شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
المحاكاة الجديدة بين القبح والجمال
تتطلع الإنسانية في كل ناحية من نواحيها إلى مثلها العليا، وتحاول بكل ما استطاعت أن تتحاشى ما قد يكون في حياتها من وجوه النقص أو أسباب الوهن التي تقعد بها عن بلوغ غاياتها، وإدراك مُثُلها في الحياة وقواعد السلوك، وفي الفن والفكر. وبذلك تصل إلى الكمال كما يصوره خيالها، أو ما تستطيع أن تبلغه من درجات هذا الكمال، إذ كان البون شاسعاً، والطريق وعراً يضطرها أن تقطعه خطوات خطوات.
وقديماً دافع أرسطو عن الشعراء في كل ما يتوقع من أسباب النيل من أدبهم التي ينال بها منهم خصومهم، ورأى أنه من الممكن أن يعتذر عن الشاعر بأنه يصور الأشياء كما هي في الطبيعة، أو كما يعرفها الناس، أو كما ينبغي أن تكون عليه، وتلك الأخيرة هي المثالية التي يرسم الشعراء بها للإنسانية طريق الكمال، إذ هم يرون في الحياة والأحياء وفي مشاهد الطبيعة التي تقع عليها حواسهم، ما لا يخلو من نقص، وليست مهمتهم ولا مهمة أدبهم أن يقف عند رسم الصورة كما كانت من غير أن يكون لفنهم أثر فيها، وهذا الأثر هو الإضافة والتعديل، وحينئذ يجد الناس في ذلك الفن تبصرة وتوجيها إلى ما ينبغي أن تكون عليه الحياة والأحياء، وبذلك يكون للأدباء دور إيجابي في محاولة النهوض بالمجتمعات الإنسانية.
وذلك هو لب نظرية التقليد أو المحاكاة في الشعر التي عرفت عن أرسطو، وتحدث عنها في كتابه "فن الشعر". وذهب بعض الناس إلى أن أرسطو حين قال إن الشعر تقليد للطبيعة كان يريد أن الجمال الحقيقي موجود أمام من ينشده في أصله وهو الطبيعة، وعلى طالب هذا الجمال أو ذاك الكمال أن يطلب ما يريد في الطبيعة، إذ هي الأصل، وكل محاكاة بالغة ما بلغت من درجات الإتقان لا تستطيع أن تصل إلى درجة الجمال أو الكمال الموجودين في الأصل.
وذهب آخرون إلى أن المراد بتقليد الطبيعة تقليد المثل العليا للطبيعة والحياة كما صورت في خيال الفلاسفة والحكماء. ومعنى ذلك أن عملهم الفني هو محاولة لإصلاح ما قد يكون في الطبيعة أو في الحياة من وجوه النقص، وبذلك تكون مهمتهم من أسمى المهمات، لأنها مهمة النهوض بالإنسان، وكل ما يؤثر فيه أو يتأثر به، بما طبعوا عليه من رقة الإحساس وسمو الوجدان، واستطاعتهم إدراك ما لا يستطيع غيرهم إدراكه. وعلى هذا يكون عمل الأديب إيجابياً، لأنه يؤدي وظيفة لا تستغني عنها الحياة.
والمحاكاة شيء طبيعيّ في الإنسان، فالصغير يقلد الكبير في سلوكه وأخلاقه وكذلك في زيه ولغته، وعن طريق تلك المحاكاة يتقدم في فهمه للحياة، كما ينتفع بالتجارب الكثيرة التي مر بها الذين سبقوه في الحياة، وبذلك يدخر وقتاً وجهداً لا مناص من بذلهما إذا لم يفد من التجارب والخطوات التي قطعوها.
وكذلك الشأن في الفنون التي عرفتها الإنسانية، فالرسامون يتطلعون دائماً إلى تلك اللوحات الرائعة التي صورها ورسمها كبار الرسامين العالميين من أمثال أنجلو، ودي فنشي. والموسيقيون يحاولون أن يصلوا بفنهم إلى الدرجة التي وصل إليها أعلام هذا الفن من أمثال بيتهوفن وموزار وغيرهما من أعلام الموسيقى، وكذلك المثالون والنحاتون، فقد استطاع جماعة من العباقرة الأفذاذ أن يحتلوا منزلة واضحة في خط سير كل فن من الفنون، وكانوا كالمنارات التي يهتدي بها السائرون في طريق الحياة الطويل.
وقد عد فن الأدب من أهم الفنون الإنسانية، إذ به يتحدث الأديب عن نفسه، ويصور عواطفه وانفعالاته، ويبث فيه آلامه وأحلامه، كما يصور الطبيعة وأثرها في نفسه وآمال الجماعة التي يعيش فيها وآلامها، مستخدماً في العبارة عن أفكاره وعواطفه وانفعالاته أسمى ما وصلت إليه اللغة التي يعبر بها، وفيها خلاصة معالم الحسن والجمال وأساليبها المختارة التي أصبحت خصائص مميزة للفن الأدبي الجميل، وهي ما يمتاز به ذلك الفن من سائر ضروب التعبير، وما تستعمله عامة أصحاب اللغة في مخاطباتها ومحاوراتها في حياتها اليومية، وأصبحت تلك اللغة ذات السمات الخاصة هي التي تسمى اللغة الأدبية، وإنما استحقت هذا الوصف بطابعها المميز من بين لغة التعبير عن مقاصد الحياة وأغراضها بين عامة أهل اللغة.
وأصبح تقليد تلك الخصائص الفنية للجمال الفني من أهم ما يحتذيه أولو المواهب من شداة الأدب وناشئته في تأليفهم أعمالاً أدبية يجد قارئوها والمستمعون إليها متعة في روعة مضمونها، كما يجدون تلك المتعة في جمال صوغها وجودة تركيبها.
وقد جدّت في حياتنا المادية صور غريبة للمحاكاة، تلك المحاكاة التي عرفتها الإنسانية في مختلف مراحل حياتها محاكاة للمثل العالية، ومحاولة للتقرب من النماذج الرفيعة في الحسن والجمال، وكان القصار يحاولون أن يلحقوا بالطوال بما يعلون من نعال أحذيتهم، وكانت النساء قصيرات الشعر يردن اللحاق بطويلاته بما يصلن به شعورهن من الذوائب المستعارة، وكانت السمراوات يلجأن إلى المساحيق والأصباغ حتى يلحقن بذوات الحسن المطبوع من البيض الشقراوات. وقديماً قال المتنبي:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
وقد انعكست الصور وانحطت المثل، فأصبحت طويلات الشعور يقلدن قصيراته، وبعد أن كان طول الأظفار سمة للإنسان البدائي الذي لا تبعد حياته كثيراً عن حياة الحيوان الضاري ذي المخالب والبراثن أصبح طولها زينة لبعض النساء اللائي يعشن في عصر الحضارة والتمدن.
وهكذا عرت العالم موجة من تقليد القبح، والحقيقة أن المثل لم تتغير إلى هذه الدرجة من الضدية أو العكسية، وإنما هو تيار من الرغبة في الإغراب، والبعد عن المألوف من مقاييس الحسن والجمال يحاول أصحابه لفت الأنظار، واسترعاء الاهتمام بالشذوذ والخروج عن تلك المقاييس.
وقد وجدت تلك الظاهرة نفسها في حياتنا الأدبية، وأصبح الناظر في الأعمال الأدبية يشاهد انحرافاً وميلاً إلى الضعة والانحدار، بعد نشدان الكمال الذي كان غاية طلاب الأدب وشداته، ليلحقوا بذوي المواهب وأعلام الأدب الذين عرفتهم الأجيال.
كان الأدب خصوصية في التفكير في ثوب من خصوصية التعبير، وكانت الفنية تشد في روعة المعاني وأصالتها، وفي جودة تأليف الخيال، وفي رسم الصور الفنية التي يعز طلابها إلا على الحذاق والخبراء بطبيعة الفن الأدبي الذي يتطلعون إلى السمو والتحليق في سمائه، وإلى الوصول إلى تحقيق خصائصه، واحترام الأذواق المستنيرة التي أبانت معالمه، ووضعت تقاليده، ومحاولة الإفادة من ثمرات تلك الأذواق، ومحاولة التفوق عليها بنفس الأساليب والوسائل، فأصبحت غاية جماعة ممن ينتسبون إلى هذا الفن في أيامنا الانحدار إلى المعاني السوقية، والهبوط بمستوى العبارة التي هي خاصة الأدب ووسيلته إلى الإعجاب والتأثير إلى مستوى اللغة الدارجة والعبارة المبتذلة أو العامية، وذلك ما حذر منه نقادنا غاية التحذير، حين اشترطوا حسن المعرض في إبراز المعاني الأدبية، وكذلك نبه إليه النقاد الغربيون في قول أحدهم "إن لغة الشعر هي اللغة التي يستطيع بها المؤلف أن يوصل تجاربه الخاصة بمنتهى القوة النافذة، وبغاية الدقة والوضوح، مع تصوير دقيق للتفاصيل الخفية، فهي اللغة في أسمى منازلها"، وقوله "كلما عظم الإلهام تطلب قوة فنية أعظم لكي تعبر عنه، لأن التجربة إذا كبرت وسمت فلا بد من مقدرة على التعبير أسمى وأكبر، لكي يحيلها إلى عمل أدبي يمثلها تمثيلاً صادقاً" (1) ..
وكذلك أصبح الشعر على زعمهم فراراً من الموسيقى والترديد الملتزم الذي يعد من أهم أسرار الإعجاب وبواعث التأثر به، إلى فوضى الأنغام والتحلل من قيد التزامها، ليفقد لذة وقعه على النفس والسمع.
وهذا من غير شك هبوط بمستوى الفن الرفيع الذي لا يقدره إلا الموهوبون الذي يعرفون سبيله، ويملكون وسائله وأسبابه، وبمجاراة هذه التيارات تفقد المثل الفنية روعتها، إيثاراً للهين، وتقليداً للقبيح عجزاً عن محاكاة الجميل.
والطريف في الأمر أن يكون تسويغ تقليد القبح بدعوى الرغبة في تجديد الفن الأدبي، حتى أصبحت كلمة "التجديد" في كثير من الأحيان علماً على الفرار من التزام مقاييس الجودة ومحاكاة الجمال..
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1049  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 17 من 25
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور محمد خير البقاعي

رفد المكتبة العربية بخمسة عشر مؤلفاً في النقد والفكر والترجمة.