شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
المؤثرات العربية في شعر الشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر (1340 - 1400م)
في هذا البحث الموسوم ب (المؤثرات العربية في شعر الشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر (1) 1340 1400م) نسعى إلى التحقيق من قضية تأثر هذا الشاعر الذي أصبح شعره نموذجاً يحتذى في الأدب الإنجليزي، من قضية تأثره بالأدب العربي الذي أصبح في تلك الفترة ذائعاً ومشهوراً في مراكز الثقافة الأوروبية لأسباب متصلة ببلوغ الحضارة الإسلامية المستوى الذي يمكنها من التأثير في الآخر فكراً وثقافة. ويدور نطاق هذا التأثر حول محورين هامين: الأول هو صلة هذا الشاعر الإنجليزي ببعض رواد الأدب الإيطالي مثل دانتي وبترارك وبوكاشيو الذين أثبتت الدراسات العلمية تأثرهم بعناصر من الفكر الإسلامي والأدب العربي. ولا يغفل البحث وهو يتعرض لتأثر الشاعر الإنجليزي بملامح واضحة من الأدب الإيطالي، لا يغفل تلك القنوات التي تم فيها الالتقاء بين هذا الشاعر الإنجليزي ونظرائه من الشعراء الإيطاليين. ونرى أن فرضية تأثر تشوسر بالأدب العربي في هذا المحور تميل إلى الأخذ بالرأي الذي يرى أن المؤثرات غير مباشرة وتتم عبر وسيط آخر وهو اللغات الأسبانية والفرنسية وغيرها.
أما المحور الآخر فتدور فيه على إمكانية التأثر المباشر بالأدب العربي. فبعض الدارسين الغربيين يرى أن جزءاً من قصص تشوسر الشعري يمثل في سماته ذلك التأثير الذي أحدثه البناء الفني لقصة (ألف ليلة وليلة) العربية في الأدب الأوروبي، والتي بدأت نتيجة لجهود الترجمة في الانتشار والذيوع مع بداية القرن الرابع عشر الميلادي. ويقود النقاش في هذه القضية إلى توقف ضروري عند تمثل بعض الشخصيات الفكرية والأوروبية لمضامين هذا العمل الإبداعي العربي (ألف ليلة وليلة) وانعكاس ذلك على إنتاجهم القصصي والشعري كما مثلنا لذلك ب (حكايات جرم) للأخوين يعقوب (1785 - 1863م) في الأدب الألماني، (وحكاية الشتاء) التي استمد أيضاً الشاعر الألماني القصصي ((كرستوف ماي فليند)) (1733 - 1813م) مادته القصصية فيها من مضامين هذا العمل العربي المشهور.
لم يكن تأثير الأدب العربي في الأدب الإنجليزي تأثيراً مباشراً بل كان يتم عبر وسيط آخر وهو اللغات الأسبانية والفرنسية وغيرها، وذلك لتجاور البلدان التي تتحدث هذه اللغات بالحواضر الإسلامية وما صاحب هذا التجاور من إعجاب بالأدب العربي وخصوصاً الجانب القصصي منه. وإذا كان هذا التأثر تم في مرحلته الأولى عن طريق شبه الجزيرة الليبيرية وتلك الإمارات الصليبية التي كانت تقوم في جزء من بلاد الشام، فإنه في مرحلته الثانية تمَّ عن طريق آيرلندة واسكندنافيا، وربما كان ذلك عن الطريق التجاري الممتد بين بحر قزوين وبحر البلطيق (2) .
ظهرت آثار هذا التأثر بين الأدبين العربي والإنجليزي في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي في قصة الشاعر الإنجليزي (جيفري تشوسر) المعروفة باسم (حكاية الفارس الغلام Squires Tale)، والتي يدل مطلعها الشعري على حدوثها في بلاط خان المغول على نهر الفلجاء، أو كما يقول تشوسر نفسه: في السراي ببلاد التتار (3) .
At Sarray, in the land of Tartarye Ther dewlte aking that werryed Russ.
ويذهب (هاملتون جب) و(أدموند بوزورث) (4) ، إلى أن الإشارة التي وردت في مطلعٍِ هذه القصة الشعرية تعود إلى عاصمة القبيلة الذهبية في جنوب روسيا، وفيها دلالة على التأثر بقصص ألف ليلة وليلة، والتي يحتمل يُعزى انتشارها في أوروبا إلى أولئك التجار الإيطاليين الذين كانوا يترددون على إقليم البحر الأسود.
ومع تخصص الباحثين الإنجليزيين ((جب)) و((بوزورث)) في الدراسات الأدبية إلا أنهما لم يبحثا في حياة (تشوسر) أو أبي الشعر الإنجليزي كما أطلق عليه الشاعر الإنجليزي (جون درايرن) وذكرته موسوعة الأدب الإنجليزي (5) ، أو (مؤسس اللغة الجميلة) كما دعاه (توماس هو كليف) (1370 - 1450م)، مما يمكن أن نستدل منه على تأثر مباشر بين هذا الشاعر الإنجليزي والبيئات الفكرية التي كانت تعتبر في عصره مصدراً مباشراً للثقافة العربية كفرنسا وإيطاليا مثلاً.
تشير المصادر التي تعرضت بالتفصيل لحياة (تشوسر) إلى أنه عمل في الخدمة العسكرية مما أهّله لأن يكون أحد أفراد جيش إدوارد الثالث الذي غزا فرنسا عام 1359م (6) ، ولم يرجع (تشوسر) إلى بلده بريطانيا بعد هذا الغزو حيث بقي أسيراً لدى الفرنسيين لمدة تصفها المصادر الأدبية بأنها قصيرة - سنة واحدة تقريباً (1359 - 1360)م - مما ينفي افتراض تأثره باللغة الفرنسية في مدة وجيزة كهذه. ويرجع بعض الدارسين تردد كلمات فرنسية في كتابات (تشوسر) في تلك الفترة إلى الوسط الأدبي الإنجليزي والذي كان يشجع كثيراً على تعلم اللغة الفرنسية (7) بينما يربط عدد من النقاد بين استخدام (تشوسر) للتكنيك القصصي الذي يتكىء على التجارب المتخيلة في بناء بعض قصائده مثل (برلمان الطيور Parlement of, foules) و (كتاب الدوقة Book of the Duchess The) و(بيت الشهرة The House of Fame)، وبين منابع الثقافة الفرنسية، وأن هذا التكنيك يعد ثمرة طبيعية لاتصال الشاعر بالأدب الفرنسي الذي عرف مثل هذه الأساليب الفنية والتي افتتن بها تشوسر إلى الحد الذي دفعه إلى ترجمة القصيدة الفرنسية الشهيرة (قصيدة الوردة Le Roman de la Rose (8) )، وهي قصيدة يمكن تصنيف تجربتها ضمن ما يسمى بالرؤية المتخيلة (9) . وإذا كان الأدب الفرنسي قد ترك بصماته وملامحه على جزء من إنتاج تشوسر الشعري فيما يتصل بقضية البناء الفني للقصيدة والمتمثل في استعماله للبيت المؤلف من ثمانية مقاطع أو في اعتماد الخيال مصدراً من مصادر التجربة وما يرتبط بذلك من عمق فلسفي وحوار مكثف بدا واضحاً، على وجه التحديد، في عمله الشهير (برلمان الطيور)، فإن هذا الأسلوب المقتبس قد أصبح موضع احتذاء من قبل بعض الشعراء الإنجليز في العصور التي تلت عصر (تشوسر) (10) وخير مثال لهذا الاحتذاء الذي يدل على مكانة ((تشوسر)) في تاريخ الأدب الإنجليزي هو الشاعر Thomas Warton توماس وارتون (11) الذي يرى بعض النقاد الإنجليز حضوراً قويّاً لعمل ((تشوسر)) المذكور (برلمان الطيور) في بعض إبداعاته الشعرية.
كانت صلة ((تشوسر)) بالبلاط الملكي في بلاده صلة قوية مما هيأ له فرص القيام برحلات ديبلوماسية سرية في الفترة ((1370 - 1380م ))كان من بينها رحلتان إلى إيطاليا. وقد حقق، إلى جانب مهمّاته الرسمية، بعضاً من رغباته الشخصية المتصلة بنزعته الأدبية، حيث قضى وقتاً أدبيّاً ممتعاً مع الشاعر الإيطالي بترارك (1304 - 1374م) والذي كان قد بلغ السبعين من عمره، وذلك في منطقةPadua شمال إيطاليا (12) استمع فيه إلى بعض القصص الشعري الذي أصبح ذائعاً في الوسط الأدبي الإيطالي في تلك الفترة. وقد كان من نتائج ذلك الاتصال بمنابع الثقافة الإيطالية وقوع ((تشوسر)) تحت تأثير تيارات الأدب الإيطالي، وعلى وجه أخص التأثير بإنتاج الشعراء دانتي، وبترارك، وبوكاشيو (13) . وبدا ذلك التأثير واضحاً في إنتاجه الشعري الذي أبدعه في الحقبة الأخيرة من حياته (1372 - 1400م)، حيث بدأ ممارسة نظم القصيدة التي تقوم على البيت المؤلف من عشر تفعيلات (14) وبدا هذا النظام الموسيقي والشعري واضحاً في مقدمة (أسطورة النساء الصالحات The Legend of Good Women)، وكذلك في بناء قصيدته الأكثر شهرة (حكايات كنتربري Canterbury Tales) (15) ! وفي أحد مقاطع هذه القصيدة تطالعنا الرموز الخاصة بالثقافة الإيطالية من شخصيات أدبية مثل (فرنسيس بترارك)، أو مواضع معينة حيث التقى الشاعر المذكور (16) .
يذهب بعض الباحثين، ومنهم المستشرق الإنجليزي (هاملتون جب)، إلى أن القصص الخرافية الغنائية Chante - Fable نادرة الوجود في الآداب الأوروبية في حين أنها شائعة في الآداب العربية الشعبية. ثم إن من الآداب العربية ما كان موضوعه الرحلات وعجائب المخلوقات. وقد تركت هذه أثراً في الأدب الأوروبي، وحدث ذلك في عصر كانت فيه أوروبا تكاد لا تعرف السفر إلا بقصد الحج إلى الأراضي المقدسة. ولم يكن هناك بد من هذا النَّقْلِ الشَّفوي الذي كان يصحب هذه الأسفار من ذيوع العناصر الخرافية وانتقالها إلى جهات بعيدة نائية. وبهذه العناصر كان شعراء إيطاليا في القرن الثالث عشر الميلادي من أمثال ((ماركو بولو)) Marco Polo (17) يزينون مواد كتابتهم. ومن المرجح أيضاً أن ((بوكاشيو)) Boccaccio، الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي (1313 - 1375م) قد استشف قصصه الشرقية التي ضمنها قصص (الديكاميرون Decamerone)، من تلك المصادر التي نقلت عن طريق المشافهة (18) ، وخصوصاً أنه عرف في الحقبة التاريخية التي ظهرت فيها إبداعاته بأنه النموذج الفريد للأديب القاص ((Sory Teller)) (19) .
وفي الوقت الذي يؤكد دارسو الأدب الإيطالي محاكاة ((تشوسر)) في كتاباته القصصية للأسلوب القصصي المتمثل في إبداعات ((بوكاشيو)) (20) ، يرى بعض دارسي تاريخ الأدب الإنجليزي (21) أن الفكرة الأساسية لعمل تشوسر (قصص كنتربري) هي فكرة مستوحاة تحديداً من عمل ((بوكاشيو)) (الأيام العشرة The ten Days (22) )، بينما يميل بعض الدارسين الغربيين إلى رأي مضمونه أن جزءاً من قصص ((تشوسر)) الشعري يمثل في سماته تأثير البناء الفني لقصص (ألف ليلة وليلة) العربية في الأدب الأوروبي) والتي بدأت نتيجة لجهود الترجمة في الانتشار والذيوع مع بداية القرن الرابع عشر الميلادي (23) وإن يكن القارئ الإنجليزي - مع استثناء للفئة المثقفة - لم يتمكن من معرفة القصة والتفاعل معها إلا في بداية القرن الثامن عشر الميلادي عندما قام أنطوان جالاند Antoine Galland، أستاذ الدراسات العربية في الكلية الملكية بباريس، بترجمتها. وعن هذه الترجمة الفرنسية تم نقل هذا العمل الأدبي إلى اللغة الإنجليزية، إلا أنه في عام 1811م قام الدكتور جوناثان سكوت Jonathan Scot، أستاذ الدراسات الشرقية - عندئذٍ - بالكلية الهندية الشرقية، بنشر طبعة منقحة من القصة وذلك بالرجوع إلى الأصل العربي. ويبدو أن صداقة جوناثان بالدكتور وايت أستاذ الدراسات العربية بجامعة أكسفورد كان لها دور في دفع الأول للاهتمام بالقصة العربية، ولكن الطبعة الإنجليزية التي حظيت برعاية علمية كبيرة هي الطبعة التي قام بنشرها المستشرق الإنجليزي المعروف ((إدوارد وليام لين)) Edward Lane سنة 1839م (24) ، ويؤكد هذا الرأي الذي يميل إلى ذيوع القصة وتغلغلها بصورة مثيرة في المجتمع الأوروبي خلال القرن الثامن عشر الميلادي، ما ذهب إليه ((محسن مهدي)) أستاذ الدراسات العربية بجامعة هارفارد ومحقق كتاب ألف ليلة وليلة من أن السواح الأوروبيين ممن زاروا القاهرة خلال القرن الثاني عشر من الهجرة ((القرن الثامن عشر الميلادي)) كانوا قد عرفوا الكتاب مترجماً إلى لغاتهم من نسخ خطية اعتقدوا هم أيضاً أنها ناقصة، فجاؤوا يبحثون عن نسخة كاملة منه (25) .
وإذا كانت البدايات لترجمة هذا العمل قد تركت آثارها - كما يرى البعض - في أعمال أديب وشاعر إنجليزي كبير مثل ((تشوسر)) فإن الترجمات الأخرى والمتتابعة قد تركت آثاراً مختلفة منها دفع بعض الشخصيات الإنجليزية المعروفة بنشاطها العلمي والفكري لزيارة الشرق خاصة الجزيرة العربية. ومن هؤلاء ((سير ريتشارد بيرتن)) (1821 - 1890م) أحد المستشرقين الذين عرفوا بإجادتهم للغة العربية والذي أقدم بنفسه في أخريات حياته بالتعاون مع الدكتور ((ستاين هوسر Steinhauser)) (26) على ترجمة ألف ليلة وليلة. ولكن ظروفاً غامضة أدت في نهاية الأمر إلى دفع ((بيرتن)) لحرق أجزاء من هذه الترجمة (27) قبل إتمامها والتي يتوقع بعض الباحثين أن تكون ترجمة ذات قيمة كبيرة لمعرفة ((بيرتن)) العميقة بالشعر ولإقامته في بعض المدن العربية وخصوصاً دمشق والتي مكنته من معرفة المجتمع العربي، والتعاطف مع بعض قضاياه.
على أن قصص ألف ليلة وليلة لم يقتصر ذيوعها والاهتمام بها وما يمكن أن ينتج عنه من تمثل لها واستيحاء لعناصرها الفنية من قبل الأدباء والشعراء على المجتمع الإنجليزي وحده، بل اتسع نطاق ذلك ليشمل مجتمعات أخرى مثل المجتمع الألماني. فحكايات ((جرِمْ)) Grimm للأخوين يعقوب (1785 - 1863م) في الأدب الألماني تدل على تأثرها الواضح بهذه القصص من خلال ما اعترف به المؤلفان في التعليقات على هذه الحكايات، يضاف إلى هذا أيضاً تأثر الشاعر الألماني القصصي ((كريستوف ماري فيلند)) (1733 - 1813م) بقصص ألف ليلة وليلة حيث استمد منها مادة قصيدته القصصية (حكاية الشتاء) (28) .
نحن إذاً إزاء رأيين مختلفين ولكنهما يقودان إلى نتائج متشابهة: الأول يميل إلى أن ((تشوسر)) تنقسم حياته الأدبية إلى ثلاث مراحل: الأولى منها تمتد حوالي ثلاثة عشر عاماً (1359 - 1372م)، وهي مرحلة التأثر بالثقافة الفرنسية، ثم المرحلتان الأخيرتان، واللتان تصلان إلى حوالي ثمانية وعشرين عاماً (1372 - 1400م) وهي الحقبة الزمنية التي تأثر فيها الشاعر بإنتاج الشعراء الإيطاليين وعلى وجه أخص ((دانتي)) و((بوكاشيو)) اللذين أثبتت الدراسات تأثرهما بعناصر من الفكر الإسلامي والأدب العربي. فدانتي كما أثبت المستشرق الأسباني أسين بالاثيوس سنة 1919م(Asin Palacios))) تأثر في البنية العامة لملحمة دانتي ((الكوميديا الإلهية)) بالعناصر الإسلامية (29) ، كما أكد هذا الرأي بعد سنوات قليلة الباحثان (مونيوت سندينو) و((أنريكو تشير ولي)) اللذان نشرا الترجمات اللاتينية والفرنسية لوثيقة معراج النبي صلى الله عليه وسلم . وقد تمت هذه الوثيقة في القرن الثالث عشر الميلادي برعاية ملك أسبانيا ((ألفونسو العاشر)) وذهب الباحثان إلى أن وجود هذه الترجمات يدل على ذيوع قصة الإسراء والمعراج في جميع الأوساط الثقافية في عهد دانتي (30) ، كما أن الدراسة التحليلية لمضمون بعض أبيات هذه الملحمة تبرهن على تأثر واضح بالفكر الإسلامي. فالموضوع الرئيس للملحمة في رأي شيلا رالفز Shilla Ralphs تمثله أبياتها القائلة: (الإنسان جاء من عند الله ونهايته سوف تكون إليه) (31) وهو معنى لا يحتاج إلى إعْمَالِ فكر لِردِّهِ إلى عقيدة التوحيد التي جاء بها الدين الإسلامي الحنيف. أما بوكاشيو، فمع أن قصصه ((الديكاميرون)) لم تنل حتى الآن حظها من العناية والبحث، إلا أن الأثر العربي في هذه المجموعة واضح جداً حتى في اسم الكونت وهو (لوكانور) إذ إن هذا الاسم تحريف لاسم (لقمان الحكيم) الذي تنسب إليه حكايات عديدة جداً في الأدب القصصي العربي. ومن بين الحكايات المأخوذة عن العربية فيها، حكاية التاجر الذي عاد من الغربة، وتتضمن مغزى حكاية (عطيل) التي استوحاها شكسبير فيما بعد في مسرحية (عطيل)، كما أن الأثر العربي لم يكن حاضراً فقط في أعمال بوكاشيو بل تجاوزه إلى عدد آخر من الأدباء الإيطاليين مثل ((سترابرولا Straparola)) الذي ألف مجموعة قصصية بعنوان (الليالي الممتعة) وفيها تشابه واضح مع قصص عربية، خصوصاً قصص ألف ليلة وليلة. كذلك ألّف بازيل مجموعة قصص بعنوان (الأيام الخمسة) فيها يروي قصصاً كانت تتناقل شفاها في إقليم نابلي وأخرى في إقليم أقريطش، وهي قصص تركية الأصول، وهذه بدورها عربية الأصول (32) . ومن خلال هذا الارتباط الفكري والتأثر الأدبي بين الأديب الإنجليزي ((تشوسر)) والأديبين الإيطاليين دانتي وبوكاشيو يمكن تفسير الملامح العربية في إنتاج تشوسر سواء كان ذلك في المضمون كما تدل عليه حكاية الفارس الغلام، أو في البناء الفني لقصص كانتري وأمثالها.
أما الرأي الآخر الذي تتشكل بداياته عند الباحث الإنجليزي W.J. Cour Thope (33) ، والذي ينطلق من نظرة أشمل تخص الأدب الأوروبي في القرن الرابع عشر الميلادي الذي بدأ يتفتح على المؤثرات القادمة من الشرق العربي، وهي مؤثرات تأتي قصص ألف ليلة وليلة في مقدمتها، فلا يمكن بالتالي أن يشذ عن هذا التلاقح الفكري والتلاقي الحضاري أديب كبير مثل تشوسر الذي دل البناء القصصي لديه على تأثره بأساليب هذا العمل الإبداعي العربي.
من هذه المنطلقات العلمية التي قادنا إليها البحث في حياة الشاعر تشوسر يمكننا القول: إن عمل الشاعر في البلاط الإنجليزي لم يكن حدثاً عابراً يدور في نطاق محدد لا يتجاوزه، بل كان، من منظور حضاري، عملاً هيأ للجزيرة الإنجليزية الفرصة لاستقبال المؤثرات الفكرية من بلدان أوروبية أخرى مثل فرنسا وإيطاليا والتي كان تجاورها مع بلاد الأندلس يشكل نقطة التقاء وتأثر الحضارة الغربية بالحضارة الإسلامية والعربية عامة ويدخل ضمن ذلك اللغة العربية والأدب العربي اللذان وصلا إلى مرحلة ناضجة تغري بالتمثل والاحتذاء (34) .
في سياق هذا الانفتاح الغربي على حضارة الإسلام وتراثه، والذي ساعد على وجوده تسامح الإسلام وعدالته ورحابة آفاقه الفكرية، تمكن تشوسر، الذي يتميز بعقلية متفتحة، من التقاط بعض المؤثرات الفكرية التي رأى فيها الأدباء الإنجليز تفرداً وخصوصية يعكس احتفاءهم بها وكشفهم لأهميتها في الرقي بلغتهم وأدبها، ووصف ((توماس هوكيلف)) السابق لشخصية ((تشوسر)) بأنه مؤسس اللغة الإنجليزية الجميلة، كما يدل على هذا التفرد أيضاً ولع الشعراء الذين أتوا من بعده باستخدام القافية الملكية Rhyme Royal (35) ، وهي القافية التي أخذها عن الشعراء الإيطاليين (36) الذين تحققنا من عملية تأثرهم بالأدب العربي وتمثلهم لبعض نصوصه ومحاولة تقليدها والنسج على منوالها.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :5457  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 252 من 482
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتورة مها بنت عبد الله المنيف

المدير التنفيذي لبرنامج الأمان الأسري الوطني للوقاية من العنف والإيذاء والمستشارة غير متفرغة في مجلس الشورى والمستشارة الإقليمية للجمعية الدولية للوقاية من إيذاء وإهمال الطفل الخبيرة الدولية في مجال الوقاية من العنف والإصابات لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة الصحة العالمية، كرمها الرئيس أوباما مؤخراً بجائزة أشجع امرأة في العالم لعام 2014م.