شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الشاعر حمزة شحاتة في ملحمته غادة بولاق
بقلم: مختار الوكيل (1)
أكتب هذه الكلمة عن الشاعر الأديب الفنان حمزة شحاتة بعد أعوام من رحيله عن هذه الدنيا الفانية إلى عالم الخلود والبقاء.
وأشهد أني لم أعرف حمزة شحاتة في حياته بشراً سوياً، ولكنني كنت أسعد بين الفينة والفينة بتلاوة بعض قصائده العاطفية الصادقة.
فلما توفرت لديّ من شعره في العام المنصرم تلك المجموعة الرائعة (شجون لا تنتهي) أقبلت عليها في لهفة وحنين، ولم أكد أتم قراءتها لأول مرة حتى رأيتني مدفوعاً، بدافع خفي، إلى تكرار التلاوة، ولا أقول مرة واحدة، بل مرات ومرات... واستطعت بعد ذلك أن أكوّن لنفسي فكرة مستقلة عن الشاعر حمزة شحاتة، وأن أدرك أنني حيال شاعر أديب فنان، من أولئك الذين لا يلقاهم المرء بسهولة ويسر في هذه الأيام.
وكنت قد طالعت في الوقت نفسه، أي منذ عام، ديوان الشاعر السعودي المبدع محمد حسن عواد، واستطعت أن أدرك أنه من الشعراء المجددين الذين تعددت لديهم مناحي القول، وانتشرت بذلك شاعريتهم في شتى الآفاق، وشعرت بحنين خفي إلى شعره الذي طالعت فيه نهجاً قريباً من النهج الذي سار عليه شعراء (الديوان) وشعراء جماعة (أبوللو) في مصر، ولم ألبث أن اكتشفت في ثنايا السطور أن محمد حسن عواد، كان لا ريب على صلة (بأبلو)، بل لقد نظم شعراً جميلاً في (أبولون) (2) ، هو لا شك من الدلائل الواضحة على تشابه نهجه مع نهج شعراء مصر في الثلاثينيات وما تلاها. ولقد كتبت كلمة عن محمد حسن عواد نوّهت فيها بشاعريته الفذّة، فلما شاءت المقادير أن أطلع على ملحمة (غادة بولاق) للشاعر المجيد حمزة شحاتة أدركت وتحققت أنني حيال شاعر مبدع خلاّق من الطراز النادر في هذا الزمان.
ولقد تلاشى عجبي عندما علمت أنه نشأ مع محمد حسن عواد في البيئة الأدبية الناهضة نفسها، وأنهما ولفيف من رفاقهما الكرام درسوا الأدب والفكر معاً، واطلعوا على المراجع والكتب نفسها، سواء ما اتصل منها بالتراث، أو ما نقل إلى العربية عن الأدب والفكر الغربي، ولكنه لم يعتمد على مصادر غير عربية، إذ لم يكن يجيد الإنجليزية أو سواها من اللغات الأجنبية.
* * *
ولد حمزة شحاتة بمكة المكرمة في عام ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرين من الهجرة الشريفة، وأتم دراسته بمدرسة الفلاح بجدة.
وكان حمزة شحاتة مشهوراً بشاعريته الأصيلة، كما اشتهر برسائله التي كان يرسلها إلى أصدقائه، وهي رسائل جديرة بأن تعد نموذجاً للنثر الرفيع في الأدب العربي الحديث. كذلك اشتهر بمحاضراته العامة، ولا سيما محاضرته التي ألقاها في جمعية الإسعاف الخيري بمكة المكرمة، فقد كان حظها من الشهرة والذيوع عظيماً، وقد استمع إليها جمع غفير من محبيه ومن روّاد الأدب وشداته، وكان سر انتشارها وذيوعها أن الإذاعة لم تكن قد انتشرت بعد في ربوع المملكة العربية السعودية، وأن فن الإلقاء الإذاعي الحديث لم يكن معروفاً.
ويبدو أن حمزة شحاتة العبقري المبدع كان رجلاً متعدد الجوانب، إذ لم يقف عند الشعر والنثر والفلسفة وعلوم اللغة العربية وتاريخها القديم والحديث، بل تعدى ذلك كله إلى عشق الموسيقى والشغف بالعزف على العود. ولم يكتف بأن يكون أحد العازفين المعدودين في الحجاز، كما قال صديقه الأستاذ عزيز ضياء في دراسته الممتعة (حمزة شحاتة -قمة عرفت ولم تكتشف) (3) ، (وإنما عكف على دراسة الموسيقى العربية، مقامات وأنغاماً ومصادر لهذه المقامات والأنغام وتاريخها عند الفرس وفي الأندلس، وعند الأتراك وفي حلب، وما تولد من هذه المقامات وكيف تتعاشق وأين تتنافر).
وكان حمزة شحاتة جديراً بأن يسلك في عداد كبار الملحنين في مصر لو رغب في ذلك، ولكنه كان ينشد الكمال، ولذلك كان أميل إلى النقد في الموسيقى منه إلى الإبداع، رحمه الله.
* * *
قلت إن حمزة شحاتة من الشعراء المبدعين، الذين اكتملت لهم أدوات القول الجميل، كما كان من المثقفين الموسوعيين، الذين قرأوا التراث العربي قراءة استيعاب ونقد ودراسة عميقة، كما طالعوا كتب الأدب والفلسفة واللغة العربية، واستوعبوا الدراسات الأدبية العميقة التي ظهرت في مختلف ربوع العالم العربي، ولا سيما في مصر.
وهو وإن فاته الاطلاع على الآداب والعلوم الأجنبية في مظانها ولغاتها الأصلية، فقد طالع في شراهة ونهم أهم تلك المؤلفات منقولة إلى لغتنا العربية بأقلام أعلام الفكر والفلسفة والترجمة في مصر والعالم العربي..
* * *
ولقد عاش حمزة شحاتة في مصر واستقر مقامه بالجيزة وكتب وهو في مصر، ملحمته التي نحن بصددها عن (غادة بولاق)، وبولاق هو ذلك الحي الشعبي الأصيل من أحياء القاهرة، وهو مشهور مذكور في كتب الأدب والتراث والتاريخ، كما هو مشهور ومذكور عند الأوروبيين، وله أمجاده وبطولاته، وفيه أنشئت (المطبعة الأميرية) المشهورة باسم مطبعة بولاق، وقد تولت نشر الكثير من كتب التراث الفاخرة وكان عطاؤها العلمي رائعاً وعظيماً، كما أنشئت في بولاق الترسانة الصناعية؛ ويقع حي بولاق على النيل العظيم مواجهاً حي (الزمالك)، الذي اشتهر بأنه حي (الارستقراطيين) ووجهاء القوم.
ولقد كان الشاعر صالح جودت قد نظم قصيدة، عاطفية تغزّل في أبياتها بفتاة من سكان حي الزمالك، حي الوجهاء والأعيان، وكان صالح يتحدث في تلك القصيدة، عن (العيون الزرق والشعر الذهب)، في قصيدته عن فتاة الزمالك (الأرستقراطية)، في حين جاء حمزة شحاتة من السعودية ليخلّد فتاة (بولاق) الشعبية (بنت البلد) الصميمة في هذه الملحمة العاطفية الرائعة.
فهو يلقي في موسيقاه المتدفقة، بتلك الشحنات العاطفية عن رسالة الحسن الرفيعة التي تبشّر بها هذه الفتاة البسيطة. وقد استطاع حمزة شحاتة، في يسر وبساطة، أن يمزج في ملحمته الغنائية الرومانسية السامية، العاطفة الصادقة المتدفقة بالتاريخ الموغل في القدم!
وهو ينقل للقارئ صورة تلك الحسناء التي (ما فاضت شواطئ النيل وما عربد النيل إلاّ من حميّاها)، وكأن الزوارق بشراعاتها لا تبدو فوق صفحة النيل عند بولاق إلاّ للقياها! وليس النيل وحده، بل إن الطبيعة كلها، قد مزجها الشاعر البارع في (سيمفونية) رائعة من العشق الوضئ الرضى، فقال (إن نسائم النهر ما عبرت ماءه، إلاّ لتلثم فاك، وإن الفجر ما تنفس في خمائل النيل إلاّ ليملأ عينيه بمرآك... وكذلك البدر ما جاب السماء وسهر الليل بطوله، إلاّ ليرعاك، وما شدت البلابل إلاّ لتنعم بالتغريد أذناك!) أو كما قال هو:
يا جارة النيل، ما فاضت شواطئه
سكراً وعربد إلاّ من محيّاكِ!
ولا استهلّ شراع فوق صفحته
مغالباً وجده، إلاّ ليلقاك!
ولا سرت عبر مجراه نسائمه
إلاّ ليلثم -في صمت الدجى- فاك
ولا تنفس فجر في خمائله
إلاّ ليملأ عينيه بمرآك!
والبدر ما زهدت عيناه من سِنة
وجاب آفاقه إلاّ ليرعاك!
وما شدت بذرى أيكٍ بلابله
إلاّ لتنعم بالتغريد أذناك!
وهذا لا ريب مزج (رومانسي) رائع لمظاهر الطبيعة وللأحاسيس والمشاعر الإنسانية، بل ولمظاهر الحياة كلها، في موكب شامخ وبوتقة منسجمة خلاّبة، مما يؤكد أن الحب هنا هو مزج العاطفة بالحياة، بل هو احتضان الكون بأسره!
ويصف الشاعر غادته فيقول إنها (فرحة النيل) وأعياد شاطئه وزهر واديه وفردوسه الزاكي، وأنها مرتبطة به وهو كذلك مرتبط بها، فهي (رهن حماه) وهو (رهن يمناها)..
يا فرحة النيل، يا أعياد شاطئه
يا زهر واديه، يا فردوسه الزاكي
يا ذخر ماضيه، من فن وعاطفة
قيّدته بهما، لما تصبَّاك!
فأنت رهن حماه فتنة وهوى
لكنه بهواه، رهن يمناك!
وهذه لا شك صورة شعرية عذبة صادقة تصور مدى ذلك الارتباط بل وتوثق ذلك الرباط المقدس بين النيل وغادته... غادة بولاق!
* * *
ولعلّني إذا تركت النفس على السجية في الاستقصاء، لأطلت الحديث عن ثقافة الشاعر حمزة شحاتة، التي ترفعه إلى درجة عالية بين الشعراء المحدثين، ولقد استراحت النفس إلى مطالعة شعره..! ولقد ألفيته في ملحمته الرائعة هذه يتحدث عن (عروس النيل) تلك التي كانوا يلقون بها في مائه الحبيب، في حفل قشيب مهيب. وكانت تلك (العرائس) أو تلك (الضحايا) تقدم قرباناً للنهر الحبيب المقدس، أما اليوم فقد أصبح النيل من ضحايا هذه الغادة الفاتنة... غادة بولاق.. كما يقول شاعرنا:
كانت ضحاياه في الماضي عرائسه
فهالني أن أراه من ضحاياك
ومن قبيل الشواهد الصادقة الدالة على ثقافته الواسعة. ما أوضحه الشاعر من أن (غادة بولاق) هي نفسها (بنت آمون) إِله الفراعنة الأقدمين، ثم لا يلبث الشاعر أن يخلع على (غادة بولاق) صفة (شمس بولاق)، وفي هذا جمع رومانسي رقيق بين الحب والطبيعة المحيطة الحسناء، من نهر وشمس وقمر ونسيم عليل، وما يدخل في ذلك الإطار الطبيعي الجذّاب الفتان.
ولا يلبث الشاعر أن يتساءَل عن (هوى غادته)، ولمن ادخرته؟ ولمن تبث نجواها؟ ولمن حنينها؟ ويساوره القلق والشك! هل هناك قلب سوى قلبه المعذب قد أغرته الغادة بالهوى؟
أم هي عادة غادته أن تعبث بقلوب المحبين من حولها؟ وأخيراً، لا يلبث الشاعر أن يستسلم، ويقول إن هذا هو واقع الدنيا.. ومع ذلك يطمح الشاعر إلى لقاء... ولكنه يتقاعس ويقنع بالخيال مع البعاد، ويعيش الشاعر بالذكرى، وللذكرى، ثم يخلد إلى السكينة والهدوء ويسعد بالطمأنينة، ويرى الأمور والأشياء بعين الواقع، ويأخذ الأمر بمنطق القوة الذي تعلّمه من أستاذه (نيتشه) حيث يقول:
ما كنت يا قدري العاتي سوى امرأة
ممن مررن بقلبي، لو توقّاك!
وهكذا يحاول الشاعر أن يتغلب على ضعفه البشري وتلك فلسفته الخاصة...! ولقد استمتعت بتلاوة هذه الملحمة الرائعة (غادة بولاق) وصاحبتها فترة سعيدة من الزمن، وصاحبت حمزة شحاتة، فوجدته شاعراً فذاً، خليقاً بأن يدرس دراسة مستفيضة على نطاق العالم العربي بأسره. رحمه الله...
مختار الوكيل
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1796  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 58 من 169
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذ محمد عبد الرزاق القشعمي

الكاتب والمحقق والباحث والصحافي المعروف.