شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
لا شيء.. كل شيء
ـ أصحاب القلوب الكبيرة..يموتون بحزن بسيط!!
الواحدة بعد منتصف الليل..
تتعتق مدينة ((جدة)) داخل هذا السكون الدافئ..
ينتصب الليل هذه اللحظة شمعة تسهر وحدها.. تقطر الظلال وتقطر الأنفاس، وتقطر خطوات تلتهم الدرب وتضيع في كثافة الظلال!
لا شيء.. هو كل شيء!!
سقطت هذه العبارة من بين شفتيه. لا.. بل من بين فكيه. كان يجذ أسنانه ثم يبصق أمامه بقرف.. يبصق كل الساعات التي طمرت أنقاضاً تحت هذه الساعة.. هذه اللحظة: الواحدة بعد منتصف الليل!
من حوله كانت العربات الفارهة، وسيارات الأجرة تعدو، وتفر بالليل، وبالهدوء، وبخطواته الرتيبة فوق طبقة الإسفلت التي انعكست عليها أضواء الليل فبدت كالآل!
ابتلع ابتسامة ساخرة.. وهمس:
ـ أنت أيتها الراحة... مثل طبقة الإسفلت فوق شوارع ((جدة)) تفترشين نفوسنا، وتمر فوقك اشياؤنا راكضة.. ثم لا تلبث تلك الأشياء أن تهتز فوق نتوءاتك وتسقط أو تتخلخل!
تشبيه سخيف، وقاصر!
ـ أعرف ذلك.. لكن أقرع كل ليلة جدار الزمن، فلا يأتيني صدى!
وصرخت في سمعه صفارة الحارس الليلي وارتجف.
ـ ها هي حالتي النفسية.. تماماً كما طقس مدينة ((جدة)).. يأتي شتاؤها كومضة الفلاش. بمجرد أن تهدأ نفسيتي وأبحث لها عن الدفء.. يخترقها الصيف.. تتحول إلى حرائق. ولفح مستمر من هجير قائظ!!
كل الأمثلة رديئة. ما أتعس الذين يبحثون لأفكارهم عن أمثلة!!
الشوارع خالية.. حتى الإضاءة فيها ناعسة.
وتطلَّع أمامه يحادث هذا الشارع الطويل الجميل.. شارع ((المطار)). قبل أسبوع كان يفكر أن يذهب إلى مكتب الخطوط ليشتري تذكرة.. يسافر بها إلى القاهرة. بعد أسبوعين سيقفل أدراج مكتبه، ويودع زملاءه ليستمتع بشهر كامل!!
ـ هأ.. هأ.. هأ. قال إجازة.. قال!!
يا لقرارة البئر!!
سيذهب ((المرتب)) كله في الرحلة، والشهر القادم لن يدفع إيجار الشقة، وتقسيط السيارة. لعنة الله على كل ماركات السيارات.. لم تكمل العام عنده إلا وبدأت تخرم جيبه. وهو إما ذاهب إلى شركة السيارة، أو عائد منها. وهذه الليلة بدون سيارة، فهي في الورشة، لكن المشي في هذا الوقت ممتع.. إنه يسمع صوت نفسه. وقع أقدامه هذه هي متاعبه، وأحلامه، وتحدياته، وانفعالاته، وراحته!
يوم السبت قالت له أمه: لقد تعبت من هذا البيت. أنت تعمل إلى منتصف الليل وتعود تطلب عشاء، وأخوك يصحو من أذان الفجر ويطلب إفطاراً ليذهب إلى المدرسة، وأبوك مات من سنوات مرتاحاً بالموت.. مخلفاً لي كل العذاب، وعليك أن تتزوج.. لتأتي لي بمن يساعدني في البيت، أو على الأقل ليؤنسني!!
ـ تؤنسها!.. ها.. ستحيلان البيت إلى فريقين من فرق كرة القدم.. فأما أن أكون مع أمي، أو أكون مع زوجتي. وإذا اتحد الفريقان فسيقومان بمباراة المنتخب!!
ـ بلاش وجع دماغ. البنت هنا تطلب تأميم زوجها، وأهلها يطلبون شهر إفلاسه بعد الزواج!
ياه.. الواحد يسرح بشكل سريع.. من الإجازة.. إلى الزواج.. إلى.. إلى السيد المحترم رئيس الإدارة.. يطلب منك أن تعمل حتى في البيت، وفي نهاية الشهر يقدم فيك شكوى إلى رئيسه الأعلى!!
يا الله.. كل شيء.. هو لا شيء!!
حتى ((رشا)).. نعم حتى الأنثى التي أحبها تريد أن تختصر الزمان بالغضب!
إن الناس اليوم يختصرون الزمان بالغضب، ولذلك ارتفعت نسبة الموت بالجلطة وبانسداد الشرايين. العلماء يقولون إنه الغضب، وأنا أقول لـ ((رشا)) لا تحبيني وأنت غاضبة.. لكنها تريد أن تختصر الزمان!
حتى ((رشا)) قالت لي أمس: أنت رجل لا مبالٍ. أنت تحبني عندما تراني، وتنساني عندما أغيب عن رؤيتك. لقد أقفلت السماعة في وجهي بعد أن قالت:
ـ أثبت لي أنك لا تحب غيري لأعطيك كل حبي!
أثبت لها.. ها!!
قلت لها: لا أستطيع أن أثبت لك مادياً، وبشكل ملموس كيف أنني أحبك بجنون.. كذلك لا تستطيعين أنت أن تثبتي لي أنني أخونك لتبرير غيابك!
في الحب.. لا إثبات وإنما إحساس.
مرت ساعات النهار والليل، و ((رشا)) تنتظر الإثبات، وأنا أنتظر النفي!
كيف ننفي أحاسيسنا عنا.. كيف نشردها في اللامبالاة، وفي الإسقاط؟!
((رشا)) كل شيء.. وهي تبحث عن اللاشيء!
والعمر كل شيء.. ونهدره في اللاشيء!
فكرت أن أتزوجها. هذا شيء صعب، فكيف أحولها من حركة إلى ((لزقة))؟!
النساء يفكرن بجاذبيتهن.. أما الرجال فإن أفكارهم تتعطل عندما يفكر النساء!!
* * *
الليل جذاب.. ما أروع أن تكون فيه وحدك لا مبالياً!
لماذا نلغي بعض أفكارنا؟!
ليس لأننا استغنينا عنها، أو لأننا فشلنا في تجسيدها. نلغيها لأنها تضيع في زحمة أفكار جديدة!
هذه نكتة تعيسة. لكن أفكارنا أحياناً تبدو أكثر تعاسة. مثلاً.. ماذا لو جاءت سيارة مسرعة تنهب الأرض هذه اللحظة، وطوتني بين عجلاتها؟!
حادثة.. وما أكثر الذين تدهسهم أفكارهم فيكون ألمهم أو مصابهم أفدح من دهس السيارة ومن الموت!
إنني أسير الآن.. وأفكاري تدهمني،..
وأخرج لساني للصمت، وللقمر، وللأسفلت المكسر، وللسيارات الفارهة المنطلقة بجنون.
لا فرق بين أن أخرج لها لساني وأنا أمشي، أو أخرج لها لساني وأنا فوق ((نقالة)) الإسعاف.. والوجوه تتطلع إلي قائلة: مات تحت عجلات سيارة!
لكن عندي قضية هامة..
إنني لا أفكر كيف أحيا.. بل كيف سأموت؟!
هل أنا مختل الشعور؟!.. إنني فقط مختل الجفنين.. إن أهدابي لا تني عن الرقص، وهكذا الناس عندما يتطلعون في انتظار المفاجأة..
قضيتي هي المفاجأة!!
عمري: ثلاثون عاماً.. وهي أعوام حافلة بالمفاجآت. مات أبي مفاجأة، وتركت دراستي مفاجأة، واشتغلت مفاجأة، وأحببت ((رشا)) مفاجأة، وعندما تنتهي ساعة من يومي.. أحس بعد انتهائها بمفاجأة.. بأن الساعة ذهبت وعملت فيها شيئاً لا أدريه، أو لا أريده أو لا أنتظره!
هذه خيابة النجابة!!
أردت أن أكون نجيباً.. فطارت النقطة من الحرف الثاني.. فاستمرت حياتي نحيباً. أحياناً أبكي لأنني ما بكيت خلال ساعات النهار وإذا بكيت ضحكت لأنني كنت أفكر في شيء.. هو لا شيء، فبعد الدموع يهون المصاب!
وكل شيء.. هو لا شيء!!
هل أنا أحكي حياتي؟!
أبداً.. إنني أحاول أن أخرج من بين زحام الناس، وأناديكم قائلاً:
ـ تعالوا.. لتشاهدوا معي ما أراه!
أكيد أننا نرى نفس الشيء بملايين العدسات وبألوان من الفهم!
رئيسي في العمل أعطيه الجريدة اليومية، وأشير له إلى خبر مكتوب فيها، ويلتفت إلي قائلاً:
ـ وماذا يعني؟! الاعتداءات الإسرائيلية، الرسائل الملغومة، الطائرات المختطفة. القنابل فوق لبنان. العرب يعقدون الاجتماعات. اليهود يقيمون مستعمرات. جديد نيكسون يراقص ((باتي)) ابتهاجاً بإعادة انتخابه. ما الجديد في الصحف؟!
وأتقلص، وأنزوي في ركن الغرفة أشعر بالسعادة.. لأنني اكتشفت إنساناً آخر مثلي لا مبالياً!
أمي في البيت توسع حدقتي عينيها وتقول لي: بلاش تبذير ومسخرة. فلوسك طائرة في الصياعة، والهدايا التي تقدمها لعروس المستقبل، روح السوق وشوف كم صار سعر السكر واشتر لنا أرزاً قبل أن يرتفع سعره، وهات معاك درزن صابون للغسيل، وروح سدد إيجار الشقة. أنت ولد مفلوت على حل شعرك!
و ((أخضرها)) أقبلها فوق جبينها وربت على كتفيها، وأذهب إلى السوق لابتاع زجاجة رائحة أقدمها لـ ((رشا))!
((رشا)) لا تريد هدايا.. إنها في كل مرة تقبلني فيها، وتهمس في أذني بعد - ديالوج - كنت مع مين، وعرفت مين، وتقول:
ـ أنا أريدك أنت وحدك. أريد الإنسان الذي يفكر في كل وقته، ويحلم معي بالمستقبل، أنت حتى الآن لم تشتر قطعة أرض من أجل أن تبني عليها ((فيلا)) تملكها!
مسخرة حياة.. لا أروع منها، ولا شيء يقرف مثلها!!
غداً سأشتري ((درزن)) صابون لأمي!
غداً - أيضاً - سأرى ((رشا)) رغم أنها أقفلت الخط في وجهي. لماذا نصدع رؤوسنا بالمناظرات، والمقايسات!!
غداً يوم جديد اسمه: طز!.. إنه كباقي الأيام تتأخر بنا وهي تتقدم!!
* * *
هذا باب ((الشقة)) سأدخل فيه المفتاح بهدوء، وأتسلل لئلا تصحو أمي، وتسمعني الموشح المعتاد. فلا بد أنها نامت متعبة بعد أن قرأت ((آية الكرسي)) مائة مرة كعادتها كل ليلة!
غرفة أمي مضيئة.. ماذا حدث؟!
هرولت فزعاً.. أنتظر المفاجأة الأخيرة في نهاية هذا اليوم!
أمي.. أمي.
ووجدتها تغط في نومها، وبين أصابعها مسبحتها ((الألفية)). لقد نامت قبل أن تطفئ النور!
وصعدت زفرة ارتياح. لا أريد أن تموت أمي.. حتى أستطيع أن أعود إلى البيت كل ليلة. إنها كل شيء.. في اللاشيء!
إنها محاصرة بمختلف الأمراض.. لكنني أريدها حتى وهي تتألم. المهم ألا يختفي صوتها،
هل هذا هو كل شيء!!
إنها تقول لي: أريدك أن تهتم بشيء واحد ولو مرة واحدة، لأشعر أن لك هدفاً. أن حياتك ذات معنى!
ما أطيبك يا أمي. هل ترضين أن تكوني معنى حياتي؟!
ستعيد صوتها وهي تجادلني بابتسامة وقور:
ـ يا ولد.. طيب و ((رشا))؟!
رشا حياتي، وأنت ((معنى)) حياتي!
وتقول لي: شوفوا الولد كيف يتكلم بخبث!
أطفأت نور الغرفة، وتسللت إلى الليل. لا أدري.. ما الذي جر خطواتي من جديد إلى الشوارع المضيئة.. الساكنة؟!
((رشا)) تملأ صدري.. كأنها ضفاف تمدني بالنبض..
أمي.. تحتل حدقتي.. كأنها بصر يهدي خطواتي..
ما أروع أن نحب!
عندما نحب لا نبالي. كنت أقول هذا لـ ((رشا))، وكانت تفهم العبارة على أنني لا أبالي بحبها!
وعندما نحب من لا يفهم؟!
كانت تقول لي لا تشتمني!!
يكاد الصباح أن يبزغ، هذه ليلة بلا خاتمة إنها غنية بكل أفكاري هذه التي جرحتني.. إنها بكل شيء مليئة في هذا العالم المتناهي في سباته.. في اللاشيء!
سيكون النوم - الآن - مطلباً غالياً.. بعد أربع ساعات سأذهب إلى العمل وإلا اقتطعوا من مرتبي في مقابل اللامبالاة!
سأغفو الآن قليلاً. إن أمي لن تتركني، إنها توقظني قبل موعد العمل بنصف ساعة. تحت جفني عالم رحب من الأحلام، وسوف أغازل أحلامي حتى يأخذني النوم!
* * *
باب غرفته يكاد يخلع.. ما هذا الطرق العنيف؟!
إنه صوت الولد العفريب الذاهب إلى المدرسة.. إنه يناديه بفزع:
ـ أخي.. أخي افتح.. استيقظ!
وهب مذعوراً يفتح الباب..
ـ ما الذي حدث؟!
ـ تعال بسرعة.. انظر. لقد جئت أوقظ أمي لتعد لي إفطاري فوجدتها لا تجيب.. أمنا ماتت.. ماتت!!
ماتت؟؟!
بعد ساعة.. الطبيب يقول: ماتت بالسكتة القلبية. كان قلبها كبيراً، ولذلك ماتت.
أصحاب القلوب الكبيرة يموتون بحزن بسيط!!
هل تنتهي الأحلام هكذا؟!
هل هذه بداية الحياة.. أم نهايتها؟!
ماتت.. وكل شيء.. هو لا شيء؟!
ستكون الحياة حزناً بسيطاً.. بسيطاً!!
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1251  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 26 من 545
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور محمد خير البقاعي

رفد المكتبة العربية بخمسة عشر مؤلفاً في النقد والفكر والترجمة.