شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
((كلمة سعادة الدكتور الطاهر أحمد مكي))
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
معالي الشيخ عبد المقصود خوجه..
أصحاب المعالي والسعادة، والأساتذة والأدباء، من الإخوة والزملاء، والأبناء.
بدءاً أريد أن أعبر عن سعادتي التي لا حد لها بهذه الدعوة الكريمة، كنت سعيداً بها لأنها جاءتني تكريماً ولم أسع إليها، وعمق هذا الإحساس هذا اللقاء الودود الكريم الذي يتسم إنسانية ويشع نبلاً، الذي لقيته من مبدع هذا الحفل وداعيه، الحق أنني اكتشفت في هذه الدقائق القليلة ما أثلج صدري بلا حدود، وجدت إنساناً فاضلاً، عارفاً واعياً، لا يقف بحدود رسالته عند هذه الرقعة الضيقة التي يعيش عليها، وإنما يمتد بها إلى ما وراء المملكة، إلى ما العالم العربي كله، لتشمل المسلمين، ومحبي اللغة العربية في كل مكان، ذلك شيء يحملونه قلة على عاتقهم، والذين يخلصون له أقل، ومن هنا كما قلت في البدء، جاء إحساسي بالسعادة عميقاً وغامراً، والآن ما أود أن أقول لكم عن نفسي سمعت الكثير والكثير، سمعته من الزملاء ومن راعي هذا الحفل الكريم، لكن هناك بعض الأشياء التي لا تؤخذ من الكتب ولا من الوثائق، ولا من الورق، هناك محطات إنسانية تلعب دورها في حياة الإنسان، وتوجهه الوجهة التي تريد، طفل من قرية صعيد مصر، من قبائل عربية هاجرت مع رحلة هلالية إلى شمال أفريقيا ثم لم يعجبها الحال، فعادت واستقرت في صعيد مصر، وحافظت على تقاليدها وعاداتها، وأورثتني هذه اللغة العربية التي أعتز بها، نطقاً، وحرصاً، ومخارج حروف، ولا أغير فيها شيئاً على الإطلاق، ثم لم يكن لها من مؤهلات القراءة والكتابة في تلك الفترة من الزمن، غير مدرسة إلزامية، وكتَّاب قرية، في كتّاب القرية سوف يحفظ هذا الطفل القرآن الكريم كله، قبل أن يكمل التاسعة من عمره، وسوف يأتي المدرسة الإلزامية، لتصقله بعض الشيء، في ذلك الوقت من حياة مصر لم تكن هناك مدارس ثانوية في القرى، ولا في المراكز، كانت في المحافظات فقط، وكانت وسائل المواصلات غير متاحة كما هي الآن، إذاً عليه أن يبقى حتى يبلغ الثالثة عشرة من عمره ليتجه إلى المعهد الأزهري في عاصمة المحافظة، في عاصمة المحافظة سوف يلتقي بشيخ فاضل لا بد أن أذكره، كان يسمى محمد كامل عدلان، لمس في هذا الطفل أنه يجيد التعبير في حصة الإنشاء، فسألني ماذا تقرأ في قريتك؟ قلت له: أقرأ الأهرام، ويأتيها عدد واحد، وأقرأ الرسالة، ويأتيها عدد واحد، فأقرأ مجلة صغيرة كانت تسمى "الإسلام"، كان ثمنها خمس مليمات، يأتي بها الناس من الأسواق، وبعض لا يعرف القراءة والكتابة، وإنما يطلبون من الغير أن يقرأها لهم، فقال: حرام أن تبقى في هذه المدينة، أنت مكانك في القاهرة، وفعلاً أذكر هذا لأنني دائماً أتمنى على الآباء أن يعطوا أبناءهم حرية الاختيار، سألت أبي وهو رجل فاضل، لكنه لا يقرأ ولا يكتب، لأنه حين جاء إلى الحياة في هذه القرية لم يكن فيها مدرسة ولا حتى كتاب، هي الآن ما شاء الله، أنا أغبطها عندما أعود إليها، هنالك في أربعة أو خمسة كتاتيب، وثلاثة أو أربعة مدارس، ومدرسة إعدادية، وأخرى ثانوية، فقلت له: أبي، قال لي ماذا تريد؟ قلت له: أريد أن أذهب إلى مصر، تأنّى قليلاً، ثم سألني: هل يتطلب هذا فلوساً أكثر؟ فقلت له: لا، أنت ترسل لي في قناع جنيهاً كل شهر، وأنا أحتاج في مصر إلى جنيه ونصف، قال لي: هذا بسيط، اذهب على بركة الله، ووصلت القاهرة، وسني سبعة عشرة عاماً، وبدأت في القاهرة، هذه القدرة على التعبير وعلى الكتابة، فتحت لي أبواب الصحافة، وأنا بعد لا أزال في المدرسة الثانوية، ثم جاء امتحان دار العلوم، ودخلت الامتحان، ونجحت، وانتهى بي الأمر في آخر الحال إلى أنني نلت الليسانس بمرتبة الشرف، ثم انتظرت البعثة وجاءت متأخرة، كان يمكن أن تذهب هذه البعثة إلى أي مكان، ولكن شاء الله أن تذهب إلى الأندلس، إلى الفردوس الموعود إن شاء الله، ذهبت إلى إسبانيا، لا أكتمكم أنني أحببت أن أعد نفسي، وكنت أعتقد ماذا يعرف هؤلاء الخواجات عن الأندلس، وعن الأدب الأندلسي، ومع ذلك سألت أستاذنا الفاضل المرحوم، محمد سعيد العريان، وكان قد حقق كتاب العقد الفريد، عما أعود إليه من كتب تنفعني، فقال: عليك بكتاب "الحلل السندسية في الأخبار الأندلسية" لشكيب الإسلام، في الواقع لم نكن ندرس في الكلية الأدب الأندلسي شيئاً مستقلاً، كنا ندرسه جزءاً من الأدب العباسي، وكان الأدب العباسي مهضوماً، وسهلاً وفيه عشرات الكتب، فكان الأساتذة يستسهلونه، ومع ذلك قرأت "الحلل السندسية في الأخبار الأندلسية"، وذهبت إلى إسبانيا، وكان علي أن أعد رسالتي للدكتوراه مع إيميليو غارسيا غومس، كان أكبر مستشرق، وجلست إليه، كان يتكلم العربية قليلاً، لكنني كنت أعددت نفسي لدراسة الإسبانية، فسألني هل قرأت طوق الحمامة، لا أكتمكم أنني لم أكن حتى قد سمعت به، ماذا قرأت من المكتبة الأندلسية؟ لأول مرة أسمع هذا الاسم، فقال لي: اسمع، أنت تذهب، وتقرأ مؤلفات ابن حزم، وتقرأ المكتبة الأندلسية، ثم تعود إلي بعد عام، سمعاً وطاعة. المكتبة الأندلسية هذه لها قصة، قصة الحب، حب الأندلسيين الذين تخصصوا في تاريخ الأندلس، وكانوا لا يملكون جاهاً ولا سلطاناً، وعلى رأسهم رجل يسمى خوليان ريبيرا، أرادوا أن يطبعوا المخطوطات العربية الأندلسية، ليست هناك مطابع عربية، وإسبانيا ليست دولة غنية، فتعلموا جمع الحروف بالطريقة القديمة التي كان فيها صندوق، فيه خانات للأحرف، تعلموها، وبدؤوا يجمعون الكتب العشرة التي هي، "جذوة الأندلس في أخبار الأندلس"، و "تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي، و "الصلة" لابن بشكوال، وبقيت هذه الكتب وتكمل عشرة مجلدات، هم الأساتذة جمعوها، وحملوا هذه الحروف مجموعة إلى المطبعة، وطبعوا منها عدداً من الكتب للرسائل والباحثين، هكذا كان حبهم للأندلس، في الواقع اكتشفت بعد قليل أن هناك مدرسة لا أعرفها، هذه المدرسة جاء قيامها رد فعل لرجل فرنسي أديب، جاءت رد فعل لرجل فرنسي أديب، أراد أن ينال إسبانيا، فقال إن أوروبا تنتهي عند جبال البرانس، أي أن إسبانيا دولة أفريقية، ولم يكن الانتساب إلى أفريقيا في ذلك الوقت، وكلها مستعمرة، شيئاً مشرفاً، بدأ الأسبان المستشرقون يبحثون في تاريخ وطنهم، فلم يجدوا فيه فترة مشرقة تستحق الزهو، إلا الفترة الإسلامية، فبدءوا يقولون إن ما كتب في الأندلس طوال العصر الإسلامي، كتبه أسبان يتكلمون العربية، ويدينون بالإسلام، والإسلام لا يغير قوميات الناس، فهناك تركيا دولة مسلمة، وتتكلم التركية وليست عربية، هناك فارس، وهكذا وبدؤوا من جديد يدرسون تاريخ المسلمين في الأندلس على أنه جزء من تراثهم، وانطلاقاً من هذه القضية بدأ راهب هو ميغيل أثين بلاتيوس، هو في الحقيقة كان يدرس فلسفة الاستشراق، فبدأ يفتش عنها ضمن الفلاسفة الإيطاليين في العصور الوسطى، فقرأ كتاب "دانتي الكوميديا الإلهية"، وفجأة اكتشف أن "الكوميديا الإلهية" متأثرة بأدب المعراج الإسلامي بلا حدود، فقام بترجمة الكوميديا إلى الإسبانية، وإلى دراسة أصولها، ونشر كتابه الرائع "الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية"، ولم يكن ذلك شيئاً سهلاً، الكوميديا الإلهية ذروة الأدب الإيطالي، أن يقال أنها مأخوذة من الأدب العربي، هذا شيء لم تقبله إيطاليا، ولا المتعصبين الأوروبيين جميعاً، الرجل قالوا له دانتي لم يكن يعرف الإيطالية، وهذا باللغة العربية ليس مترجماً إلى اللغة الإيطالية، ولا إلى اللاتينية وإلى أي لغة أوروبية، فقل لنا من أين تأصل دانتي؟ والرجل قال: لا أعرف، ولكن أنا مستوعب لأدب الآخرة الإسلامي، ويعني به قصة المعراج في أوجهها المختلفة، ودانتي قرأ هذه القصة ونقل منها على آخره، ويشاء الله أن الرجل بعد أن توفي بسنة أو ثلاث، عثر على ثلاث مخطوطات ترجمت إلى اللاتينية وإلى الفرنسية، وإلى الإسبانية، لقصة المعراج الإسلامية إلى هذه اللغات الثلاث، وأن الأستاذ دانتي كان في إسبانيا عندما ترجمت هذه القصص إلى اللغة الإسبانية، كما قلت بدأ الأسبان يعتزون من جديد بالتراث الإسلامي الأندلسي، لكن طبعاً في استحياء في البدء، لأن سيطرة الكنيسة كانت عاتية، وكان على كل إنسان أن يحسب حسابه حتى أنه عندما قام محام في غرناطة، وقال أن الكردنال سيس نوريس أحرق مليون مخطوطة عربية في ميدان الرملة في غرناطة، فأضاع الكثير من الحضارة العالمية، وليس الحضارة العربية، أو الإسلامية أو الإسبانية، قام الأسبان عليه، وقالوا له: هو لم يكن أحد في الأندلس يعرف القراءة ولا الكتابة، فمن أين أتيت بهذه الملايين؟ فقام ريبيرا في ذكاء، وكتب بحثين، أنا ترجمتهما لهذا السبب، البحث الأول تحدث فيه عن التعليم في إسبانيا الإسلامية، وأثبت أن إسبانيا الإسلامية، وهو التعبير الذي يستخدمونه للتعبير عن الأندلس، لم يكن فيها أمي واحد، وبعد ذلك جاء بحثه الثاني عن الكتب والمكتبات في إسبانيا الإسلامية، وأثبت أنه لم يكن بيت من الأندلس يخلو من كتاب، حتى لو كان صاحبه لا يجيد القراءة والكتابة، كل هذا بالوثائق، أنا ترجمت كما قلت البحثين، وأضاف إليهما ثالثاً عن المدرسة النظامية في بغداد، لأنها هي أصل كل الجامعات الحديثة، في أوروبا، في الأندلس وفي مشرفنا الحديث، مضت، وأكملت الدراسة، وبعد أن انتهيت، مر مدير العلاقات الثقافية من هناك، وجلس معي، رأى فيّ بعض الخير، وقال لي: نحن في حاجة إلى من يحاضر في جامعة بوغوتا الكولومبية، وجامعة الجيزويت عن الحضارة الإسلامية، ما رأيك لو رحت، وأنا سوف أكرمك مادياً، سوف أعطيك مرتب مستشار في السفارة، فقبلت وذهبت، أسوق هذه الحكاية لأعرف كيف يحاربوننا خصومنا، دعاني الرجل عميد كلية الآداب في جامعة جيزويت لمحاضرة، فيها طالبات وفيها طلبة، فجأة وقفت طالبة، قالت لي: أستاذ هل ممكن أن أسأل سؤالاً شخصياً؟ قلت لها: بكل بساطة، قالت لي: كم امرأة متزوج؟ قلت لها: كم امرأة تعتقدين يا بنتي؟ قالت لي: خمسين أو ستين؟ ضحكتُ، وقلت لها: أنا لم أتزوج بعد، وهل تسمحين لي في الوقت نفسه أن أسألك السؤال نفسه، قالت طبعاً، قلت لها: كم رجلاً تتزوجين؟ فقالت لي: أنا لم أتزوج بعد، قلت لها: الذي يقول لك أن الرجل المسلم يتزوج الخمسين والستين امرأة، يقول لنا أن المرأة عندكم تتزوج عشرين وثلاثين رجلاً، واحدة بواحدة، يكذبون عليكم، ويكذبون علينا، وتبين لي أن السلاح الذي يستخدم هناك، هو الضغط على قضية المرأة، فالمرأة في العالم العربي والإسلامي غير متعلمة، وغير مثقفة، ليس لها حقوق، وكنت أعلم بطبيعتي أن هذا ليس صحيحاً، لأن كل الدول التي كانت تنقد نظام الطلاق عندنا، لجأت إليه كلها، قلت لهم المرأة إذا بلغت الرشد من حقها أن تبيع وتشتري، المرأة عندكم ليس لديها هذا الحق، المرأة تظل دائماً أي عقدها معها لا بد أن يوقع ولي أمرها، ما علينا من هذه القضية، ولكن وضعت في حسباني دائماً، أن علينا أن نجلو صورة واقع المرأة عندنا دائماً، عندما عدت إلى القاهرة، أنا لم أرغب في الاستمرار كثيراً أمضيت عاماً ثم عدت إلى دار العلوم، كالعادة عندنا، في البدء محاضرات لكي يمرنونا ويدربوننا -أساتذتنا الكبار -وبعضهم تعرفونهم- أستاذنا الدسوقي توفي هنا في الرياض، أستاذ الأدب الحديث، أستاذنا عبد السلام هارون، وهو حائز على جائزة الملك فيصل، وزميلي الدكتور محمد أبو الأنوار، وهو أيضاً حائز على جائزة الملك فيصل، والدكتور حمدي سكوت، كل هؤلاء الزملاء الكبار، فأنا أخذت الأدب الجاهلي، فأصدرت فيه كتابي "امرؤ القيس"، وكان الكتاب الثاني أيضاً المكتبة العربية، وأصدرت كل هذا وأنا لا زلت مدرساً لم أقترب من تخصصي بعد، سبحان الله أجمل كتابين عندي هما هذان الكتابان، "امرؤ القيس" و "دراسة في مصادر الأدب"، ربما كان وراء مصادر الأدب لفتة إنسانية أشار إليها شيخنا الجليل، كانت في إهدائه أنني قد أهديته على قلب كبير، وعقل ذكي، وسع لي ذات يوم حين ضاقت بي الدنيا، لا أدري هو الكتاب راجع على كل حال، ثم جاء تخصصي في الأدب الأندلسي، ساعتها قررت أن أقول لطلابي لا، علينا أن نعرف ماذا كتب الأوروبيون عن الأدب الأندلسي، ومن هنا بدأت بترجمة كل ما استطعت عن الأدب الأندلسي من اللغة الإسبانية مباشرة، من اللغة الفرنسية مباشرة، كتاب آخر من اللغة الألمانية ترجمته عن اللغة الإسبانية.
أما المحطة التالية وهي الأخيرة، فهو أنه في ذلك الوقت استقلت الجزائر، وأرسلت حكومة الجزائر إلى الحكومة المصرية سنة 1968م، تريد منها عدداً من الأساتذة الجامعيين، لتعريب التعليم الجامعي في الكليات الإنسانية، كان قد سبقنا إلى هناك مئات من المدرسين المصريين، أكاد أقول الآلاف، لتعريب التعليم الابتدائي، أما نحن فكنا من الجامعة، وكانت الحكومة المصرية هي التي تتولى دفع رواتبنا، أما الحكومة الجزائرية فتكرمت علينا مشكورة بسكن مريح وجيد، كلية الآداب كانت تسير على نظام الشهادات، شهادة اللغة العربية نحو وصرف وعروض، شهادة الأدب بكل ألوانه، شهادة الدراسات الإسلامية، وكلها تدرس باللغة العربية، ثم لكي يحصل الطالب على شهادة الليسانس فلا بد أن يحصل على شهادة الأدب المقارن، لكن ليس من قسم اللغة العربية لأنه لا توجد فيه دراسات للأدب المقارن، وإنما من قسم خاص بالأدب المقارن تتم فيه الدراسة باللغة الفرنسية، وكان هناك مئات من الطلاب الجزائريين نجحوا في الشهادات الثلاثة ولا يستطيعون أن يجتازوا الامتحان في شهادة مادة الأدب المقارن، سألني رئيس القسم، هل من الممكن أن نعرب شهادة الأدب المقارن أيضاً، قلت له: أنا درست الأدب المقارن عامين على كبار العلماء، أستاذنا المرحوم الدكتور إبراهيم سلامة، وأستاذنا الدكتور عبد الرزاق حميدة، لكن هذا يتوقف على وجود المصادر، قال لي: المصادر كافية، وصحبني إلى المكتبة، ووجدت فيها شيئاً رائعاً، مكتبة الجزائر تراث فرنسي، فرنسا صنعتها لأبنائها، فهي جامعة رائعة من ناحية التنظيم الجامعي، فقلت له ممكن، فسألت: ماذا يدرسون في الشهادة؟ قال: إنهم يدرسون تاريخ العلم، ومناهجه، والجانب التطبيقي، حسناً ماذا يدرسون في الجانب التطبيقي؟ قالوا يدرسون تأثير أو تأثر راسين في كتابه أو مسرحيته لسيد بالملحمة الإسبانية لمونوسودادس دلسي، طفولات السيد، وهم يقارنون بينهم، حسناً، نحن أيضاً سنقدم لهم تاريخاً للأدب المقارن، لكنني وجدتهم عندما يدرسون تاريخ الأدب المقارن يسقطون أية محاولة للعرب، نحن لن نعرف المصطلح حقيقة، المصطلح وليد القرن التاسع عشر الميلادي، لكن نحن أيضاً في القرن الثالث الهجري، والتاسع الميلادي، الرابع الهجري، العاشر الميلادي، سوف نعرف الأدب المقارن من غير مصطلح، ولكن تطبيقاً، ولكن لا بد أن نشير على هذا، ثم عرفنا إلى ما مهد للأدب المقارن، وهو الموازنة والمعارضة، والنقائض، ولا بد أن نشير إلى هذا، هم لا يشيرون عليه إطلاقاً، فقررت أن أضع كتاباً عن تاريخ الأدب المقارن، وأن أترجم ملحمة السيدي الإسبانية إلى اللغة العربية، ولا أقارنها بملحمة رسيل الفرنسية، وإنما نبحث ما فيها من تأثيرات عربية، لأن السيد هذا بطل، وأنا أقول عنها دائماً هو نصف إسباني، ونصف عربي، عاش في إسبانيا مع ملوكها بعض الوقت، وعاش بقية عمره مع الملوك المسلمين في سرقوسطة، وكان يجيد اللغة العربية، وكان يجلس للشعراء العرب، ويقول لوسام إنه كانت تتلى عليه قصة المهلب ابن أبي صفرة، فيعجب لها ويطرب، ووجدت فيه صفات كثيرة بينه وبين شخصية المهلب، وهذا ما جعله يعتز به، أيضاً وجدت أن هذه الملحمة كلها لسيد، كلها متأثرة بالسيرة الهلالية عندنا، وكتبت تاريخ الأدب المقارن كما قلت، وطرقت هذا التأثير، وكلا الكتابين كان يصنع لأول مرة، لم يكن عندنا. وللأستاذ الدكتور غنيم هلال رحمه الله، زميلنا، قد ألف قبلي كتاباً في الأدب المقارن، وكان هو الرائد، ولكن عادة الرائد تفوته أشياء من جانب، ومن جانب آخر كان متأثراً بالمدرسة الفرنسية وحدها، فلم يتجاوزها إلى غيرها، أنا لم أكن متأثراً بالمدرسة الفرنسية، فعرضت لكل المدارس، وجئت بعده بأربعين عاماً، فأكملت أيضاً ما استحدث في هذا العلم طوال هذه الفترة، هذا الكتاب كلفني خمسة عشر عاماً من عمري، هي أجمل سنوات الإنتاج الأدبي الذي تعبت فيه كثيراً، لكني أعتقد أننا كنا في حاجة إليه، ومن خير ما ألفته، ومن يومها من هذه اللحظة اتجهت جهودي إلى الأدب المقارن، الأدب المقارن تاريخاً، كما قلت لحضراتكم، تبين لي أن الجاحظ كان له محاولات، لأنه حاول أن يدرس مفهوم البلاغة عند العرب، وعند الفرس، وعند اليونان، وعند الهنود، والأدب المقارن من متطلباته أن تتم المقارنة بين لغتين مختلفتين، أيضاً تبين لي أن الجاحظ درس شروط الترجمة، ولكي تؤدي دورها كاملاً على نحو لم يتقدم به الأدب المقارن الحديث خطوة واحدة، كأنه ترجم ما كان عند الجاحظ، الآن هذه العملية تجري، وكما قلت لحضراتكم، في جوار ذلك درست القصة القصيرة والشعر العربي المعاصر، وأيضاً القصة القصيرة أكاد أقول ليس زهواً، ولكن اعترافاً بالواقع أنني أول من درسها بالجامعة، لأننا قبلها لم نكن نعترف بها فناً، وبعض هؤلاء الطلاب النابهين الذين انتبهوا ومن بينهم الدكتور سحمي الهاجري، الذي درس عندنا القصة القصيرة، وعمل فيها رسالة ماجستير في السعودية، ورسالة الدكتوراه عن الرواية السعودية، أظنه الآن عضو مجلس نادي جدة الأدبي، بارك الله فيه، ومد في عمره، هذه هي رحلة حياتي أيها الأعزاء، ممكن يطول بي الحديث، لكن أظن أن الوقت المحدد قد انتهى، من فضلكم نبهوني، برحلة الحياة لكن كما قلت أنا لي طلاب كثيرون، وتعودت مع طلابي أن أعطيهم حرية التوجه، وحرية الفكر، لا أرغم طالباً على أن يسلك طريقي الذي سلكته، هو له اتجاه، له ثقافة، ويعيش عصراً غير عصري، وزماناً غير زماني، ولذلك يسألني الناس دائماً ما رأيك في الشعر الحر، ما رأيك في قصيدة النثر، ما رأيك في كل هذا، أنا أولاً أقول أن المبدع لا يبدع إطلاقاً إلا إذا امتلك حرية تعبيره، مع معرفة مفهوم الحرية، حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية غيرك، لكن أنا أؤمن باحترام المصطلح، ولذلك أجد أن يطلق على هذا الجمع المبارك منتدى أو لقاء، ولم أكن أرحب أن يسمى بمسمى صالون، فضلاً عن أنها كلمة أجنبية هي لا تعبر تعبيراً حقيقياً عن المنتدى، والمنتدى لا يعبر تعبيراً دقيقاً عما يجري في الصالون، فلماذا نسرق مصطلحاً ليس مصطلحنا على شيء مغاير، ولذلك يسألني الطلاب أقول سلهم: الشعر الحر أدب، ما في ذلك شك، وبعضه أدب رائع، لكن المشكلة من أن بعض أبنائنا تصوروا أن الشعر أفضل من النثر، وهذا ليس صحيحاً، النثر أصعب، كالجاحظ مثلاً ليس أقل شهرة من المتنبي، والمعري في نثره ليس أقل خلوداً من المعري في شعره، وإذا كان ديوان شوقي طبع عشر مرات، أو خمس عشرة مرات، فإن كتب المنفلوطي تجاوز طبعها الخمسين، أيضاً نجيب محفوظ ناثر، وليس شاعر، وهو الآن يغطي على أي شاعر في الدنيا، إذاً كل من يريد أن يكتب فليكتب بالطريقة التي يعبر بها عن نفسه، وبالطريقة التي تريحه، لكن يبقى المصطلح مصطلحاً، الشعر له وضع وله قواعد، وله أوزان، من يكتب فيها شاعراً، ومن ليس يكتب فيها أديباً، الأندلسيون كانوا أذكى، الأندلسيون عندما أحسوا أن الغناء يتطلب قوافي أرحب وأكثر تعدداً، عددوا القوافي، لكنهم لم يقولوا الشعر الحر، ولا الشعر المتعدد القوافي، سموه الموشحات، هذا موشح، وهذا شعر، أيضاً، عندما بدأ بعض الناس الذين لا يجيدون العربية، يطالبون كلمات مفهومة للأغاني، كتبوا الموشحة باللغة العامية، ولكن لم يقولوا الموشحات باللغة العامية، سموها زجلاً، فنحن لدينا شعر، ولدينا زجل، ولدينا موشح، وأعظم زجال في الأندلس، هو ابن قزمان، قال حاولت أن أكون شاعراً، فلم أجد لي مكاناً بين الشعراء، وحاولت أن أكون وشاحاً فلم أجد لي مكاناً بين الوشاحين، فقلت الزجل، فذاعت شهرتي، فأنا زجال، إذاً من حق كل إنسان أن يكتب ما يشاء، وأن يكتب ما يريد، وأن يكتب على النمط الذي يريده، ولكن ليس من حقه أن يسرق مصطلحاً لا ينطبق على ما يقول، إذاً ماذا نصنع، ولذلك كنت دائماً كنت أواجه زملائي النقاد الذين يتعصبون للشعر الحر، أقول لهم القدماء صنعوا لنا قواعد، عروضاً، وقوافي، وصوراً وكل شيء، أنتم إذا أردنا الآن أن نوازي بين شاعر يقول الشعر الحر، وشاعر آخر يقول الشعر الحر، ما هي القواعد التي يمكن أن نعود إليها؟ لا توجد قواعد! الشاعرة الوحيدة التي كتبت كلاماً علمياً في هذا، كانت نازك الملائكة رحمها الله، ولكنها عادت في آخر كتاباتها وقالت: لا، يبقى مصطلح الشعر للشعر القديم، أما الشعر الحر فمكانه المسرح، لأنه يعطي حرية الخروج عن العروض، وعن القافية، وآخره، وكان ردي بسيطاً، أن المسرح الآن لا يكتب لا بالشعر العمودي، ولا بالشعر الحر، المسرح الآن يكتب بالنثر، حتى أن بعض المسرحيين يقول هذا، يكتبونه باللهجة العامية، الدكتور يوسف إدريس رحمه الله، يقول في مقدمات مسرحياته، كتبتها لتمثّل لا لتُقرأ، فليس من حق أحد أن يقرأها وأن يحاسبني عليها، إنما أحاسب على إخراجها على المسرح، لأن إخراج المسرحية على المسرحية، لا يستعين بالكلمة وحدها، وإنما يستعين بالضوء، وبالصوت وبالحركة، وبالإشارة، حتى بالملابس التي لا تدخل في هذا العمل، إذاً ليست لدينا قواعد لقراءة وتحكيم الشعر الحر، أما تسمية الزجل بأنه شعر عمودي، فأنا أرفضه ولا أوافق عليه إطلاقاً، لا أعرف ماذا أقول، ولكن كان في مصر قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة، رابطة، اسمها رابطة الزجالين، كانوا زجالين، وكانوا يعترفون بالزجل، وكان هناك من يقول الشعر الجيد، ومن يقول الزجل الجيد، وهو يسمي شعره الجيد شعراً، ويسمي زجله الجيد زجلاً، أما قصيدة النثر فهي أيضاً، حتى العنوان يناقض نفسه، يهدم آخره أوله، قصيدة تعني نظاماً معيناً، نثر يعني نظام معين، فأن يقال قصيدة نثر، فهذا كلام غير مفهوم، وهذه القضية جديدة، أنا أعتقد أن خطبة "قس ابن ساعدة"، (أيها الناس، من عاش مات، ومن مات فات)، (وكل ما هو آت آت)، أنا أعتقد أن خطبة القس بن ساعدة، إذا أخذنا كلام إخواننا هذا، لا ألومن الشعر المنثور، إذاً مثل هذا الكلام موجود في أدبنا العربي منذ أن وجد الشعر الجاهلي نفسه، ولم يسمه الناس قصيدة الشعر، ولا شيئاً من هذا القبيل، وأذكر أن مجمع اللغة العربية فكر أن ندخله، الأعضاء قالوا: أنتم تقدمون لنا أناساً لا نعرفهم، لماذا لا نجعلهم يأتوننا، ونجعلهم يتحدثون حول قضية معينة، ثم نرى أفكارهم، وكانت الندوة حول الشعر، وأقترح علي أن أتحدث عن الشعر العمودي، وأقترح عليّ زميلي المرحوم الدكتور الفاضل، زوج الدكتورة نبيلة، وعلى زميلي الآخر الأستاذ محمد عبد المطلب أن يتحدثا عن قصيدة النثر، أنا قلت رأيي في القصيدة العمودية، والأخ الذي كان مقدراً له أن يتحدث عن قصيدة الشعر الحر اعتذر، وبقي الأخ محمد عبد المطلب وكان يدافع عنها دفاعاً حاراً، وقال أصل القرآن، و "ما هو بشاعر" الآية...، معنى ذلك أن من العرب من كان يعتبر القرآن شعراً، فقلت له يا أستاذ، أنت أخطأت، ما "هو بشاعر" هنا، ما هو بكاهن، ما هو بمتنبئ، والقرآن يرد على الجاهليين، لأنهم اتهموا النبي عليه الصلاة والسلام بأنه شاعر، لا بأن القرآن شعر، هذا لم يصل أبداً.
أنتهي بما بدأت به، وهو الشكر الجزيل لمعالي الشيخ عبد المقصود على أنه أتاح لي هذه الفرصة، ورعى الله هذا البلد الطيب الكريم، حصناً للعروبة ودرعاً للإسلام، ووفقكم الله في ندواتكم، وأكثر منها، وشكراً لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عريف الحفل: شكراً لضيفنا الذي استمتعنا بحديثه الأستاذ الدكتور أحمد مكي، وقبل أن أنقل لاقط الصوت لقسم السيدات، وليسمحن لنا باقتطاع هذا الجزء من الوقت لسعادة القنصل المصري بجدة، السفير علي العشيري، ليتحدث في حدود ثلاثة دقائق بهذه المناسبة، فليتفضل.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :717  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 190 من 199
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج