شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الفصل الثاني
ـ 1 ـ
هدأت على صدري ((زهرة القرنفل)) تلك التي حملتها معي إلى باريس.. إنها تذكارك، وعبقك، وآخر ما منحته لي في زمن ابتسامتك الصافية التي خصصتني بها وحدي في بداية ذلك المساء.. حينما كنت أرقد فوق السرير الأبيض بالمستشفى!
كنت قد وصلت باريس مع بداية هذا المساء، واختار لي الفندق هذه الغرفة المطلة على أعظم شارع باريسي: ((الشانزلزيه)).
أزحت الستارة، ورأيت من هذا العلو الشاهق كل الأشياء الهابطة، والقزمة، والراكضة، والمزدحمة، عالم عجيب أراه تحت ناظري، ولا أستمتع به بمثل استمتاع الكثير من أمثالي الوافدين إلى باريس للفسحة، أو للضياع، أو للاختيار.
لست أدري.. لِمَ هذه الدمعة الباردة التي طفرت من عيني وانزلقت على خدي؟!
ترى.. هل تعبر الدموع أحياناً عن الأمنيات، أم أنها في مثل وقفتي هذه تعبر عن أقسى وحدة أعايشها وأنت بعيد عني؟!
شيء غريب.. فلقد فررت منك، فاكتشفت أنك تجذّرت في أعماقي.. أحس بك وشماً وعمقاً يحفر ضلوعي ولا أقدر أن أنوح.. ولمن؟!
هذا هو الغريب.. إني أنوح من أجلك إليك.. لا أبوح لأحد عنك، ولكني أهرع إلى ورقي وأبادر فأكتب إليك نوحي وبوحي وتناقضاتي معك!
لا تندهش.. لقد طبعت وشمك في أعصابي وأفكاري وخفقي.. فتصور!
وعندما أقفيت، وجعلت مطار ((شارل ديجول)) خلفي.. تأخذني العربة إلى داخل مدينة السحر والنور كما يسمونها.. كانت الخواطر تنثال. كنت شاردة، لم أشاهد منظراً واحداً على امتداد الطريق من المطار إلى الفندق، عفواً.. بل كان منظر واحد فقط.. كان وجهك وقامتك التي تحتوي ظلي دائماً كلما وقفت أمامك. وتساءلت: هل أنا أفر منك.. أم أركض بهذا السفر المتواصل إلى لقائك الغامر؟!
تغرّبت كثيراً.. وأكثر غربتي عندما لا أراك، ولا أسمع صوتك. وكنت أعتقد في بعض الوقت أن بقائي في البلد معك، أو هروبي إلى الخارج بعيداً عنك.. هو في واقع الأمر سيان.. ففي كلتا الحالتين لا أراك، فأنا –إذن- في غربة!
لذلك.. أحببت الترحال.. أصبح السفر هاجسي وعذابي، وأتمنى أن يخلصني منك، فإذا هو يزيدني التصاقاً بك، وحميمية لك!
يا عذابي أنت: ألا تساعدني أن أمحو هذا الوشم مني؟!
إنني أمد يدي نحو ((زهرة القرنفل)) وأتحسس أطرافها بأناملي برفق. رغم أنها ذبلت، وتكاد أن تجف. أحملها من فوق صدري. وأضعها على شفتي، وأغمض عيني ثانية، ودوماً كلما قربتها من شفتي.. أحس أنني أقبِّلك.
شعرت بها على صدري، وكأنها رأسك.. فابتسمت!
يا لهذا الرأس- رأسك- الذي بقيت أحلم به، فهو: طفلي الذي أوسده وأهدهده، وأحلم به سكني ووطني الذي أختبئ داخله وأجوس في أفكاره التي تعذبني وتتحول إلى عذوبة في عمري!
فهل تسمح لي الآن أن أغمض عيني لأرتاح منك قليلاً.. أبعدك عني، وحتى أبعد (زهرة القرنفل) هذه عن صدري، وأضعها فوق ((الكوميدينو)) وأغفو؟!
إنني متعبة من سفر الرحلة، ومن رحلة سفر الوجدان معك طوال هذا الزمن الذي اكتشفتك فيه.. بينما أبقى في حياتك: التعارف، أو العلاقة، أو الراحة المؤقتة؟!
ولكن ((زهرة القرنفل))، لا تدعني أغفو.. إنها سفيرتك عندي، تلاحقني بعبقها المستمد من عطرك ومن عرقك.. أشم رائحة عرقك في ((زهرة القرنفل)). حتى وهي جافة!
إنك تبتسم الآن.
أعرف وجهك في هذه اللحظة.. لكني ما زلت أصر أنك لا تطيق العبث، ولا تميل إلى المخادعة. حبك عنيف وصراحتك عنيفة، ولقد أحببت فيك هذا العنف الذي لا يدمي ولا يجرح، ولكنه يرهق كثيراً.
أتذكر الآن ميلاد هذه الزهرة.. كأن يدك التي حملتها إليّ ذات يوم كانت أرضها، وتربة جذورها، ومطرها. كانت متفتحة، تفوح شذى.
* * *
ذلك المساء استعيده.. إلى درجة أنني أحس به- مازال يسري في عروقي كالخلجة.. يهزني، يقشعرني.
كنت أرقد على السرير الأبيض في المستشفى الخاص. مضت أيام ثلاثة على استضافة سرير المستشفى لجسدي. يدي في داخل لفافة بيضاء متراكمة عليها. وساقي اليسرى معلقة عند مؤخرة السرير.
هذا هو اليوم الثالث -إذن- على مرور الحادث الذي وقع لسيارتي.
في مساء اليوم ذاك.. ركبت عربتي، وقلت للسائق الهندي: اتجه إلى البحر!
كنت قد طلبتك بالهاتف عدة مرات ولم أجدك.. عشرة أيام مرت دون أن أراك، أو حتى دون أن أسمع صوتك، ورغم أنني أعرف مزاجيتك، وتغليفها بأعذار مشاغلك، لكني لم أيأس من العثور عليك.. حتى ألقيت القبض على صوتك. كنت فرحة بهذا العثور، كأنني عطشى في فلاة، وظهرأمامي نبع صاف. ولم تدم فرحتي أكثر من ثوان.. صدمني صوتك بعدها بنبرة جافة.. يقول لي:
ـ عفواً.. إنني مشغول. عندي اجتماع. سأتصل بك فيما بعد!
أعرف ال ((فيما بعد)) هذه!.. أحياناً تستمر شهراً، أو لا تنتهي حتى أنهيها أنا بالاتصال!
تعرف كلبي الصغير الرمادي.. أهرع إليه دائماً كلما رميتني بإهمالك!
عفوك.. ليس في ذهني ما يمكن ربطه بمقولة الشعراء عن وفاء الكلاب، وجحود الإنسان.
لا أقصد أن أفضله عليك، ولكني أحب هذا الكلب بعدك أنت مباشرة. لو فقدتك أصبح مثل هذا الكلب: مدللة، نظيفة، وفية.. ولكني أموت قهراً. ولو فقدت هذا الكلب أشعر أنني فقدت الصديق والحارس والأنيس والخليل!
أذكر ما قلته لي مرة: ((الكلاب الوفية تموت بسرعة.. لأنها لا تحتمل قسوة عاطفة الإنسان))!
ذلك المساء.. ناديت كلبي، بعد أن أحسست بالاختناق إثر مكالمتك. شكوتك إليه. وضعته في حجري وبكيت. كان يلعق يدي ويهمهم، ويسكن، وذيله يواصل الحركة.
قد تصف هذه الصورة، فتقول عنها: إنها ترف القصور.. لكنها في الحقيقة تبدو، وكأنها تلف السأم!
ارتديت ملابسي، وناديت السائق الهندي، وركبت عربتي في اتجاه البحر.
أرتاح أمام البحر.. أسكن أمام ارتداد الموج، ونقائه.. هناك بقيت ساعة أو أكثر. حادثتك.. استعدت بعض كلماتك عندما تكون ((رايقاً)).. بل تناهت إلى سمعي بعض ضحكاتك النزقة. أنت أحياناً تضحك بجنون، وأجدني في هذه الضحكات مندهشة وحائرة. كنت تقول لي:
إنني أطرد أحزاني وهميمي بهذا الصخب.. لا تظني أنني سعيد. الضحك لا يدل على السعادة. بل هو في الغالب يعني القفز فوق الآلام، والهروب من الهموم.
كل ما تقوله أصدقه، وأناقشه مع نفسي، وأتعاطف معك فيه.. حتى لو خالفتك الرأي.
هذا لا يعني انقيادي التام لك، وانضوائي تحت إمرتك.. بل هو محاولة الدخول إلى أعماقك، والامتزاج بك.
وخيم الليل على الكون.. أصبح بياض الموج مثل فوانيس مضيئة في عرض البحر. وشعرت بفيض من الراحة. إني الطريق وأنا داخل العربة فكرت في صديقتي ((سعاد)).. ليتني أمر ببيتها وأجلس معها بعض الوقت. ولكني ما لبثت أن تخليت عن هذه الفكرة.. تذكرت أولادها ومسؤوليتها في بيتها.. لم تعد ((سعاد)) تلك الفتاة المرحة ((العفريتة)) التي تتقافز وتروي النكات.. منذ أن تزوجت، خيل إليَّ أنها ترمدت، أو ((همدت)).
ـ سألتها ذات يوم: هل صحيح أن الزواج يقتل الحب؟!
نظرت إليّ بسخرية، وأجابت بنبرة الفيلسوف قائلة: يقتل حباً، ويلد حباً أكبر.. هو حب الضنا.. حب ما تمنحه حشاشتك!
ثم استدركت، كأنها أحست بارتكابها خطأ، فقالت:
ـ لم أقصد يا ((ليلى)).. أنت لم تنجبي من زوجك.. أوه، أقصد من الذي هجرتِه، يا شيخة، حتى بيقولوا أن الضنا عناء. كده إنت أحسن، مرتاحة و((مروقة))، وسيدة نفسك!
لم أتأثر بما قالته صديقتي ((سعاد)) يومها.. فقد كنت أحمد الله أن جعلني عاقراً لئلا أنجب من ((حسين)) خلفة تربطني به، وتعطل هذه الحرية التي استعدتها مع وقف التنفيذ!
صدقني أنني لا أكذب.. بل إنني صادقة، فأنا لم أحب ((حسين))، وإن كنت قد حاولت في بداية ارتباطنا أن أحبه.. حاولت مراراً وبإصرار، وفشلت، بل وعجزت.
وتلك حكاية سأرويها.
الآن.. غيرت رأيي، وليس عندي حماس لزيارة ((سعاد)).. فلا بد أن أرجع إلى البيت.
هناك في غرفتي عالمي الذي أضنّ بإباحته على كثير، ولكني تمنيت لو منحته لك كل العمر.
وفي طريق العودة.. كانت المفاجأة!
لقد خرجت سيارة ضخمة من نوع ((التريلا)) حاملة البضائع.. جاء خروجها من شارع فرعي، ولا بد أن السائق الهندي كان ((سارحاً)) يفكر في أهله وغربته، ولم يستطع أن يتلافى هذه الصخرة التي ارتطمت بالعربة.
لا أدري كيف لم أمت بعد أن شاهدت حطام السيارة. مات السائق الهندي، وكل ما أتذكره في تلك اللحظة البشعة أنني صرخت، ولم أفق إلا في اليوم التالي فوق السرير الأبيض، ويدي ملفوفة، وساقي معلقة مثبتة إلى أعلى.
ولكن آلامي، وكل الرعب الذي ملأنى قد تلاشى عندما رأيتك.
كنت- بعد أن أفقت- أفتش عنك.. أسأل كل من جاءني بنظرات صامتة.
أسأل الطبيب، والممرضات عنك، وتطفر الدموع من عيني.. ويسألونني: مم تتألمين؟!
وكنت أهمس في داخلي: أتألم منك أنت!
لا أتمنى أن تكون ألمي.. وكيف تكون ألمي وأنت الذي تزرع في صدري المزيد من الحب والتفاؤل؟!
حتى قرع الباب في الليلة الثالثة، وأطل وجهك.. وبين أصابعك هذه الزهرة: ((زهرة القرنفل)) وبأسلوبك قلت مبتسماً:
ـ فكرت أن أحمل لك باقة كبيرة من الورود والأزهار. لم أجد باقة أملأ بها هذه الغرفة، وأراك في داخلها زهرة الزهرات. فجئت إليك بهذه الزهرة وحدها، لأنك تحبين ((زهرة القرنفل)).. تقولين عنها: إنها نداء الحب!
فرحت بهذه الزهرة تلك الليلة. لم أنم. تلاشت أوجاعي.. جفت دموعي، وأينعت ابتسامات ملونة كجناح فراشة على شفتي، ومن عيني، وفي صدري!
يا إلهي.. هكذا أنت تفعل بي كل هذا التحول؟!
وبقيت الزهرة بين أصابعي ترعاها. لم أسمح لأحد أن يلمسها. لم أتركها وحدها، بل صرت آخذها إلى كل مكان، ولو جفت، فإنها ستبقى حديقة عمري.
* * *
هكذا أنت يا سيدي، ألمي..
ليست لك أشياء.. بل شيء واحد تتفرع منه كل مباهج الحياة وابتساماتها.
لحظة.. التليفون يرن!
..................
هل تعرف؟!
إنهم يستعجلونني لأرتدي ملابسي، ونذهب إلى أعماق الليل.. نجوب ((الشانزلزيه))، ونتسكع أمام وداخل المحلات التي تعرض الملابس والموضات.
فجأة.. لمع في ذهني خاطر. قلت لصديقاتي وأختي:
ـ أريد أن نذهب إلى ((الحي اللاتيني))!
ـ قالوا بصوت واحد: الآن.. مؤكد أنه لن يكون هناك!
كن يغمزن عليك. لكني لم أغضب. فرحت أنهن جئن بسيرتك.
تمسكت برأيي، وذهبنا جميعاً إلى هناك.
ورغم طول المسافة.. فإنني لم أشعر بها، لقد كنت بجانبي. أنظر إليك، وأحادثك. وأسألك عن قصة الدكتور ((سهيل إدريس)) الحي اللاتيني، التي حدثتني مرة عن إعجابك بها، وأنها شدتك لتذهب إلى هناك. وأسألك عن ((عصفور من الشرق)) وصورة ((توفيق الحكيم)) القديمة الرائعة. ورأيك في ((توفيق الحكيم)) بعد كتابه: عودة الوعي وفقدانه!!
أحس أنك تملؤني.. ترويني، تأخذ رأسي وتفلحه وتشذّ به كأرض بور، ثم تحوله إلى عشرات الفدادين التي تطرح القطن طويل التيلة!
أحس أن كل كلمة تقولها لي: وعي، وكل فكرة تناقشها معي: قضية، وكل عبارة ترددها في مسمعي: ملحمة.
ووصلنا إلى الحي اللاتيني.. وكانت ليلة!
* * *
ـ 2 ـ
أنت يا سيدي وحلمي..
تواصل غزواتك بين أضلعي.. تبني داخلها حصونك وقلاعك، وتأمرني من داخلي هذا، فأطيعك!
كم أنت ديكتاتور ومتسلط.. برغم أنني أراك بوضوح وبشمول كلما التقينا وجهاً لوجه.. لحظتها أراك ضعيفاً، مستسلماً.. ترضي غروري، فتشعرني أنني أحتلّك، وأنك مستعمرتي.. وتشعرني أنني قد نجحت في طرد سكان نفسك، وإجلاء العابرين.. وأنني أترنم في كل مساحة صدرك: قوة، وتأثيراً وامتلاكاً!
نعم.. كثيراً ما فكرت في الاستحواذ عليك، في امتلاكك حتى النخاع، وعندي ثقة بنفسي!
لكني ما ألبث أن أتراجع عن هذه الطبيعة التي تسكن كل أنثى.. تحب رجلاً وتهيم به.
أتراجع خوفاً منك، وخوفاً عليك!
أستعيد كلماتك عندما كنت أحاورك عن الامتلاك والحب، والشعرة النحيلة التي تبدو هي الفارق بينهما.. فكنت تقول لي:
ـ أنت كيان.. وما حولك، وما وراءك لا أكثر من ظل!
ـ أرد عليك، قائلة: ولكنك لست حولي ولا ورائي.. بل أنت تُسدد إلى قلبي كرمح لامع.. استقر في الغور، فإن نزعته من صدري نزفت حتى الموت، وإن أبقيته لازمتني آلامه التي لا تنتهي!
ـ وكنت تقول لي: من أجل ذلك تفكرين أن تضاعفي آلامك مدى العمر.. بمزيد من إيغال الرمح في صدرك!
تلك كانت أياماً جميلة.. وإن تناثر في جنباتها لون من الحور العاطفي ((الضاري)) بيني وبينك.. ولكني كنت أجدك كثيراً، وترد عليّ، ويطول بنا الوقت ونحن نتكلم حتى نكاد ننسى الوقت نفسه، وننسى كل من في عالمنا.
الآن.. أستعيد أصداء صوتك عندما كنت مع أختي وصديقاتي ندخل إلى مزاريب وأزقة ((الحي اللاتيني)) في باريس. المقاهي منتشرة، والسحنات مألوفة.. لتردد العرب على هذا الحي، والزحام يغمرنا حتى نكاد أن نضيع فيه ونتباعد.
وجاءت فكرة طرحتها إحدى صديقاتي: ما رأيكن في الجلوس أمام طاولة في ذلك المقهى؟!
ـ قالت أختي: هل جننت.. كيف نجلس في مقهى؟!
وقهقهت أصوات صديقاتي لهذا السؤال المتعجب، وقالت واحدة منهن:
ـ لماذا.. هل نسيت نفسك أين نحن.. أم ما زلت تعتقدين أننا في شارع عربي، أو في حي شعبي هناك؟!.. نحن في باريس!
ـ قلت بلا تركيز: ولكننا لم نتعود.. صحيح، لو رآنا أحد من بلدنا على الأقل؟!
ـ قالت واحدة منهن: هكذا نحن كالنعامة.. هناك رجال، وهنا رجال.
ـ قلت: ولكنه الالتزام بآداب رُبينا عليها!
ـ قالت: يا شيخة.. يا عقد!.. تعالوا بس نجلس ونتفرج.. والعالم صندوق يا عالم!
ولمحتك فجأة.. هناك، تجلس أمام طاولة لا تبعد عن طاولتنا، وأمامك فتاة شقراء جميلة!
تدافع الدم إلى رأسي.. شعرت بالغليان والغيظ. أعرف قدرتك على المرح والعبث والجنون.
لكزت أختي في خاصرتها، وأشرت نحوك بطرف عيني، حدقت، وارتسم الذهول على وجهها.،
ثم ما لبثت أن قهقهت بصوت مرتفع.. جعل صديقاتي يلتفتن نحوها باستغراب. قالت وما زالت تضحك:
ـ عندنا مثل شعبي يقول ((اللي في بال أم الخير.. تحلم به طول الليل))!
ـ قلت مغتاظة: إيه أم الخير دي؟.. بلاش سخرية!
ـ قالت أختي: تصوروا.. هذه الإنسانة الجميلة الرزينة الهادئة، اللي اسمها أختي ((ليلى)).. لما تشوف وجه راجل، على طول تشوف وجه الحبيب الغائب!
ـ قلت أزجرها: وبعدين في قلة الأدب دي؟!
تطلع البنات إلى الجالس مع الشقراء.. كلهن يعرفنك من صورك.. قلن لي: معك حق.. الخالق الناطق.. إنما ليس هو، لعله ابن عمه.. ما رأيك، نتسلى؟!
لم أعرف أية فكرة طرأت في رؤوسهن السهرانة. تهامسن، وقامت واحدة منهن بثبات، وتخطرت في مشيتها، حتى وقفت أمام الرجل والفتاة التي معه. تحدثت إليه، وعادت بعد دقيقتين!
المجنونة، المغامرة.. قالت لنا:
ـ قلت له حين وقفت أمامه: أنت عربي بلا شك.. ها؟ فأجاب مندهشاً لجرأتي: نعم.. هل أستطيع خدمتك؟ فقلت له: بل خدمة هذا القطيع، وأشرت إليكن، وأردفت أقول له: إننا نزور باريس للمرة الأولى، كذبت عليه، وحبذا لو جلست معنا بعض الوقت لنأخذ فكرة عنها منك!
ـ وماذا قال لك؟!
ـ أبداً.. ابتسم بخبث، وقال: بأمرك.. ولكن ليس الآن، ففي الغد نلتقي تحت برج إيفل في الساعة الثانية عشرة ظهراً.
قلت لصديقتي: ولكن هذا الأسلوب منحرف!
وجم صديقاتي، وقمت أمشي، فتبعنني. قالت المجنونة المغامرة: إننا نمزح ونتسلى!
ـ قلت: بل أنت تصرفت عبثاً.
ـ قالت: وقدومنا إلى باريس وحدنا.. أليس عبثاً؟!
ـ قلت: لقد جئت وأختي يصحبنا ابن أخي لعلاجه.
ـ قالت: وكل واحدة يا حبيبتي معها ((مَحْرم)).. بس المحرم مشغول في الشانزلزيه، و..
ـ وأردفت بحدة: إيه يا شيخة؟!
ـ قلت لها: هناك فرق بين تفسيرك ومعنى حدود التصرف وعقلانيته!
واستلقيت على سريري في الفندق.. أحدق في السقف، وأطرد وراء العديد من الصور.
ـ قالت لي أختي: لقد قسوت على صديقتنا.. إنها مرحة لا أكثر.
ـ قلت: بل إنها لعوب، وستورطنا معها، وبصراحة.. أفكارها لا تعجبني.. إنها تفلسف حرية المرأة بأنها المساواة الكاملة مع الرجل، وهذه التجربة فشلت حتى في الغرب، وتنازل عنها فلاسفتها، أو منظروها!
جلست أختي في نهاية سريري، وهي تحدق في وجهي وتبتسم، ثم قالت:
ـ ما شاء الله.. من فين كل الثقافة دي والعبارات؟! إيه يا ختي.. ((منظّرين)).. يعني إيه، ومين اللي..؟!
ـ قاطعتها قائلة: من فضلك.. لست جاهلة، إنني لم أكمل تعليمي، صحيح.. ولكني قرأت كثيراً، وثقفت نفسي، وأعتقد أن هذا عيبكم يا بنات هذا الجيل، القراءة عندكن هي مجلات الموضة والسينما!
ـ قالت أختي: غلط.. البنات يقرأن بجدية وبإصرار، بما يجعلهن يتفوقن على الشباب حتى في المعلومات العامة.. الشباب الأولاد اتجهوا إلى الكرة.. تقولي هِيَّا المستقبل؟!
ـ نظرت إليها بطرف عيني وابتسمت أقول: والبنات أصبحن اليوم يعرفن اسم حارس هذا الفريق، والباك، و..
ـ قاطعتني: حتى أنت تعرفين، عيني عليك باردة. زعلانة ليه.. ما هو ما عندنا غير الكرة، أو الفيديو.. عندك (حقل) تاني نزرع فيه عقولنا؟!
لم أجبها، فقد بدأت بطريقتها تسخر، وقلت لها:
ـ ماني فايقة لك.. روحي اقرئي، ولاّ نامي، ولاّ شوفي لكم ((قناة)) في تلفزيون باريس يمكن تلقطي لك كلمة فرنساوي تتعلميها!
قامت تزفر، وتطوح بذراعيها، وتهمهم: يا ربي.. ملل في كل مكان.. ليه المرأة بس؟!
ابتسمت.. فقد كنت مثلها، ولكني فيما يبدو قد سرقني العمر بعض الشيء.. بلغت إلى المرحلة التي يسمونها الرزانة. أحياناً أسأم أيضاً من هذه الرزانة، وأضيق بالفراغ من حولي. ليتني أقدر أن أعمل، ولكن.. كيف؟!
كيف أعمل وأسرتي غنية، وتخاف على قيمتها الاجتماعية، ومركزها!!
لقد أعطانا القيمة هذه كلها والدي يرحمه الله.. فهو الذي جمع هذه الثروة، وأنجب كل هؤلاء الأولاد والبنات.. الذكور خمسة رجال، وإخوتي الإناث ثلاث بنات.
لو قلت لواحد من إخوتي الرجال الآن: أريد أن أعمل، فلا بد أن يندهش، وسيعارض هذه الفكرة التي يصفها بالجنون! وسيقولون لي:
ـ كيف تعملين، وأنت ابنة ((سالم عبد الغفار الحامد)).. الذي كان ملء السمع والبصر، ومن أوائل من كانت لهم ثروة بمعنى الغنى والجاه والنفوذ؟!
لو قلت لأختي التي تكبرني: أريد أن أكون موظفة!.. فلا بد أن تقشع شفتيها الغليظتين عن سنها المكسور، وتقول لي ساخرة:
ـ موظفة!!.. ليه؟ علشان يقولوا: بيت ((عبد الغفار الحامد)) الكبير، اللي كان يرش الفلوس على الناس سقط في الفقر والحاجة.. إيه اللي ناقصك؟!
يومها بكيت، وأنا أتصور لو نقلت رغبتي هذه إلى أسرتي. ولعلهم لا يقسون عليّ بالكلام. ولكنهم بلا شك سيمزجون نظراتهم إلي بالشفقة والحزن، ويربطون ذلك بظروفي النفسية بعد أن هجرت زوجي وطلبت الطلاق، ورفض للإمعان في إذلالي.
كانت المرأة في عصر جدتي وحتى أمي.. لا تعرف ماذا تعني كلمة ((الفراغ)). فهي تقوم بأعمال البيت وحدها.. تكنس وتطبخ وتغسل حتى سلالم البيت الكبير المكون من عدة طوابق، وتعتبر أن هذه هي حياتها الحقيقية، ولعلها لا تخرج من بلدها حتى تموت فلا تعرف مدينة أخرى في بلدها.
الآن.. نحن في باريس!.. هيه، وبيوتنا تضم أكثر من خادمة وربما مربية وسائق، وكل وسائل الحضارة والترفيه.. ومع ذلك، فالملل يتكثف.. فهو -إذن- بسبب نفساني!
قلت ذلك مرة لأختي المحتجة دائماً، ولكنها أجابتني ساخرة:
ـ يمكن.. لأن المرأة أصبحت متعلمة، والتعليم يزيد الطموح!
واختالت أمامي صورة والدي يرحمه الله، بل كأنني أراه بقامته الفارعة، وشخصيته القوية، وصوته الأجش في غير ما قسوة.
طفرت دمعة من عيني.. واختلطت ملامح وجهك بوجه أبي. صرخت فجأة:
ـ لا.. لا، لا أريدك أبي، أرجوك!
ركضت أختي إليّ، وقد خلعها صوتي من فوق سرير غرفتها المجاورة. وقفت بجانب سريري فزعة، ترتعش:
ـ ماذا بك.. هل نمت ورأيت حلماً مفزعاً؟!
تطلعت إلى وجهها المرتاع من أجلي. أمسكت بيدها. هدأت، قلت لها:
ـ بل المفزع في حياتنا اليوم هي أحلام اليقظة يا حبيبتي!
ـ قالت: لم أفهم؟!
ـ قلت: رأيت أبي أمامي بقامته المديدة، وأنا أحملق في جدار الغرفة!
ـ قالت: أبي أيضاً؟.. لقد كان يحبك أكثرنا جميعاً.
ـ قلت: وأنا كنت أحبه أكثركم جميعاً، ولكني أحياناً أفتقد حنانه.. أراه يوم كان بيننا، وكنت أتشوق أن أرمي رأسي على صدره، وهو بوجهه الجاد.. أكاد أحصي المرات التي قبّلت فيها وجنة أبي!
ـ قالت: اهدئي.. تلك حكايات قديمة، لقد أفزعتني، ظننت أن ((نابليون)) تقمص شخصاً آخر ودخل غرفتك!
ابتسمت، ومسحت بأصابعي على خدها، وقلت لها:
ـ تعرفي.. كان من الممكن أن يكون أبي في حياته ((نابليون))!
ـ قالت ضاحكة: كان يكفيه أن يكون ((أوناسيس)) زمانه، إنما يا عيني على بابا كان حظه مع النساء مفلساً بعكس جيبه المتخم!
ـ قلت أنهرها: بنت؟!
ـ قالت: خلاص.. إنما نابليون قال ((فتش عن المرأة))!
ـ قلت: لو كان نابليون امرأة لقال ((فتش عن الرجل))!
ـ قالت: غلط.. معاه حق.. ترى إحنا نعمل العمايل!
وامتلأت الغرفة بضحكاتنا، وكان لا بد أن ننام مبكرين، فموعدنا في فجر الغد مع الطائرة التي ستعيدنا إلى بلدنا!
ـ 3 ـ
هل تسمح لي- يا سيدي وحلمي- أن أصدق أذني هذا المساء؟!
أتاني صوتك عبر الهاتف مع بداية المساء الثاني لعودتي إلى البلد. هل تراه صوتك بالفعل؟!
ألم أقل أنك رجل صاحب سلوك غريب في معاملة المرأة؟! تختفي لأيام وأسابيع، وربما لأكثر من شهرين.. لتظهر بعد ذلك صاخباً، لامعاً، متوهجاً كفلاش التصوير.. مباغتاً وساطعاً ومحترقاً بعد ذلك!؟
كان سؤالك المعتاد الذي لم يفاجئني، فأنت تطرحه دوماً كلما اختفيت أنت، أو غبت أنا عنك:
ـ أين أنت طوال هذه الفترة.. إن هاتفك لا يجيب؟ خفت أن تكوني قد متِّ واستمتع بجمالك!
أبتسم فوق سماعة الهاتف، كأنك تراني.. إنها كلماتك دوماً، تلك التي لا تتغير، ولا أنت أيضاً تتغير، ولست أدري.. متى تلتزم بمواعيدك.. عذرك الجاهز أنك مشغول، ولكنك تستطيع أن تجد الوقت إن أردت، على الأقل لتسأل عني لمدة نصف دقيقة. أريد مرة أن أسخر منك فأفشل!
وضبطت غيظي منك، وأنت تتساءل وتتكلم. كان لا بد أن أصغي إلى صوتك طويلاً، لأنني اشتقت إليك.
شعرت بأنك مرتاح نفسياً، ولديك الاستعداد للكلام.. ألست أنت الذي طلبتني.. أقصد تعطفت، وتلطفت، وجئت على نفسك ومشاغلك، وضغطت على أرقام تليفوني؟!
عندما تكون في مثل هذه الراحة النفسية فإنني أسعد بالحديث معك، أو لعل كل من يتكلم معك، يلحظ تدفقك في الكلام الممتع، ولا أدري السبب الخفي لراحتك النفسية.. كيف أوفرها لك، أومن أين تستمدها؟ هل تراك ترتاح نفسياً عندما تنجز عملاً مهماً من أعمالك، أو عندما تكتب مقطوعة شعر، والشعر من هواياتك المتعددة المربحة لنفسيتك، أوعندما تعزف على الكمان فتفرغ شحنة الحزن من نفسك عبر أوتار هذه الآلة الشجية؟!
ابتسم فهق سماعة الهاتف، كأنك تراني.. فأنا أعرف أنك الآن في مكتبك..
ولا مجال للشعر أو للعزف. تراها أنثى جديدة دخلت حياتك، وحققت لك هذا الشعور بالفرح المتقافز من صوتك؟!
أعرفك يا ((عادل)).. أنت قد تبدو خشناً، وغليظ الحوار مع امرأة تحادثك في البدء. وليس هذا الطبع والتعامل فيك هو لعبة ((الذكورية)).. كطريقة لجذب المرأة إليك.. أعرف أنك صادق وصريح، ولكنك عاطفي، وفاقد، ورحّال.. تجوب دروب الحياة بحثاً عن أشياء صغيرة، ولكنها تغذي النفس بالفرح، وبالتأمل. أنت ((فنان)) مجنون، وأكثر ما استغرب له: كيف لم تقاوم طبيعة الفنان فيك هذا الثبات على العمل الإداري في مكتبك؟
ويأتيني صوتك معربداً صخاباً، يتساءل:
ـ أين اختفى صوتك القوس قزح.. لماذا أصابك وقار الفلاسفة فجأة، أم.. أن الفرح بصوتي حبس صوتك؟ هيا واصلي ما تريدين.. سواء أردت أن تكوني عصفورة تزقزق أم..!
ـ عادل؟.. لا داعي للعض!
ـ عض؟!.. لا أعرف أن في الغزل موقفاً، أو فصلاً نحتاج فيه إلى العض.. أم أنك غاضبة مني إلى درجة عدم احتمال أي كلمة؟!
ـ بالعكس.. أنا مشتاقة إليك جداً، وحشتني يا ((عادل)).. ولعلني تسرعت بالعودة لأراك!
ـ كالعادة.. رحلت إلى باريس. هيّا اعترفي!
ـ كنت في رحلة استجمام.. كانت أعصابي تفوق احتمالي لها، فقررت أن أذهب إلى هناك، ومعي أختي وابن أخي الذي نعالجه.. وجدتها فرصة لمرافقة المريض، ولمحاولة الإبلال من أحزاني النفسية التي تضغط بثقلها على رئتي!
ـ أحزان نفسية؟.. ماذا حدث، هل أمك بخير؟!
ـ بخير، فلا تفزع.
عاد إلى مزاحه، ولامبالاته، وصوته الصخاب يقول:
ـ ها.. عرفت، ذهبت في رحلة استجمام مني.. أعرف أنني أملأك في بعض الأحيان بحزن لا أقصد أن أرميك به، ولكنك حساسة جداً.
ـ ما زلت تعبث، وتسخر، المزاح ليس دائماً.
ـ لا تكلميني بهذه الطريقة الدرامية، ولكن.. تستجمين مني أنا؟!
ـ بل من رياحك وثلوجك معاً.. من طقسك المتناقض، الذي لا يعترف بتعاقب الفصول!
ـ أنت امرأة من نار.. رغم أنني أجد يدك باردة كلما حاولت يدي احتواءها، ولكن سرعان ما تدفأ يدك داخل يدي، وتسخن، وتتقد، و..
ـ عادل أرجوك.. هل تحادثني الآن لتسخر، أم تراك تتلذذ بتعذيبي؟!
ـ لا هذا ولا ذاك.. فقط، قلقت عليك، أعرف أن لك صرعات، وتتهمينني بصفات الزئبق، بينما أنت تختفين فجأة.. تسافرين للخارج، أو تنتقلين إلى مدينة أخرى عند أختك الكبرى. يمر عليك وقت أشعر فيه وكأنك تبردين.. تتثلجين كقطة آيس كريم متجمدة. وأحياناً ألقي القبض على صوتك.. فأكتشف أنك لا ترغبين في محادثتي ولا رؤيتي ولا سماع صوتي.. فهل هذا هو الملل الذي يصيبك أحياناً، أم تراه المزيد من الشوق الذي يختبئ بين أضلعك، وتفرين به مني ومن أسئلتك؟!
ـ ما أعظم برودك ولا مبالاتك.. من أي عجينة أنت؟!
ـ ها.. عدنا مرة أخرى لأعواد الكبريت. لاحظي أن كلماتك هذه مثل أعواد الكبريت.. قد تحرق الحب، وقد تزيد اشتعاله!
ـ تقول الحب؟.. هل تسمي ما بيننا حباً، وأنا أراك مرة في العام، وقد لا أجدك عندما أطلبك بالهاتف إلا بعد شهر، وتقول لي: الحب؟!
ـ الحب ليس أن نتقابل بالضرورة، بل أن لا نسأم!
ـ هل أنت مجنون.. هل تعاني من انفصام في الشخصية؟!
ـ بل أحس بتعب نفساني، تعرفين أنك تطلعين الملاذ لي في قمة شعوري بالتعب، وفي لحظة هروبي من مرهقات الحياة وسخافاتها.. فأنا لا أرتاح إلا في إصغائك، عند ضفافك التي تغسلني مياهها النقية الصافية. كلما تكثفت متاعبي هرعت إليك. وسكبت شكواي ونجواي في أذنك.
ـ محطة استراحة أنا؟ ولكني لن أرضى بهذا النصيب لي منك!
ـ ما هذه النغمة الجديدة؟.. كأنك فيما أحدس تطمحين إلى.. الامتلاك، أليس كذلك!
ـ ليتك تصدقني مرة واحدة. كل ما أريده منك هو صدقك فقط، بل أكثر من هذا.. فليس شرطاً أن تصدق معي، ولكن.. ليتك تصدق مع نفسك مرة واحدة!
ـ هل تعتبرينني كاذباً؟ بمعنى أنني أضحك عليك، أو أتسلى بك، أو لعلي هذا الممثل البارع الذي يجيد تلوين نبرات صوته حزناً وفرحاً، ولم أكتشف هذه الموهبة عندي!
ـ لم أتهمك يوماً بالكذب، ولكني أريد منك أن تحدد لنفسك الرؤية، والنظرة والاتجاه. أنت حتى الآن لم تجب عن السؤال المطروح في أعماقك: ماذا تريد بالضبط؟ أعرف أنه ليس من طباعك العبث، ولكنك في بعض الأحيان تعبث مسافة طويلة إلى درجة خوفي عليك من أن تخطئ، ويتأذى ضميرك بعد ذلك. ولا تستطيع حينذاك أن تغفر لنفسك زلتها أو لا مبالاتها، أو لعبة العبث.
ـ تقصدين أنني أعبث بك كالأخريات؟!
ـ لا.. أنا لست مراهقة، ولم أحبك بعواطفي فقط يا ((عادل)).. بل أحببتك بخفقي وبعقلي.. وأنت لم تذهب إلى النساء الصغيرات لتغويهن، أو لتطاردهن.. بل تجدهن أمامك يحذفن شبَّاكك بالحصى تارة، وبالورد تارة أخرى.
ـ ولكني.. لست ((دون جوان)).. أنت فقط تغارين!
ـ ربما في قلقك وأسئلتك الكثيرة عن الحياة والمواقف وقضية الإنسان ما يأخذك بعض الأحيان لتستريح، أو لتختبئ من أفكارك وقلقك، فينبعث داخلك ((دون جوان)) مؤقت، ولكن أفكارك الكبيرة ما تلبث أن تعيد هذا ال ((دون جان)) إلى قمقمه في أعماقك، وتفيق من جديد على المواقف والقضية والأسئلة.
ـ تعرفي؟.. لأول مرة أكاد أرى جزءاً من نفسي في المرآة!
ـ ربما أكون مرآتك بالفعل، حتى ولو لم تعترف لي بهذا الحق، ولكني أصبحت هذه المرآة في لحظات صدقك أنت.. تلك اللحظات التي قلت لي عنها أنها نزف تعبك النفساني، فتستلقي عند ضفافي، وترتاح في إصغائي، وتبوح وتشكو وتنسكب كغيمة محمّلة بالمطر!
ـ فلماذا، إذن، تضيقين بي عندما أختفي، ولا تعطينني هذا الحق عندما يطرأ جنونك، فيحرضك على مقاطعتي فترة طويلة؟!
ـ لست أدري.. أتصور أنني عندما أقاطعك، كأنني أتناول دواء مراً.. أتجرعه، وأحتمل غصته من أجل أن أشفى منك، أخرجك من قلبي، وأدعك تتبخر من أعماقي وأحظى حياة جديدة ليس فيها أنت.
ـ وهل تعتقدين أن هذه سعادتك؟.. إذا كان ذلك صحيحاً، فلن أتردد عن الانسحاب من حياتك.
ـ حياتي؟! كأنها أنقاض ودمار. قبل أن أسافر إلى باريس بأسبوع فقط، كنت أتصور أن حياتي ستتحول إلى أكبر حديقة في العالم.. ستغرد فيها الطيور، وتتفتح الزهور والورود، وتنساب جداول المياه، وتطوف بها النسمة الرقيقة، لو أنني استطعت أن أحصل على حريتي من زوجي ((المزمن)) أو من ذلك الزواج الصوري، كأنه رسم على ورق، فقد بقيت مرتبطة بذلك الرجل الزوج عشرين عاماً.. كنا في خلالها زوجين لمدة سنة واحدة، وبعدها كنا نلتقي كالضيوف، كالأصدقاء، البكم، كالجيشين المتواجهين المتحفّزين لبدء لحظة المعركة الفاصلة، واستمر ذلك طوال تسعة عشر عاماً.. قضيتها في الوحدة والقلق، والضياع، والسفر، والإحباط المستمر، وحروب الاستنزاف!
ـ تقصدين يا ((ليلى)) أنك قبل سفرك إلى باريس بأسبوع، قد..
ـ نعم يا ((عادل)).. أخيراً، وبعد عشرين عاماً، صرخت أطلب الطلاق ليمنحني حريتي الشخصية.
تصور!.. أتخيل نفسي مثل ذلك السجين العالمي (أدولف هيس) الذي ما زال في سجنه الوحيد.. داخل ذلك القصر المنيف.. يحرسه جنود من روسيا وأمريكا وألمانيا.. يأكل جيداً، ويمارس الرياضة، ويتفرج على التلفزيون، ولكنه لا يرى الشارع، ولا الناس.. ولا الجديد الكثير في العالم، منذ أن أدخلوه السجن بعد الحرب العالمية وحتى الآن. لو مات يوم دخوله السجن لكان أكثر سعادة، ولكنه الآن لو أخرجوه من السجن، فهو لا أكثر من مجرد حطام وأنقاض، وماض طويل.. طويل!
ـ ولكن.. احكي لي، كيف تمت هذه المعجزة، ألم تقولي دائماً، إنه يرفض الطلاق، ويرفض الكلام في هذا الأمر؟!
ـ صحيح.. ولكن القصة أكثر مرارة من هذه اللحظة. لقد فرحت كثيراً بشجاعتي أخيراً، ولكنها الفرحة المهدمة. سأراك غداً يا ((عادل)).. إنني أحتاج إليك... ولو لمدة ساعة فقط.. أضع فيها رأسي على صدرك، وأقص عليك فيها أغرب وأفزع قصة زواج في القرن العشرين!!
* * *
ـ 4 ـ
ضحكت هذا اليوم من قلبي.. كأنني لم أضحك بمثل هذا الفرح طوال عمري!
كانت قدماك تدوس على البنزين بجنون في اتجاه البحر. شقاوتك لا حدود لها، وكأنك طفل غر، تتراقص أمام مقود العربة، وتغني، وتشدني إليك.
كان هو الحلم الذي أحياه يقظة.. بل لعلني على كثرة ما أراك في نومي، لم أحلم بك بهذا الانطلاق، والشباب، والفرح. وقلت لك ضاحكة، ونحن نقترب من ((كابينة)) صديقك التي استعرتها منه اليوم:
ـ ترى.. لِمَ أنت سعيد اليوم إلى هذه الدرجة.. هل تحتفل بعودتي من السفر، أم تحتفل بلقائنا هذا بعد أن اشتقت إلى لقائك ما يقارب العام؟!
أدرت وجهك، وحدقت في عيني، ولم تجب إلا بكلمة واحدة: لقد وصلنا! البحر هادئ، فالناس لا يتزاحمون عنده إلا يومي الخميس والجمعة.. حتى الشمس تفرش وجه البحر، دافئة، بدون حرارتها القائظة.. تنعكس أشعتها فوق صفحة الماء كنثارة فضة.. تختال في أعماق البحر كزورق من زئبق. وانطلقت معك إلى المياه نتسابق.. نتضاحك، ولكنني أفر من بين يديك وأتعب بسرعة لتحتويني، أوكأنني أفعل ذلك طائعة لئلا أبتعد عنك وقتاً أطول.
أنت لا تحب البحر في صخب وزحام الناس.. وإنما تأتي إليه في منتصف الأسبوع وحدك في الغالب.. ((تغطس)) فيه، وتناجيه، وتقذف بحصوات صغيرة من شاطئه إلى أبعاده وترقب أمواجه وكل ما حوله من صمت. تفرغ شحنة نفسك، وتتنفس هواء جديداً نقياً، وتقفل راجعاً إلى الناس ببطء!
سألتك عند الغروب، ورأسي على كتفك، ونظراتك تطرد وراء الموج:
ـ قل لي يا ((عادل)).. هل هناك أنثى حقيقية عشقتها بالفعل؟!
ـ أثارك سؤالي، فقلت: ماذا تقصدين.. هل تعتقدين أنني أحب الأساطير والقصص الخيالية؟!
ـ قلت لك: ليس بهذا المعنى بالضبط، ولكن.. هل عشقت امرأة بلحمها ودمها وتجسيدها، إلى درجة أنك تسهدت وجافاك النوم، وبكيت، واشتقت وتعذبت؟!
ـ أجبتني سارحاً في البعيد: عشقت، وبكيت، وعصاني الكرى- كما يقول الشعراء ولكن.. لم السؤال؟!
ـ أبداً.. فقط يخيل إليّ أحياناً أنك حتى الآن لم تحب امرأة بمعنى الحب الحقيقي.. بل ما زلت تفتش عنها في عشرات النساء، وعشرات التجارب والحكايات والوجوه.. حبك الحقيقي أسطوري، رومانسي.
ـ وأنت؟!
ـ أنت لا تحبني أنا.. لعلك ترتاح لي، تطمئن، تأنس بي.. تجد في فهمي ووعيي وحواري تلك الرؤية التي تدخلك إلى أعماقك، وتفتح نوافذها لفترة. ولكني أعرف تماماً أنني لست حبك الحقيقي!
ـ لن أجادلك الآن.. دعينا سعداء بذلك الفرح الذي بدأنا به يومنا، وبهذا البحر، والغروب، وهمس الكون الرائع المريح للنفس.
ـ أما أنا.. فسعادتي بجانبك الآن اعتبرها جزءاً من الحلم، لأنني بعد ساعة أو أكثر سأفتقدك، ستعيدني إلى مكاني، وتذهب إلى حياتك وعالمك. أرأيت أن اتهامك لي بالرغبة في الاستحواذ، هو اتهام ظالم وباطل؟!
ـ ولكن الوقت لازال لنا.. فلماذا لا تروين لي حكايتك كلها، إذا كان ذلك لا يضايقك بالطبع؟
ـ ولكني سعيدة بملاذي إليك الآن.. فلا تحاول أن تعكر لحظة الصفاء والهناء هذه.
ـ أريد أن أعرف كل شيء عنك. ألم تلاحظي أنك ما تزالين لغزاً، أو فصلاً قصيراً من رواية طويلة؟!
ـ صدقني.. لم تعد لي سوى حكاية واحدة.. حكاية العمر كله: ((أنت)) ولكنك تتعبني دوماً، وتسحق أعصابي بهروبك واختفائك، وإهمالك المتعمّد لي.
ـ هل تشعرين في هذا السحق الذي تصفين بأنني شارفت حدود الكراهية فيك؟!
ـ ليتني أستطيع، حتى أستريح منك وأشفى. ولكنه شيء يشبه شعور الأم المعذبة بشقاوة طفلها، وركضه، وتحطيم الكثير.
ـ أنا حطمت شيئاً فيك عليك اللعنة؟!
لقد اختلطت أوراق عمري.. تماماً كأوراق الكوتشينة القديمة التي تكاد أن تبلى من كثرة الأيدي التي لعبت بها، ولعبت هي أيضاً- كرمز للحظ- بمن كانوا يعتقدون أنهم من أمهر اللاعبين، وأذكاهم.
* * *
 
طباعة

تعليق

 القراءات :4530  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 58 من 545
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور عبد الكريم محمود الخطيب

له أكثر من ثلاثين مؤلفاً، في التاريخ والأدب والقصة.