شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
سلمان بن عبد العزيز
صديق الأدباء والصحافيين (1)
يعشق الأدب، وأهله، صديق محب لكل صحافي، وحامل قلم، يتابع ما يكتب في الصحافة، وإذا لفت نظره شيء غامض مما قرأه، يهاتف رئيس التحرير ليسأله عما وراء السطور، رغم أن مسؤوليته الكبيرة بصفته أميراً للعاصمة، قلب المملكة، و (( بيت العرب والمسلمين ))، ورغم رئاسته لأكثر من عشرين جمعية خيرية، وحضوره الدائم في كل مناسبة مشاركاً في الاحتفالات الرسمية. وبعض المناسبات الاجتماعية في الأفراح، والأحزان، ورغم أنه رئيس شرف لأكثر من مؤسسة ثقافية واجتماعية، ورغم استقباله يومياً في عمله لعشرات المحتاجين من المواطنين، غير مقابلاته الرسمية للأمراء، والوزراء، والسفراء العرب، وغير العرب، ورغم.. ورغم، إلا أنه لم يتخل عن عشقه للأدب، وأهله وصداقته للصحافيين، وحملة الأقلام، لهذا عُرِف في الوسط الصحافي بأنه ((أب الصحافيين والأدباء)) الروحي.
وطني عربي مسلم محب وغيور، والمحب لابد أن يكون غيوراً، قلت إنه مواطن عربي مسلم (( غيور )) لأنه جنَّد نفسه متطوِّعاً مع أخوة له على رأسهم (( خادم الحرمين الشريفين )) للقتال في صفوف الأشقاء المصريين، أثناء (( الاعتداء الثلاثي )) على مصر الكنانة، هذا الاعتداء الأجنبي الثلاثي الذي قامت به كل من (فرنسا.. وبريطانيا.. وإسرائيل) عام 1956م، على إثر تأميم الرئيس المصري الراحل (جمال عبد الناصر) رحمه الله، لقناة السويس، وجعلها مؤسسة مصرية مساهمة!!
وبصفتي واحداً من أصحاب الأقلام المتواضعة كنت أتابع نشاطاته الاجتماعية والرسمية يومياً من خلال الصحف التي لا تخلو من أخباره، وصور وجهه الأبوي الحنون الوضيء الباسم.
حين كنتُ رئيساً لتحرير (( مجلة الفيصل )) فوجئتُ في صباح أحد الأيام بمكالمة من الإمارة، قال لي مأمور ((النسترال)) أو ((البدَّالة)) كما يسميها أشقاؤنا في الكويت، وربما في الخليج كله، قال لي: إن الأمير سلمان يريدك فرحَّبت به، وقلتُ في نفسي اللهم أجعله خيراً، وجاءني صوته مشرقاً كالصباح، وبعد ديباجة المكالمات الهاتفية، سألني هل قرأت زاوية الأخ (ع) من الكتَّاب اليوم في جريدة (( الشرق الأوسط ))؟
كان من حسن حظي أنني قرأتها على غير عادتي حيث أكتفي ((صباحاً)) بمطالعة عناوين الصحف صباحاً، ثم أقرأ ما يطيب لي ((ليلاً)) حين تصبح أحداثها ((تاريخاً)).. وهذه العبارة قالها عميد الأدب العربي الدكتور (طه حسين) للدكتور الصديق (حسين مؤنس) رحمهما الله الذي كان يكتب في (الفيصل) زاوية شهرية في صفحتين تحت عنوان (كلمة طيبة).
ولأن ذكر اسم الدكتور (حسين مؤنس) العالم الاختصاصي في (تاريخ الأندلس) يذكرنا بقصة المعتمد بن عبّاد ((حاكم قرطبة)) في الأندلس وغيره فيما يتمثَّل في اهتمام الخلفاء، والولاة، والأمراء، والحكَّام، بالعلماء والأدباء والشعراء، والمثقفين، والنحاة، وتقريبهم إليهم، والإفساح لهم في صدور مجالسهم، ليأنسوا بهم ويستأنسوا بعلمهم، وفكرهم، وشعرهم، وأدبهم، وتكريمهم، ومواساتهم عند اشتداد الكرب عليهم، ومساعدتهم لحفظ ماء وجوهم من الحاجة، والفاقة، ويسألون عن غائبهم، بل يخصِّصون رواتب شهرية لبعضهم، فتقام (( المناظرات )) بينهم لمعرفة المبرِّزين منهم، وهي وسيلة تدفعهم إلى مزيد من العلم، والتحصيل المعرفي، وقد يُكَلَّف بعضهم بتأليف الكتب في حقول اهتماماتهم العلمية، ويسخون عليهم بالعطاء المالي، كي يتفرَّغوا لتأليف الكتب التي يكلَّفون بتصنيفها، ليس هذا في (( الأندلس )) فحسب، بل في (( بغداد )) وبهذا الأسلوب الحضاري الراقي نشطت حركة العلوم، والآداب، والفنون والثقافة، وأثري تراثنا العربي الإسلامي بالمخطوطات، قبل اختراع (( الطباعة ))، حتى أنه لكثرة المخطوطات تحوَّلت مياه (( دجلة والفرات )) إلى لون الحبر، لكثرة المخطوطات التي ألقيت فيهما أثناء غزو (( هولاكو )) لعاصمة الخلافة (( بغداد )) يومذاك، فخسر تراثنا من ذلك الغزو الهمجي غير المتحضر كنوزاً من العلم والمعرفة التي لم ولن تعوَّض!!
وهذه الظاهرة الحضارية أصبحت اليوم من سنن أمراء بلادنا الذين لا يكتفون بذلك، بل يقومون بإصلاح ذات البين، إذا أختصم عالمان، أو أديبان، أو شاعران، ويتولون إرسال المريض منهم للعلاج في الخارج على حسابهم.
لقد تذكَّرتُ ذلك في موقف لي مع الأمير سلمان، وحبه، واهتمامه بالأدباء والشعراء، والعلماء، والمثقفين مثله كمثل باقي الأسرة السعودية العربية الكريمة التي أسعدنا الله بحكمها الوارف الظلال، كفاها الله سبحانه وتعالى شر الكارهين والحاسدين، والإرهاب، والإرهابيين، والفساد، والمفسدين، وكفاها ـ وهو المهم ـ شر (الطابور الخامس) اللهم آمين.
قاتل الله: (( الاستطراد )) في الكتابة الذي ابتليت به من قراءاتي لبحر العلوم (( الجاحظ ))، وسأعود إلى حكاية المكالمة الهاتفية!!
توصَّلنا عندما أتصل بي سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز متسائلاً عن اسم الكاتب الذي أوقفته مجلة (الفيصل) عن الكتابة فيها دون ذكر اسمه، فأجبته أن المجلة لا توقف أي كاتب من كُتَّابها، وإذا غاب اسم كاتب من على صفحاتها فهو أمر يرجع إلى الكاتب نفسه الذي لم يرسل لها موضوعات جديدة خاصة بها، ولم يسبق نشرها من قبل في أي مطبوعة، وعند هذا الحد انتهت المكالمة الهاتفية.
* أما الموقف الثاني: الذي تعرَّفتُ من خلاله على الأمير سلمان شخصياً فقد جاء بعد المكالمة الهاتفية بسنوات حين حمَّلني الصديق الأمير (خالد الفيصل) رسالة مغلقة رغم علمي بمضمونها لأنه يخص مجلة (الفيصل).. وكان ظرفها المغلق عليه شعار المجلة.
دخلتُ على سموه بمكتبه في إمارة الرياض، كان لديه نفر من زائريه، حين سلَّمته الرسالة رأى وجه الظرف الذي به شعار المجلة، فسألني: هل أنت علوي الصافي؟ وحين أجبته بنعم، طلب مني الجلوس فجلستُ حتى انتهى من زائريه الذين خرجوا من مكتب سموه، ثم التَفَتَ إليَّ متسائلاً: كم سنة لك الآن تعيش في الرياض؟ أجبتُ يومها قائلاً باقتضاب ربع قرن!!
رد عليَّ عاتباً: خمسة وعشرين سنة لم أرك خلالها؟.. وللقارئ أن يتصوَّر حالتي الشعورية المغسولة بالخجل!! تلكَّأت في الرد باحثاً عن إجابة تليق بكرم خلقه، وتواضع سموه النبيل، بعدها قلت له: إنني أضن بوقت سموكم الثمين المزحوم بالمسؤوليات الكبيرة، والمشاغل المتعِّددة لأصحاب ذوي الحاجة، وهم كثيرون كما أعرف، لكنني شعرتُ في نهاية الرد بالحرج، إذ خفتُ أن يقول لي إن زيارتي تعني أنها مرتبطة بالحاجة، لكن من حسن حظي لم يقلها كأنه أدرك حرجي، بل قال بكل أريحية، وأبوة: شوف حِنَّا (نحب) الذين يزوروننا، وبصورة خاصة العلماء، والأدباء والمثقفين، والصحافيين، وبيتي معروف، ومفتوح للجميع)).
لا يعلم سموه أن مشكلتي الأزلية، بل عيبي الذي أكرهه في نفسي أنني قليل الحركة، والتنقل، لهذا يلاحقني لوم الكرام لي، ولوم نفسي لنفسي، فالإنسان بطبيعته كائن إجتماعي وله علاقاته الاجتماعية مع الناس، وفوق ذلك فأنا ممنوع من قيادة السيارات طبِّياً، وهناك أسباب أخرى ترجع لتركيبتي النفسية، إلى جانب تفرغي للقراءة والكتابة، بعد أن حرَّرت نفسي من ربقة (( عبودية الوظيفة )) حسب تعبير المفكِّر العربي الإسلامي العملاق (( عبَّاس محمود العقَّاد )) صاحب (( العبقريات )) الذي لم يستسلم لعبودية ((الوظيفة))، وأوقاتها الرتيبة المملة، المهدرة للوقت والعمر، كما أنه لم يتزوَّج حتى لا تسرق العلاقات الأسرية والاجتماعية جزءاً من وقته، لهذا عاش سبعين عاماً، ألَّف خلالها سبعين كتاباً تقريباً، أثرى بها مكتبتنا العربية، والإسلامية، في مختلف العلوم، والأجناس الأدبية المتعددة والمعارف الإنسانية.
* الموقف الثالث: مع سمو الأمير الكبير في نفسي (سلمان بن عبد العزيز) منذ أشهر قليلة، إذ كان لولدي (طه) معاملة في الإمارة، فطلب مني مرافقته حسن ظن منه أنني بحكم مكانتي الأدبية، والصحافية، قادر على إنهائها في دقائق ـ وكل فتى بأبيه معجب ـ فوافقتُ على طلبه لأنني وجدتها فرصة مناسبة لتعزية الأمير سلمان، والأمير سطام بوفاة الأمير الإنسان (ماجد بن عبد العزيز) تغمده الله بواسع رحمته.
مررتُ في البداية بمكتب الأخ الدكتور (ناصر الداؤود) مدير مكتب سموه فعرضتُ عليه معاملة ولدي، فشرح عليها شرحاً روتينياً عادياً ((إلى الجهة المختصة لإجراء اللازم)) شعرتُ معه أن المعاملة لن تنجز يومها وفق حسن ظن ابني، فلمتُ إبني في نفسي، وكان بودي أن أقول له إن العرب تقول: ((سوء الظن من حسن الفِطَن)).
وقد أكتفيت بشرح الأخ (الداؤود) لأنني لا أريد أن يشعر الأمير سلمان بأنني جئت من أجل معاملة، ودخلتُ مكتب سموه للتعزية، لا لغيرها، وقد خيَّب ولدي رغبتي الصادقة هذه حين دخل معي متأبِّطاً ملف المعاملة، وبعد السلام على سموه، وتقديم واجب العزاء، لا أدري كيف لمح سموه الملف مع ولدي، فسأل: ما هذا الملف؟ رددتُ بسرعة: لا شيء، لا شيء!! فأصرّ سموه، وقد أدرك بحاسته السادسة أن الملف به قضية تتعلق بالإمارة. أصر على رؤية الملف الذي سحبته من ولدي، وقدَّمته لسموه، وبعد أن قرأ الخطاب الموجَّه له، وشرح الأخ (الداؤود) على الخطاب، الْتَفَتَ سموه إليَّ وقال: أنت يا أخ علوي كما يقول المثل ((حجة، وقضاء حاجة))!!
ولحساسيتي المفرطة شعرتُ بدوران مكتب سموه بي، وتعطَّلت حواسي، وددتُ وقتها لو هَوَت بي الأرض إلى قاع قيعانها، امتقع لون وجهي، تحوّل إلى أخاديد وكهوف، أعتقل لساني كأنني أُلِقْمت حجراً، أو كأن (( صحراء النفود )) داخل فمي!!
لكن سموه كأنه أدرك بذكائه المتوقِّد، الدائم الحضور، حالتي النفسية والشعورية التي تملَّكتني، فمنعتني عن الكلام، فسألني في دعابة لطيفة: من أين جاء اسم ((الصافي)) لاسمك، هل هو لقب، أم الاسم الحقيقي؟
بعد هذا السؤال شعرتُ أن حواسي قد عادت، وأن الحجر قد سقط من فمي، وأن صحراء ((النفود)) رجعت إلى موقعها بعد هدوء العاصفة، وانطلق لساني، فرددتُ على سؤال سموه: الصافي.. ليس لقباً أو كنية، بل هو اسم العائلة منذ مئات السنين.
سأل سموه: وما علاقة حليب وألبان الصافي بعائلتك؟
رددتُ: لا توجد أي علاقة!!
رفع سموه سماعة الهاتف، وأدار قرص الأرقام متصلاً بمسؤول في الإمارة لم أعرف اسمه، وكل ما سمعته من مكالمته قوله للطرف الآخر: سيأتيك علوي الصافي، لا يخرج من الإمارة اليوم إلا بعد إنهاء معاملة إبنه، ثم وضع السماعة وأشَّر بيده إلى مراسل مكتبه الذي كان واقفاً أمامه فسلَّمه ملف المعاملة متحدِّثاً معه بصوت خافت لم أسمعه، وحين طلب مني المراسل مرافقته، وقفتُ مودِّعاً سموه، مع تقديم عظيم شكري، وجزيل احترامي وتقديري، ومع خوفي أن يقول لي ((الله يكثِّر حاجاتك، لنراك مرات، ومرات!!)) لكنه لم يقلها فحمدتُ الله.
وعندما خرجتُ من مكتب سموه، حرصت على المرور بالأمير سطّام، الذي عزَّيته في وفاة أخيه الأمير ماجد رحمه الله.
وهذا الموقف مع الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير عاصمة مملكة النور والإيمان، وبيت العرب والمسلمين، وصديق العلماء والأدباء والشعراء والصحافيين، ليس موقفاً فريداً، بل هو نموذج بسيط بالقياس إلى مواقفه الكبيرة مع غيري من الزملاء في الأدب والصحافة، والمواطنين، كما أسمع، وأقرأ وليس غريباً أن يمُنح في إحدى دول الخليج جائزة الخدمات الخيرية والإنسانية.
وأتمنى على زملائي حملة الأقلام في الأدب والصحافة تكريم هذا الأمير الأديب لاهتماماته وإنجازاته في مدينة الرياض، وحيث أن منزله صالون، أو منتدى مفتوح دائماً للجميع وذلك بإقامة حفل يليق بدوره الكبير في أعمال الخير، والبناء والتنمية، بمناسبة مرور أكثر من خمسين عاماً على توليه إمارة الرياض.
وفي موضوعنا المنشور بعد هذا الموضوع سرد لما قام به سموه لتطوير وتنمية مدينة (( الرياض )) في فترة زمنية (( خرافية )) أو (( استثنائية )) تجسِّد النُّقلة التنموية، الحضارية، وهو بعنوان (( سلمان الرائد.. أو الرجل الأسطورة )) !!
* * *
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1277  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 6 من 43
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج