شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
بلاغة الجواب
ليست "البلاغة" كلاما فقط، وليس الحكم على إنسان بأنه بليغ يقتضي حتما الاعتماد على جودة ما يصدر عنه، من قول منطوق أو كلام مكتوب رتَّبت فيه الألفاظ، ونسقت فيه العبارات، تنسيقاً فنياً خاصاً يحقق به المتكلم غايته من الكلام، وإن كان ذلك هو المعروف عن البلاغة أو فن القول الجدير بالتتّبع والدراسة، والذي يكون موجها إلى ما يصلح به الكلام، ويؤدي الغرض المنشود الذي رمى إليه المتكلم في أجمل أداء، وأنصع بيان على حسب ما تقتضيه المقامات في سائر المواقف والأحوال.
وإذا كانت "البلاغة" تعتمد على ذلك، وتجعل فنّية التعبير موضوعا لدراستها، ومبادئ لتشريعاتها، فإنها لا تنكر الإفادة من كل ما يحقق النجاح، ويصيب الهدف في سائر المواقف بالأقوال المطنبة حينا، وبالعبارات الموجزة حينا، وبغيرهما مما يفيد من الوسائل والأسباب.
حتى الصمت والسكوت عن البيان قد يكون من أبلغ البلاغات، إذا استطاع الصامت أن يدرك بصمته ما يستطيع المتكلم أن يصيب بكلامه، وقد نقل الجاحظ قول إسحق بن حسان: "لن يفسر أحد البلاغة تفسير ابن المقفع إذ قال "البلاغة اسم لمعان تجري في وجوه كثيرة، منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا، وربما كانت رسائل. "
وقوله "منها ما يكون في السكوت" فسره صاحب الصناعتين بأن السكوت يسمى بلاغة مجازا في حالة لا ينجح فيها القول، ولا تنفع فيها إقامة الحجج. وإذا كان الكلام يعري من الخير أو يجلب الشر، فالسكوت أولى، كما قال أبو العتاهية:
ما كل نطق له جواب
جواب ما يكره السكوت
وقال معاوية لابن أوس: "ابغ لي محدثا. قال: أو تحتاج معي إلى محدث؟ قال: أستريح منه إليك، ومنك إليه، وربما كان صمتك في حال أوفق من كلامك."
فالصمت في كثير من المواقف يحقق للصامت ما يريد من اجتلاب خير، أو دفع ضر، أو تجنب لمزالق لا يؤمن فيها العثار، وكثيرا ما تحدثوا في فضل الصمت، وعدوه من آيات الحكمة، ولذلك قالوا:
مت بداء الصمت خيْـ
ـرٌ لك من داء الكلامِ
إنما العاقلُ مَنْ
ألجم فاهُ بلجامِ
كما قالوا "مقتل الرجل بين فكيه".
وكل ذلك يعود بنا إلى المفهوم العام لكلمة البلاغة وإلى دلالتها في أصل لغتنا، وهي البلوغ والانتهاء إلى الغايات، وتحقيق الأهداف من الأقـوال والأفعـال من غير تخصيص ببلاغـة الكلام، أو تقييد بفنية التعبير.
والصمت المحمود، أو الصمت البليغ هنا هو صمت القادر المبين الذي يسكنه الحلم، وتسكته الحكمة وسداد الرأي، وليس صمت العاجز الذي ينشأ عن العي والحصر وفقد القدرة على الإبانة والإفصاح.
ومهما يكن من حكمة الصمت أو جدوى السكوت، فإنه لا يقاس بعظمة البيان الذي اختص به الإنسان، وميزه الله تعالى به من بين سائر المخلوقات، وفي حين أن الصمت يشارك الإنسان فيه كل ما خلق الله، وإن كان في صمته ناطقا بعظمة البارئ، وقدرته على الخلق والإبداع.
ثم إن البيان ليس ثرثرة في القول، ولا لغوا في الحديث، ولكنه الوسط المحمود الذي يتحقق به الغرض، وهو الذي يصيب المحزّ، ويطبق المفصل، كما قالوا في وصف الكلام البليغ.
وهناك مواقف عصيبة يضطرب فيها أكثر الناس، ولا يستطيعون مواجهتها، فيعيون بالجواب.
وأكثر ما يكون ذلك من مفاجئات ذوي الجاه والسلطان الذين يرهب جانبهم، ولا تؤمن بوادرهم، وهم معتصمون بجاههم أو بمناصبهم، فيبهر الناس أمامهم، ويفحمون بصمتهم، ولا يستطيعون الانتصاف لأنفسهم بالقول الصريح أو الجواب المكشوف الذي قد يؤدي بهم إلى ما لا يحمدون عاقبته، فيؤثرون السلامة، ويلوذون بالصمت الذي يلزمهم الحجة، ويحمل في طياته معاني الإذعان والتسليم، مع ما قد يكون في ذلك من الإقرار لخصومهم بما نالوا من كراماتهم، وما انتقصوا من أقدارهم.
وقلَّ من الناس من يثبت في تلك المواقف الرهيبة، فلا يسكت على ضيم، ولا يقيم على هوان، بل ينقلب بحسن تأتّيه، وحضور بديهته، ورباطة جأشه، وقوة بيانه، وسرعة جوابه إلى القول المعجب المقنع الذي يأخذ بتلابيب خصمه الذي حاول إحراجه، فيقبل تحديه، ويلزمه الحجة، ويفوَّت عليه فرصته، فيرتد بذلك من موقف الضعف والهوان إلى موقف القوة والاستعلاء، الذي يحمل متحديه على الإذعان والتسليم، فلا يتمادى فيما كان آخذا فيه من الإحراج والتضييق.
ويزخر تاريخنا بمن لا يحصون من أفذاذ الرجال الذين استطاعوا أن يقهروا خصومهم، وأن يرتفعوا فوق تلك المواقف العصبية بالكلمة الحاسمة، والأجوبة المسكتة، وبذلك يخرجون من الأزمة ظافرين. ومن أولئك الرجال أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه، وقد روي من بدائهه العجب العجاب، فمن ذلك ما رواه الإمام أبو يوسف أن المنصور دعا أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور- وكان يعادي أبا حنيفة - "يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدّك. كان عبد الله بن عباس يقول إذا حلف عليّ اليمين، ثم استثني بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة لا يجوز الاستثناء
إلا متصلاً باليمين". فقال أبو حنيفة: " يا أمير المؤمنين، إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب المؤمنين بيعة". قال: "وكيف ذلك؟ " قال: "يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم ". فضحك المنصور، وقال: "يا ربيع، لا تعرض لأبي حنيفة" . فلما خرج أبو حنيفة قال له الربيع: "أردت أن تشيط بدمي". قال: "لا، ولكنك أردت أن تشيط بدمي، فخلصتك وخلصت نفسي ."
فانظر كيف تخلص أبو حنيفة مما أراد أن يورطه فيه الربيع، وكيف أقنع بحضور بديهته، وأبلغ في الجواب، مع احتفاظه برأيه، الذي أجاد عليه الاستدلال.
ونقل عن بعض الهند أن جماع البلاغة هو البصر بالحجّة، والمعرفة بمواقع الفرصة، ومن البصر بالحجّة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان طريق الإفصاح وعرا، وكانت الكناية أقدر على تحقيق المراد.
وكثيراً ما كان حضور البديهة وبلاغة الجواب سببا في نجاة صاحبهما من خطر محدق يهدد حياته، ولذلك أمثلة كثيرة في أدبنا العربي وتاريخنا القديم والحديث، وهي تشهد بما أوتي القوم من ثبات القلب ورباطة الجأش، والتمكن من البيان المقنع الذي يحمل المتربصين بهم على السكوت والتسليم أمام سلطان الحق وسلامة المنطق.
ومن ذلك أن زيادا أخذ رجلا من الخوارج فأفلت منه، فظفر بأخ له، فقال له: "إن جئت بأخيك وإلا ضربت عنقك. " فقال الرجل: "أرأيت إن جئت بكتاب من أمير المؤمنين تخلي سبيلي؟ قال: "نعم" قال: "فأنا آتيك بكتاب من العزيز الرحيم، قال الله عز وجل "أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرة وزر أخرى؟ " فقال زياد: "خلّوا سبيله، هذا رجل قد لقن حجته."
وللطفيليين في هذا الباب أعاجيب، استطاعوا أن يظفروا بها بما اشتهوا من التطفيل، وأن يلزموا المعترضين عليهم والناقدين لمسالكهم أقوى الحجج، ومن ذلك ما رواه منصور بن علي الجهضمي قال: "كان لي جار طفيلي، وكان من أحسن الناس منظرا، وأعذبهم منطقا، وأطيبهم رائحة، وأجملهم ملبوسا، وكان من شأنه إذا دعيت إلى دعوة تبعني، فيظن الناس أنه صاحب لي. واتفق يوما أن جعفر بن القاسم الهاشمي، أمير البصرة، أراد أن يختن بعض أولاده، فقلت في نفسي كأني برسوله وقد جاء يدعوني، وكأني بهذا الرجل قد تبعني، والله إن تبعني لأفضحنه، فأنا على ذلك إذ جاء الرسول يدعوني، فما زدت على أن لبست ثيابي وخرجت، فإذا أنا بالطفيلي يقف على باب داره قد سبقني بالتأهب، فتقدمت فتبعني، فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة ودعي بالطعام، وحضرت الموائد، وكان كل جماعة على مائدة، والطفيلي معي. فلما مد يده لتناول الطعام قلت: "حدثنا درست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار قوم بغير إذنهم فأكل طعامهم دخل سارقا وخرج مغيرا". فلما سمـع الطفيلـي ذلك قـال: "إنه ما مـن أحد من الجماعة إلا وهو يظن أنك تعرض به دون صاحبه، أولا تستحي أن تحدث بهذا الكلام على مائدة الأمير، وتبخل بطعام غيرك على من سواك؟ ثم ألا تستحي أن تحدث عن درست بن زياد، وهو ضعيف، عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث، يحكم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون على خلافه، لأن حكم السارق القطع، وحكم المغير أن يعزر على ما يراه الإمام؟ وأين أنت من حديث حدثنا به أبو عاصم النبيل عن ابن جريح عن أبي جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية" وهو إسناد صحيح ومتن صحيح؟ " قال منصور بن علي: "فأفحمني، فلم يحضرني له جواب." فلما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي ورائي، وسمعته يقول:
ومن ظن ممن يلاقي الحروب
بألا يصاب فقد ظن عجزا
ولا تقتصر بلاغة الجواب على مخاطبة ذوي الجاه والسلطان، بل إنك لتجد الجواب البليغ في كثير من المواقف التي يحس فيها المخاطب بالحرج، فيحسن التخلص من موقفه، ويرفع عن نفسه ما يظنه السائل إثما، بالنادرة اللطيفة، وبالطرفة المستملحة التي تفحم المعترض، ولا يحير أمامها جوابا.
ولا شك أن العامل النفسي له أثر خطير في مثل ذلك الإبداع. فإن الاستفزاز، الذي يعقب ثورة النفس وحدة الانفعال، هو الذي يؤتي هذه الكلمات البليغة، والأجوبة المسكتة، والحجج البالغة. وآية ذلك ما قال صحار ابن عياش العبدي، وقد سأله معاوية بن أبي سفيان: "ما هذه البلاغة التي فيكم؟" قال صحار: "شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا" فقال رجل من عرض القوم: "يا أمير المؤمنين، هؤلاء بالبسر والرطب أبصر منهم بالخطب." فقال له صحار "أجل، والله إنا لنعلم أن الريح لتلقحه، وأن البرد ليعقده، وأن القمر ليصبغه، وأن الحر لينضجه." وسأله معاوية: "ما تعدون البلاغة فيكم؟" قال: "الإيجاز". قال معاوية: "وما الإيجاز" ؟ قال صحار: "أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ."
ويختلف الناس اختلافا كبيرا في حظهم من الإجادة في مختلف المقامات. فمن الناس، كما يقول أبو هلال العسكري، من إذا خلا بنفسه، وأعمل فكره، أتى بالبيان العجيب، والكلام البديع المصيب، واستخرج المعنى الرائق وجاء باللفظ الرائع، ولكنه إذا حاور أو ناظر قصّر وتأخر. فحق هذا ألا يتعرض لارتجال الخطب، ولا يجاري أصحاب البدائه. والناس في صناعة الكلام على طبقات، منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد، وإذا كتب أو أملى أخلّ وتخلّف. ومنهم من إذا كتب أحسن، وإذا حاور أو أملى أساء. ومنهم من يحسن في جميع هذه الحالات، ومنهم من يسيء فيها جميعا. غير أن المشهود لهم بحضور البديهة وبلاغة الجواب هم الذين ينتزعـون الإعجـاب بما يصيبون من ظفـر وتوفيق، ولذلك يحسب لهم الناس ألف حساب، قبل أن يفكروا في إحراجهم أو إثارتهم، لأنهم يعرفون مقدما أنهم المغلوبون إذا خاضوا معهم في ميادين الجدل والحجاج.
وكان محمد بن القاسم، الملقب بأبي العيناء، فصيحا بليغا من ظرفاء العالم، وكان آية في الذكاء واللسن وسرعة الجواب. ولذلك حظي بالقرب من خلفاء الدولة وكبار رجالها. ومن لطائفه أنه شكا إلى عبيد الله بن سليمان تأخر أرزاقه، فقال له عبيد الله: "ألم نكن كتبنا لك إلى ابن المدبر؟ فما فعل في أمرك؟" قال: "جرني على شوك المطل، وحرمني ثمرة الوعد." فقال: "أنت الذي اخترته" فقال: "وما عليّ، وقد اختار موسى قومه سبعين رجلا، فما كان منهم رجل رشيد، وأخذتهم الرجفة. واختار النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي سرح كاتبا له فلحق بالمشركين مرتدا."
ولقيه بعض الكتاب في السحر، فجعل يتعجب من بكوره، فقال له أبو العيناء: "تشاركني في الفعل وتنفرد بالتعجب؟". وقالت له قينة: "هب لي خاتمك أذكرك به". فقال "اذكريني بالمنع" . ! وقيل له: "لا تعجل، فإن العجل من عمل الشيطان". فقال: " لو كان من عمل الشيطان لما قال موسى عليه السلام (وعجلت إليك رب لترضى)".
وأخيرا، فإن فصاحة اللسان ليست بقادرة وحدها على مواجهة تلك المواقف بالرأي الصائب والكلمة البليغة التي تلزم الحجة، وتظهر فيها الحكمة وفصل الخطاب. ولكن ملاك الأمر في ذلك التوفيق ملكة للبيان، من ورائها جودة في القريحة، واستحكام في العقل. وبذلك كله يتم للبلاغة معناها، وتصيب مرماها.
وهل البلاغة ألاّ القول السديد المعجب الذي ينصر صاحبه في الأزمات، ويأخذ بيده في سائر الأحوال والمقامات؟ .
* * *
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2121  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 18 من 25
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

عبدالله بلخير

[شاعر الأصالة.. والملاحم العربية والإسلامية: 1995]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج