شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
لكيلا يطمس الحقيقة ضباب
ما أسرع ما رسخ في أذهان الكثيرين، أني قلت: (إن الشعر العمودي سوف لن يجد من يقوله بعد عقد أو أكثر من السنين)، ثم ما أكثر أيضاً من علّقوا على ذلك من المثقفين الغُيرُ على الشعر العمودي، ومع التعليق غمزات التهكم، وشكات دبابيس الاتّهام بالتنكّر للتراث، والانحياز لانحرافات الحداثة المتّهمة بخروجها على ثوابت التراث. وكل ذلك إلى جانب توجيه الأسئلة عن موقفي من أولئك الذين رفعوا لافتات السخط والاستنكار.
وكان آخر هذه الأسئلة أو التساؤلات، ما وجّهته إليّ الأستاذة (رقيّة ناظر) المحررة في مجلة إقرأ الغراء.. وسؤالها بنصه يقول: (قيل إنك توقّعت للشعر العربي الانقراض بعد خمسة عشر عاماً.. فهل هذا صحيح؟ وعلى ماذا بنيت توقّعاتك لشعر بقرون مضت؟).
ومضمون السؤال لا يختلف كثيراً عن مضمون الأسئلة الأخرى المماثلة، وإن كان قد ذهب إلى أبعد كثيراً مما قلت أو أقول.. لأني لم أقل كلمة عن الشعر العربي الذي قيل وتختزنه عشرات أو مئات الدواوين، وتوقعي له الانقراض.. ولمن يذهب إلى أني قلت شيئاً من هذا القبيل أن يفترض في القائل، ليس الجهل والتخلف فحسب، وإنما (الهلوسة والجنون).. إذ كيف يعقل أن ينقرض الموجود في مئات أو ألوف من كتب التراث.. وما هي الطريقة التي يتم بها هذا الانقراض.. أهو الحرق.. مثلاً؟ أو القذف به في البحر أو أنهار النيل ودجلة والفرات، كما فعل التتار، يوم اكتسحوا بغداد، وقد كانت أعظم ما عرف التاريخ الإسلامي من صروح الحضارة والفكر في العصر العباسي العظيم؟.
لم أقل شيئاً عن الشعر العربي الذي قيل عبر قرون مضت.. وإنما الذي قلته - ولا أزال أقوله هو أن الشعر العمودي سوف لن يجد من يقوله بعد عقد أو أكثر من السنين. وأعتقد أن الفرق واضح جداً بين القولين.. فالشعر العربي الذي قيل، طوال قرون من عطاء الشعراء قد قيل، ونحن نحفظ عن ظهر قلب الكثير الكثير منه، ولا نزال نعود إليه ونستلهمه ينبوعاً ثراً دائم النبع، ليس فقط للمعاني، وإنما أيضاً للألفاظ، والكلمات، وفنون البلاغة وسحر البيان..
وقد قلت جواباً عن سؤال الأستاذة رقيّة ناظر، وأظنه قد نشر في مجلة (اقرأ) الغراء: (صحيح أني توقعت للشعر العربي أن يتوقّف عطاؤه بعشر أو خمس عشرة سنة.. وظواهر الحال تدل على ذلك.. إذا كان خرّيجو الجامعات، وحملة المؤهلات العالية، يجهلون أبسط قواعد اللغة العربية - والشعر العربي لغة عربية بقواعدها، نحوها وصرفها - ثم العروض ببحوره وأوزانه، والقافية، بشروطها وتعقيدها (العلمي).. إذا كانوا يجهلونها.. بل قد يبلغ الجهل ببعضهم أن يفخر بجهله.. فكيف ننتظر للشعر العربي - كما عرفناه - أن يستمر له عطاء، وأن يظهر شعراء يكتبون القصيدة العمودية أو التقليدية، ومادة بنائها مفقودة، من جذورها، وهي كما قلنا اللغة العربية التي يجهلون حتى أبسط قواعدها فكيف بالعروض وقواعده، وعلَّله وزحافه، ثم القافية بعقدها التي قد أشك في أن بين المتصايحين بالتفجع على الشعر العمودي من يعرفها.
هذا ومن جهة أخرى هناك المشكلة الأكبر، وهي (الزمن) الذي أصبح أثمن وأغلى كثيراً من أن يبدده من يتطلع إلى كتابة الشعر في اقتناص القوافي، والتنبه لزحاف العروض وبحوره والمجزوء من هذه البحور وعروض هذا المجزوء في كل بحر - ولا مكان مع العلم، لمقولة إن الكثيرين من شعراء الشعر العمودي، لا يعرفون أو لم يسبق لهم أن تعلّموا العروض، وإنهم شعراء بالسليقة أو بالتذوق.. ولعلّ من حق الأستاذ حسن عبد الله القرشي أن أذكر له علمه الجيد بالعروض، وأستبعد أن يتمتع بذلك غيره الكثيرون من الشعراء.
ثم.. قلت في إجابتي عن سؤال الأستاذة رقية ناظر: (سنظل نستمتع بشعراء أصبح عطاؤهم من الشعر العمودي نادراً، ولا ندري هل سوف نستقبل في العشر أو الخمس عشرة سنة المقبلة أكثر من شعراء (نظامين) نفتقد في شعرهم (الإبداع) - والإبداع عندي هو الشعر حتى ولو خلا من الوزن والقافية.. وليسخط من يحلو له أن يسخط، إذا قلت إننا نجد الكثير من هذا الإبداع في الشعر الحديث، أو ما اصطلحوا على تسميته (شعر الحداثة). ولا نجده إلا في القليل من الشعر العمودي الذي تصدر له الدواوين في هذه الأيام.. وهنا قد يجب أن لا أنسى استثناءَ واحدٍ أو اثنين، إلى أربعة أو خمسة شعراء عموديين، وفي الطليعة منهم الدكتور غازي القصيبي، الذي كان ولا يزال الشاعر المجدد أو الجديد - وليس الحديث - ، إذ تجد في شعره الإبداع الذي تبرق به شاعرية عفوية بعيدة عن التصنّع والصنعة، والأهمّ من ذلك ترفّعها عن هذه المواضيع التي استهلكتها حتى الاهتراء المقالات الصحفية، التي ينظمونها قصائد والتي لو كتبت نثراً لأدّت من الغرض ما لا يؤديه هذا النظم الغث البارد.. ومع هذا الجديد في شعر القصيبي، عنده الاحتفاظ بنكهة القديم أو العمودي.. وأعني القليل من الوزن، إلى جانب القليل من القافية، مع خفة الظل ورشاقة التناول، وألق الثقافة العالية يمد القصيدة بروح الألفة وارتعاشة الوجدان.
وقد يقترب من هذا الاستثناء هذا الشاعر الواعد، الذي أتيح لي أن ألقاه في أيام الجنادرية في الرياض، وأن أسمع منه بعض ما كانت تسمعه معي مجموعة من جلساء بهو فندق الرياض وأحسست في بعض ما سمعت بنبض الشعر، وكجاري العادة مع من حفلت بهم الساحة، من شعراء الشباب، بدا لي أن أسأله عن ديوانه.. ولكنّه نفى أن يكون قد طبع شعره في ديوان، وطمعت في أن أقرأ له المزيد، ورجوته أن يزوّدني بالميسور لديه من هذه القصائد.. ولم يبخل، إذ تلقيت منه في جدة مجموعة من هذه القصائد التي عنيت بقراءة بعضها، فلم يخيّب ظني في أنه يقترب فعلاً من ذلك العدد القليل الذي يعد بأن يكون له عطاء إبداع.. وإذ شرعت في الكتابة عن أدباء وشعراء الشباب فقد وضعت مجموعة القصائد التي بعث بها إليّ، في قائمة أعددتها، واعتزمت أن أعالجها بالنظر والتنويه.. إلى أن وجدت نفسي مع قصيدته الطويلة بعنوان (يا مساء العراق) التي نشرها ملحق جريدة الندوة الأدبي يوم 28 شوال..
وصمود العراق، طوال هذه السنين، في مواجهة حرب الملالى أو الملاّوات، يقودهم هذا النموذج الفريد لطغيان الدجل والشعوذة والتغرير، فيقدر لهم أن يقذفوا بأرواح مئات الألوف من أبناء الشعوب الإيرانية إلى جحيم الحرب الطاحنة.. ثم هذا النصر الساحق الذي استرد به الجيش العراقي البطل شبه جزيرة الفاو، ثم شلمجة، فبشر، ليس بانتهاء الحرب فقط، وإنما ببداية النهاية لعهد ذلك الطاغية، بكل ما انكشف وافتضح من شعوذته ودجله، وتضليله.. صمود العراق، الذي سجّل في هذا القرن، المثال النادر للإصرار والإرادة الفولاذية في الدفاع عن كل ذرة رمل من الأرض العربية، ليس في العراق فقط وإنما في جميع ساحاتها، من ضفاف الخليج إلى مشارف المحيط، لأنه يؤمن بأن تلك الطغمة الضالة المضلّلة، والغارقة حتى الأذقان في أوهام خزعبلاتها ودجلها، لا تضحّي بمن تضحي بهم في ساحات القتال من أبناء الشعوب المغلوبة على أمرها إلاّ من منطلق حقدها التاريخي على العرب وعلى الإسلام.
صمود العراق هو موضوع الشاعر الأستاذ معيض البخيتان.. وهو موضوع تعالجه الصحافة العربية، كل يوم.. ولكن هنا الفرق.. بين الموضوع ينظم قصيدة عصماء، وبينه يكتب أخباراً وأحداثاً..
في القصيدة الكثير من الفرائد التي تستحق أن تكون بين ما يقرر من المحفوظات في مدارسنا، بل في كل مدرسة عربية.. لأن فيها الجديد الذي آن له أن يحل محل الكثير والتقليدي القديم من هذه المحفوظات.. فيه روح الشعر والشاعر العربي الأصيل.
ولسوف يجد النقاد الكثير مما يؤخذ على بناء القصيدة، ولكنهم سوف يجدون أيضاً (الإبداع).. والإبداع عندي هو الشعر.
* * *
مقال الأستاذ أحمد المحمد السليمان التركي، الذي نشرته هذه الجريدة منذ أيام، كان واحداً من مواضيع حوار يدور بيني وبين الأستاذ، بين وقت وآخر، ليس فقط حول انتزاع مخالب (القطاع العام) في بريطانيا، وهو ما تميّز به حكم السيدة تاتشر في الفترتين الماضيتين، ويبدو أنها تعتزم أن تستكمله في هذه الفترة الثالثة التي تستقر فيها في (10 دوانينج ستريت) بنجاحها الساحق في الانتخابات.. بل حول مواضيع وقضايا نلتقي عند بعض نقاطها أحياناً، ونتباعد أحياناً أخرى، ولكننا نتفق دائماً على أنها القضايا التي تستحق أن يقف عندها رجل الفكر، أو هو (المثقف) الذي يعايش الواقع، ليس فقط في بيئته أو بلاده أو منطقته، وإنما في هذه الدنيا التي صغرت مساحات، وتضاءلت اتصالات بينما كبرت وترامت الأمداء بلا نهاية، في هذه القضايا التي ربما يتعذّر رصدها كما يتعذّر استيعاب عُقَدها وما تنطوي عليه من نذر وأخطار على البشر في المستقبل القريب أو البعيد.
وبقدر ما أسرف الأستاذ التركي في التنويه عما يقول إنه (يستهويه في شخصي الضعيف ويدهشه من قناعاتي الكاملة، الواضحة والمحددة)، والتي (لم تعد متداولة) أو (لا تتناسب ونبض الحياة ووتيرتها أو مضمونها)، بقدر ما برع في وضعي في زاوية أو ركن طوّقني فيه بالإطراء والثناء، لينطلق - وأنا حبيس ركني هذا - في مناقشة قضية القطاع العام، ولكن بأسلوب زاخر بما يؤكد الأكاديمية الرفيعة التي يمتلك الأستاذ ناصيتها، ويستطيع أن يستخدمها في تفنيد القضية، ونبش المستور أو المتواري - عندي - من خلفياتها. وقد زاد على هذا الفيض اطلاعه المتواصل على (زبدة الرأي) التي يحملها (الفكر المعتدل) في (الجارديان) و (السْكوتسمان) وصولاً إلى (الفايننشال تايمز) وحتى (الأيكونوميست) ذاتها. ولا يجد - تأسيساً على كل هذا - ما يمنع أن يرى ترجيحاً لم يخل من تردد في أن القول الفصل في (التاتشرية) أنها (تجربة لم تنته ولم تظهر بعد ثمارها وأبعادها الشاملة والإنسانية. وليؤكّد هذا القول الفصل يقول: (إن معظم الناس يحملون الانطباع المحدود للسائح ولا يرون سوى الصورة الحالمة الشاعرية للمروج الخضراء في (الجنوب الإنجليزي) ومنتجعاته الغارقة في قطاع الخدمات السياحية والمصرفية وسوق السندات الخ الخ..).
وقد لا يكون من قبيل الصدفة أن أقرأ مقال الأستاذ، بكل ما زخر به من الآراء القيّمة في هذا الموضوع بالذات، بعد أن فرغت من قراءة ما نشرته مجلة (تايم) الأمريكية كجزء خاص في أكثر من عشر صفحات، لكتاب وصفه الناشر بأنه (قصة نادرة النظير، عن سيدة نادرة، لم تعش فقط، رغم سجنها ست سنوات ونصفاً وتعذيبها في الصين الشيوعية، بل تحمّلت العذاب بل وانتصرت أيضاً.. إنها القصة التي بدأت منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكن لها علاقة مباشرة وخاصة بالواقع اليوم، إنها القصة التي تسجّل وتوثق أن انتصار روح الإنسانية على التوحش والجبروت متواصل دائماً).
وما عاناه الشعب الصيني، منذ ذلك اليوم من عام 1931 الذي انتخب فيه ماوتسي تونج رئيساً للجمهورية ثم رئيساً لمجلس الحكومة المركزية لما سمّي (جمهورية الصين الشعبية)، سجل ضخم لم يبق في العالم من لم يعرف الكثير عنه، ومن لم يقف ذاهلاً، وهو يسمع جنون (الثورة الثقافية) وما ظل يمارسه (ماو) وأعوانه من جنون (الفكر الثوري)، والقصة التي تكتبها السيدة (نين تشينج) وهي في الثانية والسبعين من عمرها قد ينظر إليها كثيرون باعتبارها أحد أساليب الدعاية الأمريكية ضد (الشيوعية)، ولكن حتى مع افتراض هذه النظرة، فإن واقع الصين الشعبية في عهد (ماو) و (شوين لاي)، يستغني في الواقع عن كل أساليب الدعاية الهادفة إلى التشويه.
ويوم كتب (جورج أورويل) كتابيه (مزرعة الحيوان) ثم (العالم في عام 1984) لم يكن قد استوعب واقع الصين، أو تكهّن بما سوف ينتهي إليه الصراع، بين (ماو) و (تشانجاي تشك)، ولكن رؤيته لمستقبل الحكم الشمولي، في (العالم عام 1984)، مع ما فيها من المبالغة، أو هي محاولة (الإنذار) بالمصير الذي ينتظر البشرية إذا ما قدّر لهذا النوع من الحكم أن يسود.. هذه الرؤية يمكن القول إنها قد تحققت، وربما على أبشع صورة في الصين في عهد (ماو) وثورته الثقافية، ولا يدري أحد ماذا كان يمكن أن يحدث، لو أن (الماوية) التي مثلها (الأربعة) بعد رحيله، ظلّت هي التي تهيمن على مقدرات الألف مليون.
وكما أخذ الانبهار (بالماوية) في الصين، وببقايا (الستالينية) في الاتحاد السوفياتي يتراجع، ويكاد يلتمس سبل الخروج من النفق الطويل المظلم، فإن (العمّال) ليس في بريطانيا فقط، بل حتى في أوروبا الشرقية، أخذوا يَعُون ويدركون أن (العدل) قضية لا يستطيع الحسم بين طرفيها أو كفتيها التنظير الماركسي، كما لن يستطيع هذا الحسم المهيمنون على أرقام عجلة (الروليت) في الرأسمالية، بجميع أشكال الديموقراطية وشعارات الحرية فيها. ومن هنا في تقديري الشخصي، جاء انتصار السيدة مارغريت تاتشر، ومثلها انتصار ميخائيل جورباتشوف على أصحاب الأنياب الزرقاء في الكرملين.. ومثلهما هذا التحول البطيء المتسلّل بحذر في الصين الكبرى.
من المفروغ منه أنها قضية لن تحسمها حتى الحروب المفروضة أو المتوقّعة بين طرفي المعادلة، وإنما الذي يحسمها هو ((الحريّة التي تحترم كرامة الإنسان، فتعطيه حقّه في الحياة، آدمياً، وليس مجرد رأس في قطيع تهشّه عصا الراعي، فتفرض عليه ما يطيب للراعي أو الرعاة من أنماط العيش في مسيرة الحياة)).
هذه الحرية، يفهمها الأستاذ التركي، ويلتمسها (لثلاثة ملايين عائلة تعاني من البطالة في بريطانيا) ولم تستطع مارغريت تاتشر أن تخفف من مأساتهم، كما يلتمسها أيضاً، لأولئك الذين ينتظرون العمليات الجراحية في المستشفيات، مدة تصل إلى سنتين أو ثلاث سنوات. وأنا أضيف إلى ذلك من عندي، الملايين الذين لا يجدون اللقمة من الخبز، أو المترين من الأرض يأوون إليها في أمريكا، وهي كما يزعم المعجبون بالديموقراطية فيها، (أم الديموقراطية الحديثة)، وتمثال الحرية، وتلك الكلمات المكتوبة عليه، رغم ترميم هيكله من الداخل والخارج، والإضاءة الساطعة ليلاً. هذا التمثال، أو هذا الشعار، ما أكثر ما بصق عليه الفقراء والمعوزون، والمشردون في الشوارع والطرقات، وأنفاق مترو الأنفاق.. بل يمكن أن أضيف مئات الملايين الذين تسوقهم عصا الراعي، في أوروبا الشرقية، وتحرّم عليهم حتى العبادة أو الهمس بذكر الله.. إلخ إلخ.. من هذه الحقائق التي لا يزال يعايشها إنسان العصر، وأي عصر؟ إنه العقد الأخير تقريباً من القرن العشرين.
ثم عندنا في الشرق الأوسط، وليعفني الأستاذ من ذكر بلدان بعينها، نعلم جميعاً كيف انبهرت بالتنظير الذي استهدف أصلاً تحقيق أو حل المعادلة، بين القطط السمان مالكي ألوف الأفدنة، وبين أكوام اللحم من الأطفال الذين ينامون على رصيف حديقة مشهورة في منتصف يناير، يلتمسون الدفء بالتلاصق عشراتٍ عشرات، لا تستر أجسادهم الغضة إلاّ مِزَقُ الخيش. وكيف أسفر الانبهار عن أنظمة معروفة، فتَّتت الملكيات، ليس في الأرض فقط، وإنما في جميع مؤسسات وبيوت المال الكبرى، وظهر ما يسمّى القطاع العام.. كما ظهر ما أخرج الطبقة العاملة، والفلاحين، من أنفاق الإذلال والقهر التي ظلوا يتكدسون فيها عشرات القرون.. هل يدهش الأستاذ أن أقول إني كنت من المنبهرين بما ظهر؟! لأني كنت من الذين رأوا أكوام اللحم النائمة على الأرصفة في زمهرير الشتاء.. ولكن ماذا بعد ذلك؟ إنها قضية العدل نفسها.. عبثت بها أيدي الذين حكموا ذلك البلد قروناً وراء قرون، وفشلت في حسمها الأنظمة التي انبهرت بالتنظير وطبقته.. ولا يزال هذا البلد، وغيره في عالمنا العربي يعيش هذا التناقض، أو هو (عدم التوازن) بين طرفي المعادلة.. ودع عنك الكثير الكثير من اللسعات السالخة التي مارستها عصا الراعي على أجساد الرافضين أو المنحرفين عن الطريق المرسوم.
وبعد:
فإن معلومات الأستاذ عن واقع بريطانيا، مع التجربة التاتشرية، نبّهتني شخصياً إلى أن الالتقاط من فتات المائدة - وهو شأني مع ما أختزن من المعلومات - يضعني في موقف لا أحسد عليه.. ومع ذلك فالمشكلة هي في الوقت الذي يضيق حتى عن التقاط الأنفاس في أجواء بعيدة عن المائدة وفتاتها. وفي صعوبة الاستعانة بسكرتيرين (لا سكرتيرات)، يجمعون لي ما لا أستغني عنه من معلومات موثّقة، ليس فقط في موضوع كهذا الذي دار حوله الحوار، وإنما في الكثير من المواضيع التي يحزنني كثيراً أنها تمر بي - وبغيري من المثقفين - دون أن تستوقفنا، رغم أهميّتها وعلاقتها بنا في مواجهة الكثير من المتغيّرات الحادة حولنا.
وكما لعلّي قد قلت إن الأستاذ التركي واحد من القلة التي تشعر أنها تعيش أجواء ثقافتها الأكاديمية العالية، وكذلك أجواء الواقع المعاش، ليس في المملكة فقط، بل في العالم على رحبه.. وهو ما أتمنى أن يكون لي شيء منه، إذا قدّر لي أن أبتعد عن فتات الموائد، وهو ما أستبعده، في الوقت الحاضر على الأقل، ولكني أظل أنتظر حوار الأستاذ التركي، إن لم يكن بمثل مقاله القيّم، فبمُهاتَفتي، كما يطيب له أن يفعل بعض الأحيان.
وإذا كان لا بد من ختام للموضوع المطروح، فهو أن المثقفين عندنا يستطيعون أن يسهموا فيه بالكثير من الآراء التي لا أشك أنها موجودة كامنة تحت عباءة الوهم القائل إن هذا الموضوع وأمثاله لا يطيب لرؤساء تحرير الصحف أن ينشروه.. وهو ما أثبتت هذه الجريدة أنه وهم، بما نشرته، وما تنشره، مما يدهشني أحياناً، إلى حد يجعلني أهمس (تحيا الصحافة الحرة.. في بلد الأحرار).
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1660  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 5 من 19
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج