شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الفصل الأول: النّواحي الفكرية
(1) التغلغل الصهيوني في أوروبا: اتجاهاته وآثاره
إن يكن وعد ((بلفور)) بإنشاء وطن قومي لليهود قد حاز موافقة جماعية من ممثلي الأحزاب السياسية العاملة - آنذاك - في المملكة المتحدة البريطانية فإنه لم يعرف بصورة علنية - يومها - ذلك التعاطف الخاص الذي أبدته الحركة العمالية البريطانية تجاه طموحات الصهيونية العالمية قبل أن يصبح ذلك الوعد سياسة بارزة، يتبناها أولئك الذين يحرصون على كسب الرأي العام في مجتمعهم. لقد وافقت الحركة العمالية البريطانية في اجتماعها السنوي الذي عقدته في شهر ديسمبر من عام 1917م، وفي مدينة لندن، على البيان التالي:
(إن الحركة العمالية البريطانية تظهر رغبتها في تخليص أرض فلسطين من الحكم العثماني الغاشم! في سبيل إنشاء دولة حرة لأولئك اليهود الذين يرغبون في العودة إلى تلك الأرض، ولربما عمل ذلك على إنقاذهم من أي تدخل جنسي أو ديني) (1) ولم تكتف الحركة العمالية بإصدار هذا البيان الذي لم يراع عدلاً أو عرفاً، ولكنها قامت بعرضه على الاجتماع السنوي للأحزاب الاشتراكية والعمالية لدول الحلفاء في شهر فبراير من عام 1918م، ولقد قامت هذه الأحزاب بتبنيه دون نقاش أو معارضة. إن الوعود التي قدمتها الحركة العمالية قد اقترنت بالتطبيق الفعلي كلما تمكّنت الأولى من الوصول إلى مجال السلطة التنفيذية. لقد حدث هذا مثلاً عندما تكوّنت ثاني حكومة أقلية عمالية بالمملكة المتحدة في عام 1929م، وبقيادة ((رامزي ماكدونالد)). وقد قام هذا الأخير بانتزاع أمر الشؤُون الفلسطينية من يد وزير حربيته ((سيدني ويب)) وتسليمها للجنة وزارية خاصة أعطيت كامل السلطة في مناقشة الأمر مع لجنة من الوكالة اليهودية. ولقد قامت اللجنتان بكتابة رسالة طويلة للدكتور ((وايزمان)) ثم قام رئيس الوزراء - آنذاك - ((ماكدونالد)) في عام 1931م بتوقيع هذه الرسالة التي اعتبرت فسخاً لما يسمى بالورقة البيضاء. وتتمثل أهمية هذه الرسالة في السماح للهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين أن تصل إلى معدل أربعين ألف مهاجر لعام 1934م، واثنين وستين ألف مهاجر لعام 1935م، ويعلق ((وايزمان)) على هذا الأمر بقوله ((إنها مسألة كانت تعتبر ضرباً من الحلم في عام 1930)) ولقد تمكنت الحركة الصهيونية العمالية خلال الفترة الزمنية 1930 - 1940، من تقوية مواقعها تدريجياً داخل الحركة العمالية البريطانية حتى استطاعت في نهاية الأمر أن تكون مؤثراً فعّالاً في المسارات التي تنتهجها هذه الحركة، ويمكن التدليل على هذا التغلغل الرهيب من خلال فقرات القرار الذي اتخذته اللجنة التنفيذية لحزب العمال في عام 1944م، ثم تبناه الحزب في اجتماعه السنوي ((حقاً إن فلسطين قضية، وانطلاقاً من مبادئ إنسانية فلا بد من دعم: استقرار دائم وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تحول سكاني؛ شجعوا العرب على الهجرة من الأرض، ودعوا اليهود تستقر فيها وعلى هذا الأساس فلا بد من تنظيم ذكيّ للهجرة العربية حتى تستقر في موطن آخر، يجب علينا ألا ندع العرب يقفون في وجه اليهود الذين يتطلعون إلى الاستقرار في هذا الجزء من فلسطين، كما يجب علينا مناقشة إمكانية مشروع ضم بعض الأراضي العربية الأخرى من الدول المجاورة لتصبح جزءاً من فلسطين) (2) .
هذه فقرات من ذلك القرار الذي لم يراع فيه أبسط القواعد الإنسانية التي تحكم العلاقات بين الأمم والشعوب، والأدهى من ذلك أن لغته ومضمونه يكشفان بوضوح عن تطرف مشين، وتعصب مقيت لصالح الحركة الصهيونية التي شعرت بأن قراراً كهذا ذهب إلى أبعد مما يمكن توقعه من روّاد الحركة العمالية والذين تجاوزوا في حماسهم الصهيوني ذلك الحماس الذي يمكن أن يبرزه اليهود أنفسهم تجاه قضيتهم، ولكن هذا القرار غير الإنساني كانت له آثاره السيئة فيما بعد على الشعب الفلسطيني الأعزل الذي لم تؤخذ حقوقه التاريخية وتطلعاته الإنسانية في اعتبارات أولئك الساسة الذين نصبوا أنفسهم حكاماً في قضية لا يعلمون من حيثياتها وحقائقها شيئاً، بل لم يبذلوا أي جهد في سماع وجهة النظر الأخرى وهم الذين ينتسبون إلى منظمة تدعي في جملة ادعاءاتها الباطلة وقوفها إلى جانب الشعوب المقهورة والعمل على نشر مبادئ الخير والعدالة، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو سر هذا الحماس المفرط والتعصبُ الأعمى للحركة الصهيونية من قبل الحركة العمالية البريطانية؟ والإجابة تأتي من بعض الباحثين: إنه الولاء المزدوج الذي وجد عند بعض رجال السياسة والفكر الأوروبي، ذلك الولاء الذي نجحت الحركة الصهيونية في استثماره لخدمة قضاياها وتوجيهه وجهة غير إنسانية، وسوف نتبع - إن شاء الله - في الحلقات القادمة هذا التيار الخطير وآثاره مدعمين ذلك ببعض الآثار الفكرية والشواهد التاريخية.
(2) التغلغل الصهيوني في أوروبا:اتجاهاته وآثاره
لقد أشرنا في المقالة السابقة إلى قضية ما يسمى بـ (الولاء المزدوج) عند بعض ساسة ومفكري العالم الأوروبي تجاه الحركة الصهيونية هذا الولاء هو القاعدة القوية التي تعتمد عليها هذه الحركة العنصرية في كل سياساتها التعسفية والعدوانية التي تنتهجها، ولقد حمل أعباء هذا الولاء أول ما حمله نفر من أعضاء الحركات العمالية في العالم الغربي، يأتي في مقدمتهم شخصيات من الحركة العمالية البريطانية، ولهذا فإنه ليس من المستغرب أن نجد السفاح الصهيوني (مناحم بيجين) يصور في مذكراته مقدار الثقة التي توليها الحركة الصهيونية العالمية للحركة العمالية البريطانية عندما استطاعت الأخيرة الوصول إلى سدة الحكم بأغلبية ساحقة في انتخابات عام 1945م، يقول ذلك الإرهابي: ((ولهذا هبت عاصفة من الفرح في الأوساط اليهودية عند وصول الأنباء بسقوط تشرشل وإيدن في الانتخابات.. ولقد عزا المتفائلون ابتهاجهم وتفاؤلهم إلى الصداقة التقليدية التي تربط الصهيونية العالمية بحزب العمال البريطاني (3) .
ولقد تسربت جهود الحركة الصهيونية بعد هذه الانتخابات إلى أعماق الحركة العمالية البريطانية، بل استطاعت أن تحكم سيطرتها على لجنة السلطة التنفيذية للحركة نفسها بالعمل على ترشيح أحد المتطرفين في تأييد الصهيونية ليكون رئيساً لهذه اللجنة بين عامي 1945 - 1946م وهو البروفيسور ((هارولدلسكي)) الذي أعلن بصراحة أنه يحاول تنظيم جبهة معارضة لرئيس الوزراء - آنذاك - ((كليمنت إتلي)) ووزير خارجيته ((إيرنيست بيفين))، وذلك - على حد تعبيره - لخيانتهما للمطالب اليهودية.
ولم يسلم ((بيفين))، الذي لم يكن بحال من الأحوال عدواً لليهودية أو الصهيونية من هجوم متتابع شنته عليه الحركة الصهيونية، حتى بعد وفاته، ولقد حدث هذا في سبتمبر عام 1970م، وفي الاحتفال الذي أقامته الجمعية الصهيونية التابعة للحركة العمالية بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيسها (4) وعلى مسمع من رئيس الحزب ((هارولد ويلسون)) صاحب الولاء المطلق للدولة العنصرية الصهيونية، لقد تولى هذا الهجوم على ((بيفين)) عضو من أعضاء الحركة العمالية يدعى ((إين بيكاردو)) (5) ولم يزد على أن ردد نفس التهمة التي حاول ((لسكي)) من قبل إلصاقها ب ((بيفين)) ولعلّه من الطبيعي أن نتساءل إذا لم يكن ((بيفين)) في حقيقة أمره عدواً للصهيونية أو ((اليهودية)) فلماذا هذا الهجوم العنيف عليه من الحركة الصهيونية؟
إن الإجابة يمكن اختصارها في أن هذا الرجل لا يحمل في شخصيته ما يسمى بـ (ازدواجية الولاء) تلك العقيدة التي تسعى الصهيونية في أن تنشئ عليها أولئك الذين يفترض فيهم صنع القرار السياسي والفكري، ولا تكتفي الصهيونية في أن تصاب هذه الشخصيات المعنية بهذا المرض المخيف وهو الانشطار في الولاء بين المجتمعات التي تنتمي إليها والحركة الصهيونية، بل تتطلع وتعمل على أن تكون الأولوية في هذا الولاء من حق الدولة العنصرية الصهيونية، وذلك بلاء عظيم وشر مخيف.
(3)التغلغل الصهيوني في أوروبا: اتجاهاته وآثاره
إن المواجهة الحضارية بين الإسلام، كونه ديناً أثبت على مر العصور التاريخية عدالته وسماحته في التعامل مع الشعوب والأديان الأخرى، وبين الحركة الصهيونية التي تستخدمُ في الظاهر أساليب برَّاقة ومخفيةً كلَّ الأساليب الملتوية في سبيل فرض تعاليمها العنصرية على نماذج مختلفة من الناس، لقد استطاعت الصهيونية منذ تأسيسها على يد ((تيودور هيرتزل)) في عام 1897م أن تسخر الكثير من الشخصيات الأوروبية التي كانت خائرة بحكم طبيعتها أو أنه اعتراها شيء من الخور عندما تسلطت عليها القوى الصهيونية نفسها، فإذا بتلك الشخصيات التي يفترض فيها التبصر والحكمة تحيد عن الشعب البريطاني وعندما زار ((ويلسون)) القدس المحتلة في 27 ديسمبر من عام 1972م وكان يومها زعيماً للحزب المعارض تحدث مندداً بتأييد الحكومة البريطانية للقرار الجماعي الذي اتخذته هيئة الأمم المتحدة في الثامن من ديسمبر من العام نفسه والذي دعا الصهيونية إلى الالتزام بمبدأ عدم ضم الأراضي المحتلة بالقوة وإن احترام حقوق الفلسطينيين عامل هام في قيام سلام عادل في الشرق الأوسط وطلب منها الكف عن الأساليب الرامية إلى تغيير البناء الديموغرافي والملامح الطبيعية للأراضي العربية المحتلة.. ولقد كانت لويلسون هذا مواقف أخرى أثبتت فيها مناصرته للصهيونية دون منطق أو مناقشة متناسياً أن المنبر العمالي الذي اعتلاه يؤكد بالقول فقط وقوفه في وجه الحركات العنصرية التي تظلم الشعوب وتسلبهم حقوقهم. وهل من حركة في العالم تتمثل فيها الخصائص العنصرية مثل تمثلها في الصهيونية؟ إنه موقف شاذ وغريب ولكن هناك مواقف أكثر شذوذاً وأعظم غرابة سوف نتتبعها في هذه الدراسة - والله ولي التوفيق.
(1) من ملامح التأثير الصهيوني في الفكر الأوروبي
لئن تمكّنت الصهيونية في العصر الحديث من تنفيذ بعض مبادئها الفاشية في التنكيل بالشعب الفلسطيني المسلم الذي صادرت أرضه وسلبت حقوقه، وزجت بشبابه في السجون، وتعقبت أنصاره في كل أنحاء العالم لتقتلهم حيث تجدهم فإنها لم تفعل ذلك إلا لأنها تعلم علماً لا يساوره شك في أنها لن تتمكن يوماً من مسح الشخصية العربية والإسلامية، أو إحكام السيطرة عليها فكرياً ونفسياً.
إلا أنها تستطيع التسلل إلى بعض المجتمعات الأوروبية فتتخير صفوتها ثم لا تلبث أن تتعهد هذه الصفوة بالرعاية وتبث فيها ما تعتقده من مبادئ وأنها لتختار وسائل جذابة في عرض تلك المبادئ، فهي تعرف أن العقلية الأوروبية مأخوذة بما يسمى - افتراء - بالعدالة والمساواة في المجتمع، إذن فلترسخ مبادئها عن طريق تلك المفاهيم لا ضير عليها من بعد أن تكون الحقيقة نقيض ما حاولت عرضه أو الدعوة إليه.
ولقد كان لوجود اليهود داخل المجتمعات الأوروبية وتمتعهم بقدر كبير من النفوذ المالي والاجتماعي دوره في بث المبادئ الصهيونية بين كثير من أفراد المؤسسات السياسية والفكرية والأدبية المختلفة، والذين حرصت الصهيونية على ضمهم لحظيرتها الفكرية الموبوءة فمنحتهم عضوية دائمة في مؤسساتها فحققت لهم ما يصبون إليه من مكانة وشهرة، ولقد كان ذلك وحده كافياً في أن تتمتع الشخصية الصهيونية في الفكر والأدب الأوروبي الحديث بصورة أسطورية عجيبة تناقض تلك الصورة القديمة التي حاولت بعض الكتابات الأدبية إبراز مظاهرها السيئة من جشع وبخل كشخصية ((شيلوك)) في المسرحية المعروفة ((تاجر البندقية)) (6) للكاتب الإنجليزي ((وليم شكسبير)) 1564 - 1616م.
وهناك مجال فكري آخر يستطيع الباحث أن يدرك منه مدى الصلة الوثيقة بين بعض الشخصيات الأوروبية البارزة والفكر الصهيوني، بل ولا يعدم منه الشواهد على تواطؤ هذه الشخصيات - نفسها - مع الحركة الصهيونية في تحقيق مآربها الاستعمارية، وذلك المجال هو ما يعرف بـ (المذكرات الخاصة) التي يدوّن فيها أصحابها بكل تفصيل ما يجري في حياتهم الخاصة والرسمية من أحداث، وما يعتقدونه من رأي، وما يضطلعون به من دور.
وسوف نشير في الفصل التالي إلى بعض الأمثلة من هذه المذكرات، وهدفنا هو الكشف عن حقيقة التوجه الصهيوني في عدائه للأمة العربية والإسلامية، وتعرية أنصاره الذين كثيراً ما برزوا لنا في دور الصديق أو الناصح وظلوا هناك في الخفاء ينشدون تراتيل النصر لأبناء صهيون.
(2) من ملامح التأثير الصهيوني في الفكر الأوروبي
يعتبر المفكر أو الزعيم الأوروبي أن كتابة المذكرات اليومية واجب وطني يجب أن ينهض به ونشاط ثقافي له قراؤه الذين يدرسون من خلاله تاريخ أمتهم في حقبة زمنية معينة، كما يعكس هذا الفن الأدبي قدرة الكاتب على تحليل الأحداث الهامة التي عايشها و شارك في صنع قرارها بحكم مسؤولية أنيطت به، أو دور اجتماعي تطوّع لأدائه، وربما دعا بعض هؤلاء الرّواد من يثقون فيه من كتّاب أو محررين فزودوهم بالمعلومات والوثائق وعهدوا إليهم بكتابة أدق التفاصيل عن حياتهم العلمية والوظيفية، وما ارتبط بهذه الحياة من تجارب شخصية ربما تأرجحت بين القوة والضعف، والنجاح والفشل.
ومن أهم المذكرات الشخصية التي نستطيع أن نتبين من خلال جزئياتها مدى تأثر بعض المفكرين والكتّاب الأوروبيين بالفكر الصهيوني وحرصهم على الدفاع عن مؤسساته ودولته العنصرية، هي مذكرات الكاتب، والشاعر، والمنظر العمالي البريطاني (ريتشارد كروس مان) 1907 - 1974م الذي تخرج في الكلية الجديدة بجامعة أكسفورد، ثم أصبح واحداً من أشهر المحاضرين فيها، وكان موضوع محاضرته هو (ألمانيا والخطر النازي) مما أعطاه الفرصة ليصبح عميداً للكلية التي تخرج فيها. وفي عام 1945م انتقل إلى عالم الصحافة ليصبح محرراً في مجلة (رجل الدولة الجديد) إلا أن فوز حزب العمال البريطاني في انتخابات 1964م هيأ له الفرصة ليصبح أحد أعضاء هذه الحكومة التي استمرت إلى نهاية عام 1970م وعاد ((كروس مان)) في عام 1972 ليتولى رئاسة تحرير المجلة التي كان أحد أفراد تحريرها من قبل لمدة تقرب عقدين من الزمن.
لقد اقترن ((كروس مان)) في مطلع حياته بامرأة يهودية وربما كان لهذا الاقتران أثره البالغ في الاتجاه الصهيوني الذي التزم به، فلقد اعترف في أواخر حياته ((أن أعظم عمل قدمه خلال حياته العملية هو توجهه الصادق لخدمة الصهيونية)) (7) كما أشار في ثنايا مذكراته أنه كان يحرص على حضور اجتماعات الحركة الصهيونية وأن زملاء له من الحركة العمالية كانوا يشاطرونه هذا الحضور، ويصف لنا - أيضاً - كيف أنهم كانوا يتسابقون إلى إلقاء الخطب في هذه الاجتماعات، وربما أدى بهم هذا التسابق إلى التفاخر بالمستوى الذي استطاع كل فرد منهم الوصول إليه في تعصبه للحركة (8) .
ويشير كروس مان إلى موقفه الصريح من حرب 1967م العربية - الإسرائيلية ولا يرى داعياً لأن يخفي شعوره المناصر للدولة العنصرية الصهيونية باستقباله لبعض ممثليها الرسميين وفرحته بلقائهم في تلك الظروف الحرجة التي أحاطت بالحرب ونتائجها، وتكفي هذه الناحية الأخيرة للتدليل على الفكر الأهوج الذي كان يحمله هذا الرجل، فولاؤه للصهيونية لم يحمله فقط على إغفال وإلغاء وجهة النظر الأخرى في هذا الصراع ولكنه انحرف به إلى المسار الذي يفقد معه الشخص ولاءه لمجتمعه وحضارته، ليصبح واحداً من أولئك الذين تفخر الصهيونية بأنها سلبتهم عقولهم وأماتت ضمائرهم.
(3) من ملامح التأثير الصهيوني في الفكر الأوروبي
يتسابق اليوم زعماء ومفكرو العالم الأوروبي على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم في التعبير عن الولاء للحركة الصهيونية. ومن أمثلة ذلك التسابق حديثهم المزعوم عن الاضطهاد الذي يتعرض له اليهود في انحاء مختلفة من العالم. ولربما تضمنت أوراق العمل المشتركة بين زعماء بعض الدول الأوروبية ونظرائهم من الدول الأخرى التأكيد على حق الهجرة لتلك الأقليات اليهودية إلى ما يسمونه افتراء بـ (بأرض الميعاد) في الوقت الذي يتمتع فيه هؤلاء اليهود بامتيازات اقتصادية واجتماعية في معظم الدول التي يعيشون فيها لا يماثلهم فيها حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم المواطنين الأصليين لتلك البلاد.
إن هذا التسابق والدفاع عن الكيان الصهيوني له جذوره التاريخية والفكرية في المجتمعات الأوروبية وهو تيار مستمر ومتدفق منذ أن انبثقت الحركة الصهيونية إلى الوجود ونالت من الدعم الأوروبي ما لم تنله أي حركة أخرى في تاريخ الحضارة الإنسانية على الإطلاق. وإن الدارس لتاريخ الفكر الأوروبي ليصاب بخيبة أمل عندما يتمعن في بواعث تلك المواقف التي نهض فيها زعماء أوروبا أو مفكروها للدفاع عن الكيان الصهيوني الغاشم أو تحليل تلك الكتابات التي تكشف عن مدى إعجابهم المفرط ببعض الزعماء الصهاينة الذين كانوا يستغلون المجتمعات الأوروبية في تحقيق طموحاتهم السياسية والاجتماعية بينما تنطوي قلوبهم على حق دفين لهذه المجتمعات وشعوبها.
ولقد استشهدنا في الحلقة السابقة على مدى تأثير الفكر الصهيوني على بعض المفكرين الأوروبيين ومدى تعصب هؤلاء المفكرين لهذا الفكر وتحاملهم على الفكر الإسلامي والعربي. استشهدنا على ذلك بالكاتب ريتشارد كروس مان 1907 - 1974م والآن نأتي على زميل آخر له هو المفكر والمنظر العمالي مايكل فووت 1913 الذي درس الفلسفة والاقتصاد والسياسة في جامعة أكسفورد البريطانية ونال بعد ذلك مكانة مرموقة في الصحافة الإنجليزية حيث أصبح في عام 1943م رئيساً لتحرير صحيفة ((ستاندرد المسائية)) ثم انتقل إلى صحيفة ((تريبيون)). لإ أن طموحات طموحات ((فووت)) لم تقف به عند عالم الصحافة ولكن حملته في عام 1945م إلى مجلس العموم البريطاني ليكون ممثلاً عمالياً عن منطقة ((ديفين بورت)) (9) وبعد سلسلة من المناصب الهامة في هذا الحزب شغل فووت منصب نائب رئيس الحزب ثم رئيساً للحزب في عام 1980م حتى استقالته في عام 1983م بعد هزيمة الحزب في الانتخابات العامة.
عرف فووت بين زملائه بالقدرة على الحديث المؤثر في تلك الاجتماعات التي يقوم فيها خطيباً بحكم عمله الرسمي في حزب العمال حتى وصفه البعض بأنه كان أحد الذين تمكّنوا من السيطرة على اللغة الإنجليزية التي يصفها أهلها بأنها لغة غريبة. استغل فووت هذه المقدرة فسخرها في مطلع حياته للدفاع عن الإرهابيين اليهود الذين كانوا يرتبطون بمنظمة ((الهاغاناه)) (10) ، وهي منظمة سرية عسكرية ولقد ارتكبت أعمالاً إرهابية في فلسطين المحتلة في عهد الانتداب البريطاني مما دفع بالحكومة البريطانية لاعتقال بعض أعضاء المنظمة في عام 1946م.
سجل فووت على نفسه موقفاً سلبياً يتنافى مع أبسط القواعد المنطقية عندما دافع عن أعضاء هذه الوكالة اليهودية الإرهابية فدعاهم (بالرفقاء) الذين كان يرحب بهم حزب العمال عند حضورهم لاجتماعاته السنوية كما طالب الحكومة بإطلاق سراحهم دون مناقشة أو محاكمة.
(4) من ملامح التأثير الصهيوني في الفكر الأوروبي
لقد كشفت أيضاً بعض مؤلفات الكاتب ((مايكل فووت)) عن ميوله الصهيونية الحقيقية فلقد تحدث في كتابه (ديون التكريم) (11) عن شخصية الكاتب الروائي والزعيم اليهودي ((بنجامين دزرائيلي)) 1804 - 1881م الذي اعتبره الدارسون مبشراً بالتعاليم الصهيونية منذ أن ظهرت روايته المعروفة (الرُّؤى) عام 1833م (12) أي قبل حوالي خمسين عاماً من ظهور الصهيونية كحركةٍ سياسية.
يحاول ((فووت)) في مقالته التي ضمنها كتابه المذكور عن حياة ((دزرائيلي)) والتي اختار لها عنواناً مثيراً هو (المحافط الطيب) (13) والمحافظ هنا نسبة إلى حزب المحافظين، يحاول أن يجعل منه شخصية أسطورية تتسم بالصفات المثالية وتعتنق مبدأ التسامح الديني إلا أنه في المقالة نفسها يعرج على تمسك هذه الشخصية بتقاليدها اليهودية في كثير من القضايا ويخص منها المظهر واللباس وهي أمور يوليها الصهاينة من اليهود كثيراً من الاهتمام ولا يفرطون في شيء منها. وهذا التمسك الذي ربما رأى الكاتب فووت فيه جانباً مضيئاً من جوانب هذه الشخصية ينقض ما يحاول الكاتب نفسه وغيره من الكتّاب والمفكرين من بني جنسه التأكيد عليه - زوراً وبهتاناً - وهو أن أولئك اليهود الذين تسنموا أعلى المراكز في المجتمعات الأوروبية كانوا على قدر كبير من التسامح وسعة الأفق والابتعاد عن العنصرية. وهي دعوى لا تثبت أمام حقائق الماضي والحاضر معاً التي تبرهن على أن ولاءهم ينصرف دائماً على عقيدتهم الصهيونية التي تحرّم عليهم التمثل بتلك الصفات التي يحاول الآخرون - نفاقاً - أن يخصوهم بها دون غيرهم من شعوب الأرض وتلك مأساة من مآسي الفكر الأوروبي جديرة بالدراسة والتحليل.
من وسائل الحركة العنصرية الصهيونية
تتعدد الوسائل والطرق التي تحارب بها الحركة الصهيونية الإسلام وأهله وهي لم تكتف - في الوقت نفسه - بمواجهة العالم كله بهذه الوسائل الدنيئة التي تستخدمها وبتلك الطرق غير الإِنسانية التي تسلكها، بل إنها تحاول أن تضفي طابع الطهر والسلام على ما تقوم به من جرائم، وتعطيه صفة الشرعية التي يجب ألا تقهر أو تطاول، انطلاقاً من أن أي نقد يوجه للحركة الصهيونية هو ما يمكن إدراجه فيما يسمى بـ (بعداء السامية) ويمكن أن يؤدي بصاحبه إلى المحاكمة القضائية كما حدث للعالم المسلم الفرنسي ((رجاء جارودي)) عندما أصدر كتابه (ملف إسرائيل)، فقد تعرض للمحاكمة والتهديد والقتل. ولقد تسللت الصهيونية بهذا السلاح المخيف ((عداء السامية)) إلى أخطر سلاح في هذا العصر وهو الإعلام فتمكنت من السيطرة على مؤسساته وقنواته.. وهذا بدوره أدى إلى انخداع الإنسان الأوروبي الذي يتلقى معلوماته وثقافته عن طريق هذه المؤسسات، إلى انخداعه بتلك الصورة الزاهية التي رسمت أبعادها عن الصهيونية ودولتها، وما فتئت تكرر له القول في خبث ودهاء، إن هدفها الأساسي هو تحويل الصحراء الجرداء إلى جنات عدن التي سوف ينعم بها كل فرد بغض النظر عن دينه وعرقه. وإن هذا التحويل الاقتصادي يصاحبه تحويل آخر في تثقيف شعب هذه الأرض والانطلاق به إلى عوالم الحرية الفكرية، وهي أباطيل بدأت تتكشف لكل أولئك الذين لم تنطل عليهم الدعاوي الكاذبة واعتمدوا على تجاربهم الشخصية في الوصول إلى الحقيقة عن وضع الشعب الفلسطيني المكافح الذي يحرم من حقوقه في بناء المدارس والمستشفيات.. بل وتصادر ممتلكاته، ويمنع من الحصول على الأشياء اللازمة لحياته، هذا قليل من كثير عن معاناة هذا الشعب المسلم والعربي، الذي استطاع أن يتحسسه أحد أعضاء البرلمان البريطاني، كلير شورت وأشير إليه في مقال مقتضب في صحيفة ((الجارديان)) في عدده الصادر في اليوم السادس من شهر مارس 1986م.
لقد شُرِّد جزء كبير من هذا الشعب المناضل من الأرض التي سكنتها أجيال متلاحقة منه على مدى عشرات القرون، ثم لا يسمح له بالعودة إليها، ولقد أعلنت الصهيونية عن فشلها الذريع في تغيير هوية الشعب الفلسطيني الذي يعيش بعزة وكرامة فوق أرضه المحتلة لقد ظنت الصهيونية أن ما تسميه بعملية تحديث حياة الفلسطينيين سوف يدفع بولائهم لذلك الكيان غير الإِنساني الغاشم، فإذا بها تجد أن ذلك الولاء لا يذهب إلا للأرض التي أحبوها والتراث العربي الذي آمنوا به واعتنقوا مبادئه، لقد أصابها اليأس القاتل عندما تكشف لها أن الخطر الحقيقي على كيانها المتداعي يكمن في عقول أولئك المثقفين من الشباب الفلسطيني الذين يتعلمون اللغة العبرية ليستخدموها سلاحاً في نضالهم الطويل ضد وجودها غير الشرعي الذي تحاول أن تحميه من السقوط تلك القوى التي ارتضت لنفسها أن تكون في موضع العبد الذليل، لقد جاء التصريح عن هذه الحقائق المرة والتي تحاول الصهيونية إخفاءها عن مسمع العالم الذي خدعت بعض دوله بأكاذيبها، وصفقت أحياناً لبطشها، جاء ذلك التصريح على لسان الحاخام ((الصهيوني كاهانا)) والذي يؤمن بأن الدولة الصهيونية ما هي إلا دولة عنصرية ولهذا فهو يدعو لطرد السكان الأصليين من العرب أينما وجدوا داخل الأراضي المحتلة. ولقد أعلن أن دعوته هذه ما هي إلا نتيجة لحقيقة مؤلمة في نظره - وهي ((إنك لا تستطيع شراء العرب وهذا فقط في حد ذاته يدعوك أن تحترمهم)) بل ذهب إلى القول - كما نقلته عنه المجلة القومية البريطانية في عددها السادس والثلاثين فبراير 1986م - ((لو فكر أحد في أنه سوف يتمكن من شراء الكبرياء القومي لأولئك الذين نسميهم - غير المتعلمين - من العرب عن طريق تحديث حياتهم، فإن ذلك الشخص الذي عرض له مثل هذا التفكير يجد نفسه في وضع سيئ وبائس.
إن إعلان الصهيونية العنصرية عن فشلها الذريع في تغيير حقيقة الشعب الذي يؤمن بعدالة قضيته.. ولم يسمح لأحد أن يطال كرامته، هو الدليل الأكيد على أن القضية تعيش في قلوب أبنائها حية نضرة ترتوي من منابع الإيمان الخالد، وإن أبناء القضية والأرض هم أفراد أمة الإسلام والعروبة التي أمرها دينها الحنيف بأن تنبذ الظلم ولا تستسلم للعدوان.
النظامان العنصريان والغرب
يتعامل العالم الغربي ممثلاً في مؤسساته السياسية والإعلامية والاجتماعية مع النظامين العنصريين جنوب إفريقيا - سابقاً - وإسرائيل - حالياً - بنظرة يمكن وصفها بالازدواجية ومقياس يتناقض مع أحكام المنطق العلمي، فبينما كان يقوم بتوجيه النقد في كثير من المناسبات للممارسات العنصرية التي كانت تقوم بها حكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا نراه يحجم عن أي خطوة يمكن تفسيرها بأنها إدانة لما تقوم به السلطات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، لأن الغرب دأب - من منطلق ديني - على العمل على تثبيت نظرية وهمية عن الشعب اليهودي، وهي أنه: شعب مبرأ من الخطأ وأن ذلك ينسحب على دولته التي ظل العالم الغربي يتحدث عنها بمثالية رومانسية وهي مثالية بعيدة عن كل موازين الحق والحقيقة. وحتى ندلل على هذه الازدواجية الغربية في التعامل مع هذين النظامين العنصريين، يمكننا أن نوجز هنا أوجه الشبه بينهما:
كلا النظامين يعامل هيئة الأمم المتحدة بغطرسة، وعنجهية، وينتهك دوماً دستورها ولا يحترم قراراتها.
كل منهما يعمل على إظهار نفسه للدول الغربية بأنه يعمل على الحد من انتشار الفكر الشيوعي في منطقته، بينما هو في واقع الأمر يبارك هذه الأيديولوجية في الداخل والخارج.
يمثل نظام ((بريتوريا)) والنظام ((الإسرائيلي)) الدور الاستعماري الذي يتحكم في مصير شعوب مناطق تمكّن من احتلالها عن طريق الاغتصاب والقوة.
كلاهما لا يملك أي حق قانوني أو معنوي في المناطق التي احتلها اغتصاباً.
كلاهما يستعمل القوة العسكرية الوحشية عند تعامله مع شعوب هذه المناطق المحتلة.
بينما تقوم سلطات جنوب أفريقيا بتوطين السكان الأفارقة - في مناطق خاصة دون أن تعمل على إخراجهم من وطنهم، تقوم السلطات الصهيونية بترحيل السكان غير اليهود من منازلهم وإبعادهم عن وطنهم.
تنفرد الدولة الصهيونية بمنهجها العنصري الذي لا يشابهها فيه أحد، وهو أن غير اليهودي لا يحق له سكنى - فلسطين - حتى ولو كان ذلك الشخص مولوداً على أرضها وعاشت أسرته - من قبل - فيها لعدة قرون، مع أن اليهود بمختلف اتجاهاتهم لم يصلوا إلى قرار يحدد المقصود من كلمة يهودي.
يدافع الغرب عن الدولتين العنصريتين بأنهما استطاعتا أن تطورا الجوانب الاقتصادية بالرغم من وقوعهما بين دول غير صديقة تضمر العداء لهما. والغرب ينظر - فقط - إلى هذه الناحية متغافلاً عن الجوانب الأساسية وأهم هذه الجوانب أن قيامهما في دولتين هو قيام غير شرعي لا تقره الأعراف والقوانين الدولية التي تدعو الحكومات الغربية إلى المحافظة عليها وحمايتها من كل من يحاول الخروج عليها وهو منطق يبرز - أيضاً - تلك الازدواجية في السياسة الغربية عند تعاملها مع هاتين الدولتين العنصريتين بالقياس إلى التعامل مع الدول الإسلامية أو الأفريقية فهؤلاء الذين ينتمون إلى ما أطلق عليه في مصطلحاتهم السياسية - بالعالم الثالث - هم المصدر الوحيد للمتاعب والقلاقل، ولهذا نجدهم هدفاً لاتهامات الإعلام الغربي بقضية الإرهاب، أو انتهاك الأعراف، وستظل هذه النظرة سارية ما دام أن الغرب - لم يحاول ولو لمرة واحدة - أن يتخلص من نظرية السيطرة والفوقية التي هي العامل الحقيقي وراء المتاعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها هذا العالم الذي لن يصلحه إلا السلام المنبثق عن عدالة وحرية حقيقيتين:
بين الانتقام من النازية والانتصار للصهيونية
لقد أشرنا في المقالات السابقة من هذه الدراسة أن الحركة الصهيونية العالمية لا تترك وسيلة من الوسائل التي من شأنها أن تيسَر لها عملية السيطرة على العقلية الأوروبية إلا واستغلتها شر استغلال، وأنه لتأخذك الحيرة وأنت تقرأ ما تحاول القوى الصهيونية - أخيراً - أن تتشبث به من قضايا في سبيل التستر على تلك الجرائم التي ترتكبها ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني العربي المسلم ولكنها شملت أيضاً أولئك الأقوام الذين لم يناصبهم الإسلام العداء يوماً بسبب انتمائهم إلى عقيدة أخرى، إلا أن العداء والتنكيل جاءهم من أولئك الذين يطلقون على أنفسهم شعب الله المختار - زوراً وبهتاناً.
إن القضية التي يثيرها أنصار الصهيونية في الصحافة الأوروبية ويتناولونها بالدراسة والتحليل تعمداً منهم في إثارة الرعب ونشر الفتن في قضية التنكيل النازي لليهود، ومدى تواطؤ بعض الشعوب الأوروبية في التستر على نفر من أولئك الذين اشتركوا بطريق أو بآخر في قتل اليهود وتعذيبهم، وتدعي الصهيونية في جملة ادعاءاتها أن بعضاً من هؤلاء المتهمين استقروا منذ حوالي أربعين عاماً في البلاد التي هاجروا إليها، والصهيونية لا تكتفي بإثارة هذه المشكلة عن طريق أنصارها في الصحافة والإعلام ولكنها - في الوقت نفسه - تبعث ممثلين لها يطوفون هذه البلاد التي يقرنون مواقفها - بطريق غير مباشر - بمواقف الحركة النازية ولقد كونت الحركة الصهيونية لتتبع هذه القضية ما أسمته ب ((المركز الأمريكي لصيادي النازية)) ولقد تمكن هذا المركز الصهيوني من الاطلاع على سجلات الأمم المتحدة وعلى كثير من الوثائق التي تحتفظ بها الحكومات الأوروبية وكان من بينها وثائق لم تمض عليها المدة القانونية لنشر محتوياتها، بل إنها هددت أنه في حالة عدم قبول بعض هذه الدول بمبدأ التعاون معها في الكشف عن أولئك الذين وصفتهم بأعداء السامية وتمكينها من القبض عليهم ومحاكمتهم فإنها سوف تدفع بأنصارها في بعض البرلمانات الأوروبية إلى استخدام امتيازاتهم البرلمانية في تسمية هؤلاء الأشخاص (14) . إننا لا نريد أن نناقش هنا قضية التعذيب النازي لليهود، والتي بالغوا - أنفسهم - في وصفها، ورسموا حولها صوراً مضللة، بل وجعلوا من ذلك الوصف وتلك الصورة رمزاً فنياً في عالم السينما وأسطورة أدبية في الكتابة الشعرية والروائية، ولكن الذي يحسن بنا أن نلتفت إليه هو مدى حرص الصهيونية في تعقب أولئك الذين أبدوا أو يبدون عداء لتعاليمها الجائرة، ثم قدرتها على استعمال الوسائل غير القانونية في سبيل دعم مواقفها الفكرية في المجتمعات الأخرى، ولعلّ الإعلام العربي والإسلامي يتمكن من إيجاد خطة شاملة تهدف إلى توعية شعوبنا بحقيقة ما ترمي إليه المخططات الصهيونية، ثم فتح قنوات للحوار والمناقشة مع الشعوب الأخرى عن الخطر الصهيوني الذي يريد أن يكتسح كل شعوب هذه الأرض في سبيل أن تكون له السيطرة والمنعة إنه الخطر الذي فاق بمساوئه الظاهرة والخفية ذلك الخطر النازي الذي لا تفتأ الصهيونية في هذه الأيام بوصفه بكل ما هو سيّئ (15) . ولعلّها نسيت أن الأسوأ منه هو ما تبثه من رعب وتدعو إليه من باطل.
مواقف للإنجليز وأخرى لليهود
تتعدد الوسائل التي يستخدمها اللوبي الصهيوني في العالم الغربي لقلب الموازين لصالحه عندما يستشعر خطراً على كيان الدولة الصهيونية، حتى لو كان ذلك الخطر لا يتعدى مجرد التصريح الكلامي غير المصحوب بقرار سياسي يدعمه أو يجعله موضع التنفيذ، ومن ضمن وسائله في بريطانيا مثلاً.. اتهام موظفي وزارة خارجيتهم بأنهم (Arabists) أي ((مستعربون)) وهي نسبة إلى مدرسة اللغة العربية التي أنشأتها بريطانيا في عام 1941م في مدينة القدس لتدريس بعض الدبلوماسيين مواد اللغة الثقافية العربية. وقد أنشأ الإنجليز هذه المدرسة قبل الحرب العالمية الثانية لشعورهم بالحاجة إلى تحدث اللغة العربية، إضافة إلى أهداف أخرى كانت تمليها النظرة الاستعمارية - آنذاك - إلا أن أحداث تفجير فندق الملك داود في عام 1946 على أيدي عصابة الأرجون الصهيونية التي كان من زعمائها الإرهابيان ((بيجين وشامير)) دفعت الحكومة البريطانية لنقل المدرسة مؤقتاً إلى الأردن، ثم استقرت أخيراً في عام 1947م في منطقة ((شيملان)) في لبنان.. واستمرت كذلك حتى إغلاقها في عام 1976 بسبب المتاعب التي واجهها بعض المنتسبين إلى المدرسة وخصوصاً أثناء حرب حزيران في عام 1967م عندما كانت الحكومة العمالية البريطانية بزعامة ((هارولد ويلسون)) في موقف انحيازي كامل للدولة الصهيونية، وعندما فاز حزب المحافظين في عام 1970م بقيادة ((إدوارد هيث)) أعلن وزير خارجيته ((السير اليس دوقلس هوم)) برنامج حكومته حيال قضية الشرق الأوسط، وهو برنامج يؤكد على الحقوق الفلسطينية في أي تسوية سلمية تشهدها المنطقة، ذلك البرنامج وجد فيه المتعاطفون مع الصهيونية خروجاً على السياسة التقليدية البريطانية التي شهدتها فترة الستينات الميلادية تحت تأثيرات ((ويلسون)) ومستشاريه من اليهود أو من الإنجليز ذوي النزعة الصهيونية.
ولقد كانت شكوك هؤلاء المتعاطفين في محلها، فعند قيام حرب أكتوبر واتحاد الأمة العربية في مواجهة إسرائيل رفضت حكومة ((هيث)) إمداد إسرائيل بالسلاح كما رفضت السماح للطائرات الأمريكية بالتزود من الوقود في أراضيها في حالة اضطرارها للهبوط في المطارات البريطانية وهو موقف استقلالي يعد من حسنات ذلك الزعيم البريطاني القوي الذي لم يمهله اليهود طويلاً، فتألبوا ضده. وأسقطوا حكومته في عام 1974م ليشكل ((ويلسون)) من جديد حكومته العمالية الثالثة.
وعندما جاء المحافظون إلى الحكم في عام 1979م كان من ضمن وزراء تلك الحكومة اللورد ((بيتير كارنجتون)) والذي كان من قبل وزيراً للدفاع في حكومة ((هيث)) السابقة وأحس اليهود بتوجه ((كارنجتون)) في أقواله لصالح الفلسطينيين فلم يمهلوه هو الآخر، لقد دبروا تورط بريطانيا في حرب خطيرة مع الأرجنتين واستقال ((كارنجتون)) في عام 1982م بسبب أزمة تلك الحرب ليخلفه زعيم مجلس العموم فرانسيس بيم، وكانت غلطة هذا الأخير أنه قال ((لا)) للغزو الإسرائيلي للبنان واليهود يريدون - دوماً - من العالم الغربي ((نعم)) ولم يعمر ((بيم)) في منصب وزير الخارجية طويلاً ففي أول تشكيل وزاري بعد فوز حزب المحافظين للمرة الثانية في عام 1983م تم استبداله بـ ((السير جيفري هاو)) وقد حاولت إسرائيل الضغط على ((هاو)) ليرفع حظر بيع السلاح لإسرائيل والذي فرضته بريطانيا عليها أثناء غزو لبنان، ولكنها لم تفلح في ذلك على الرغم من العلاقات الودية التي تربط الحكومة المحلية ببعض زعماء حزب العمل الإسرائيلي.
وفي الزيارة الأخيرة التي قام بها ((ديفيد ميللر)) الوزير بوزارة الخارجية البريطانية، إلى الأراضي العربية المحتلة، وخصوصاً إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث شاهد بنفسه حقيقة الأوضاع السيئة التي يعيشها هؤلاء اللاجئون لأكثر من عشرين عاماً وكانت لحظة من اللحظات التي لم يتمالك الوزير فيها نفسه لقد أنساه الشعور الإنساني المتجرد كل تحفظ دبلوماسي يمليه تاريخ العلاقة بين بريطانيا ودولة الكيان الصهيوني، فذهب يصف السياسة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية بأنها غير إنسانية وتصيب بالإحباط، وأنها سوف تتسبب في وحشية أكثر وسوف تقود إلى كثير من المشكلات المستعصية في المستقبل.
لقد تكلم الرجل الإنجليزي وهم يتطلبون في هذه المواقف ألا يتكلم الشخص بالعاطفة الإنسانية، ولكن بالمنطق الصهيوني الذي لا يعترف إلا بالقوة الوحشية يريدون منه أن يستحسن قتل النساء والشيوخ وسجن الأطفال لجريمة حمل الحجارة يريدون منه أن يهنئهم على مدى قدرتهم في تطبيق الأحكام العسكرية والقوانين العنصرية، في أرض لا يملكون فيها أي حق شرعي أو معنوي وضد شعب لا يدين لهم بطاعة أو ولاء، فكان هجومهم على ((ميللر)) عنيفاً، لقد وصفه ((رابين)) وزير الدفاع الإسرائيلي بأنه غر صغير يحسن كثرة الكلام. أما رئيس الدولة ((تشيم هبرزوج)) الإيرلندي اليهودي الذي عاشت أسرته في الأراضي البريطانية، فاكتسب بذلك أحقية التدريب في الجيش البريطاني، ثم أعلن انسلاخه وتنكره، فلم يسلم ((ميللر)) أيضاً من هجومه. وفي ذلك دلالة كبيرة على مدى تنكر اليهود للذين يحسنون إليهم حتى حفل الغداء الذي كان مقرراً أن يقيمه له بعض أعضاء الحكومة ألغوه لأن نفوسهم لن تطيب من الحقد الذي يملؤها، والغطرسة التي تتظاهر بها. ولم يمنع هذا كله (ميللر) من أن يقول ((إن الإسرائيليين دوماً ينبذون كل من يحاول رفع صوته ولو قليلاً)).
لم يبد ((ميللر)) ندماً على أقواله، بل وجد تشجيعاً وتجاوباً من مجلس العموم البريطاني عندما تحدث بكل صراحة عن أحداث زيارته ولكن الصحف ذات الاتجاه الصهيوني عادت لتصفه بأنه ((مستعرب)) وأن ذلك سوف يكلفه كثيراً ولعلّهم يعنون أن الشخصية التي يتوقع لها أن تشغل منصب وزير الخارجية البريطانية بعد أمد ليس ببعيد سوف تأخذ ((ميللر)) بشدة اليهود الذين يعيشون في بلاد الغرب ولكنهم يدينون بالولاء للكيان الصهيوني، انتظروا قليلاً فإنهم يتحدثون عن وزير خارجية جديد يهودي الأصل والنزعة.
النجوم اليهودية الصاعدة في السياسة الأوروبية
تفتقر صحافتنا الإسلامية والعربية إلى المعلومات الدقيقة والمنظمة عن الشخصيات اليهودية ذات الاتجاه الصهيوني والطموح السياسي والتي تتخذ من المجتمعات الأوروبية منطلقاً لتحقيق المصالح الخاصة بالكيان الصهيوني.
وتكتسب دراسة هذه الشخصيات أو التنبيه إلى أنشطتها أهمية خاصة في موضوع صراعنا الحضاري مع الحركة الصهيونية فلا يستطيع أحد أن يجادل في أن قيام الكيان الصهيوني كان نتيجة لجهود افراد متميزين ينتمون إلى المجتمع اليهودي في بريطانيا والذي تعود نشأته إلى سنة 1656م ويتوزع بنسب مختلفة بين مناطق كينت، مانشستر، ليفربول، ليدز، سندرلاند، إيرلندا.
ومما يميز هذه الشخصيات في كثير من الأحيان حضورها الدائم بين أفرد المجتمع البريطاني ويقترن عادة بهذا الحضور تقنص هذه الشخصيات لصفات إنسانية نادرة يتطلع إلى تحقيقها هذا المجتمع الذي تمكنت من نفوس أفراده صفات مادية منها الأنانية وفقدان الرحمة والتعاطف.
ولا يقتصر ذلك الدور المنظم الذي تستخدمه هذه الشخصيات اليهودية في التأثير على أفراد المجتمع البريطاني وحده فلربما كان من ضحاياه عدد من أولئك المهاجرين من دول إسلامية وأفريقية أخرى، والذين يتطلعون إلى حياة آمنة ومستقرة في مجتمع لا يعرفون من قوانينه وشؤونه إلا النزر اليسير الذي لا يفي بتثبيت الحقوق المشروعة الخاصة بهم والمترتبة على وجودهم في هذا المجتمع.
ومن بين الشخصيات العديدة التي تقوم بتمثيل هذا الدور الخطير في المجتمع البريطاني شخصية النجم الصاعد في حكومة الظل العمالية ((جيرالد كوفمان)) وهو يهودي بولندي ينتمي إلى أسرة متعصبة ليهوديتها، فوالده يصر على اختيار أصدقائه من اليهود المتمسكين بحرفية تعاليم الديانة اليهودية كما اعترف بذلك كوفمان في مذكراته التي نشرها في لندن 1985م تحت عنوان ((حياتي في الشاشة الفضية)) My Life In The Silver Screen.
لقد تلقى كوفمان دراسته الأولى في مدينة ((لييدز)) ثم سلك طريقه إلى الحياة السياسية ليكون نائباً عمالياً في البرلمان البريطاني عام 1970م.
ولم يكتف هذا النجم اليهودي في أن يكون نائباً عادياً، فسرعان ما أصبح أحد أولئك الذين يعتمد عليهم الزعيم العمالي ((هارولد ويلسون)) في إعداد الخطب والكلمات التي تتطلبها المناسبات الخاصة والعامة، ثم شغل منصب المتحدث للشؤُون الداخلية في حكومة الظل العمالية منذ عام 1983م وفي التغيير الأخير الذي أحدثه زعيم المعارضة (نيل كينيك) بين أفراد فريقه السياسي نجد ((كوفمان)) يشغل أهم مركز فيه وهو الشؤون الخارجية والذي كان يشغله من قبلDenishealey أحد أقطاب السياسة البريطانية الذين عرفوا بتعاطفهم مع القضية الفلسطينية وانتقاداتهم العلنية في كثير من المناسبات للأساليب العنصرية التي تتبعها الحركة الصهيونية إزاء الشعب الفلسطيني.
ولنا أن نتساءل، ألم يأن للفرد المسلم والعربي - وهو المعني من قبل غيره في هذا الشأن - أن يطلع على الأساليب المنظمة التي تنتهجها الحركة الصهيونية في تحقيق مطامعها الكبيرة؟ ويرى ذلك الإخلاص الذي يتمتع به اليهود لدينهم ولغتهم وثقافتهم كما يشاهد التسامح الكبير الذي تبديه المجتمعات الأوروبية تجاه بعض أفراد المجتمع اليهودي الذين يجعلون من منابرهم السياسية وإعلامها وسيلة لتحقيق مطامعهم وترسيخ كيان دولتهم، في الوقت الذي تبدي فيه هذه الدول - نفسها - امتعاضاً ملموساً وكراهية مشاهدة تجاه المجتمعات المهاجرة الأخرى التي لا تتطلع إلى أكثر من تحقيق الحد الأدنى من سبل العيش والاستقرار.
القوة والطموح من منظور العقلية اليهودية
إذا أردنا أن نعرف أسرار اختراق الحركة الصهيونية للمجتمعات الأوروبية وتمكّنها من السيطرة على مؤسساتها السياسية والإعلامية.. فإنه يجب علينا دراسة الشخصية اليهودية دراسة دقيقة تبدأ من معرفة المنطلقات العقائدية والفكرية التي تنتهجها هذه الشخصية في التعامل مع العقلية الأوروبية. وبما أن الأخيرة تؤمن بمبدأين أساسيين: الأول منهما هو مبدأ القوة.. وثانيهما هو مبدأ المنفعة الذاتية المجردة من كل قيمة أخلاقية يأمر بها الدين أو يدعو إليها العرف، فلا ضير إذن على الشخصية اليهودية أن تلتزم بهذين المبدأين. فلم يظهر اليهود - يوماً - لأقرب حلفائهم من الدول الغربية ضعفاً أو استكانة ولم يجدوا طريقاً ممهداً يقودهم للمنفعة إلا وسلكوه فإن لم يجدوه ممهداً فليس هناك شيء اسمه التراجع والتخاذل بل العمل الدؤوب ليتحقق ما توجهت طموحاتهم إليه.
ولقد برزت في بعض المجتمعات الأوروبية شخصيات يهودية حققت عن طريق مبدأي القوة والمنفعة بروزاً مميزاً في ميداني الاقتصاد والسياسة ولم تنس أن ذلك البروز يجب استغلاله بطريقة ذكية لصالح الحركة الصهيونية التي استطاعت من خلال ومكانة هذه الشخصيات التي تنتمي إلى مؤسساتها أن تحقق مكاسبها على مدى أربعين عاماً بداية باحتلال فلسطين وانتهاء بغزو لبنان.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك شخصية اللورد ((دافيد ينج)) الذي هاجر إلى بريطانيا مع أسرته بعد الحرب العالمية الأولى واستطاع عن طريق شركته التجارية من اختراق حزب المحافظين والتدرج من وظيفة مستشار غير رسمي في (دواننج ستريت) مقر الحكومة البريطانية إلى وزير للعمل ثم وزير للتجارة والصناعة في آخر تشكيل لحكومة حزب المحافظين بعد فوزهم بالانتخابات للمرة الثالثة.
لقد ذكرت صحيفة التايمز اللندنية في عددها الصادر بتاريخ 12/7/1987م ص 44 نقلاً عن كتاب (16) يسجل فيه مؤلفه وقائع الانتخابات البريطانية الأخيرة: أن شخصية لورد ينج حظيت بثقة المسؤولين في حزب المحافظين. وانطلاقاً من هذه الثقة فلقد لعبت هذه الشخصية دوراً رئيسياً في قضية الاتصال الجماهيري وعرض برنامج الحزب بصورة مكّنت المحافظين من تحقيق مكاسب كبيرة.
إلا أنه لم يغب عن ذهن هذا المهندس الجديد أن التخطيط للحزب الذي ينتمي إليه أن يكون مرتبطاً بالمنفعة الذاتية وطموح الشخص وذلك ليس تجنباً على الرجال أو تصوراً ذهنياً لما تنطوي عليه شخصيته ولكنها عبارته التي أفلتت منه أثناء معركة الانتخابات البريطانية حيث أبدى تخوفه من برنامج حزب العمال الاقتصادي في حالة فوزه بالانتخابات قائلاً ((ماذا سوف يحدث لأسهم الشركة التي أمتلكها لو أن هذا الحزب حقق الأغلبية المطلوبة؟)).. ثم أردف قائلاً: وما هي قيمة أي واحد منا لو تمكنوا (أي العمال) من تحقيق الفوز؟.
نعم إن ((ينج)) لم يجانب الصواب فهو كأبناء جنسه من اليهود يرون في المال قوة لا تقهر ولكن ذلك المال يجب أن يسخر لشيء واحد فقط وهو بناء دولة صهيون الغاشمة التي يجب أن تعيش ولا تقهر.. إنهم يحلمون ثم يعملون فيحيلون الحلم حقيقة وما علينا بني الإسلام إلا أن نعمل حتى نجعلهم يحلمون فقط. فهل نحن عاملون؟
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1174  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 260 من 482
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

سعادة الدكتور واسيني الأعرج

الروائي الجزائري الفرنسي المعروف الذي يعمل حالياً أستاذ كرسي في جامعة الجزائر المركزية وجامعة السوربون في باريس، له 21 رواية، قادماً خصيصاً من باريس للاثنينية.