شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
تقدمة
للدكتور عاصم حمدان منزلة كبيرة في نفسي وقدر عظيم. فعندما طلب مني أن أكتب مقدمة لمجموعة الدراسات هذه شعرت بالغبطة وبالحيرة معاً. سررت لأنني أعتز بكتاباته عموماً واغتبطت لأنه بدأ في سبر غور الفكر الأوروبي برغبة حميدة وجادة ليس ليبين مدى تطوره وتطور أدبه، وليس لينهل منه على حساب أدبنا العربي، بل ليضع يدي القارئ على حقائق قد تكون قد غابت عليه أو على السواد الأعظم. وهي حقائق تتمثل في مدى تأثير الفكر والأدب العربي على الفكر والأدب الأوروبي وليضع نصب أعيننا حقيقة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها - وهي وإن لم يقلها صراحةً إلا أنها تفرض نفسها وبوضوح في أن الأدب العربي أدب قوي وثري ويمتد في القدم والسمو وإلا لما تأثر به أدباء الغرب. وأعتقد بأنه، ولضيق المقام، لم يشأ الدكتور عاصم ذكر هؤلاء الذين تأثروا بالأدب العربي جميعاً، وهم يصعب حصرهم ولا شك.
أما الحيرة فتكمن في السؤال: هل أستطيع أن أفي الدكتور حقه في مقدمة مختصرة؟
وقد قسم الدكتور عاصم مجموعته إلى أقسام ستة يربط بينها رابط مشترك مكوناً بذلك وحدة الموضوع قيد الدراسة، وهذا الرابط والقاسم المشترك يتمحور حول عامل التأثر بحيث تنَقَّل سعادته بين جيفري تشوسر ووليم شكسبير وغيرهما ضارباً الأمثلة ليوضح مدى أهمية عاملي التأثر والتأثير بين الأدبين الإنجليزي والعربي.
وكما نوهت في مقدمة الكلمة كم سررت بأن أرى أخاً وزميلاً عزيزاً يتعرض بالدرس لمثل هذه الدراسات التي تتطلب في الحقيقة وقتاً أطول ودراسات أعمق. وكم كنت أتمنى لو أن سعادته قد استفاض أكثر في دراسته عن تشوسر ووليم شكسبير وشخصية شايلوك ويهودي مالطا وغير ذلك مما نجده في كتابات عظماء الأدب الإنجليزي الذين تأثروا بالأدب العربي وخصوصاً الشعراء الرومانتيكيين أمثال ووردزورث وكيتز وشيلي وغيرهم.
أجد في الدراسة عن جيفري تشوسر نواة قيمة لعمل أطول خاصة وهي تشمل بعض أفذاذ الأدب و الفن والشعر مثل دانتي اليرجيري وبترارك وبوكاشيو وتأثرهم ومن ثم تأثيرهم على تشوسر، وفي (حكايات كنتربري) يلعب عامل التأثر بالأدب العربي دوراً بارزاً، ولا أرغب في الخوض فيها لأدع القارىء يجوب بنفسه بين أعماق الموضوع، ويدرس بحرّيّة وبدون تأثير عليه.
وفي تناوله لموضوع (شكسبير في اللغة العربية) قسَّم سعادته الدراسة إلى عدة أقسام فرعية فتطرّق إلى الترجمة الأمينة وكيف أنها تعتبر بمثابة الهدية القيمة والكنز الثمين. ثم تطرق إلى الشعر والترجمة، وعرّج على القدرة الإبداعية ومعايشة وليم شكسبير قبل أن يحط الرحال عند الطبيعة الإنسانية آخر العناوين الجانبية. وفي الحقيقة فهذا الموضوع ككل يحتاج إلى دراسات متتابعة خاصة وقد أصبحت الترجمة تمثل علماً من العلوم وتمثل أداة هامة وخطرة في نقل الفكر والتراث والأدب والعلوم وغيرها من أمّة إلى أخرى. وكما قيل فإن المترجم الصادق الأمين لا يهدي إلينا ترجمة صادقة فقط بل إن عمله وإنتاجه يعتبر عملاً إبداعياً في حد ذاته.
ولو تطرقنا إلى ترجمة الشعر نستطيع بأن نقول بأن ترجمة الشعر - وخاصة شعر العظماء من أي أمّة - يعتبر من أصعب أنواع الترجمة على الإطلاق. فالترجمة فن وموهبة وتمكّن من اللغات، ولكن المترجم لقصيدة شعر يجب أن يكون لديه التذوق الشعري فيشعر بالقصيدة ويعايشها ويجوب في أجوائها الموسيقية واللغوية وغير ذلك. ولسنا في صدد تقديم شرح مستفيض عن الترجمة وأنواعها إلا أن هذه الدراسة هي أيضاً مهمة وهي أيضاً يمكن أن تكون البذرة الأولى لدراسة أطول وأعمق محلاة ومزينة بالأمثلة العملية كما فعل الدكتور عاصم هنا.
يتعرض الدكتور عاصم في دراسة أخرى إلى موضوع هام وهو نظرة العالم الثالث إلى آدابهم نظرة تحتية وتشدّقهم بالآداب الغربية مُغفِلين - أو متناسين - ما تحت أيديهم من آداب وتراث محلي قد يسمو على الآداب الغربية ويضارعها قوة. وكما نوه المستشرق الفرنسي جاك بيرك وغيره من النقاد والأدباء فإن العالمية هي وليد طبيعي للمحلية وبدون الاهتمام بالمحلية فلن يتحقق للثقافة أو الأدب أو العلم أي تقدم.
ويتطرق الدكتور عاصم إلى الدراسة بين الأدبين العربي والإنجليزي ويرى ضرورة إعطاء بعض المفكرين والدارسين الفرصة الإعلامية متمثلة في وسائلها المختلفة كالصحف والمجلات وما شابه ذلك بحيث يقرأ السواد الأعظم ما يكتب هؤلاء إثراءً للعلم ولنشر الثقافة. ويضرب مثالاً بما يكتبه سعادة الأخ الدكتور عدنان وزان في الأدب المقارن وتاريخ الاستشراق وفنون الرواية والقصة والمسرح، وهي إضافات علمية هامة في ميدان الدراسات المقارنة وخاصة الدراسة المقارنة بين الأدبين العربي والإنجليزي وموضوع الشخصية اليهودية المسخ في مسرحيات كل من الكاتب الإنجليزي وليم شكسبير والكاتب المسلم علي أحمد باكثير. كذلك تطرق إلى دراسة الدكتور الوزان لشخصية اليهودي ومدى تأثر شكسبير في رسمها بكريستوفر مارلو في مسرحية (يهودي مالطا) ومدى دناءة هذه الشخصية سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وأخلاقيّاً.
في الحقيقة إلى جانب ما تحمله هذه الدراسات القصيرة من أهمية فهي تظهر بين طياتها جهد الباحث ولم تأت من فراغ. فالدكتور عاصم - كما أعهده - قد اختار الطريق الصعب والشاق ليخطو بين جنباته بخطى ثابتة وكعاشق للأدب والفكر وهو أستاذ الأدب العربي، إذ وجد أنه لا مندوحة من أن يُعمِل قلمه المرهف في الأدب الإنجليزي. وهي خطوة شُجاعة يحمد عليها. فالآداب ليست حِكْراً على أحد أو على تخصص معين، فكل من يملك الحس الأدبي المرهف وكل من يملك القدرة على الدراسة والنقد والتحليل وكل من يتحلى بالحيادية في المناقشة وتناول الموضوعات قيد الدراسة، كل من يملك ذلك - أمثال الدكتور عاصم - يجب ألا يتردد في تناول موضوعات ووضع دراسات تتعلق بالآداب الأخرى وعلاقتها بأدبنا. وإن بدا للقارىء أن الكتاب الذي بين يديه الآن كتاب مقتضب فليعلم أن الدارس لا ينظر إلى الكم بقدر ما ينظر إلى الكيف وإلى القيمة العلمية والثقافية التي تقبع بين جنباته ناهيك عن الجهد في البحث والتدقيق والدراسة.
إنني أشيد بكل دارس وباحث غيور على الثقافة العربية والأدب العربي وخصوصاً عند تناوله للدراسات التي تتخذ الآداب والفكر الأوروبي أو الغربي قاعدة ومحوراً لتبين من خلالها مدى قوة ومتانة الأدب العربي ومدى تأثر الآداب الأخرى به.
د. عادل عطا الياس
أستاذ الأدب المقارن ورئيس قسم اللغات الأوروبية
بكلية الآداب جامعة الملك عبد العزيز
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1652  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 251 من 482
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج