شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
المقَالة الثَالثَة عَشرة
لقد قاسى البهاء زهير من لوعة الفراق وآلام الصدود كما عانى غيره من العشاق هذه اللوعة وكما قاسى غيره هذه الآلام من حرمان وصدود ولوعة واشتياق، نجد أثر هذا الحرمان جلياً في شعره الغربي وهو يعاتب حبيبه ويناجيه في لوعة وأسى يذكره بوعوده دون أن يحقق له منها شيئاً، ذلك أن هؤلاء العاشقين من الشعراء لا يجدون ما يصبرهم على قسوة الحرمان وآلام الصدود إلا أن يبثوا أحباءهم شكواهم، وينفسوا بهذا عما يعتلج في خواطرهم من ألم وشوق وحزن وحنين فهو يقول في عتابه:
ووعدتنى يوم الخميس
فلا الخميس ولا الأحد
وإذا اقتضيتك لم تزد
عن قول أي والله غد
فأعد أياماً تمر
وقد ضجرت من العدد
وتقول أوصيت الخطيب
فهل نفوه من البلد
وإذا اتكلت على الخطيب
فما اتكلت على أحد
ولا بدّ أن يكون لقب الخطيب لأحد أصحابه، فلا يمكن أن يحمل الخطيب رسالة غرام وهو على زهده وورعه، ويستبد محبوبه في القسوة فلا يجيب ولا يرد.. ويستمر في إعراضه ونفوره فهو يتوسل إليه أن يبعث برسوله وأنه يجد في هذا الرسول وهو يحدثه عنه معنى الرضا وحسن العطف ورعايته لحقه فيقول:
ويا ليت عندي كلَّ يوم رسولكم
فأسكنه عيني وأفرشه خدي
وإني لأرعاكم على كل حالة
وحقكم أنتم اعز الورى عندي
عليكم سلام الله والبعد بيننا
وبالرغم مني أن أسلم من بعد
ثم نجد البهاء زهيراً وقد ألهبه الشوق واستبد به الفراق فأخذ يلح في الرجاء ويلح في التوسل حتى ليعتبر نفسه عبداً لمعشوقه، فيقول في استعطاف وتوسل ورجاء:
سيدي أوحشت عبدك
سيـدي قلبي عندك
سيدي قل لي وحدثني
متى تنجز وعدك
أترى تذكر عهدي
مثل ما أذكر عهدك
أم ترى تحفظ ودي
مثـل ما أحفظ ودك
قم بنا إن شئت عندي
أو أكن إن شئت عندك
أنا في داري وحدي
فتفضل أنت وحدك
لم يبلغ هذا الصراع حده الأقصى بين قلبه المعذب وقسوة محبوبه فيعلن في جزع ولهفة شكواه مستجيراً بعطف من يهواه:
أين مولاي يراني
ودموعي فوق خدي
ولكن معشوقه لا يزال عند قسوته واستبداده، ولا يزال معرضاً عنه مستهتراً بشكواه مستخفاً بكل توسله ورجائه غير عابىء بهذه الآلام التي تمزق أحشاء عاشق ولهان، ولكن هذا العاشق لا يزال على أمل في حبيبه وهو بهذا الأمل يعاتب ويشكو ويتوسل ويلح في الرجاء، فيقول مؤكداً لحبيبه صدق حبه وإخلاصه مستعطفاً:
فلا ترخصوا وداً عليكم عرضته
فيـا رب معروض وليس بكاسـد
وحقكم عندي له ألف طالب
وألف زبون يشتريه بزائد
إذا كان هذا في الأقارب فعلكم
فماذا الذي أبقيتم للأباعد
وإذا ما قلنا في لغة الحياة الجارية - كل معروض كاسد - وهو قول شائع بين الحجازيين، فالبهاء زهير يحيل هذا القول شعراً ويأتي به في لون الغزل مصوغاً بفن الشاعر وأسلوبه المبتكر، ذلك أن حجازية البهاء زهير كانت ظاهرة على شعره وأسلوبه في التعبير، وللحجازيين تعبير مألوف فيمن يزايد في الشراء، فهو يقول هذا في غزله ليرد على محبوبه بأنه محل الرغبة عند الكثير وإن كان هو مبخوساً عند من يهوى ويحب.
ثم يختتم هذا العتاب في أسى وحزن عميق وهو يقول لمحبوبه:
إذا كان هذا البخس في حق الأقارب فما الذي بقي للأباعد؟.
.. وكأني أستمع إلى هذا التعبير وهو مألوف بيننا في الحجاز، وكأن أثر البيئة عند شاعرنا الحجازي كان قوياً رغم انتقاله إلى مصر في عنفوان شبابه كما أسلفنا القول عنه.
وهكذا نجد الشاعر الحجازي محافظاً لعادات قومه ملتصقاً بطباع عشيرته من الحجازيين. ومن عاش في البيئة الحجازية وعرف ماضيها وحاضرها يلمس بوضوح اتصاف شاعرنا الحجازي بالطبع الحجازي والتزامه حجازيته في تعبيراته وفي أسلوبه وفي عبارات الشعر وهي تصاغ من لغة الحجازيين الجارية.
ولنمض مع قصة البهاء زهير في حبه وشغفه بحبيبه. ولنقف معه عند موقفه من حرمانه وآلامه. ولنشهد صراع العاشق مع معشوقه... ولنشهد ما يثير خواطره من لهفات وأشواق وميل وحنين. ولنطالع عنده لوعة الفراق وعذاب الابتعاد وحسرة الهجر، وفيها يتألق فن الشاعر صادقاً في تعبيره قوياً في أسلوبه، يكون لشعره وقع وتأثير في النفوس.
وبقدر ما يقاسي الشاعر من آلام الحرمان وعذابه تبدو في شعره روائع الفن أصيلة جذابة؛ لأنها تصدر عن طبيعة منصهرة وشعور منفعل بأصدق التعبير وأحسنه.
قال وهو يصرخ في جزع وألم وفي حسرة ويأس:
وددت بأني ما رأيت وجوهكم
وأن طريقاً جئتكم منه مسدود
وكأنه يعبر في هذا عن عدد من الأحباب بعد أن يئس من حبه الأول فلقي منهم القسوة وقاسى منهم الصدود والحرمان أو أنه جرب حظه مع كل واحد منهم فلقيهم قلوباً متحجرة لا تستجيب لنداء العاشق.. ولا لصرخة المحزون، فهو يقول في هذا شعراً ليتحدث به أحبابه، وليرووا للناس قصة حبه وعذابه في هذا الحب، وحرمانه من متعة الوصال فقد قال في هذا:
حدثوا عن طول ليل بته
هل رأيتم، هل سمعتم، هل عهد
لا رعاه الله ما أطوله
تحبل المرأة فيه وتلد
وحق لهذا العاشق أن يضيق بطول هذا العهد وأن يتساءل في استنكار وحرقة هل رأوا؟ هل سمعوا؟ هل عهدوا مثل هذه القسوة في الأحباب؟ وإن حسن الصياغة في هذا الأسلوب، وجمال التعبير في هذا الوصف لتملك إعجاب القارىء وهو يقف عند هذا الشعور الملتهب، وهذا الإِحساس المنصهر فيقرأ حباً صريحاً... ويطالع شوقاً عنيفاً جباراً وشعوراً ملتهباً بأخلص وأعذب الرجاء.. ولكن خلق البهاء زهير يأبى أن يهان وطبيعته تأنف أن تذل لمعشوقه وإن كان وقع هذا الحب في نفسه شديداً.. وإن كان صد حبيبه وظلمه قاسياً، فالبهاء زهير يريد حباً تصان فيه الكرامة... وغراماً يسمو فيه الشعور فهو القائـل:
يا غادرين ألم يكن
بيني وبينكم عهود
ظهرت وبانت لي
قضيتكم فما هذا الجحود
وحلفتم ما خنتم
وعلى خيانتكم شهود
وتبدو عزته وإباؤه حين قال:
يا من تبدل في الهوى
يهنيك صاحبك الجديد
إن كان أعجبك الصدو
د كذاك أعجبني الصدود
ثم يثور لكرامته، ويثأر لعزته، فيرد في إباء وإعزاز على جفوة محبوبه وتبدله قائلاً:
وأعلم بأني لا أريد
إذا رأيتك لا تريد
وأنا القريب فإن تغير
صاحبي فأنا البعيد
ثم يرمي ذلك المحبوب بطبيعة الغدر، ويريد أن يخلص قلبه من غادر جحد حق الوفاء واستبد بالجفاء. فيود لو أنه استطاع أن يخلص قلبه في يوم من الأيام فيكون ذلك اليوم عيداً فقد قال:
يوم أخلص فيه قلبي
منك ذاك اليوم عيد
وعساك تطلب أن أعود
إلى هواك فما أعود
وأخيراً يذكر محبوبه بخلقه الرفيع. وأنه لا يخضع لتحكم المستبد. فقد قال في هذا:
ولقد علمت بأنني
لي في الهوى خلق شديد
هذا الخلق الشديد ورثه من طبيعة قومه الذين تترفع أخلاقهم عن الذل والهوان.. وتأبى أن تتمرغ على أعتاب الأحباب ومناجاتهم على جدران منازلهم والتسكع في طريقهم، إنه الخلق الحجازي المتميز بالرفعة والكمال.
فقد عرفنا المحبين يمرون بالديار لعلهم يرون أحبابهم أو يرون مـن يرونهم ويجلسون على الطريق ويشتكون. وكثير من هذا الخلق الضعيف الذي يتمرغ أصحابه في ساحة الحب يتأوهون ويبكون وينحرون كرامتهم على مذبح الغرام، ولكن البهاء زهيراً يعيش في غربته بمصر بخلق قومه الحجازيين وعزتهم ورفعة نفوسهم، لأن النفس التي لم تتعود الذلة والخنوع لا تقبل إذلال أي كائن كان حتى ولو كان محبباً إليها.
وهكذا نجد في حب هذا الشاعر الحجازي البهاء زهير ما لا نجده في حب غيره من الشعراء المتمسحين بالأرض، نجد ارتفاعاً بالنفس عن الحضيض وعزة وإباء وكبرياء، وإن مردَّ هذا كله إلى عوامل البيئة الحجازية التي شب وترعرع فيها، البيئة الحجازية التي صاغت العقول البناءة وصدّرت الأفكار الهادفة وتربى في أحضانها فحول الرجال، بل وصدّرت لجميع أصقاع الأرض قادة وحكاماً وشعراء وعلماء وأبطالاً في شتى الميادين.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1087  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 14 من 21
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

سعادة الدكتور واسيني الأعرج

الروائي الجزائري الفرنسي المعروف الذي يعمل حالياً أستاذ كرسي في جامعة الجزائر المركزية وجامعة السوربون في باريس، له 21 رواية، قادماً خصيصاً من باريس للاثنينية.