شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
مُقَدّمة
لقد سخرتُ من نفسي حين راودني النزوع إلى مُجاراة شَاعر الإسلام أبي العلاء المعري في "لُزوميَّاته": وَرددتُها بادئ ذي بَدْء ردّاً غير جميل.. ولكنّها – وهي الأمَّارةُ – أعادت الكرة. وظَلتْ تُغريني، وتشغل يَقْظَتيَ ومنَامي، وتَهجُس في خاطري رَغم أنفي، مُتَمتمة بالقوافي المصفودة، وكُلما أمْعنت في الإعراض: اشتَطتْ في الإقلاق..
واسْتسلَمْتُ.. وبَدَأت أتسلَّق ذلك الجبل الأشمَّ الشاهق، وأروضُ "أنْفَاسي" على اقتحام شناخيبه، وكثيراً ما كانت تخر لواهث في سفوحه ومَطَامِحها تَتَطلع إلى قممه ضَارِعة خاشِعَة.. ثمَّ تَهْدج مِنْ جديد..
و"المعري" في "لُزومياته" شاعر عملاق، ومعارضَتُها عَمل شاق، ولهذا – في حدود علمي – لم يُحاول شاعر أنْ يحذو حذْوَهُ – القُذَّة بالقُذة – وبالالتزاماتِ التي فَرضَها على نَفسه في ديوانٍ مُستقِل: يحتوي على ألف وخمسمئة واثْنتين وتسعين لزومية: أخضعَ فيها الشعر للْحرف بقدرة مروض ماهر، كما أخْضعَ الفِكْر للشعر -وزناً وقَافية- بموهبة فَيلسُوف شاعر.
وكما قَيد أوْزَانَه بِقَوافٍ وحرَكاتٍ متعددة يَصعب الالتزامُ بها:
فَقد قَيد نفْسهُ أيْضاً بموضوعات وأغراضٍ معيَّنة، فهو لا بدَّ أن يُودعَ في كُل مَقْطوعة.. فِكرة فَلسفية. أو نَظرة كَوْنية، أو مسألة دينية أوْ مُشْكِلَة اجْتماعية. وقد يَسْخَر ويأسَى: ولا رَيْبَ أنه أَبْدَعَ كثيراً، كما أثارَ التساؤلات والارتباك أحْياناً..
إنهُ "ديوان شِعْر بديع" فيه علمٌ، ودينٌ. وفَلْسَفَةٌ. وفَن، في صُور رائعةٍ كأنما خُطت بِريشَة شاعرٍ إنساني، ولا يُوجد لها نَظير في كتَابٍ من مِثله..
أما القيمة الأدبية لهذه "الصنَاعة الفَنيَّة" وتاريخُ نَشأتِها، وأوَّل من تَحدث عنها، فأحْسن مَنْ أشارَ إلى ذلكَ الأستاذُ مُصطفى صَادق الرافعي في كتاب "تاريخ آداب العرب" قال في [ج3، ص375]:
"هَذَا نَوْع من الصِّناعة يَعُدونه من "البَديع" وقد سُمّي "الالتزام". و"الإِعْناتُ". و"التَّضييقُ". و"التشديد".
وبهذه الأسماء يَدورُ في كتُبهم. والمرادُ بذلك عنْدهُم: أن يُعْنِتَ الناظم، أو الناثر نفْسه في التزام حرفٍ أو أكثر قبل حَرف الروي. وهو إنما يَفعلهُ صَاحبُ الكَلام لقوته، وَلوْ تَرَكَهُ لَمْ يَدْخُلْ عليه ضعف! غَير أني أرى أنَّ الحروف تَتساوقُ، وأنَّ اللِّسانَ "ميزان".. فربما كان موضعُ لا يجد فيه البليغُ المطبوعُ بداً من الالتزام. فَيَفْعل ذلك "طبعاً لا صناعة" لأنه يرى اللسان يَتَثبت في الكَلمات، فإذا لم يَقَع من كل كلمة على الحرف الملتزم أخلَّ فلم يصبِ الرنَّة. ومن أجل ذلك لا يتمُّ حسن هذا النوع إلاَّ في الكلمات المتوازِنة بالألفاظ كقوله تعالى: فَلا أقسمُ بالخُنس. الجوار الكنَّس وهو أكثر ما يتفقُ.. أوْ بالمقاطِع، لأن كلتا الكلمتين التي يُلتزم فيهما قَدْ لا تكونان على وِزان الأحرفِ بنفسها. ولكنهما يتوازنان مع بعض مقاطع الكلمة التي قبلها، أو هما يتوازَنان في بعض مَقاطعها، لا في جُملتها كقوله تعالى: والليل وَمَا وَسَق. والقَمَرِ إذا اتَّسَق. فإن "وسَقَ" لا تُوازِن "اتَّسَقَ" ولكنَّهما يَتوازنان إذا قُلت "مَا وسق" و"إذا اتَّسق، فإذا لَمْ يَتفق هذا التوازن كما ترى في "مَجْنُون"، و"مَفْتُونون" مثَلاً – فهو حينئذٍ "الإعنَاتُ" و"التَّضْييقُ" و"التشديد" إذا كان يُحتَسبُ "التزاماً" لأنه غير "طبيعي في الكلام" ثم قال في [ص 376] : ولا نًعْرفُ أوَّل من نبه على "الالتزام": ولكنَّ "قُدامة" و"ابن المعتز" و"العسكري" – وهذا توفي سنة 395هـ لَمْ يُشيروا إليهِ في كُتُبهم. ولا وَرَدَ ذلك في كلام مَنْ نبَّه على "البديع" ممَّن قبْلهم من الرواة، لأن الالتزامَ في أكثر مواضعه المسْتَحْسَنة طبيعي – كما قدمنا – ولكن "أبا العَلاء المعَري" المتوفي سنة 449هـ نظم هذا النوع في ديوانه المشهور "باللزوميّات" وقال في "مُقدمته": "وجَمَعتُ ذلك كله في كتاب لقبتُه "لزوم ما لا يلزم" ومعنى هذا اللَّقب: أنَّ القافية تلْتزم لها لَوازِم. ولا يفتقر إليها حَشْو البيت: ولها أسماء تُعرف: وسأذكر مِنها شيئاً مخافة أن يقع هذا الكتاب إلى قليل المعرفة بتلك الأسماء".اهـ. ففي كلامه رائحة ضعيفة من الاختراع. ولعله أوَّلُ من نبَّه عليه: فإنْ كان كذلك فهو لم يدعه، لأنه نهجٌ مطرودٌ، وشرعة موْرودة، غير أنه لا مراء في أنَّ "المعرّي" أوَّل مَن اتخذ هَذا النوع صناعة احترفها شطراً من عمره، فتكلَّف في تأليفه كما قالَ ثلاث كلف:
• الأولى: أن ينتظمَ حروفَ المعْجمِ عن آخرها.
• الثانية: أنْ يجيء رويه بالحركات الثلاث وبالسكون بعد ذلك.
• الثالثة: أنه لَزِم مَعَ كُل روي فيه شيء لا يلزم مِنْ باء أو تاء أو غير ذلك من الحروف.
ثم قال الرَّافعي: ولم نعرف بَعْد "المعرّي" من تكلَّف تأليفاً مُستقلاً في "لزوم ما لا يلزم"، إلاَّ ما ذكرهُ صاحب "وفات الوَفيات" عن عبد العزيز ابن قاضي حماة المتوفّى سنة 662هـ: إنَّ لَهُ في لزومِِ ما لا يلزم "مجلداً كبيراً"، وما نَظمه قبلَه الوزيرُ محمد بن يُوسف التَّميمي المتوفّى سنة 538هـ في مقاماتِه التي عَارض بها "الحريري" فقد لزم في نَظْمِها ونَثْرِهَا هذا النوع، ولذلك تعرفُ بالمقامات اللُّزومية. واحتذاهُ في الأندلس عبد الرحمن بن محمد المكْناسي المتوفي سنة591هـ فقد كان يُنشئ الرَّسائل اللّزوميَّة". انتهى كلامُ الرَّافعي.
وقد أراد "المعري" أن تكونَ "لزوميَّاته" قاموساً مُنَغَّماً يُحيط بقوافي الشعر العربي ومفرداته، فأَتى بالعَجَب، وبَرْهن على صِدْقه حِين قال:
وإنّي وَإن كُنْتُ الأخير زَمانهُ
لآتٍ بمـا لَم تَستطعْـهُ الأوائـلُ
ولا أظنّ أحداً من الأواخِر سَيَسْتطيع أنْ يُصابِر المعاني. والأوزان، والحركات والقوافي كما صابرها.. ومُقدمته الطَّويلة لديوان "لزوم مَا لا يلزم" تؤكِّد ما أقول. وهي بَحْثٌ قيِّم في "علم الشعر" لا غنى لأديبٍ عربي عنْها.
وقد ذكر "ياقوت" في "المعْجم": أنَّ ديوانَ "لزوم ما لا يلزم" يَحتوي على أحد عشر ألف بَيْت. وأحْصَيْتُ ما وَرَدَ في "اللزوميّات" المطبوعة في "بيروت" – دار صادر – سنة 1381هـ/ 1961م، فإذا هي لا تزيدُ على عشرة آلاف وسبعمئة واثني عشرَ بيتاً.
وقد أنْفَقَ "المعري" في نَظْم "لزومياته" معظم حياته، ولا شكَّ لديَّ أنَّ ما بينَ أولِ "لزوميّة" قالها وأخْراهُن قَدْ كانتْ فترة شِعر طَويلة لا تقل عَنْ سِتة وخمسين عاماً: وهو ما استنتجتُه من "اللزوميات" ذَاتها: كما عَرَفْتُ منها أيضاً: أنه بَعْد أنْ حدَّدَ مِنْهاجَهُ بالنِسْبة إلى "لوازم" القَافية المذكورة في مقدمته، ومن أحرف: كالروي. والردف. والتأسيس. والوَصْل: والخروج، ومنازلهن الاثنتي عشرة، ومن حركات: كالرس والإِشباع. والحَذْو. والتوجيه. والمجْرى. ومنازلهن الاثنتي عشرة أيضاً، وبعد أن تثبت من القيود واللوازم التي ارتضى تجشُّمها.. قد أعطى نفسه الحرية المُطلقة في أن يُسجل خواطره. ويُقيد أوابدهُ. بأيَّة قافية تسنَحُ. وفي أيّ وزْن يَعن، ثم يُلحق كُلَّ "لُزوميَّةٍ" بحرفها شأنه شأن سائر الشعراء الذين تُرتَّب دواوينهم حَسَب الحروف، فلزوميته "البائية" [ص103، ج1] مَثَلاً تَدُل على أنه نظمها وهو في "الثَّلاثين" وفيها يُعاتب نَفْسه ويؤنبها.. لانْقيادِهِ لدَواعي الهوى كالجَنيب معَ أنَّه قَد تَجاوز سنَّ الشباب:
إذا هبت جَنوبٌ أو شمالٌ
فأنتَ لكل مُنقادٍ جَنيبُ
رويدَكَ إنْ "ثلاثون" استقلَّتْ
ولمْ يُنبِ الفَتى فمتى يُنيبُ؟
والجنيبُ بمعنى مجنوبُ. أي مقود إلى جَنب آخر. ولا يمكنُ الجزمُ بأنَّ هذين البيتين أولى لزوميّات المعري: فلعله قَدْ نَظَم "لزوميَّات" أخريات قبل "الثلاثين" وخليقٌ به أن يَفعَل، ونحنُ نعلم أنه وُلد سنة 363هـ. وتوفي سنة 449هـ عن ستة وثمانين عاماً.
ولُزوميته "الهمزية" [ص44، ج1]، توحي بأنه قالها بعدَ أن تخطَّى الأربعين:
وما بعد مَرّ الخَمس عَشَرة من صبـاً
ولا بعد مرِّ الأربعين صباء
كما أنه يحدثنا في لزومية "همزية" أُخرى [ص54] حديث الشيخ الذي سئم الحياة:
طالَ الثواءُ وقـد أنَـى لِمَفَاصِلـي
أن تَسْتبِدَّ بضمها صَحراؤها
كما يُنشدنا في حرف "الألف" [ص82] لزومية يَصِف فيها جسمه البالي:
أعائبةٌ جَسدي روحُهُ
وما زالَ يخْدمُ حتى ونَى؟!
ويعود في لزومية "بائية" [ص138] فَيُخبرنا بأنه قد بلغ "الأربعين":
إذ المرءُ مَرت لَهُ "أربعون"
فليس يُعنَّفُ إن جنَّبا (1)
بل ويصْرُخ في لزوميَّة "بائيةٍ" أيضاً [ص143] صرخةً حزينةً تبكي شيخوخَتَه الواهنة:
فَقَد عِشْـتُ حتى ملنـي وَمَلَلْتُـه
زماني؛ وناجَتني عيـون التجـاربِ
وإذَنْ.. فَهو قد بَلغ "الثلاثين". وجاوز "الأربعين" في حرفِ "الباء" بلْ.. وبَلَغ فيها مِنَ العمر عتياً.. كما أنَّهُ في حرف "الهمزة"، وفي حَرْف "الألف" تارةً.. في "الأربعين". وأخرى قد مَلَّ المقام. وطال عليه الثواء.. وإذنْ، فقد تَقَيد بالصنْعةِ الشعرية التي سمَّاها "لزوم ما لا يلزم" وخَضَع لأغلالها..
ولكنَّه ظَلَّ حُرّاً في اختيار ومزَاولةِ الأحْرفِ والحركات والقوافي. والعَروض: ولا يبالي إذا ما عنَّ لهُ خاطر، أو سَنَح معنى ذاتَ صباحٍ أن يسجله في "لزومية" "بائية": فإذا جَاء المساءُ وعَنَّت له خواطرُ أُخَر. قيدها بحرف "الشين" أو حرف "الغين" ثمَّ بِقدرة الشَّاعر الماهر يعود إلى حرف "الباء" وإنْ كان بعد ثلاثين عاماً: علماً بأن هذا لا يعني أنَّه لم يمارس أنواعاً أدبيةً مغايرة خلال هذه الفترة الطَّويلة نَثْراً وشعراً.
ولكي يكون استنتاجي جليّاً سأثبِتُ بعض ما ورد في "اللُّزوميّات" من أبيات تُشير إلى فترة إنشائها وكم كانت سِنّهُ وَقْتها:
فقد كانَ في الأربعين عندما نظم لزوميَّتهُ البائية [ص173]، فقال:
خَبرَ الحياة شرورها وسرورها
من عاش عِدَّة أوَّل المتَقَاربِ
وافى بذلك "أربعين": فما لهُ
عذرٌ إذا أَمْسَى قَليل تَجاربِ
وبَحر "المُتقارب" مؤلَّف من "فَعُولُن" ثماني مرات.
وهو في الأربعين أيضاً حين قال لزوميَّته "العَيْنية" [ص118، ج2]:
شربتُ سني الأربعين تجرُّعاً
فيا مقراً ما شربهُ فيَّ ناجعُ
وفي لزوميةٍ "ميمية" يتحدَّث عن الأربعين [ص378]:
إذا ما تقضَّى "الأربعـون" فلا تُـرد
سوى امْرأةٍ في الأربعين لهـا قِسْـمُ
فإن الذي وفَّـى الثلاثيـن وارتقـى
عليهن عَشراً للفناءِ به وَسْمُ
ويقول في لزومية "نونية" [ص556، ج2]:
إذا ما الأربعون مَضت كمالاً
. فما للمرء من أربٍ لِعين
والعينُ: بقَر الوحش، وأراد المعرِّي جميلات العيون من الحسناوات.
ويذكُر الأربعين في حرف "الهاء" مع "الراء" فيقول [ص634]:
قد مضتْ عنْـهُ الأربعون بلا حَمْـ
ـدٍ وذَاكَ الأجلُّ من عُمُرَيْهِ
ويشير إلى أنه في الثامنة والأربعين في لزوميتين: رامزاً بلفظ "الطَّويل" الذي هو من بحور الشعر: وعدد حروفه ثمانية وأربعون فقال في الأولى [ص636، ج1]:
بقائي "الطويل" وعَيشي "البسيط" وأصبحتُ مُضطرباً "كالرَّجز"
وقال في الثانية من لزومية "كافيَّة" [ص337، ج2]:
عِش يا ابن آدم عِدة الـوزنِ الـذي
يُدْعى "الطويل". ولا تجـاوز ذلكـا
فإذا بلَغت وأربعين ثمانياً
فحياة مثلك أن يُوسَّد هالكا
وفي لُزوميَّةٍ "خائية" يخبرنا أنَّه تجاوزَ الأربعين: فيقول [ص304، ج1]:
تنَسَّكْت بعد الأربعين ضرورة
ولم يَبْق إلاَّ أن تقوم الصَّوارخُ
وفي "دالية" يقول [ص315، ج1]:
حياتي بعدَ الأربعين منيةٌ
ووجدانُ حِلْف الأربعين فقود
ثم يعودُ إلى الحرف نفسه بعد أن بلغ العمر عتياً فيقول [ص321]:
تجاوزت عنِّي الأقْدار ذَاهبةً
فقد تأبدتُ حتى مَلَّني الأبدُ
وعندما بلغ الخمسين قال في "لزومية" "سينية" [ص39، ج2]:
أخمسين قَدْ أفنيتُها ليس نافعي
بتأخير يومٍ أن أعضَّ على خَمس
نرجي إياباً من غدٍ، وهو آيبٌ
وكان صواباً لو بَكينا على أمس
وكان قد أشار قبل ذلك إلى أنه قد جاوز الخمسين حين قال [ص5]:
لعمري لَقَد جاوزْتُ خمسين حجة
وحَسبي عشر في الشَّدائد أو خمس
وأشار في حرف "الشين" إلى ذلك فقال [ص73، ج2]:
لا خير مِنْ بعد خمسين انقضت كَمَلا
في أن تُمارس أمراضاً وأرعاشاً
وقال في [ص78]:
خمسون قَـدْ عِشْتهـا: فـلا تَعِـشِ
والنَّعش لفـظ مِن قَـولك انتعِـشِ
ويؤكد ذلك في لزومية "ظائية" فيقول [ص113، ج2]:
ابنُ خمسين ضَمَّـهُ عقـدُ تسعـين
يُرجِّي لهُ مِن الموتِ حظا
وقد أراد أن حَلْقة الخمسين تُشبهُ حَلْقة رأس التسعة كتابة.
ويقول عن بلوغه الخمسين في لُزوميةٍ [ص245]:
خمسون جرَّت عليكَ الذَّيـل ذَاهبـةً
تَبّاً لعقلِكَ إن شيء مَضَـى تَبَـلكْ
كما يؤكد في أُخرى "لامية" أنه لا يزال في الخمسين [ص258]:
علقتُ بحبل العُمر خمسين حجةً
فقد رثَّ حتى كادَ ينصرمُ الحبلُ
أما حين أنافَ على الخمسين فقد سجل ذلك حين قال في لزوميَّـة [ص321، ج2]:
إذا أنافَ على الخمسين بالِغُها
فَلْيُضْمر اليأس مـن سعـدٍ وإقبـال
ولكنه لزمَ في أُخرى الدال الساكنة مع السين، وقد قالها حين بعَثهُ أهلُ "المعرَّة" مُستشفعين إلى القائد "صالح" الذي حاصر مدينتهم [ص404]:
فَلَما مضى العُمرُ إلاَّ الأقلّ
وحُمَّ لروحي فراقُ الجسَدْ
بُعثتُ شفيعاً إلى صالحٍ
وذاكَ مِنَ القومِ رأيٌ فَسد
فَيسمعُ مني سَجْع الحمامِ
وأسْمعُ منهُ زَئير الأسَدْ
ونحن نعلم أن هذه الحادثة كانت سنة 417هـ، أي والمعرِّي في الرابعة والخمسين، كما أنه قد ذكر "صالحاً" هذا في لزوميَّة "رائية" فقال [ص612]:
ما لمتُ في أفعالِهِ "صالحاً"
بَلْ خلته أحسنَ مني ضميرْ
يا قَوم؛ لـو كنـتُ أميـراً لكـم
ذممتُمُ في الغَيبِ ذاكَ الأميرْ
ثم عاد في حرف "اللام" فالتزمها مكسورة مع الضَّاد وذكَر "صالحاً" فقال [ص351]:
نَجَّى المعاشـرَ من بَراثـنِ صالـح
رَبٌّ يُفرجُ كلَّ أمر معضلِ
ما كان لي فيهـا جنـاحُ بَعُوضـةٍ
والله ألبسهُم جناحَ تفضلِ
ورِواية "ياقوت":
ربٌّ يعافي كُلَّ داءٍ معضل
ولا شكَّ أن كل ذلك وهو بعد الرابعة والخمسين.
وفي لزومية من حرف "الواوِ" مَعَ "الهاء" يقول [ص637]:
كأنكَ بعد خَمْسين اسْتقلتْ
لِمولدك البناءُ دَنَا ليَهْوي
وما أنَا يائِسٌ عَنْ أمرِ ربِّي
على ما كـان مِـن عمـدٍ وسهـو
أما وهو في الستين؛ فقد نَستشِفُّ من قوله في [ص185، ج1]:
جنى ابنُ ستين على نفسه
بالولد الحادثِ ما لا يُحبْ
تقول عِرسُ الشَّيخ في نَفسها:
لا كنتَ يا شـرَّ خَليـل صُحِـبْ
أنَّه قد جاوز الستين: وإن كانَ يتحدَّث عن أيّ شخص بَلَغ السِّتِّين!! وبالرغم من أنَّه يُحدِّثنا عن كهل وناشئ في لزوميةٍ: عَيْنُها مضمومةٌ مع الفاء [ص117، ج2]:
إذا خَطَب الزهراء كَهـل وناشـئ
فإن الصبا فيها شفيعٌ مُشفَّع
ولا يُزهدنها عدْمه: إن مُدَّهُ
لأبركُ من صَـاع الكبيـر وأنفـعُ
وما لأخي ستين قدرةُ سائرٍ
إليها، ولكن عجـزُه ليـس يُدفـع
فإننا نَسْتطيع أن نَستشِفَّ منها بأنَّه كانَ في نَفْسِ السن لواقعية تصويره.. كما أنه في "اللام" المفتوحةِ مَعَ الهَاءِ يحدِّثنا عن "ابنِ الستِّين" حديث الواصلين فيقول [ص134، ج1]:
إذا مَا ابْنُ سِتِّيـن ضَـمَّ الكعـابَ
إليه فقد حلَّت البَهلَهْ
هو الشَّيخُ لم يُرضَه أهْلُهُ
ولم يُرضِ في فعله أهْلَهْ
وقد أشار إلى سن "السبعين" بقوله في لزومية "عينية" [ص140]:
وعقلك يا أخا السبعين واهٍ
كأنَّك في مَلاعبكَ ابنَ سَبعِ
يَسرُّك أنَّ ربع سواك خال
إذا مُكنت من أهْل ورَبعِ
ولعلي قد سهوتُ أن أذكر، أن له لُزومية "رائية" ذكر فيها "الأربعين" فقال [ص448، ج1]:
ومتى سرى عَنْ "أربعيـن" حليفُهـا
فالشخصْ يَصغُر والحـوادثُ تكبُـرُ
وقال أيضاً في لُزوميَّة "رائية" [ص585] وهي بديعة:
ورميتُ أعوامي ورائي مِثْلما
رَمَت المطيّ مَهَامِهَ الأسفارِ
ورَكبتُ منها أربعين مَطيةً
لم تخلُ من عَنتٍ وسوء نفَارِ
كما أنه تَحدَّث عن "الخمسين" في حرف "الراء" فقال [ص514]:
إذا طَلَع الشيب الملمُّ فَحيه
ولا ترض للعين الشبـاب المـزوَّرا
لقد غاب عن فوديْك خمسين حجـة
فأهلاً بِهِ لما دَنا وتَسوَّرا
وكان قد أشار إلى "السبعين" في حرف "الراء" فقال [ص514]:
من عاشَ سبعيـن فهـو في نَصَـبٍ
وليسَ للعيشِ بعدَها خِيرَهْ
نَعم.. ثمَّ.. لا نجده بعد "السبعين" يهتم بتَعداد السِّنين. فلا خمسة وسبعون، ولا "ثمانون"! إلاَّ لزومية في بَيْتَيْن من "الدَّال" المفتوحة مع الدال: ربما أنه قالها عندما تجاوز منتصف عقده التاسع. وربما أراد أن يُصورَ بها "ابن التسعين" وهي [ص352، ج1]:
من عاشَ تسعينَ عاماً فهْـو مُغتربٌ
قد زايلَ الأهل إلاَّ معشـراً جُـددا
وشاهَد النَّاس مِـن كَهـل ومُقتبـلٍ
ودالِفِ الخَطْوِ لا يُحْصِي لَهم عَـددا
وكأنه قد سئم الحياة، ومل الانتظار للموت. وضاق بتَعداد السنين: فنسمعه يقول [ص327، ج2]:
إذا ما عَدَدْتُ السِنَّ عُـدْتُ بترحـةٍ
وأمَّلْتُ ربِّي أن يحلّ عقالي
وقَد صَدئتْ نَفْسي بجسمي ولبسِـهِ
فَهَل تَصطفيها ميْتتي بصقَال؟!
ولقد شكا شيخوخته. ووَهن جسمه. وطول ثوائه بلزوميَّاتٍ كثيرة، وأعربَ عن تطلعه إلى الموت. وتشوُّقه إلى الرَّحيل. وضيقه بالأرض ومن عليها بمختلف الحروف وشتَّى القوافي، وما ألطف قولَه في حرف "اللام" مع "الجيم" [ص371، ج2]:
إن كانَ نَقْلي عَن الدنيا يكونُ إلى
خَيْر وأرحَب فانقُلني عَلَى عَجَلِ
وإن عَلِمْتَ مآلي عند آخرتي
شرّاً، وأضيق، فانْسأ رَبِّ في الأجَل!
وهو ابْتهالٌ رائعٌ؛ خليقِ بأن يجأر به كلُّ إنسان في أيةِ سن كانت.!
هذه هي سيرة "المعرِّي" الشعرية في "لزوميَّاته"، وقد سبق أن قلتُ: إنه كان أثناء نظمه لها يمارس أشكالاً أُخرَياتٍ من الأدب: شعراً ونثراً: وقد ألَّفَ عدة مؤلفات خلال تلك الفترة الطَّويلة من حياته: وقد ذكر "ياقوت"؛ أن لأبي العلاء كتاباً شَرحَ فيه ما في ديوان "لُزوم ما لا يلزم" من الغَريب في ثلاثة أجزاء: وكتاب "زَجر النَّابح" يتعلق باللُّزوميات أيضاً، ولا شك أنه قَدْ ألفهما بعدَ أن قطعَ "أشواطاً" ومراحلَ شاسعة في اللُّزوميَّات" وانتشرتْ بين النَّاس. وتناوَلُوها تمجيداً وتفْنيداً.
أما شأني مع "ألف باء" لزوميَّاتي فهو شأنٌ آخر.. فقد تقيدتُ أولاً بلوازم القافية التي تقَيَّد بها "أبو العلاء".. ثم.. ودونما رغبةٍ ولا اختيار.. وجدتني أقفُ مع "لزوميَّاته" قطعةً قِطعة: لا أغادر لزوميةً إلى أخرى إلاَّ وقد عارضْتُها: وإذا عاصاني البيانُ ظللْتُ هائماً فيها: مترنِّماً هاذياً نهاري وليلي، حتى لقد سمَّاني صديقٌ كريم "مجنون المعرّي".
وكانت أولى لُزوميَّةٍ نظمتُها هي:
ليَ الله كم لِلْجِدِّ روحي أريقها
حَزيناً، وحولي يَعبثُ الأدباءُ!
في أوَّل المحرم سنة 1395هـ، الموافق 5/4/1975، ثم توقَّفت.
ونظمتُ اللزوميَّة رقم 72 [ص67]:
إنْ كنت ضيَّعْتَ فرصـةٌ سَنَحـتْ
فَلم تُهيِّئ لها الذي يجبُ!
يوم 24ربيع الأول 1395هـ، الموافق 5/4/1975م، ثم توقَّفت.
وزُرْتُ "القاهرة" و"جدة" ثم عدتُ إلى "بيروت" أتجهَّزُ للسفر مع أهلي إلى "صنعاء"، ولكنَّ "مَجْهُولِينَ" حاولوا اغتيالي صباحَ اليوم الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة 1395هـ، الموافق 22/3/1975م، فأراد الله لي النجاة، وشَمَلَتْني أَلْطَافُه، ثم انتقلت إلى "لندن" لإكمال "المعالجة". وما كِدتُ أتماثلُ للشفاء حتى استأنَفْتُ التَرنُّمَ باللُّزوميَّات. ومجاراتها من جديد، وفرغتُ من حرف "الباء" باللُّزوميَّة رقم177:
أبو لهبٍ: وَهُو عَمُّ الرَّسول
تَبَّت يَدَاهُ ضَلالاً وتَبْ
ولو كانَ يَنفعه قربُهُ
لَنَالَ بقُرباهُ أَعْلى الرُّتَبِ!
في شعبان سنة 1395هـ/ أغسطس سنة 1975م.
وإذن.. فهي حصيلةُ ستة أشهر، إذا استثْنَيتُ فترة المرض الشَّديد إثر الإِصابة: وعملية إخراج الشظايا من رأسي: وقد قلتُ أثناء تلك الفترة وبَعدها شعراً حرّاً. وشعراً ملتزماً. وشعراً تقليديّاً، جاريتُ ببعضه "المعرِّي"، و"البحتري"، و"ابن زيدون"، و"شوقي"؛ وناجيتُ ببعضه نفسي، وقد أودعته ديواني "بنات الخمسين" الذي أرجو أن يخرج على النَّاس مع هذه اللُّزوميَّات في شهر واحد.
وإذا كنتُ قد أخضعت الشعر للحرف في "ألف باء" لزوميَّاتي.. وبقيود أبي العلاء والتزاماته فقد تعمدت أن أروغَ عَنْ مواضيعه أحياناً، وأعطيتُ لنفسي حُرِّية "الهَيَمان" في كل أودية الشعر والبيان، وقد يكون هذا هو المبرر الوحيد لِمثلِ هذه المجاراة، وكأني إنما أحاولُ بها حَثَّ المعاصرين على العودة المستبصرة إلى آثار "أبي العلاء" الرائعة: وعلى كلّ أحوالي فَلَستُ إلاَّ ظلاًّ باهتاً متضائِلاً أمَام جبلٍ من سِلسِلة جبال شامخة شاهقة.!
ولقد أوْدعتُ في "ألف باء" لزوميَّاتي خلاصة "مجريات" حياتي، فهي سِجل تجاربي. و"نوتة" مذكَّراتي. رسمتها في أوزانٍ وقوافٍ. وغَنيتُها كالطائر الحُرّ على فَنَن. ورتلتُها كالعابِد البر في المحراب. وفيها مقاطع.. تضرَّعت بها، فهي مترعَة بالدموع. مُدلهةٌ بالخشوع، تائهة في "اللارجوع" وأُخرى تماجَنْتُ فيها؛ فهي تضِجُّ لَغَطاً، وتَوجّ سخطاً، وما كنت في تَعبدي – ويا أسفاه – بالأوَّاه المنيب. وإن كنتُ في مجوني قد أعربتُ عن طبيعتي البشرية.! وأستغفر الله..!
وقد "التزمتُ" الصِّدقَ والإِخلاص. وذلك شفيعي.
وبعدُ: فقد وقف بي "حمارُ الشعر" في عَقَبة "تاء" (2) شيخنا "المعرِّي" وأيقَنتُ أن تَقَحُّم أدغالها ليس مِن السَّهل ولا بالميسور.. ولكن.. إذا هتَفت بي دَوَاعي المجاراة من جديد.. فقد أُلبِّيها.. غير أني لا أتخيَّلُ كيفيَّةٍ مَّا! ولا أَتَصَور نهجاً معيَّناً.
وما تَدري نَفْسٌ مَاذَا تكْسِب غَداً.
أحمد بن محمَّد الشّامي
بروملي: صباح عيد "جمعة رجب"
4 رجب سنة 1398هـ
9 يونيو سنة 1978م
 
طباعة

تعليق

 القراءات :650  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 20 من 639
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور معراج نواب مرزا

المؤرخ والجغرافي والباحث التراثي المعروف.