شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الحضارة الإسلامية في الأندلس (1)
بقلم: عبد الله بن أحمد الشباط
ـ 1 ـ
تفضل الأستاذ الوجيه عبد المقصود خوجه باتحافي بنسخة من الكتاب القيّم (الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس) وهو بحوث قيّمة حررها عدد من الباحثين المتخصصين من أساتذة الجامعة باللغة الإنجليزية وقام بترجمته عدد من المتمكنين في اللغة العربية بإشراف الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي التي كتبت المقدمة والتي أشارت فيها إلى إسهام الوجيه عبد المقصود خوجه في الإنفاق على إخراج هذه الترجمة إلى حيز الوجود (يسرني أن أتوجه بالشكر والعرفان إلى أحد كبار رعاة الأدب في الوطن العربي الشيخ عبد المقصود خوجه، لدعمه تكاليف ترجمة هذا الكتاب الكبير من الإنجليزية إلى العربية ولمساهمته في تكاليف نشره، والأستاذ خوجه هو صاحب الاثنينية المعروفة في جدة يعقدها ستة أشهر في السنة مساء كل يوم اثنين ويدعو إليها الأدباء ومحبي الأدب والمعروفة من السعوديين، ومن زوّار السعودية من المثقفين العرب، ويتضاعف شكري لهذا الرائد الجاد لأنه هو الذي اتصل بي وعرض علي أن يسهم في أحد مشاريع بروتا فهذه بادرة نبيلة لا تتكرر كثيراً).
وقد جمعت المحررة في الفصل الأول مواضيع التاريخ السياسي للأندلس منذ عام 92هـ إلى 897هـ في دراسة شاملة أعدّها الدكتور محمود مكي ابتداء من فتح العرب لشمال إفريقيا والأندلس وعصر الولاة، حيث استطاع الأندلسيون أن يجعلوا من وطنهم واحداً من أكثر بلاد الإسلام ازدهاراً وأقاموا صرح حضارة امتزجت فيها عناصر أوروبية وآسيوية وكانت لها شخصيتها المميّزة عن غيرها من حضارات البلاد الإسلامية واستطاعت أن تصبح جسراً عبرت خلاله الثقافة العربية إلى بلاد الغرب الأوروبي. إلا أن النهاية كانت فاجعة بعد تسلط الأسبان وإجبار المسلمين على ترك دينهم.. كما يقول الدكتور مكي: (كان من أبرز من قاموا في ظل ديوان التفتيش بمحاولة التنصير القهري لليهود والمسلمين الكادرينل خيمينيث دي ثيسينروس الذي وفد على غرناطة عام 1499م وتمكّن بسياسة هي مزيج من الوعود والإرهاب من تحويل الكثيرين إلى المسيحية كما حول كثيراً من مساجد غرناطة إلى كنائس ولم يكتف بهذا بل جمع ما استطاع جمعه من كتب التراث الإسلامي وأضرم فيها النيران.
أما المقطع الثاني من هذا الفصل فقد كرّس للحديث عن المدن الأندلسية غرناطة وقرطبة وإشبيلية.. فعن غرناطة يقول جيمس دكي:
عندما جاء زاوي بن زيري 407هـ اختار موضعاً لعاصمته الجديدة فانتقل جميع سكان البيرة إلى الموقع الجديد على ضفاف نهر دازو فأوجدوا بذلك مدينة إسلامية حسب الغرض لا دخل فيها لمدينة سابقة. إن هذا العامل هو الذي يجعل غرناطة مختلفة عن أماكن أخرى مثل دمشق وقرطبة حيث توجب إنزال إطار مدني عربي فوق أبنية أسبانية رومية لكنه عامل يجعلها شبيهة بأماكن مثل بغداد أو القاهرة.
وعن مدينة قرطبة يتحدث روبرت هيلنبران حديث العاشق المتيّم إذ يقول:
كانت مدينة قرطبة عاصمة منذ فتح جزيرة الأندلس ذروة الذرى وغاية المبتغى محط الراية وأم الحواضر والأمصار وموطن الخيار والأخيار وموطن الحكمة بدؤها والختام قلب البلاد ومنبع العلم والإعلام قبة الإسلام ومجلس الإمام موطن الرأي السديد وحديقة ثمار الفكر ومنبت رايات العصر وفرسان الشعر والنثر فيها أصدرت أصفى التواليف وأنفس التصانيف وعلة ذلك وسبب فضلها على الناس من أولين وآخرين وغيرهم من العالمين وأن أفقها لا يضم سوى الطالبين والباحثين عن مختلف ضروب المعرفة والتهذيب وأغلب أهل البلاد من كرام عرب المشرق الذين منحوها رؤوساء الجيوش من بلاد الشام والعراق الذين استقروا فيها وبقي من ذريتهم في كل ناحية من نواحيها أناس كرام الأعراق ولا تكاد حاضرة من حواضر البلاد تخلو من كاتب طويل الباع أو شاعر بهي اليراع ولو قال في مدحها شعراً لما أصاب إلا سمواً وفخراً.
ولا يستطيع أن يترك الحديث عن قرطبة دون أن يلم بجامعها العظيم فيخصه بعشق لا محدود. فلما أعياه التعبير استعان بقصيدة للشاعر الإسلامي محمد إقبال يقول فيها:
كالسماء الجديدة تمتد أرضك تحت النجوم.
آه.. لقد مرت أجيال
واحسرتاه..
منذ سمعت ساحاتك الأذان لآخر مرة
أي واد.. بل أي مرتع جديد وصلت إليه
قافلة العشق الباسلة في طريقها العاصف
لقد رأت ألمانيا منذ زمن بعيد عاصفة الإصلاح
تمحو الطرق القديمة أثراً بعد عين
وراقبت فرنسا بعيون جاحظة نار الثورة تشتعل
وتقلب عالماً بأكمله هو عالم الغرب
وها هم أبناء روما التي شاخت وهي تعبد القديم
انساقوا مع جاذبية التجديد فوجدوا شبابهم مرة أخرى
والآن وقد حرّك الانتعاش حتى روح الإسلام
بلمسة إلهية غريبة لا يمكن أن يصفها لسان
ارقبوا أية مياه جديدة تتفجر من أرض المحيط
وأية ألوان جديدة ستغير سماء الإسلام الزرقاء
وكتب رافييل بالنثيا عن مدينة إشبيلية الإسلامية.. عن تاريخها وموقعها وعماراتها وآثارها حديث كله شوق وتمجيد وحسره على ذلك الماضي الزاهر.. مستشهداً ببعض أبيات من شعر المعتمد بن عباد يقول فيها:
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة
أمامي وخلفي روضة وغدير
بمنبتة الزيتون مورثة العلا
تغني حمام.. أو ترن طيور
بزاهرها السامي الذي جاده الحيا
تشير الثريا نحونا ونشير
ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده
غيورين والصب المحب غيور
وعن المستعربين في الأندلس كتب ميكيل دي أبالزا مقسماً المستعربين إلى عدة فئات منها: أقلية مسيحية يطلق عليها اسم المستعربين وهم المسيحيون الذين كانوا يعيشون في الأندلس المسلمة وكلمة مستعرب معناها الذي يزعم أنه عربي وليس بعربي والمسلمون من أصل مسيحي وهم الذين يطلقون عليهم المسالمة ـ أو ـ المولدون وهم من أصول إسبانية سابقة على الإسلام.
وقد حصل المسيحيون على مكانتهم القانونية والاجتماعية والسياسية والدينية خلال عهود لم يتوصلوا إليها بين أطراف متكافئة بل كانت إقراراً من المسيحيين بقوة الإسلام وسلطته بما في ذلك القبول بالقانون الإسلامي وبالمكانة المعطاة للمسيحيين في المجتمع الإسلامي وبالواجبات المترتبة عليهم تجاه ممثلي هذا المجتمع ولأنهم قبلوا هذه العهود أصبحوا يعرفون بالمعاهدين.
ويشكّل المستعربون نقلة الحضارة الإسلامية في الأندلس كما في مقال مارغريتا لوييز غوميز التي كتبت فصلاً تحت هذا العنوان: لقد شكّل المستعربون جزيرة وسط بحر النصرانية الهسباني واتسموا بالكثير من صفات عدم التجذر الإقليمي وعانوا من بعض الصعوبات في تكيفهم مع النظام الجديد الذي فرضه ملوك إسبانيا النصرانية ويوفر لنا مستعربوا مدينة طليطلة وقصباتها مثالاً على ذلك، فقد عاش هؤلاء تحت حكم مسلم حتى أنهم تعاونوا معه في عدة مناسبات عديدة إلى درجة أن الكثيرين منهم آثروا مرافقة الملك المسلم بعد خروجه من المدينة واصطحبوه إلى منفاه في بلنسيه.
وقد ظلت الثنائية اللغوية للمستعربين حية لاستعمالها في شؤونهم اليومية فأسهمت بذلك في إغناء اللغة الرومانسية بمختلف الألفاظ العربية.
وعن اليهود بوصفهم شريحة اجتماعية هامة في الأندلس كتب ريموند شاندلين: كان للمجتمع اليهودي في الأندلس شخصيته المتميزة بين المجتمعات اليهودية القروسطية من عهد عبد الرحمن الثالث سنة 300هـ إلى نهاية زمن الموحدين سنة 535هـ. ولم ينشأ في أي من المجتمعات اليهودية الأخرى مثل هذا العدد الكبير من اليهود ممن أحرزوا مناصب مرموقة بل مراكز نفوذ في العالم الغير يهودي كما لم تنتج أي من تلك المجتمعات مثل هذه الثقافة التي ينعكس فيها الأثر العميق للحياة الفكرية التي أسهموا فيها مع آخرين من غير اليهود في ظل الحكم الإسلامي.
وبعد الاضطرابات المعادية لليهود وما تعرضوا له من الإكراه على تغيير ديانتهم في طول إسبانيا وعرضها 793 ـ 794هـ رحل كثير من هؤلاء المرتدين إلى غرناطة كي يتمكنوا من العودة إلى دياناتهم اليهودية هناك حيث انتهت حياة اليهود في إسبانيا بعد تنفيذ أمر الطرد في عام 1492م.
ـ 2 ـ (2)
وفي فصل اللغة والأدب كتب بيير كاكيا عن الأدب الأندلسي ومما جاء في مقاله: لا مجال للنقاش في أن الأندلسيين اتخذوا أمثلتهم ومستوياتهم من أوطانهم الأولى في بداية أمرهم على الأقل ـ فعندما جاءهم لامع بغدادي هو أبو علي القالي (288 ـ 356هـ) استقبلوه بترحاب شديد وكانت أحاديثه حول أمور معجمية ونحوية بالدرجة الأولى ولكنها تنطوي على مضامين تعبر عن ميوله الأدبية فدوّنت بإخلاص تحت عنوان غير مستغرب (الأمالي) أي ما أملاه الأديب، وراح علماء الأندلس المزدهرون يتبعون ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الحث على طلب العلم أينما كان وتذكر كتب السير أن ما لا يقل عن 226 أندلسياً في عهد الإمارة وحده قد ذهبوا إلى الشرق للدراسة، وكان أمراء الأندلس يكلفون المشارقة فعلاً بتصنيف كتب يرغبونها.
وقد تولت الدكتورة سلمى الجيوسي الحديث عن الشعر الأندلسي في عصره الذهبي: يجب أن تكون الانطلاقة الأولى هي أن الشعر الأندلسي ذا علاقة شديدة الوثوق بالشعر العربي في المشرق، تكاد تكون تعايشية معه، في الوقت نفسه يجب أن نحاذر من الاعتقاد بأن نتاج الشعراء الأندلسيين لم يكن غير انعكاس لتأثير شعراء المشرق عليه، فالشعر العربي في الغرب لم يكن محض تقليد وإعادة إنتاج واعية لنظيره في المشرق بل هو فرع من فروعه ووليد من صلبه.
ثم قالت في مقطع آخر: ولكن الإسلام الذي خاطب العالم بوصفه ديانة (لا عرقية) شاملة لم يكن عامل التوحيد الوحيد فقد كانت اللغة العربية عنصر توحيد معادل للإسلام وهذه مسألة ذات أهمية كبرى في دراسة الشعر الأندلسي، كانت اللغة العربية قبل كل شيء لغة القرآن والأحاديث النبوية، ثانياً: كانت لغة السلطة السياسية لغة الطبقة الحاكمة لا ترى لغة أخرى يمكن أن تعادلها في غناها ومداها، أن يتميز المرء في كتابة الشعر والنثر بعربية راقية، وقد نهض هذا الموقف حائلاً دون تراخٍ إزاء النقاد في اللغة والدقة النحوية والتماسك في تركيب العبارة الشعرية. وكان أعظم أثر أدبي في الأندلس قد بدأ في عهد الحجابة (366 ـ 406هـ) وقد أشارت إلى بعض الشعراء البارزين مثل: يحيى الغزال ـ ابن عبد ربه ـ يوسف هارون الرفادي ـ وابن هانئ ـ ابن دراج القسطلي ـ ابن شهيد الأندلسي ـ وابن حزم ـ ابن زيدون ـ وابن بقي ـ وابن فرج ـ الحياني ـ ابن الآبار ـ ولادة بنت المستكفي ـ وابن عمار ـ المعتمد بن عباد ـ ابن خفاجه الأندلسي. أما الزجل والموشح فقد تولى بسط الحديث عنهما جيمس مونرو الذي قال بعد التمهيد: من وجهة نظر اللغة يتألف الزجل جميعاً من العربية المحكية بلغة الأندلس وتنتثر فيه أحياناً مفردات وعبارات بلغة الرومانس السهبانية، وعلى النقيض من ذلك الموشح الذي يكون بالعربية الفصيحة باستثناء الجزء الأخير منه الذي يكون عادة بلغة عامية. ثم يستعرض لويس أ. غيفين أدب الحب (طوق الحمامة ـ لابن حزم) كمثال ويخلص من دراسته بعدد من النتائج:
1 ـ أن للحب قوة استثنائية قادرة على تغيير المحب وجعله أكثر كرماً وشجاعة ونبلاً ورقة وقدرة على الكلام الحسن.
2 ـ يجلب الحب الحقيقي معه الرغبة التي لا تشبع والألم المبرح الشديد.
3 ـ مفهوم الحب بوصفه علة تقود إلى فقدان الشهية والهزال واصفرار اللون والأرق والتطرف العاطفي واستبداد الهواجس.
4 ـ طي السر ضروري كما أن الغيرة تساعد على اشتعال نار الحب.
5 ـ للواشي والرقيب والمساعد من الأخوان أو السفير ـ أدوار لها أبواب في طوق الحمامة.
6 ـ يكون المحب متذللاً خاضعاً في حضرة المحبوب.
7 ـ يشار إلى المحبوب في الشعر العربي حتى ولو كان امرأة بضمير المذكر لأغراض الاحتشام وآداب السلوك فقط.
8 ـ الحب من أول نظرة غالباً ما يكون بين شخصين من طبقتين متفاوتتين في المستوى الاجتماعي.
وفي الوقت الذي يتهافت فيه الكثيرون من المثقفين العرب على استعمال المصطلحات الغربية ويفخرون بتأثرهم بالمدارس الأوروبية والمناهج الغربية، في هذا الوقت ما زال الكثيرون من الباحثين الغربيين المتخصصين في العصر الوسيط يرفضون الاعتراف بأثر الثقافة العربية في أوروبا ويصرّون على أن هذا الأثر لا يتجاوز مجرد أخذ بعض وسائل الترف والرفاهية عن العرب، هذا في العصر الوسيط أما الآن فإن وسائل الترف والرفاهية والخلاعة والمجون كلها قادمة من أوروبا، وبلاد العم سام.. أي لم يعد لنا أي تأثير حتى في أتفه الأمور.
وقد اختار المؤرخ روجو بوار موضوع التأثير العربي في الغزل الأوروبي والموسيقى قرينة الشعر والأدب، لذلك يخصص أوين رايت فصلاً عن الموسيقى الأندلسية كمظهر من مظاهر الثقافة العربية بل ركن من أركان تلك النهضة الفكرية الشاملة متخذاً من (زرياب) الموسيقي العربي القادم من الشرق (أنموذجاً). ويمكن تلخيص سيرة زرياب مما رواه المقري نقلاً عن ابن حيان كما يلي:
اشتدت المنافسة بينه وبين أستاذه إسحاق الموصلي، بعد ظهوره الرائع بين يدي الخليفة هارون الرشيد فاضطر للخروج من بغداد والبحث عن نصيبه في بلاد أخرى، وعندما وصل إلى شمال إفريقيا تلقى دعوة من البلاط الأموي في قرطبة، وهناك سرعان ما اشتهر بوصفه أمهر عازف ومعلم في زمانه، إضافة إلى كونه مرجعاً في الذوق بقى أثره في الملبس وقصة الشعر وحتى في شؤون الطبخ، وبعد أن أصاب نجاحاً مادياً وفنياً راح يعلم إلى جانب أولاده كثيراً من التلامذة الأكفاء الذين عاشوا بعده ليديموا وينشروا أسلوبه الموسيقي المتميز وذخيرته الغنائية.
بيد أنه من المناسب في مرحلة بعينها الحديث عن درجة من التعايش الثقافي بين المسلمين والمسيحيين واليهود وهو حديث مريح على غموضه، ولكن في مجال الموسيقى يصعب تحديد مساهمات هؤلاء الناس باستثناء الدليل الذي لا يمكن نكرانه عن الأثر العربي القوي في مجموعة الآلات الموسيقية القروسطية، وقد تقدم المنمنات توطيداً مرئياً إضافياً على التعاون والتفاهم المشترك الذي يعبر عنه الدليل الوثائقي. لكن الموسيقى الأندلسية التي تقبع خلف الصورة والصفحة المكتوبة تبقى محيرة كما كانت على الدوام.
ولعلّ القارئ يلاحظ أن الباحثين الذين عالجوا هذا الموضوع (الأدب والشعر والفن) قد عالجوه بحميمية تنبئ عن صادق مشاعرهم وحسن تقديرهم للدور الإسلامي في تيار الحضارة التي امتدت إلى أوروبا وتركت الكثير من الشواهد التي حاول أعداء الإسلام محوها.. إلا أن الآثار التي بقيت خالدة في إسبانيا اليوم لا تزال شاهدة بما حققه الأندلسيون من تقدم ورقي.. بالإضافة إلى ما تزخر به كتب التاريخ والأدب ودواوين الشعر من آثار أدبية راقية اعتمدت كمثال على رفاهة الحس وعمق التفكير وعذوبة المنطق وهي صفات اكتسبها أصحابها من معطيات الحياة المترفة الراقية التي عاشوها في فترات زاهرة مزدهرة بالأمن والنمو الاقتصادي والرقي الاجتماعي.
إن إبداعات علماء وأدباء الأندلس التي وصلت إلينا ما هي إلا نتيجة تلك الهزة العنيفة التي أحدثها الإسلام بتعاليمه السمحة في المجتمع الهسباني الذي كان يعيش حياة بدائية قيض الله له المنقذ (عبد الرحمن الداخل) الذي وضع أسس الدولة الإسلامية المتمدنة لتكون منافسة لشقيقتها في المشرق الذي تأصلت فيه قيم الإسلام قبل قرن ونصف من الزمان.
إن هذا التدفق الثقافي، والجزالة اللغوية وتميز الشعر العربي هو ما دعا الدكتورة زيغريد هونكه أن تتحدث بإعجاب وفخر عن هذه الناحية في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب ص 510)، مشيرة إلى أثر الشعر العربي في الغرب:
(أثر طابع الشعر العربي على إيطاليا تأثيراً كبيراً كما نرى ذلك واضحاً في أشعار فرانسيس الأسيري، ودانتي، وفراجا، ولورنزو، وميكافيللي الذين نظموا على أسس الأوزان العربية، كما بقي ذلك الأثر العربي أوضح ما يكون في صقلية وتوسكانا والبندقية).. وبرغم اتساع رقعة الدولة الإسلامية فقد حافظ الجميع على نظم الأشعار بأسلوب البادية ولغتها.. وبرغم ذلك وأرسل الناس أولادهم إلى أولئك البدوفي الصحراء ليتعلموا اللغة العربية السليمة وقرض الشعر، وبرغم اختلاط البدو الرحل في البلدان المفتوحة بسكان تلك البلاد ظلوا محافظين على طابعهم البدوي ولم يغيروه.
ـ 3 ـ (3)
والقسم الرابع من هذه الدراسات خصص للفن والعمارة في شبه الجزيرة الإسبانية وقد افتتح هذا القسم الأستاذ أولغ غربار بدراسة عن الفن الإسلامي في شبه الجزيرة الإسبانية بدأه بالقول:
من بين جميع مناطق العالم التي حافظت على كنوز العمارة الإسلامية فيها أو التي تحتوي آثاراً فريدة ذات مهارة فائقة ابتدعها صنّاع مسلمون أو كانوا منضوين تحت لواء الإسلام هناك منطقتان لم تعودا تخضعان لحكم المسلمين هما الهند حيث يوجد تاج محل وفاتح بورسكري ثم إسبانيا. ومن بين الحضارات الفرعية العديدة التي تكوّنت فيها الحضارة المسيحية الأوروبية في العصور الوسطى وتلك التي سبقت العصور الحديثة هناك حضارتان ظلتا قروناً عديدة ذواتي صلة بالعالم الإسلامي بل إنهما من شبه الجزيرة الأيبيرية وتحديداً ذلك الجزء الذي يسمى الأندلس، وهو اليوم الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الذي أصبح يدعى بمقاطعة أندلوسية، أما في العصور الوسطى فقد كان المؤلفون المسلمون العرب يطلقون اسم الأندلس على كل جزء من شبه الجزيرة خاضع لحكم المسلمين وسيطرتهم.
ثم اندفع يعدد المعالم الأثرية وفي مقدمتها المسجد الكبير في قرطبة وما فيه من تحف فنية معمارية، وكذلك العاجيات الأموية العائدة إلى القرن الرابع الهجري ثم ينتقل بالحديث عن قصر الحمراء كمعلم من أكثر معالم الفن الإسلامي شهرة. وكتبت جيريلين دودز عن تراث المدجنين في فن العمارة، إذ تعد قضية تدجين الفن مثيرة للاهتمام لأنها حقبة سيطر فيها المسيحيون، وذلك حين أصبحت الثقافة الإسلامية لا تشكل تهديداً لثقافة المسيحيين ووجودهم وتعني عبارة المدجنين فن المسلمين التابعين مع أن الرأي القديم يذهب إلى أن المسلمين عبيد السادة المسيحيين هم الذين نفذوا ذلك الفن لا أساس له من الصحة ومن المتوقع أن يكون في صفوفهم مسيحيون ويهود حرفيون يعملون تحت سلطة المسلمين. وأياً كان الأمر كان فن المدجنين أسلوباً فنياً مرتبطاً برعاية المسلمين له وتشجيعهم إياه وقد علمت المكانة الجديدة للزعامة المسيحية على عودة انتشار الفنون الإسلامية وسمحت لمهارات إسبانيا الإسلامية التقليدية أن تكتسب معاني جديدة تلائم حماتها الجدد.
وفي هذه الدراسة تعرض الكاتبة لأمراء العمارة الإسلامية في الأندلس منذ عهد العمارة التي أسسها عبد الرحمن الداخل مروراً بحقبة الخلافة من عهد عبد الرحمن الثالث ثم ملوك الطوائف في القرن الخامس الهجري ثم تتابعت الأدوار، المرابطون والموحدون وآل نصر منذ الربع الأخير من القرن الخامس إلى نهاية الأدوار كان الأمراء والحكّام يوجدون آثاراً من العمارة ذات استمرارية زمنية إلى جانب مراعاة النواحي الجمالية أو الفنية. ومن الفن المعماري ينقلنا الأستاذ أنتونيو فرنانديز إلى فن الخط العربي في الأندلس حيث تمتد أولى مراحل الفن من عهد الولاة (92 ـ 138هـ) وحتى نهاية الإمارة المستقلة والخلافة الأموية في قرطبة (138 ـ 422هـ) إذ يمكن تمييز ثلاث مراحل محددة ضمن هذه الفترة بواسطة التصميم المتطور للحروف المنقوشة على القطع النقدية وعلى الآثار والعناصر المعمارية والألواح الحجرية وغيرها من المواد المنقوشة وهي الكوفية القديمة والكوفية المزهرة والكوفية العادية.
وفي حقبة بني نصر (629 ـ 897هـ) يشيع استعمال الخط النسخي الشعري الذي أصبح مادة الزينة في جميع أشكال الفن.
ولقد رافق هذا التطور السياسي والمعماري تطور في الحياة الاجتماعية والنواحي الاقتصادية. فعن الحياة الاجتماعية يتحدث الأستاذ بيير غيشار عن التاريخ الاجتماعي لإسبانيا المسلمة من الفتح العربي حتى نهاية حكم الموحدين.
إن دراسة الحياة الاجتماعية وبنائها وتركيبها في الأندلس ظلت حتى عهد قريب مجالاً لدراسات قليلة جداً ولم تسمح السجلات التاريخية التي اعتمدها الباحثون حتى الآن كمصادر أساسية في دراسة تاريخ الحقب الأندلسية المختلفة بأكثر من إرساء السياق السياسي العام للأحداث التاريخية إلا أن ذلك البناء الاجتماعي المتماسك قد انهار، فقد ساد منذ نهاية القرن الحادي عشر الميلادي إسلام آخر.. إسلام مدجن.. إسلام هؤلاء الذين بقوا بأعداد مهمة في الأقطار التي استعادها النصارى. وحيث إن البحث يدور حول الحياة الاجتماعية فإنه لا بد أن يكون للمرأة فيه النصيب الأوفر، إذ تخصص مارياج ماغيرا دراسة عن المنزلة الاجتماعية لنساء الأندلس بدءاً بالنساء الشواعر (ولادة بنت المستكفي) نموذجاً:
أنا واللَّه أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي واتيه تيها
وأمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتهيها
وهناك غيرها: متعة جارية زرياب، وحفصة بنت حمدون، أنس القلوب، وأم الكرام بنت المستعصم بن صمادح وزينب المرية.
يا أيها الراكب الغادي لطيته
عرّج أنبيك عن بعض بعض الذي أجد
ما عالج الناس من وجد تضمنهم
إلاّ ووجدي بهم فوق الذي وجدوا
حسبي رضاه وأني في مسرته
ووده آخر الأيام أجتهد
ولقد مر بنا الباحث بكل شرائح الطبقات الاجتماعية ومسيرة تكوينها في الحقب التاريخية المتعاقبة، دون أن يغفل دور المرأة وإسهامها في إثراء الساحة الأدبية والعلمية بإنتاجها الشعري الذي بقي من الآثار الخالدة حتى الآن، وحيث إن المطبخ كغيره من أساليب الحياة الاجتماعية فإن الباحث دايفيد وينز يذكر أسباب معالجة الطبخ وأدوات المطابخ وأنواع الأطعمة وشكل المائدة وإعدادها.
المال عصب الحياة.. والاقتصاد هو الركن الهام في تكوين المجتمعات، فبه توجه السياسة وعليه تقوم الصناعات وبه تكون الجيوش وعليه يعتمد المجتمع في حربه وسلمه، لذا فإن بدرو شمليطا يقدم صورة تقريبية للاقتصاد الأندلسي الذي يقر أنه لا بد من دراسة حجم المنتوج الزراعي والصناعي وأشكال تنظيمه كمقاولة المستثمر الفردي أو المنتجين المشاركين التي قد تكون موجهة حسب الحالات من جهة منتج فردي أو منتجين مشاركين أو أصحاب أملاك أو ملاك غير منتجين بأنفسهم أو الدولة، فالاستهلاك الذاتي على الرغم من أهميته بالنسبة إلى أغلبية الجمهور ليس سوى أثر سلبي في التحليل الاقتصادي لأنه لا يتم إلا من زاوية تقدير ثقله الخاص وتقلباته بالنسبة إلى جزء من السلع الداخلية في عملية التدرج.. ويقول: إن المغامرة في محاولة القيام بتحليل رقمي لظاهرة اقتصادية رغم كونها خاصة بالعصر الوسيط تفترض استخدام الإحصاء، وكان النظام الضريبي هو المصدر الهام من مصادر دخل الدولة مثل: العشر والجزية والخراج والزكاة والمغارم ـ ويختم هذا الفصل بقوله: لقد كانت الأندلس بالنسبة لسكان الممالك النصرانية الشمالية من شبه الجزيرة الأيبيرية قطعة من الجنة وأرض الميعاد ولم يطل زمن بهذا الشعور حتى تحول إلى الطمع والنهب والخطف وأدى انتشار هذه المشاعر إلى ظهور سياسة عدوانية مخططة من أجل غايات اقتصادية فكان احتلال الأندلس واستثماره فيما بعد الهدف المعلن في صفوف الطبقات العليا من المجتمع الهسباني النصراني الذي فضل سياسة ابتزاز الجار على سياسة تنمية الموارد الداخلية لأنها موجهة قبل كل شيء إلى الحصول على الغنائم وفرض الإذلال.
وإذا أردنا فعلاً معرفة درجة غنى الأندلس وأهميتها فيجب أن نتذكر أن اقتصادها قام على الاكتفاء الذاتي وأن نموه دام ثلاثة قرون، وكان للتجار المسلمين دور هام في تجارة الأندلس الدولية كما تقرر ذلك الأستاذة أوليفيا ريمي كونسيتل:
في العصور الوسطى كانت في اسبانيا الإسلامية (الأندلس) مراكز اقتصادية مهمة للتجار والبضائع من جميع مناطق عالم البحر الأبيض المتوسط، فقد كانت تلك المدن أسواقاً للتجار الأندلسيين والأجانب يقومون فيها بأعمال التجارة البعيدة وقد بقيت التجارة الأندلسية شديدة الارتباط بمناطق أخرى من عالم المتوسط الإسلامي من أواسط الفترة الأموية في القرن الرابع الهجري حتى ذروة الانتصارات المسيحية في (حرب الاسترداد).. وكان التجار ينتقلون ببضائعهم بحرية على امتداد الخطوط البرية والبحرية التي تصل إلى الأسواق الأندلسية بأسواق المغرب والشرق الأدنى.
وبعد سقوط الأندلس.. وزوال الحكم العربي.. ماذا حدث؟
لقد انقلب عالم تجارة البحر المتوسط رأساً على عقب.. وأصبح التجار المسلمون الآن يجدون من الصعب أن ينشطوا في الأسواق الأيبيرية التي كانت تحت سيطرتهم في ما مضى وفي أواسط القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي يبدو أن أغلب التجار المسلمين قد هجروا الأسواق المسيحية الجديدة في جنوب إسبانيا وتحولوا باهتمامهم التجاري إلى الثغور الأكثر وعداً بالازدهار الاقتصادي سواءاً في شمال إفريقيا أو شرق المتوسط أو المحيط الهندي.
ـ 4 ـ (4)
وفي مجال الدراسات الفلسفية يقدم ميغيل كروز دراسة شاملة عن الفكر الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية بدأها بالمصادر المشرقية للفكر الأندلسي:
عند الحديث عن الفكر الإسلامي في الأندلس نجد أن هناك خمس وسائل ساعدت على دخوله إلى الأندلس:
(أ) الشريعة الإسلامية أو الفقه: استناداً إلى الأوزاعي أولاً ثم المالكي فيما بعد علماً أن الأخير كان يشكّل المذهب الرسمي للخلافة الأموية والمراحل اللاحقة.
(ب) التصوف والزهد اللذان حظيا بتوفر الوثائق في فترة مبكرة.
(ج) الباطنية حيث تجد نماذج لها ابتداء من سنة 272هـ.
(د) علم الكلام المعتزلي الذي كان يعرفه الطبيب القرطبي أبو بكر فرج بن سلام في أوائل القرن الثالث الهجري.
(هـ) العلوم (علم الفلك ـ الرياضيات) وفي مراحل متأخرة نشأت الفلسفة بمعناها الدقيق وتأسست كحقل قائم بذاته بعد أن تأخرت في الوصول والتجذر (محمد بن مسرة وأتباعه نموذجاً) للتنظيمات السرية التي حوربت من قبل النظام. إلا أن النصف الأول من القرن الخامس الهجري شهد صياغة جديدة للفكر بعيدة عن التصوف والباطنية، ويصعب جداً إدراجها في المحيط التقليدي للفكر الإسلامي سواءاً في حقل الفلسفة أو الفقه لأن طبقة هذه المؤلفات تجعلها في مرتبة الموسوعات وتنتمي إليها ثلاث شخصيات أساسية: ابن حزم القرطبي ـ وصاعد الطليطلي ـ وابن السيد البطليوسي إلى فترة ظهور أبي بكر محمد بن يحيى بن الصائغ بن باجة الذي كتب عدة مؤلفات بقى منها 37 مؤلفاً في شتى علوم المعرفة الإنسانية التي تدعو إلى تفضيل الأخلاق وسلوك الطريق نحو الكمال لتكوين المجتمع المثالي، أما ابن طفيل (أبو بكر محمد بن عبد الملك) فقد ألّف كتباً مختلفة حول علم الهيئة والطب إلى جانب كتابه الشهير حي بن يقظان، ثم يأتي بعده أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد الذي ينسب إليه 125 كتاباً يتوفر منها 83 كتاباً تحتوي على شروح الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة، السماء والعالم والروح والأخلاق والطب.
ثم جاء في الحقب اللاحقة: ابن سبعين المرسي، ابن الخطيب، ابن خلدون، ثم يفصل جمال الدين العلوي عن فلسفة ابن رشد وتطور إشكالية العقل لديه من الفحص الفيلولوجي إلى النظر الفلسفي الذي استطاع ابن رشد تأصيله ووضعه في الأطر التي توارثتها الأجيال من بعده حتى وصلت إلينا.
أما ج.ك. بيرغل فيختار ابن طفيل وكتابه (حي بني يقظان) نموذجاً كنقطة تحول في الكتابة الفلسفية العربية، فما هي حكاية حي بن يقظان؟
حكاية رجل ينشأ في جزيرة غير مأهولة ويبلغ أعلى درجات الفلسفة والحكمة الدينية بفضل قدراته الفطرية وخبراته ومدركاته وتأملاته.. وبعد أن يبلغ هذه المنزلة من أعلى درجات النمو الممكنة يزوره رجل يدعى (آسال) آتيا من جزيرة أخرى ويقوم الأخير أولاً بتعليمه لغة البشر ثم يحدثه عن ديانته فيكتشف أن معتقداته تنحصر في ملاذ الجسد فيحاول أن يفتح أعين أهل تلك الجزيرة على الحقائق الأسمى للعالم الآخر لكن دون جدوى عندها يتركهم هو وآسال ويقرران الاعتزال في جزيرة خالية وقضاء بقية حياتهم في التعبد هناك.
أما كيف وجد حي بن يقظان في هذه الجزيرة المنعزلة فإن المؤلف ابن طفيل يخبرنا: أن حياة حي بن يقظان بدأت بما يشبه الأسطورة أو حكايات الجن فهو يولد من طين الشاطئ ـ أو هو ثمرة زواج سري من امرأة من البلاد وحبيب لها من جزيرة مجاورة، وخوفاً من اكتشاف أمرها أبعدت هذا الجنين بعد ولادته بوضعه في تابوت وألقته في البحر فتقوم العناية الإلهية بتربيته وإطعامه وحمايته فيعيش بين الحيوانات ويقلدها في حياتها وطريقة معيشتها وخلال ذلك كان حي يراقب الطبيعة فيميز الاختلاف بين النباتات والحيوانات والمعادن ويصل إلى فكرة الجسم ويخصه بأفعال ينفرد بها دون غيره فإنه يأخذ في التقليل من أهمية الجسد ويولي همه كله لتقصي الروح التي هي مبدأ الصورة.
وقد تولي دومينيك إيرفوا التاريخ للدراسات الدينية ورجالها العلماء حيث تدل كلمة (علم) في اللغة العربية على مفهوم معقد.. وقد أطلقت خلال العصور على أشكال عدة من المعرفة وهي لا تزال ترتبط بالمعنى الذي أسبغه عليها القرآن وهو معرفة الله وما يتصل بالدين على العكس من أشكال المعرفة الأخرى المكتسبة من التجربة والتأمل ثم تأخذ فيما بعد معنى النقل الذي له أهمية كبرى وهو نقل الأقوال والأفعال، والسكوت الدال على الرضى عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحابة والتابعين ثم نقل نتائج الفكر حول العقيدة الذي قام على أيدي كبار الأئمة.
وقد انتشر المذهب المالكي كمذهب رسمي للدولة في عهد هشام الأول بن عبد الرحمن وقد تعهد بنشره والقيام بتدريسه يحيى بن يحيى الليثي القرطبي، أما المذهب الشافعي فقد دخل الأندلس مع القاسم بن محمد بن سيار في عهد محمد الأول، أما بقي بن مخلد الذي رحل إلى المشرق ودرس مذهب الإمام أحمد بن حنبل فلما عاد رعاه السلطان محمد الأول.. أما المذهب الظاهري فقد حمل لواءه داوود المشرقي وتلميذه ابن وضاح هذا إلى جانب المعتزلة والصوفية وكانت بين هذه المذاهب والنزعات صراعات رغم شدتها وآثارها السلبية فإنها أدت إلى نشر تلك المذاهب وإثراء الحركة الفكرية بالعديد من المؤلفات التي ظلت متوارثة جيلاً بعد جيل.
ومنذ بداية الإكراه على ترك الدين الإسلامي في الأراضي القشتالية وبعد ما يقرب من ثلاثين سنة في أرغون، بدأت عملية الانشقاق والتصدع في البنية الفكرية الدينية ورغم ذلك فقد بقي الشمال الإفريقي إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي مأوى العلماء والكتّاب الذين لا يزالون يمارسون التأليف في تمجيد الإسلام، بل ويكتبون بعض الأحيان بالإسبانية ليسهل على المنفيين فهم النصوص.
تلك نظرة شمولية للبنية الدينية في المجتمع الأندلسي، أما عن الممارسة الفعلية لفروض الدين فقد تولت تفصيلاتها الأستاذة مانويلا مارين التي تحدثت عن الشعائر الدينية كالصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام وقالت:
لقد تعاملت حتى الآن مع التعبيرات الدينية (العادية) وفق القواعد الأساسية للإسلام، وهناك بلا شك الممارسات الفردية والاجتماعية اليومية المتصلة بالدين كما في حالات الولادة والختان والزواج.. لكنها بحاجة إلى دراسة متكاملة.
وعن الزنادقة والمبتدعين في بلاد الأندلس كتبت ماريلا إيزابيلا قيرو: يستعمل المسلمون مصطلح المبتدعة (جمعها مبتدع) كتعريف للهرطقة، وكان محمد بن وضاح القرطبي أول من وضع في الأندلس كتابي مكافحة البدع أورد فيه ما اعتبره بدعاً في العبادات وليس في العقيدة مع أنه لم يذكر في الأندلس صراحة إلا أنه من الواضح أن كل الممارسات التي شجبها في كتابة كانت ممارسة هناك في زمنه وتعرّض بعضها مثل ـ استعمال المسبحة ـ لشجب علماء آخرين جاءوا بعده يقرون في حين أن البعض الآخر تجاهله لأن انتشار هذه البدع على نطاق واسع وفر لها الشرعية.
وتختم هذا الفصل الأستاذة كلود عداس ببحث عن التصوُّف الأندلسي وبروز ابن عربي ومما جاء في تلك الدراسة.
لا بد أن نشير في بداية الأمر إلى أن ابن عربي ليس أول ولا آخر أندلسي يعبر عن استهجانه لما يتسم به سلوك المشارقة الديني من فخفخة أحياناً. نذكر مثلاً السخرية الجارحة التي توخاها معاصره ابن جبير للتشهير في كتابه (الرحلة) بالنزعة الاحتفالية عند علماء المشرق.. والعجب الذي يظهرونه في أثوابهم وألقاب العظمة الطنانة التي ينتحلونها.. ولقد تأثر ابن عربي بتعاليم متصوفة المغرب ولا سيما الأندلسيين أكثر مما تاثر بمتصوفة المشرق. فعلى الرغم من أن الإحالات على أعمال الغزالي والنفَّري والحكيم الترمذي ليست نادرة فإن نسبة حضورها أقل بكثير إذا ما قورنت بالمواضع التي يرجع فيها ابن عربي للمعلمين الأندلسيين. ومثل ابن العربي هناك ابن برجان وابن العريف وكثيرون من الرموز الروحية الأندلسية قد تأثروا بدرجات متفاوتة بابن مسرّة (محمد بن عبد الله مسرة)، وفي هذا الصدد تقول:
من الصحيح أن ابن مسرة بفضل كتبه وأعماله التي كانت دائمة التداول لأجيال في أوساط المتصوفة بشكل خاص كان المصدر الأول للتصوف الأندلسي إلا أننا نقلل من شأن التراث الفني الخاص بمتصوفة ما بعد المسرية إذا نحن عمدنا إلى اعتبارهم مجرد امتداد للمدرسة المسرية لا غير.
المريد الثاني الذي تأثر بابن مسرة هو أبو العباس بن العريف (ت 537هـ) الذي قدمت دراسة مفصلة عن حياته ومسيرته وآثاره، ثم تختم حديثها بهذه العبارة:
وما من شك في أن ابن عربي لم يكن قليل الإكتراث بالدروس المذهبية التي لم يأل معلموه جهداً في تلقينه إياها، غير أن أهم ما حفظ عنهم حسب رأيي إنما هو مكارم الأخلاق التي كانوا يجسدونها.
ـ 5 ـ (5)
وفي مجال العلم والتكنولوجيا وأساليب الزراعة نجد أن الأندلس قد وصلت إلى مستوى لم يبلغه كثير من البلدان، وقد حاول الأستاذ خوان قيرنيه أن يقدم دراسة عن العلوم الفيزيائية والطبيعية والتقنية بدأه بمقدمة أثنى فيها على قادة الفتح الإسلامي الذين تمرسوا في قيادة العساكر وتنظيم إدارة الأقاليم المفتوحة فكان همهم الوحيد استيطان الأراضي، وبصورة عامة إطاعة التوجيهات التي يرسلها لهم الخليفة في دمشق لذلك كان عليهم أن يعتمدوا في إدارة شؤون حياتهم اليومية على المعرفة العلمية لرعاياهم الجدد، وكانت العلوم المعروفة في الأندلس آنذاك هي العلوم المنحدرة عن الفترة المتأخرة للإمبراطورية الرومانية.
لكن بعد قيام الدولة الأموية في الأندلس أدخل عبد الرحمن الأول أذواقاً وأنماطاً مشرقية للعيش تليق بأمير نال ثقافة وتربية رفيعتين في بلاط آخر خلفاء بني أمية مما أحدث طفرة، في كل شأن من شؤون الحياة وكان عباس بن فرناس ت 274هـ أحد رواد تلك الطفرة، ولم يكن شاعراً وعالماً في التنجيم فحسب بل حاول الطيران أيضاً بالقفز من قصر الرصافة بقرطبة وطور حفر زجاج الممرد كما أنشأ في داره هيكلاً للأجرام السماوية واخترع ساعة مائية بمقدورها تحديد أوقات الصلاة بصورة تقريبية. وبدوره حل علم الصيدلة المشرقي محل المعارف الصيدلية الشعبية. وفي الطب يسطع نجم عريب بن سعيد الذي وضع رسالة في علمي طب الأطفال والتوليد وقد كانت أهم الأعمال في هذا المجال موسوعة أبي القاسم الزهراوي في العلوم الطبية وفي مجال الزراعة إذ وضع ابن سمجون كتابه في الفلاحة النبطية كما وضع أبو حنيفة الدينوري كتاب النبات.
باستطاعتنا أن نتوغل في ميدان الزراعة بقدر أكبر من الثقة فنحن نعرف أن مجموعة من المزارعين عملوا تحت حماية المأمون بن ذي النون في طليطلة ثم في إشبيلية وعلى الرغم من أن علم الطب أصاب درجة من النضج في أواخر القرن الثالث الهجري كما يتجلى في أعمال الزهراوي، إلا أن تأثيره الأولي في أوروبا النصرانية كان تأثيراً ضعيفاً. ومن جهة أخرى أصاب علم الصيدلة تطوراً عظيماً بفضل النص العربي لكتاب ديوستوريدس الذي أعده أطباء قرطبة في القرن الرابع الهجري.
وعن الازدهار أو العصر الذهبي للعلوم في الأندلس يقول: يسبق أوج الازدهار الحضاري لبلد ما عادة تدهوره السياسي وهذا ما حدث في الأندلس فعلاً إذ حل عجز ملوك الطوائف محل الهيمنة السياسية والعسكرية لدى تجمع مسلمي الجزيرة الإيبيرية مع عشرة أو اثنتي عشر دويلة وحصولهم على السلم لقاء دفع جزية سنوية لعجزهم عن رد هجمات النصارى في الشمال بينما عاش حكامهم حياة مترفة، وانغمسوا في صراعاتهم الطائفية وملذاتهم التي أدت بهم في بعض الأحيان إلى رعاية العلماء في شتى نواحي المعرفة، وكذا أضفى ملوك سرقطة (بنو هود) حمايتهم على الفلاسفة ورجال الأدب ورعى ملوك طليطلة (بنو ذي النون) العلماء وحمى ملوك إشبيلية (بنو عباد) الشعراء ولم يقتصر سخاء ملوك الطوائف على من برز في المجالات المذكورة بل شمل أيضاً كل المبرزين المقيمين في دويلاتهم والمساندين الذين مروا بها.
وكتب خوليو سامسو فصلاً عن العلوم الدقيقة خاصة الرياضيات: يجب التأكد أنه لم تكن أبداً للرياضيات في الأندلس الأهمية نفسها التي كانت للفلك، وأقدم نص رياضي موجود هو الرسالة غير المنشورة حول مسح الأراضي التي كتبها الطبيب محمد بن عبدون الجبالي قبل منتصف القرن الرابع الهجري وقد شهد النصف الثاني من القرن الرابع تأسيس المدرسة الرياضية والفلكية المهمة التي أسسها أبو القاسم سلمة بن أحمد المجريطي ومنها نشأت علوم الحساب التجاري. وفي الجبر وضع العلامة أبو عبد الله بن عمر بن محمود بن بدر كتاب اختصار الجبر والمقابلة. وينظر بنا توماس. ف. غليك إلى التكنولوجيا الهيدرولية في الأندلس مما لا مجال للشك فيه انه كان ثمة ترابط بين انتشار الطواحين وأنظمة الري. واستناداً إلى ميفيل بارتيلو فإن الطاحونة في الأندلس كانت استدراكاً للري وتابعة له بخلاف الوضع في قطلونية الإقطاعية حيث كان الطحن غاية في حد ذاته (كاحتكار إقطاعي) والري ما هو إلا ناتج ثانوي، والتباين بين النظامين هو كما يرى بارثيلو علامة على نوعين مختلفين من التنظيم الاجتماعي الزراعي، النظام الإقطاعي الهرمي المسيحي، والنظام الإسلامي القبلي القائم على المساواة.
وقد تلت هذا الفصل فصول موسعة عن الزراعة بتفصيلات عن خصائص كل طريقة تحت عنوان الزراعة في اسبانيا المسلمة للكاتب أكسبيراثيون غارثا، أما نباتات الصباغة والنسيج فقد تحدثت عنها لوسي لوبيز التي ربطت بين تلك النباتات وعشق الطبيعة والشعر.. وتتميز الحديقة الأندلسية بخصائص نادراً ما توجد في غيرها وهذا ما تولى دراسته جيمس دكي:
إن الحديقة الإسلامية شكل من أشكال الحديقة الفرعونية، والحديقة الأندلسية شكل من اشكال الحديقة الإسلامية وتزودنا الحديقة الأندلسية بالدليل المادي الوحيد على طبيعة الحديقة الإسلامية قبل العهد التيموري، ومن مكوناتها الأساسية الأرضية المرفوعة والري بواسطة ضغط الجاذبية والتقسيم وهي بركة تتجمع فيها المياه ثم تقسم على نواحي الحديقة والممرات المشكلة تشكيلاً محدداً. ثم يختم هذه الموسوعة تشارلز بييرنت ببحث عن الترجمة من العربية في القرون الوسطى في إسبانيا، مارغريت لوبيز غوميز التي كتبت عن إسهامات العلماء المسلمين في الحضارة الأوروبية عبر الأندلس:
أعطى الإسلام الذي كان قد خلق توافقاً واندماجاً بين حضارتين متضادتين باستناده على فكره الكوني وصفة التسامح لمفهومه الديني وباعتماده على قدرته الهائلة في التمثل والإبداع وجعلهما وسيلة التمييز إلى التجريب والاختيار في بلاد الأندلس التي شهدت أهم اندماج عرقي وحضاري بين الشرق والغرب.
وقد ختمت المحررة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي هذه الموسوعة بإعطاء نبذة مختصرة عن كل شخص من الأشخاص الذين شاركوا في أبحاث هذه الموسوعة كما لم تنس الإشارة إلى المترجمين الذين تولوا نقل مواضيع هذه الموسوعة إلى اللغة العربية نقلاً روعيت فيه الدقة اللغوية.
وبعد.. إن هذا الكتاب الذي وصفه روبرت إيروين بأنه كتاب ممتاز لمؤلف عظيم.. إنه بالتأكيد أكثر المؤلفات حول إسبانيا الإسلامية شمولية.. كما يقول الكاتب ج ـ يابوكلي: إن أولئك الكتاب الغربيين الذين وضعوا أبحاث هذه الموسوعة كان هدفهم الأول والأخير خدمة العلم، وبيان حقائق التاريخ التي كادت تنطمس تحت رماد الكراهية والحقد على الإسلام ـ فأرادوا المشاركة بإبراز تلك الحقائق التاريخية الرائعة بأقلام نزيهة لا دافع لها إلا خدمة العلم والتاريخ.
ولا يقل مجهود المترجمين الذين تولوا نقل تلك الأبحاث إلى اللغة العربية عن دور أولئك العلماء.
أما دور المحررة الدكتور سلمى الجيوسي فهو الدور الأعظم الذي استطاعت أن تتفرغ لهذا العمل العظيم وتلم بجميع أطرافه في ملاحقة مضنية بين الكتاب والمترجمين، والمراجعة والتصحيح.
ولولا بذل وتشجيع الوجيه الشيخ عبد المقصود خوجه وتغطية نفقات طبع هذه الموسوعة لم تكن قد رأت النور بعد.
فإلى أولئك العلماء الأحرار.
وإلى أولئك المترجمين المتميزين.
وإلى المحررة التي أسهمت بالكثير من وقتها وجهدها لإخراج هذا العمل العظيم في أحسن صورة.
وإلى ممول هذا المشروع الثقافي العظيم الشيخ عبد المقصود خوجه أرفع آيات الشكر والتقدير راجياً من الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان الحسنات فإنه على كل شيء قدير.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :3577  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 133 من 142
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور سعيد عبد الله حارب

الذي رفد المكتبة العربية بستة عشر مؤلفاً في الفكر، والثقافة، والتربية، قادماً خصيصاً للاثنينية من دولة الإمارات العربية المتحدة.