شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
لولا القدر
تحتضن بلدة ((نجوى)) سفح جبل شاهق، متشابك الأحراج متشعب المسالك والدروب، تكسو قمته الثلوج في فصل الشتاء، وتزين ذراه وطرقاته الزهور من كل لون في فصل الربيع، وبداية الصيف، وتزخر أدغاله بأنواع الطيور تنتقل من فنن إلى فنن، يطارح كل خليلته أو حليلته، حبّه ووجده، شوقه وبرحه على (تمتمات) زقزقات القبل، واصطفاق الأجنحة، على ترانيم وتغاريد متعددة النغمات تنساب حاملةً على المياه المتدفقة من ذوبان الثلوج، وفيضان الينابيع، وأحياناً تتجمع هذه الطيور جماعات.. جماعات.. زرافات.. وأحادا، تمتار خيرات الارض وتشتار شهد الزهر، تطعم وتسقي منه بنيها في مناظر خلابة وأشكال تبعث البهجة في النفوس، وتثير الفرحة في القلوب، بل لقد تهتاج كوامن الاشجان، وتباريح الهوى والغرام في أفئدة العاشقين الذين يتخذون من هذه الأحراج متنفسا لما تجيش به صدورهم، وتصطلى به افئدتهم، وكثيراً ما كان هؤلاء يقلدون حركات الطير في شتى اشكالها وصورها وألوانها.
وتزحف بلد ((نجوى)) إلى أسفل الجبل وتمتد إلى السهل المنبسط الفسيح ومروجه الخضراء تخترق أكواخها وبيوتها الحديثة أقنية المياه، وطرق مسفلتة وأزقة أدرك التعبيد بعضها، وما يزال البعض الآخر تراباً يتصاعد منه الغبار كلما هبت الريح وخاصة خماسين الصيف وأخرياته.
وأكثر أكواخ الفلاحين والمزارعين والعمال، مشيدة من اللبن المقوى بطبقة من الإسمنت لمقاومة المطر وجائحة العواصف، مطلية بالرخام الأبيض حتى لتحسب هذه الأكواخ كتلاً ثلجية متناثرة لا يستطيع وهج الشمس إذابتها، بل على العكس يزيدها لمعاناً وتلألؤاً وبريقاً ترتاح إليه القلوب والأبصار.
أما دورها فمبنية على النمط الحديث تطرز هاماتها اهرامات من القرميد الأحمر تقيها غوائل الشتاء وتضفي عليها بهاء المدينة ورداء الحضارة، كما أن طراز دور العبادة يزيد المنظر جلالاً على جلاله وروعة على روعته، وجمالاً على جماله.
وفي البلدة شارع رئيس فسيح واحد اكتظ بحوانيت الباعة لأصناف السلع، وبه داران للسينما تجذب أنوارهما المتلألئة الملونة أبصار المشائين، وتستثير لوحات صورها المعروضة أفانين الرغبة في نفوس المتفرجين.
وفي أحد الشوارع المتفرعة من الشارع الرئيسي، شيدت الحكومة مستشفى كبيراً زودته بالأطباء والممرضات، وأحدث الآلات وصنوف الأدوية. وفي مكان آخر من البلدة، بنى أحد الأطباء مستشفى أهلياً خاصاً، وافتتح غيره ثلاث صيدليات وأسست إحدى الجمعيات الخيرية مستوصفاً خيرياً..
وفي البلدة ناديان رياضيان تزاول فيهما وفي ملاعبهما جميع أنواع الرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم التي تقام لها مباريات موسمية متعددة يقدم في نهايتها رئيس المجلس البلدي كأس البلدة للفريق الفائز..
وافتتحت وزارة المعارف مدارس ابتدائية وثانوية في بلدة ((نجوى)) وأقامت إحدى الجمعيات التعاونية مدارس ابتدائية وثانوية ودار حضانة، هذا بخلاف المدارس التبشيرية التي تقيمها عادة الطوائف المسيحية المختلفة، وعلى العموم فقد كانت البلدة نموذجاً لأحدث البلدان في تلك المنطقة.
وانتثرت على جوانب البلدة وأرباضها الأراضي الزراعية تصل ما بينها الطرق الترابية والمسفلتة والجسور ما بين بدائي منها وحديث.. ومن أهم ما كان يزرع في تلك الأراضي قصب السكر، ولذلك أنشىء في بلدة ((نجوى)) مصنع سكر لهذه الغاية.
ويحكم ((نجوى)) مجلس بلدي ينتخب أهلها أعضاءه بطريق الانتخاب الحر، وينتخب المجلس نفسه رئيساً له من بين أعضائه، وتوافق الحكومة - عادة - على الرئيس المنتخب إذا كانت ميوله معها، وتعترض اذا كان غير ذلك.. وكانت لرئيس المجلس صلاحيات واسعة أشبه في مجموعتها بالصلاحيات التي يتمتع بها أي دكتاتور.
وفي الوقت الذي تجري فيه حوادث قصتنا هذه، كان ((رشدي)) رئيساً للمجلس البلدي والحاكم بأمره في بلدة ((نجوى)).
كان ((رشدي)) في الخمسين من عمره، طويل القامة، مستدير الرأس، أصلع الشعر، واسع الجبهة والعينين، منتفخ الأوداج، كبير الأنف والأذنين، مستطيل الوجه، أبيض اللون، متورد الخدين واسع الفم دقيق الشفتين عريض المنكبين والصدر، حليق اللحية، ميّالاً إلى السمنة، بارز البطن، جهوري الصوت، ذلق اللسان، سليطه. وكان يفتل شاربيه الكثَّين كلما فكر في أمر أو همَّ في تنفيذه.
كان ((رشدي)) صلب العود شديد المراس، كثير البطش والجبروت، عنيداً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وكان بالإضافة إلى ما ذكرنا آنفاً كريماً إلى حد الإسراف شجاعاً إلى حدّ الفروسية، واسع الأفق والتفكير بارع الحيل والأساليب في كل ما يعود بالنفع والخير على نفسه وأهل بلده، فأحبه الناس وهابوه وخافوه، وكانت صلته برئيس الدولة وعضويته في الحزب السياسي الحاكم مصدر قوته ونفوذه، مضافاً إلى ما متعه به القانون من صلاحيات، وخلع عليه من حصانات.
كان ((رشدي)) من كبار الملاك في بلدته، ورث عن آبائه وأجداده بعض أملاكه والبعض الآخر من كده وعرقه، أحب في صباه إبنة عمه حباً عارماً كان حديث الناس في زمانه، فتزوجها واستولدها أبناءه الثلاثة: مجدي، فوزي، وفتحي. ولما ماتت زوجته أقسم ألا يتزوج بعدها وبرَّ بقسمه.. وقد اكتسب ((مجدي)) و ((فوزي)) غلظة أبيهما وفظاظته، بل كانا في بعض الأحايين أشد ظلماً وقسوة منه، حتى جأر الفلاحون منهما وترحموا على معاملة أبيهما. أما الابن الأصغر ((فتحي)) فكان يختلف عنهما كل الاختلاف حتى لتحسبه من طينة غير طينة أخويه ومن أب غير أبيهما.
كان ((فتحي)) باراً بوالديه، وبأخويه وبالفلاحين وبسكان بلدته جميعاً، لا فرق عنده بين كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، وكان كثيراً ما يدفع أذى أبيه، وغوائل أخويه عنهم، حتى أحبه الجميع إلى درجة العبادة.
وأمعن ((فتحي)) في نصرة المزارعين والفلاحين، فطلب من والده أن يعينه مديراً لأملاكه الشاسعة فاستجاب لمطلبه، وهكذا جعل ((فتحي)) من نفسه ستاراً حديدياً يقيه شرور أبيه وأخويه.
وتسبب اختلاط ((فتحي)) بالفلاحين حبّه لفتاة من هذه الطبقة اسمها ((سلمى بنت مصطفى، ففاتح أباها في أمرها، فأجابه والدها: انه لشرف ما بعده شرف ان يصاهر أحب الناس إليه وأغلاهم لديه، ولكنه يخشى عليه وعلى نفسه وقومه من بطش أبيه.. بيد أن ((فتحي)) أصر على الزواج بهذه الفتاة خلسةً وهكذا تم الزواج في سرية تامة.
وأسرى ((فتحي)).. بزوجه هذه إلى بلد ناء عن بلد ابيه، وأسكنها في قصر مهجور بين أحراج ذلك البلد.. وخلف ((فتحي)) من زوجته هذه ولدا وبنتا كانا في منتهى الجمال والصحة والعافية.
ويقول المثل: كل سر جاوز الاثنين شاع وهكذا علم والد ((فتحي)) بزواج ابنه، فثارت ثائرته، وزاد النار اشتعالا استثارة أخوي ((فتحي)) لأبيهما، فاستدعى ((رشدي)) ابنه وحقق معه فأنكر ذلك طبعاً، ثم اتى بوالد ((سلمى)) فسأله فأنكر أيضاً ولم تجد سياط ((رشدي)) وأفانين تعذيبه في فتح فم والد الفتاة المغلق بشمع الصبر الأحمر.. وأخيراً فاجأه ((رشدي)) صارخاً بصوت رهيب..
ـ أين ابنتك يا كاذب.. قل لي أين هي وإلا قتلتك..
ـ ويظهر أن ((فتحي)) و ((مصطفى)) والد الزوجة كانا قد استعدا من قبل لهذه المفاجأة، فأبرز والدها شهادة وفاة مزورة. فهدأت ثائرة ((رشدي)) قليلاً، غير أنه أقسم ليحرقن الزوجة وولديها إن تبين أن هذه الشهادة مزورة. وأخلى سبيله..
ـ ومرت العاصفة وانصرف ذهنه عندما استدعي ولده ((فتحي)) للخدمة العسكرية، ولم تجد توسلات أبيه ولا نفوذه أو جاهه في إعفائه من الخدمة، لأن ظروفاً من القلاقل وتحركات حربية كانت تظهر الفنية بعد الفينة على حدود تلك الدولة النائية.. فودع ((فتحي)) زوجته وولديه وأوكل إلى صديق من أخلص أصدقائه العناية بهم في غيابه، وسار وعين الله تكلؤه برعايتها.
ـ وعندما عاد ((رشدي)) مع ولديه لادارة أملاكه، عرفوا بطريقة ما حقيقية زواج ((فتحي)) فصب الأب جام غضبه على ((مصطفى)) والد الزوجة، ولما لم تفلح سياطه وألوان تعذيبه بأي إقرار منه، لفق له تهماً استطاع ((رشدي)) بها وبنفوذه أن يودعه السجن الذي تقبله ((مصطفى)) ولسان حاله يردد ((ربي السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)).
ـ لم يرضَ ((رشدي)) بالهزيمة وقبول الأمر الواقع، بل ظل يبث العيون والأرصاد ويبذل المال بسخاء وإسراف هنا وهناك لا يكل ولا يمل، وكان كلما عميت عليه الطرق أمعن في عناده وإصراره.
ـ وفي يوم من الأيام كان صديق ((فتحي)) - كعادته - يحمل الزاد إلى زوجة صديقه وولديها، تبعه اتفاقاً وعن بعد، أحد عيون ((رشدي)) فعرف المكان بالطبع فأسرع بنفسه يزف الخبر إلى ((رشدي)) الذي سربه سروراً ما بعده سرور، وأغدق على البشير الشيء الكثير، ثم دعا ولديه واثنين من خلص اتباعه واتفقوا جميعاً على أن يقوم ((التابعان)) بنسف الدار وإشعال النار في الحرج في الوقت الذي يكون الصديق فيه.
ـ لقد تحجر قلب ((رشدي)) ونضبت الرحمة فيه، ولم تبق إلا أصوات الانتقام تزأر فيه طالبة الموت والهلاك لإنسانة بريئة وطفلين بريئين.
ـ وهكذا نسفت الدار وأشعلت النار في الحرج.. وكانت الزوجة ترضّع إبنتها آنئذ فلم تشعر إلا وهي وطفلتها وسط ألسنة النار وفحمها، فهرعت تحمل ابنتها تتخطى بلا شعور سياج النار وتصرخ بجنون وقد اتت النار على بعض من اجزاء جسمها، وما كادت تخرج من منطقة الخطر وتذكر ابنها حتى ندت منها صرخة فقدت على اثرها رشدها، فجرت عارية والطفلة على كتفها تتسلق الجبال وتهوي إلى الوديان.. حيث رآها بعض (الغجر) (النور) فأمسكوا بها، وأخذوا طفلتها، وستروا عورتها، وشرعوا في تطبيبها بعد أن أوثقوا رباطها.
ـ وكان الصديق وقت النسف يداعب الطفل، واذ بقوة الانفجار ترمي به هو في أتون النار فلم يفقد رشده بل كافح وعاد إلى حيث كان مع الطفل فوجده معلقاً في أحد السقوف فأخذه إليه وفتش عن الأم والطفلة فلم يعثر عليهما فآثر أن ينجو الطفل ثم يعود للتفتيش؛ بيد أن النيران حاصرته من كل جانب، وسدت عليه سبل النجاة، ولكنه ظل يجاهد وينافح حتى خرج بالطفل بعيداً عن منطقة الخطر مثخناً بالحروق الكبيرة في جسده وبكسر في يده، فحاول العودة للتفتيش عن البقية، غير أنه سقط مغشياً عليه ثم صحا على بكاء الطفل ولكنها كانت صحوة الموت فضم الطفل إليه ونام نومته الأخيرة والطفل نائم على ذراعه.
ـ وفي صباح اليوم التالي لحادث الحريق، كان جماعة من الفلاحين في طريقهم للمطاحن وإذا بهم يسمعون بكاء طفل، فهرعوا إلى مصدر الصوت فوجدوا طفلاً يبكي بين ذراعي رجل ميت فحملوه ودفنوه، وبعد الدفن جلسوا يتداولون في أمر الطفل وإذا بأحدهم يقول:
ـ أنا آخذه.. أتبناه.. فامرأتي عاقر.. هل لديكم مانع؟؟
ـ فشكروه على مروءته وعادوا يتابعون مسيرتهم إلى هدفهم.
ـ وفرحت زوجة الفلاح بالطفل فأغدقت عليه من حنانها فشب وهو لا يعرف إلا أنها أمه وزوجها أبوه.
ـ وبلغت أخبار الفاجعة ((فتحي)) فأصيب بإغماء شديد نقل على أثره إلى المستشفى العسكري وأسعف بالعلاجات اللازمة، وخرج وهو مصمم على الانتقام.. فانضم إلى الجمعيات السرية التي كانت تطالب بالاستقلال والانفصال عن الحكومة المركزية في المقاطعة التي يحكمها والده.
ـ ونكب والد ((فتحي)) في ولديه ((مجدي)) و ((فوزي)) اذ توفيا في حادث تسمم، وحزن عليهما حزناً شديداً، واعتبره عقاباً من الله سبحانه وتعالى على حرقه زوجة ولده وطفليها، وأيقن أن الله للظالمين بالمرصاد، وأنه يمهل ولا يهمل..
ـ وتغيرت حال ((رشدي)) بعد هذه النبكة، وانقلب إلى محب للخير ساع في سبيله، فطاف متنكراً في أنحاء مقاطعته يواسي المنكوبين ويتصدق على المعوزين.. وقاده تطوافه إلى المرور بحي ((الغجر)) الذي تعيش حفيدته بينهم، فتحلق حوله صبيانهم وبناتهم وبينهم حفيدته يرقصون ويغنون يبتغون إحسانه. وفعلاً نثر حفنة من النقود بينهم فهجموا متدافعين ويتزاحمون لالتقاط النقود، إلا حفيدته؛ فقد وقفت شامخة رافعة الرأس تتطلع في اشمئزاز ملحوظ إلى ما يفعله زملاؤها، فاسترعى فعلها انتباه ((رشدي)) فسأل رئيس الغجر عنها فخشي أن يصدقه القول، فادعى أنهم وجدوها مع أمها المجنونة خارج هذه المقاطعة تائهة في البراري والقفار فأشفقوا عليها وأخذوها وضموا الطفلة إليهم وحجزوا أمها المجنونة في غرفة خاصة، فقال لهم:
ـ هل تبيعونني هذه الطفلة وأمها المجنونة بأي ثمن ترضونه؟؟
ـ فلم يصدقوا كلامه، فكرر قوله لهم.. فلما رأوا إصراره أجابوه:
ـ دعنا نتشاور..
وخلوا إلى بعضهم فوجدوها فرصة ذهبية للتخلص من الطفلة وأمها وما قد يتعرضون له اذا ما ظهر أحد وادعى أنها ابنته، وأنهم خطفوها، فعادوا إلى ((رشدي)) بالموافقة فدفع لهم المبلغ الذي طلبوه، وأخذ الطفلة وأمها إلى قصره، وحبس المجنونة في غرفة سرية، ووكل بأمرها الى أحد يخدمه، وبالطبع كانت الطفلة تعلم أن هذه المجنونة هي أمها منذ كانت بين ((الغجر)).
وتبنى ((رشدي)) الطفلة وغمرها بحنانه، ولطفه واهتمامه، فأصبحت شغله الشاغل فجلب لها المربيات وأدخلها أحسن المدارس، فتعلمت وتثقفت وكانت مثار إعجاب مربياتها ومدرسيها.
ونجح أخوها الذي تبناه الفلاح، وكان متفوقاً في جميع مراحل دراسته الإبتدائية والثانوية مما أهله للابتعاث. إلى العاصمة لاستكمال دراسته الجامعية، وهناك خيّر في نوع الاختصاص الذي يريده فأختار الفنون العسكرية، وهكذا انتظم بين طلاب المدرسة الحربية ونجح في سني دراسته بامتياز، فعيّن مدرّساً في تلك المدرسة..
أما أبوه فانخرط بين العصابات التي تناضل في سبيل الانفصال عن الحكومة المركزية، وقد أوكل إليه قيادة القسم الرئيسي منها المتمركز في الجبال المحيطة بالمقاطعة التي يحكمها والده..
وقد أرسلت الحكومة المركزية سرايا من الجيش للقضاء على هذه العصابات، ولكنها فشلت وانهزمت في كل مجابهة لها معها. وخاصة بعد أن تولى ((فتحي)) ابن ((رشدي)) رئاستها والذي أصبح اسمه الحركي - فيما بعد - ((المنتقم)).
وأثار انهزام سرايا الدولة أمام هذه العصابات سخط الرأي العام، فقامت الصحافة وقعدت، وخرجت التظاهرات تندد بضعف الدولة وضرورة سقوط الوزارة.. وفعلاً سقطت الوزارة، وألف رئيس الدولة وزارة جديدة تولى هو بنفسه رئاستها.. وكان أول عمل قامت به وزارته تجهيز حملة كبيرة للقضاء على المتمردين أسندت قيادتها إلى الضابط الناشئ ((وحيد)).
ومن سخرية القدر أن يكون قائد هذه الحملة ((وحيد)) ابن ((المنتقم)) رئيس العصابة.
وسارت الحملة العسكرية إلى بلدة ((نجوى)) فاستقبلها ((رشدي)) حاكم تلك المقاطعة.. وأبى ((رشدي)) إلا أن ينزل قائدها الضابط ((وحيد)) في ضيافته.. وأحب ((وحيد)) ((جلنار)) ابنة ((رشدي)) بالتبني، وغرق في حبها إلى شوشته.. وبادلته ابنة ((رشدي)) الحب وباركه والدها..
وبدأ الضابط أعماله بإرسال دوريات استكشاف حققت أهدافها، فكان كسباً مبدئياً له لدى رئيس الدولة، ومكسباً أعظم في قلب ابنة ((رشدي)).
وأحس ((المنتقم)) بخطر الحملة وذكاء قائدها الشاب، فطلب المدد، فسارعت قيادة العصابة العليا بإمداده وأمرته أن يدخل في معركة فاصلة مع هذه الحملة.
وفي الوقت نفسه تداول الضابط ((وحيد)) مع أركان حربه الرأي فاستقر رأيهم على القيام بحملة مباغتة بعد الانتصارات المبدئية التي حصلوا عليها.. وشجعه عليها ((رشدي)) ووعده بتزويجه من ابنته بعد عودته مظفراً منتصراً.. ولعل هذا الوعد كان الحافز القوي ((لوحيد)) على الدخول في معركة حاسمة فاصلة مع هؤلاء المتمرّدين.
وبدأت المعركة واستدرج ((المنتقم)) المهاجمين حتى ظنوا أن المتمردين ينهزمون، ولما وصلوا إلى المكان الذي حدده ((المنتقم)) قام بهجوم مضاد لم تستطع عساكر الدولة الصمود طويلاً أمامه اذا استعر القتال بينهم، وعندها أشار رئيس أركان حرب القائد ((وحيد)) عليه بالانسحاب خشية الإبادة، ولكنه أصر على الصمود فوقف مع شرذمة من جنوده المخلصين يحارب بشجاعة فائقة لفتت أنظار ((المنتقم)) الذي كان يراقب سير المعركة من مركز قيادته.. فأوعز إلى رجاله بألا يقتلوا هذا الضابط الباسل بل يأتوا به أسيراً مهما كلف الثمن.
ووقع القائد ((وحيد)) في الأسر بعد أن قتل جميع من كانوا معه، وانسحب بقية أفراد الجيش إلى أمكنة أكثر ملاءمة للصمود والدفاع ريثما يأتيهم المدد الذي أرسلوا في طلبه بعد أن وقع قائدهم في الأسر.
وأخذ القائد ((وحيد)) إلى حيث يقيم ((المنتقم)) فلما رآه أحسّ برعشة وشعور غريب، وطلب إلى ((وحيد)) أن يقترب منه حيث وقف يتفحصه، ويسرح بخياله وهو يفعل ذلك.. وأخيراً رأى سلسلة ذهبية في عنق ((وحيد)) فطلب من الحراس ان يجردوه من ملابسه الفوقانية ففعلوا، ثم قام ((المنتقم)) وأدار ظهر ((وحيد)) إليه فرأى شامة على ظهره فلم يتمالك نفسه أن يصرخ.
ـ ولدي.. ولدي.. الحمد لله الذي أبقاك حياً بعدما ظننتك في عداد الأموات.
ـ وذهل الضابط ((وحيد)) من هول المفاجأة وخاصة عندما رأى ((المنتقم)) يضمه أليه ويغمره بوابل من قبلاته ودموع الفرح تنهمر من عينيه، ثم أمر حراسه بأن يلبسوه ويفكوا قيوده، وبعد أن فعلوا أجلسه بجانبه، والدهشة ما زالت ترين على محيا ((وحيد)) ثم طلب لهما طعاماً وشراباً..
وخلال الأكل تجرأ ((وحيد)) فسأل:
ـ أحقاً أنت والدي؟؟
ـ أجل يا ابني..ثم انهال يغمره بقبلاته..
ـ ولم تركتني يا أبي عند أحد الفلاحين يربيني حتى ظننته وزوجته والديّ..
ـ هذه قصة طويلة ستنكشف لك غداً بعدما تفعل ما آمرك به من دون تردد.
ـ وماذا تريدني أن أفعل يا أبي؟
ـ غداً صباحاً تضع القيد في يدي..
وقاطعه ((وحيد)) قائلاً:
ـ أضع القيد في يدك، وكنت أنا بدلاً منك..
ـ أفعل ما آمرك به.. ولا تسألني لماذا؟؟
ـ حسناً، وماذا بعد يا أبي؟
ـ تبعث برسول إلى قائد جنودك المتمركزين قريباً من مواقعنا وتأمره بأن ينسحب بجنوده إلى بلدة ((نجوى)) ويخبر حاكمها بأن ((المنتقم)) قد استسلم لك، وأنك ستقوده مخفوراً إلى ((نجوى)).
ـ أوامر غريبة.. وعليّ أن أطيعك يا أبي..
وبلغت الأخبار ((رشدي)) حاكم ((نجوى)) فتلقّاها وابنته بالتبني بسرور، وأمر بنصب السرادق وإقامة الزينات ابتهاجاً بعودة الضابط الظافر..
ووصل الضابط المظفر، فاستقبل استقبال الفاتحين، وعندما ترجل وسلم على الحاكم ((رشدي)) وعلى خطيبة ابنه ((رشدي)) بالتبني.. ثم قدم ((المنتقم)) للحاكم الذي عندما رآه صرخ صرخة مدوية، ثم هجم عليه وقبله بحرارة قائلاً:
ـ ولدي ((فتحي)).. سامحني.. سامحني يا ولدي.. إساءتي لا يغفرها أحد غير الله.
وقبل ((المنتقم)) يدي والده، وجمهور المستقبلين بمن فيهم ((وحيد)) وخطيبته مذهولون من هذه المفاجأة، ثم أخذ ((رشدي)) ولده ((فتحي)) و((وحيد)) وابنته ودخلوا القصر والدهشة ما تزال مستحوذة على الحاضرين.
وفي صالون القصر، قدم ((وحيد)) إلى ابيه ابنة ((رشدي)) التي كانت خطيبته وأصبحت الآن عمته فتفرس ((فتحي)) مليا في الفتاة ثم التفت إلى والده وسأله:
ـ أمات والدا هذه الفتاة حتى تبنيتها يا أبي؟؟
ـ لا أدري من هو أبوها..
ـ ثم سرد لهم قصة تبنيه لها بالتفصيل، وأردف قائلاً:
ـ إن لها أما مجنونة وهي محبوسة في إحدى غرف القصر هنا..
ـ هل لي أن أراها يا والدي؟
ـ بكل سرور..
ـ دعوني أحلق ذقني وألبس زي بلدي واسمحوا لي أن أكون أول من يدخل عليها قبلكم.
ـ لا بأس يا بني.. لا بأس.
وبعد أن انتهى ((فتحي)) من لبسه، قام مع والده ((رشدي)) وتبعه ((وحيد)) وابنة رشدي بالتبني.
وفتحت حارسته المجنونة الباب.. ودخل ((فتحي)) فلما رأته المجنونة نهضت وفركت عينيها واقتربت منه وتفرست في وجهه وشمت خده وصدره، ثم ندت منها صرخة مدوية ارتمت بعدها على صدر ((فتحي)) وهي تقول:
ـ زوجي.. زوجي.. الحمد لله..
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1743  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 35 من 65
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاثنينية - إصدار خاص بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها

[الجزء الثاني - مقالات الأدباء والكتاب في الصحافة المحلية والعربية (2): 2007]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج