسبة لمدير الحوار أو المخرج أو المعد لها صديقه (خالد باطرفي).
فيقول: "وهذا الحديث وأنا أمليه إملاءً من الذاكرة كأكثر حلقات هذه الذكريات التي زادت على الخمس والعشرين، جلها إذ لم أقل كلها، أمليتها على الصديق، محررها والمشرف على إخراجها بقلمه وترتيبه، وهو الأستاذ (خالد باطرفي) الذي أمليت أكثرها عليه كما قلت، في فصل الصيف المنصرم، وهو يصاحبني إذا لم أقل يلاحقني مشكوراً ومبعوثاً من جريدة العرب الدولية (الشرق الأوسط). ولقد نبهني إلى بعض ما جاء به الارتجال البعيد عن المصادر والمراجع في أسفاري، من ملاحظات أشكر عليها الملاحظين، وأخص الصديق الكبير (أكرم زعيتر)، والكاتب الكبير العالم روكس بن زايد العزيزي، وغيرهما ممن أثنى علي بما لا أستحقه.. ونظروا إلى ما أكتب بعين الرضا والمحبة، وهم كثيرون جزاهم الله خيراً.
وكل ما أنحو به إليه في هذه السلاسل، هو الحديث المسهب ذو الألوان والظلال والأهداف الخالصة، والطيوف المتحركة الوارفة المرفة".
كما يبين أحياناً، ومن خلال سياق الذكريات، مصادر معلوماته التي يستقيها كعادته من رواته ومطالعاته ومشاهداته.
وإذا كانت مصادر مادته في رحلاته عموماً هي الذاكرة، فإن حلمه الكبير هو أن يقوى على استرجاعها كاملة عبر بضعة عقود، كي تشتمل أنحاء العالم. ويبدو أن أديبنا بلخير يعرف قدر نفسه، ويعرف شخصيته وأخلاقه، وهو يروي ذكرياته أو رحلاته التي شخصت لي وجدانه، وشخص معها هدفه منها:
"إنني لم أقصد في رحلاتي إلا الاستفادة الشخصية أولاً، والمعرفة الذاتية والثقافة العامة، ثم خدمة أمتي، بأن أطلعها على ما رأيت وسمعت، في غير ما ادعاء أو تزكية، ولا تعلم ولا غرور".
وفي ذكريات أديبنا بلخير وفي رحلاته، مواقف مشرفة مر بها ووقفها حيال الكثير من الأمور السياسية والدينية والفكرية والأدبية والصحفية والاجتماعية والإنسانية.. كلها تشهد للرجل بأنه أدى دوراً كبيراً، لوطنه ولأمته الإسلامية والعربية، في كل تلك المجالات والأمور. فكان نعم المواطن والعربي والمسلم والإنسان، في حله وترحاله، فهو السفير المخلص الصادق المحب لوطنه وأمته وللناس أجمعين.
ولكم تحتاج أمتنا في أيامها المعاصرة لأمثال هؤلاء الرجال الأفذاذ لتزداد ثقتنا بأنفسنا وبواقعنا وبمصيرنا.
إن حديث العظام وحوادثهم ووقائعهم ومشاهداتهم وانطباعاتهم وسلوكهم، تتسم دائماً بطابع مميز عن أية صور أخرى لرجال آخرين.
ولهذا فقد كثرت وقائع بلخير وأحاديثه ومعلوماته ومشاهداته ومجريات قصصه، مع العظام مثله، الذين يلتقي بهم أو يتعامل معهم.. كثرت وزخرت بأمور وأعمال جليلة.. لها طعمها، ولها مذاقها، ولها روحها، ولها جاذبيتها، ولها سحرها، تستحوذ على الاهتمام، وتثير أرفع المشاعر وأنبل الأحاسيس، عندئذ لا بد أن تشمخ ذكريات أديبنا بلخير وتسمو في آفاق التصور الذهني والنفسي.. لتتميز عن غيرها من الكتابات، وليظل محلقاً في السماء صقراً خفاقاً، ثم يعود إلى الميدان جواداً أصيلاً.
ويسود المنطق كلام أديبنا بلخير، وذلك من الجانب الروائي. فأحاديثه عن مجريات الواقع والأحداث التي تصادفه ويعيشها، تتسلسل تسلسلاً منطقياً، أي أن ثمة منطلقاً للأحداث والمجريات لروايته وأحاديثه، أجل إن منطق الأحداث والأمور هو الذي يواجه القارئ، في ذكريات ورحلات أديبنا بلخير. لذلك يجيء كلامه صادقاً صحيحاً بعيداً عن الادعاء والتصنع، فتتفتح أمام القارئ أبواب القلوب على مصراعيها، ليستقبل أحداثاً وحكايات ومناسبات كثيرة، ينطق بها لسان أديبنا بلخير، بل قلبه.. لتحل في القلوب، والأمثلة على ذلك عديدة، ستمر بنا خلال هذه الدراسة، ولا سيما مناسبتين كان لهما الأثر الكبير في رسم مستقبله وشخصيته، قد نعزوهما للصدف والظروف والحظ أو الفأل الحسن.. ولكنها ترد في سيرته وترجمته، أو في حديثه، مغلفة بوشاح المنطق والصدق. الأولى في لقائه -على غير ميعاد- العفوي بسفير أو ممثل المملكة العربية السعودية في بغداد، إثر مقتل الملك غازي، وكان لهذا اللقاء الأثر في تعيينه بقصر الملك عبد العزيز بعد ذلك. والمناسبة الثانية قبلها، وإن وردت في الذكريات بعدها، إثر نظم الشعر وإلقائه في موسم الحج.
ومقابلة فؤاد حمزة وكيل وزارة الخارجية السعودية، ليكون مبتعثاً إلى بيروت للدراسة على نفقة الدولة. ولقد قامت ذكريات ورحلات أديبنا بلخير -كما بدت لنا- على ثلاث ركائز، هي وحسب تسلسلها في الكتاب:
أولاً: التعليم في مدارس الحجاز (الصولتية والأهلية والفلاح).
ثانياً: التعليم في الجامعة الأمريكية في بيروت (وما لحقه من رحلات لسوريا والعراق).
ثالثاً: الرحلات الرسمية والخاصة حول العالم. (الرسمية مع الملك فيصل وخالد إلى أمريكا، أو إلى أوروبا بمفرده لبعض المهمات) و(الخاصة مع زوجه بدوافع ذاتية وللتزود بالمعرفة، والثقافة وخدمة أمته) مما ذكر قبل قليل. فضلاً عن دوافعه الدينية، التي كان يتفقد من خلالها أحوال المسلمين، ويتوجه إلى إسعادهم.. وإن لم يصرح بهذا الهدف السامي الشريف، ولكن أعماله وسلوكه ومواقفه وتحركاته وانطباعاته ورؤاه كلها تنطق بذلك بدون ادعاء.
على أن تلك الركائز أو الأركان الثلاثة التي قامت عليها ذاكرة أديبنا بلخير، لا يمكن أن تنفصل عن بعض، لأنها متداخلة، متماوجة، يقودها منطق الاستطراد، والتنقل من مكان إلى آخر، ومن موضوع إلى موضوع. غير أنه في نهاية كتابه وذكرياته وجدناه محافظاً، في التسلسل والتتابع على وحدة مشاعر قارئه وانطباعاته، حيث انتهى بما بدأه، بدأ بالتعليم وانتهى به، لتكتمل لنا الصورة كاملة في تلك المسيرة التعليمية الثقافية، وفي حبه لوطنه وحكامه وأمته، فلم يغب عن ذهن أديبنا بلخير ذلك التسلسل المنطقي، ولا سيما تسلسل أفكاره، ومحاولة أن تكون مترابطة، رغم الاستطرادات الكثيرة المتشعبة في دروب الماضي وذكرياته، والحاضر والواقع ومرئياته، فكلها تلتقي بالقارئ على منارة واحدة، تشع بالمعرفة والعلم والأدب والثقافة والتاريخ، وتجارب الحياة ودروس الآخرين، ممن أثروا العالم بأعمالهم الحضارية والفكرية والإبداعية، فضلاً عمن صنعوا التاريخ لشعوبهم.
وإذا كان قد بدأ أديبنا بلخير -كما قلنا- ذكرياته وكتاباته بالكلام عن العلم والتعليم والمدارس والثقافة والأدب، في الحجاز ثم في بيروت، فقد ختمها أيضاً بالموضوعات نفسها، ومن خلال الذكريات المتناسقة في التسلسل والتتابع. وإن كان طيلة ذكرياته ورحلاته يأخذه المد والجزر هنا وهناك، حيناً في الحجاز والرياض، وحيناً في بيروت، ومن خلالها تقذفه الأمواج إلى بلدان أخرى. وهكذا يظل المد والجزر يتناوشانه عبر شطآن الحياة المتماوجة. ولكنه دوماً راكز مستقر مطمئن، بكل وداعة، على شراع المعرفة والحب والإنسانية والمبادئ الإسلامية.
وكان أديبنا بلخير يرجع الكثير من أمور توفيقه -بعد الله عز وجل- إلى الملك عبد العزيز، فقد وجد فيه مآثر وفضائل كثيرة، حاول أن ينوه ببعضها من خلال السرد والسياق والمناسبة، لا من باب الانفعال. ومن ذلك فهو رجل إعلامي يدري من أي الطرق يسلك، وكيف يصل إلى أهدافه وآماله وأحلامه العريضة.. والتي لا تنفصل عن مشاعره وأحلامه الوطنية.
يقول في آخر صفحة من كتابه: "وهكذا كان. وسافرت إلى بيروت عن طريق البحر إلى السويس، ثم بالقطار إلى أن وصلنا بيروت مع أبناء الوزير (ويقصد وزير المالية عبد الله السليمان)، كما سبق ورويت في إحدى الحلقات السابقة، وكان الفضل في ذلك بعد الله لصقر الجزيرة وموحدها، الملك عبد العزيز -غفر الله له وخلَّد ذكره- فقد كان حريصاً على أن يتعرف أبناء شعبه المتعلمون إلى الدنيا ومستجداتها وعلومها ومعارفها الحديثة، وأن يجد كل مجتهد فرصة للابتعاث إلى أشهر الجامعات ومراكز الثقافة العربية. وكنا في هذه البعثة أول السيل الذي أثمر بعد ذلك، فغمر الدنيا كلها في عهد الملك عبد العزيز، ثم في عهد أبنائه من بعده، حتى بلغ عدد الطلاب اليوم في جامعات أمريكا وحدها عشرات الألوف، ومثلهم في أشهر جامعات ومعاهد العالم، وأكثر منهم ممن عاد يشارك في بناء الوطن. هذا إضافة إلى سبع جامعات سعودية، هي غرة في جبين عهد خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز، رائد العلم والتعليم، خرجت وتخرج مئات الألوف على مدى ربع قرن أو يزيد، منذ بناء أول جامعة سعودية في الرياض، هي جامعة الملك سعود".
وهكذا أنهى أديبنا كتابة ذكرياته من خلال ذلك الترابط الفكري والشعوري، ليصل إلى فكر وشعور قارئه، وينوه أخيراً بموضوعه الذي كان محور بدايته، وصار الموضوع نفسه ليكون خاتمة ذكرياته وكتابه، ولتكتمل الصورة في ذهننا متناسقة متماوجة، في وحدة شعورية فكرية، صورة أديبنا كاملة، في تلك المسيرة التعليمية الثقافية في حبه لله والوطن والمليك والحكام والأمة قاطبة.
ولهذا تأتي الخاتمة النهائية بهذه العبارات: "ولقد بدأنا هذه الحلقات من هذه الذكريات عن أول مشاعل التعليم في هذه الجزيرة، وفي حمى خادم الحرمين الشريفين، ونختمها بالإشارة السابقة إلى مشاعله في هذا العهد المضيئة سماؤه بآلاف المدارس والمعاهد وسبع جامعات كبرى.. وهذا الحديث حديث العلم والتعليم، وهو أحسن ما يمكن أن يبدأ الإنسان به تاريخاً لأمة وبلاد، وأفضل ما يحسن الاختتام به. فقد بدأ الله سبحانه وتعالى كتابه الكريم، بما بدأت به الرسالة المحمدية، الكلمة الخالدة (اقرأ). والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان أديبنا الكبير عبد الله بلخير، في هذه الذكريات وكما بدا لنا وتحدثنا عنه، معرضاً من المعارف، بل دائرة معارف احتوت الكثير من الشؤون والرؤى السعودية والوطنية والعربية والإسلامية... والتاريخية والسياسية والتعليمية، والإعلامية والثقافية والأخلاقية.
على أن هذه الشؤون جميعاً متداخلة في بعض ومن الصعب فصلها وتجزئتها، وإن كنا فصلناها عن بعض، وجزأنا الكل والوحدة الموضوعية إلى شؤون ورؤى وفروع متعددة.. ولكن ليس إلا من باب إبراز شخصية أديبنا بلخير بكل تلك الجوانب، ولتصب في قناة واحدة، وتشكل مجرى من المعرفة المتكاملة عن شخصية متكاملة.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن النص كان يستدرجنا بكل إغرائه وجاذبيته، ونصبح -نحن الدارسين- قراء حيال أسلوب شائق في عرض المعلومة، وتصوير الحدث، ولغة الحوار ولا بد من إطالة ذلك النص، لتحقيق متعة الفن وحبه. ولا ندري -ونحن نعترف بحالنا مع النص البلخيري- إن كان هذا ضعفاً منا حين سلبنا إرادتنا على نحو ما. ولكن النص الواحد يشع بمعان كثيرة وبمختلف صور شخصيته.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1157  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 179 من 191
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور سعد عبد العزيز مصلوح

أحد علماء الأسلوب الإحصائي اللغوي ، وأحد أعلام الدراسات اللسانية، وأحد أعمدة الترجمة في المنطقة العربية، وأحد الأكاديميين، الذين زاوجوا بين الشعر، والبحث، واللغة، له أكثر من 30 مؤلفا في اللسانيات والترجمة، والنقد الأدبي، واللغة، قادم خصيصا من الكويت الشقيق.