شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الانبهار بالغرب.. عطل رؤية البنيويين
لا شك أن الفكرة الإسلامية في الإنتاج الأدبي والثقافي غدت ظاهرة من ظواهر الصحوة الإسلامية في العصر الحديث، فبالإضافة إلى التقدم الاجتماعي العربي في مجال الصحوة الدينية يتزامن الفكر والأدب والثقافة مع هذا التوجه الاجتماعي الإسلامي نحو الحياة الإسلامية في مختلف مجالاتها في العصر الراهن.
يفترض في الإبداع الأدبي - أياً كان مصدره - وبعيداً عن تحديد البيئة التي ينطلق منها أن يسعى للارتقاء بالإنسان إلى عوالم الروح وأن يعمل على تعميق الفضيلة في نفوس الناس بعيداً عن المباشرة التي تنقله من مجال الفن إلى مجالات أخرى أقرب إلى النثر منها إلى الشعر، لم يخلد الزمن أسماء من أمثال محمد إقبال، وفريد الدين العطار، وطاغور وشكسبير، لأنهم كانوا يوجهون أدبهم إلى اكتشاف الزوايا المظلمة من النفس الإنسانية بل على العكس من ذلك فإن أدبهم كتب له الخلود واكتسب سمات الذيوع والانتشار لأنه يحمل رؤية مشرقة لهذا الكون، وهذه الرؤية المشرقة لا تخرج عما يريده الإسلام من الأديب الذي ينتمي إلى دائرته فالقرآن ذمَّ من الشعر ما يعارض الفطرة الإلهية، وامتدح ما يتلاءم مع هذه الفطرة ويؤكد على وجودها.
على أنه لا يفوتني أن أذكر هنا أن معظم الإبداعات المشهورة في الأدب العالمي مثل ((الفردوس المفقود)) للشاعر الإنجليزي ((ملتون)) والكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي المعروف ((دانتي)) و (الأرض الخراب) للشاعر الأمريكي الأصل والإنجليزي الثقافة (ت.س. إليوت) هي أعمال تنطلق من رؤية دينية محضة. فالأخير على الرغم من تلقف شعراء الحداثة في العالم لأعماله فإنهم ينسون أو لربما يتناسون أن قصديته الذائعة الصيت في جميع مقاطعها على رؤية كاثوليكية محضة، ولهذا هاجمه الكتّاب العرب الماركسيون مثل د. لويس عوض، في كتابه المعروف ((في الأدب الإنجليزي الحديث)) فكأن واقع حالهم يقول: نريد أرضك ونرفض رؤيتك الدينية. والذي قادهم إلى ذلك كله هو تحمسهم للأيديولوجيا الخاصة بهم والمنطلقة من فراغ نفسي وخواء روحي، ورغبتهم في تعميم ذلك على جميع قراءاتهم للنصوص الأخرى واستنطاقهم لها بصورة تدعو في هذا السياق أن نشير إلى أن أعمال الروائي اليهودي الأصل والثقافة ((فرانز كافكا)) تنطلق هي الأخرى من رؤية دينية محضة وهذا ما أثبتته الدراسة التي نشرت في أكسفورد سنة 1985 بعنوان ((كافكا) يهوديته ورؤيته السياسية وأدبه)) ويقصد برؤيته السياسية كما تكشف عن تلك الدراسة، انخراط ((كافكا)) في النشاطات الصهيونية الداعية إلى إنشاء وطن قومي لليهود وتكريس كل أعماله الأدبية لهذا الواجب القومي - من وجهة نظر الكاتب نفسه - وخصوصاً أن اليهود كانوا في تلك الحقبة يعيشون في ((الغيتو)) وهو المجتمع المغلق الذي يسعى لتثبيت هويته الدينية والثقافية. ولعلّ السؤال يكون مشروعاً هنا: أليس أعمال ((أليوت)) و ((كافكا)) التزاماً واضحاً برؤية معينة لهذا الكون ويشكل الدين قاعدتها وبناءها الفني؟ فلماذا نستكثر على الشاعر المسلم أن يصدح في هذا الكون بأنشودة الحب الإلهي؟ ولماذا ننظر بشيء من الاستغراب لكاتب يحاول أن يرسم في قصة أو رواية عوالم الفضيلة وتجسيد مآثر الخلق القويم؟ لماذا نقبل من الأديب الغربي أعماله الأدبية المصطبغة برؤية دينية ونتهم الأديب المسلم في أعماله الملتزمة بأنه يسعى لوعظنا وإرشادنا؟ إنني أفضل أن يعظني أديب مسلم وأرفض وعظ الأديب الغربي الذي يريد تحت مسميات الفن والإبداع أن يقنعني بتوجهاته الدينية والفكرية، إنه تناقض غريب، حبذا لو وقفنا عنده وأثريناه بالحوار والمناقشة لأنهما السبيل الأمثل للوصول إلى الأهداف والمقاصد.
في رأيي أن الاستشراق انتهى من مهمته الأساسية وهي محاولته لاختراق الإِسلام من داخله بمعنى إنشاء مصداقية معينة لبعض الكتّاب المنتسبين إلى الإِسلام بهوياتهم، ألا ترى احتفاء جامعات الغرب بكاتب مثل (محمد أركون) الذي يدعو في كتابه المترجم عن الفرنسية ((الفكر العربي)) إلى التعامل مع القرآن كنص، بعيداً عن مصدره الإلهي وقدسيته الدينية؟
ثم فاجأنا د. نصر حامد أبو زيد بكتابه ((في مفهوم النص - دراسة في علوم القرآن)). حيث يسعى المؤلف في كتابه هذا إلى تطبيق بعض المذاهب الأدبية التي انتهت فاعليتها في الغرب نفسه - منذ أمد بعيد - مثل ((البنيوية)) على كتاب الله، وهم يسعون بهذا إلى استبعاد حقيقة الوحي الإلهي وهي الحقيقة التي يقوم عليها هذا الدين العظيم.
وما دام الأمر على هذا النحو الذي يتصوره هؤلاء الكتّاب فلماذا لا نعتبر كفار قريش مؤمنين؟ ألم يقروا ببلاغة القرآن وعدم قدرتهم على تحديه ولكن قلوبهم المغلقة رفضت الإيمان بأن هذا الكلام ليس كلام نبي الله - محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكنه كلام الله الذي خلق هذا الكون ومن فيه. ومن هنا كان ذلك الصراع الذي انتهى بانتصار الإيمان على الكفار، ومن هذا المنطلق الاستشراقي الجديد لن تكون مقولة (حسن حنفي) إن الوحي كان علمانياً قبل أن يجعله المسلمون دينياً، لن تكون هذه المقولة غريبة ما دمنا نعلم البواعث البغيضة والخفية الهدّامة وراءها، لقد تردد بعض من المستشرقين في السابق من الاقتراب من دائرة القرآن ولكنهم الآن سوف يغمر نفوسهم كثير من الغبطة لأنهم رأوا هدفهم الذي كانوا يتطلعون إليه منذ أمد بعيد وقد تحقق على أيدي بعض أبناء الأمة والذين نسأل الله لهم من الله الهداية في الوقت الذي نحذر من مغبة القول في كتاب الله بغير علم. وإن محاولة تطبيق ما هو بشري محض وقابل للتغيير من مناهج ونظريات على ما هو أزلي وثابت ولا يخضع للتغيير والتبديل هي محاولة مشبوهة تلتقي مع تلك الأهداف التي يسعى من ورائها أعداء ديننا الحنيف إلى الطعن فيه لأنه معجزة هذه الأمة وضياؤها الذي نستهدي به في جميع شؤون حياتهم وهم يريدون لهذه الأمة أن تعيش في الظلام فويل لهم مما يمكرون به.
في الوقت الذي يفتخر فيه بعض المنتمين إلى دائرة النقد العربي بأنهم هم أول من استعمل بعض النظريات الغربية كالتشريحية مثلاً في مقاربة نصوص عربية معينة نجد أن النقاد الذين ازدهرت على أيديهم بعض هذه المذاهب والنظريات التي يطلق عليها في الغرب مسمى ((الشكلانية)) نجدهم يتخلون بعد دراسة عميقة عن هذه المذاهب، ومنهم الناقد الفرنسي ((تودروف)) الذي كان له دور كبير في نشر المنهج البنيوي وإدخال نظرات الشكلانيين الروس إلى الساحة الفرنسية، فبعد انقضاء زمن على احتقار هذا الناقد لمعنى العمل الأدبي أو مضمونه لصالح العلاقات الشكلانية نجده يصدر أخيراً كتاباً بعنوان ((نقد النقد)) ويعلن كما يذكر الأستاذ هاشم صالح في مقالته المنشورة بصحيفة الحياة (12 أكتوبر 1990م) عن توبته عن الشكلانية والبنيوية ويقرر الاهتمام بمسائل أخرى أكثر جدوى، بل تأكيداً على خطأ موقفه الفكري السابق نجده يقول: ((الناقد ليس فقط تقنياً مختصاً بلعبة النص والكلمات واللغات وإنما هو أيضاً رجل مسؤول عن بحث مشكلة المعنى والقيم.
لقد كان تعامل بعض النقاد العرب مع المناهج الغربية تعاملاً آلياً حرفياً، وعلى الرغم من المبالغات التي تتسم به كتابات هؤلاء النقاد عن دورهم في تطوير النقد العربي عن طريق تطبيق هذه النظريات والمناهج التي وجدت أصلاً في سياق حضاري وفكري مختلف تماماً عن سياق النصوص التطبيقية.
عن إغراق هذه الفئة في الطرح المفاهيمي دون احتكام إلى دينامية اشتغال النصوص ومحاولة الكشف عن خصوصياتها وكذلك تغليب كفة التنظير دون طرح مردودية الوصف الشكلي لمظاهر الخطاب.
ويمكننا أن نقول إن الاشتغال بهذه المناهج يطرح مشاكل عدة منها:
ـ أن النص العربي له هويته المستقلة والمختلفة عن المنهج المستورد والنظرية الجاهلية التي وجدت أصلاً في إطار حضاري مختلف، كما أن هذه النظرية انبثقت الحاجة إليها في ذلك المجتمع نتيجة لبروز إبداع غربي له كذلك خصوصياته وتميزه.
ـ إن بعض المتحمسين مثلاً يُجَرِّمْ كل محاولة لربط النص بواقعه التاريخي وهذا أمر مخالف لأبسط قواعد تحليل العمل الأدبي فكيف يمكن مقاربة إبداع أدبي بفصله عن قائله، وقطعه عن كل خلفية تاريخية أو مؤثرات بيئية.
ـ إن بعض هؤلاء المغالين في جدوى هذه المناهج الأدبية لا يريدون لها أن تقتصر على مقاربة النصوص والأعمال الأدبية وكفى بل يريدون إخضاع جميع مناحي النشاط الإنساني في مجتمعاتنا لهذه المناهج وتفسير ذلك في ضوء ما توحيه هذه المناهج لهم. ويكفينا في هذا السياق أن واحداً منهم أرجع تخلفنا الحضاري كله للعامل اللغوي حيث أخفقنا من وجهة نظره من الاستفادة من الإمكانيات الهائلة الموجودة في المنهج الألسني، فهل يقول عاقل بهذا؟ إنها الرؤية المتسرعة، والحماس الذي يدخل في نطاق الأيديولوجيا، أو ربما هي صدمة الحضارة التي حفزت عند هؤلاء حاسة البحث عن كل غريب وشاذ.
العدد: 8946 - صحيفة المدينة
الثلاثاء: 6 جمادى الأولى 1412هـ
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1164  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 278 من 482
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذة الدكتورة عزيزة بنت عبد العزيز المانع

الأكاديمية والكاتبة والصحافية والأديبة المعروفة.