شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
(20)
ومضى به الطريق يتحدر بين مدارج السيول، أو يصعد بين مرتفعات ونجود صغيرة، تتخللها البيوت من الطين أو الحجر.. على مسافات تتقارب وتتباعد بقدر ما تلتوي بينها الطرق، أو تنحدر عنها مدارج السيل.
كان يسير وحده يؤنسه أزيز السواقي، آتية من مخارق الوادي، وكان يلتقي بين كل فترة وأخرى بالرعاة يسوقون قطعانهم بين المروج، أو يرسلونها إلى العشب المخضَّل بين ليات الوادي.. وكان الريح يهب عليلاً فاتراً، فيعبث بأشجار التين على أكناف المروج، فتسمع لحفيف أوراقه نغماً شجياً رخيماً.
كانت الشمس صاحية، تنقل خطاها بين أكتاف الجبال ورؤوس التلال، وتترك بعض النجود الصغيرة غرقى في وهجها، وكان بعض أطفال القرويين ينتشرون بين مهابط الماء ومساقط السيل في طول الطريق.. يحملون سلاَّتهم على رؤوسهم، يجمعون فيها أفواف الورد بين حمراء وبيضاء، ويلقطون ما تناثر من ثمار العُنَّاب، فيجعلونه في أفواههم، ويتراشقون بنواه في مرح ولعب.. كأن الحياة في نظرهم لا تعدو عشباً نضيراً، ومرجاً مخضلاً، وزهراً مفوفاً، وأثماراً يأكلون أطايبها، ويلفظون نواها، في غفلة من دواليب الدهر ودورة سواقيه!
وطال به الطريق، واشتد وهج الحر، ونال منه طول المشي، فلاح له كوخ ينعطف إليه الطريق في درب مخصب طويل، فأخذ سمته إليه في إعياء، فاستقبلته في خطوات منه فتاة ناهد أخبرته أن ليس في الكوخ غيرها، وأن أمها سبقتها إلى محفل العرس عند جيرانها إلى أن تلحق بها عند المساء.
وما إن رأت في وجهه لفح الشمس، وضمور التعب حتى تقدمت إليه أن يركن إلى فَيءٍ قريب منها على حافة مصرف من مصارف السيل.. وما لبثت إلاّ قليلاً حتى وافته باللبن والجبن وأقراص الذرة، وأبت عليه أن يواصل المشي حتى يعود أبوها ليحمله قبيل الغروب، فيتولّى ضيافته، أو ينقله على الجمل إلى أقرب ملتقى للسبيل.
ولم يلبث إلاّ ساعة حتى جاء أبوها في غير عادته مبكراً، وبعد أن اشتدَّ في محاولته على المبيت.. ولم يذعن، نقله على جَمله في الطريق المؤدية إلى بيت العرس.
وما إن اصفرَّت الشمس في ميلها إلى المغيب حتى تراءى له، عن بُعد، شرف مرتفع يقوم عليه منزل واضح المكانة بين بيوت صغيرة، يطول عليها بشرفتين تطلان على سرة الوادي من ناحيته الشرقية.. فاستوقف صاحبَه الجمَّال بدعوى خاصة عارضة لا بد له منها قبل بلوغ القصر!
وبعد أن تركه يعود بجمله. لوى سالم في طريق جانبي، تتخلّله دروب متشابكة، تنتهي عند شعب ضيق مجهول المسالك، حتى إذا وقف عند مضيقه.. تبيَّن له درب يطمئن بين سلسلة من التلال، ويمضي في اطمئنانه، مستديراً إلى نهاية تحاذي الشرف القائم عليه المنزل من ناحيته الخلفية، فمضى فيه حتى كان على نجوة من الشرف، صادفته ربوة ممرَّدة السطح، فصعدها وأشرف من سطحها على السهل المنبسط أمام القصر، تكتنفه على مرامي البصر مناظر المروج، وتحتضنه آفاق وعرة من التلال والهضاب.. ورأى الشرف المزدحم ببيوت القرويين يخوض في سُرَّة الوادي، وتصطفق بين أقدامه زمرة من القرويين، يموجون في أثواب زاهية، ويلوحون في الهواء بسيوفهم وبنادقهم، وجلبة صاخبة تملأ عنان السماء بأهازيج منظمةٍ، وأغانٍ مرتلةٍ.
وسال ذوب الأصيل على أكناف الأفق، وبدأت قوادم الليل تحوِّل الكون إلى لون داكن يتعذر منه تمييز الأشياء، وبدأ بهر الشمس ينجاب عن صفحة القمر كامل الاستدارة، لألاء، كأنه الفضة الصافية المجلوَّة.
وتطلَّع في جلوسه على سطح التل إلى الزمر المائج من القرويين.. علَّه يميِّز من بينهم ((فكرة)).. فحال الإِظلام دونه، فاستأنف المضيَّ، منحدراً من التل في طريقه إلى الحشد المتكتل في جنبات السهل.. حتى وازاه، واختلط بالمائِجين حول أكوام النار المشتعلة يصطفق لهيبها ويستعر، ويرسل ألسنته حمراء تطعن في أحشاء الظلام، فتبدو الوجوه في ضوئه متوردة، والسيوف لامعة.
وتفتَّح سمعه للجلبة الصاخبة، فاستوى منها نغم مرتّل، وترجيع منظّم، وصافحه صوت الحادي في نبرة واضحة وأداء قوي:
يا عم لا تفرح علينا بكثرة
والكثر يا عمِّي وحنَّا شواء
إن الطيور كثيرة أظناؤها (1)
إن الحرار (2) قليلة الأظناء
حنّا مصاليب الحروب بروسنا
حنّا حصاة الداء على الأعداء
حنّا نديِّنْ جاءنا من دَيْنِنَا
ونْديِّن الديرة (3) بغير جزاء
ويرجِّع صوته في ترتيل منظّم شخوص تموج ملتفة حول النار المشتعلة، في حلقة تميد بالراقصين في حركات رشيقة، وتواثب منظّم منسجم. مشرَّعة سيوفهم، منطلقة أصوات بنادقهم تدوي في الفضاء، كأنها صدى للترجيع المنظّم والنشوة العميقة التي اشتملت الراقصين والمتواثبين.
ومضى يجوس في حواشي الحلقة الواسعة الزاخرة.. يطربه دوي الطبول، وأهازيج المغنّين. وراقه غزل الشعراء فأرهف سمعه، وأنصت إلى معانيه الرقيقة:
ما سجا البلبل بصوته أو نَعق
أزرق الطيقان (4) بالدوح الوريق
ما تجلجل صوت رعدُهْ أو غبقْ
بالخزامى والنَفل إلاّ وفيق
من محبة خرّد بالمفترق
عارضَنْ لي عند مثناة الطريق
والْتزمت بكاعب منهن أرق
وانطلقْ يهتز كالغصن الوريق
جل الإِله الّلي خلق
في شفايفْهن أصناف العقيق
لو تشوف خدودهن وقت العرق
كان عُفْتَ المسك والريح العبيق
من ثناياهن براقٌ بَرقْ
أثبتوه أهل الحسا وهْل الحريق
ليت ((ابن يعقوب)) منجوب العمق
شاف لي زمل (5) العذارى يوم سيق (6)
كان عقله فارقه ولاَّ شهق
شهقة من عقبها يبقى غريق
كم وليٍّ في محبتْهُنْ زهق
بعد ثالث يوم شقّوا له شقيق
 
طباعة

تعليق

 القراءات :830  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 25 من 186
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

جرح باتساع الوطن

[نصوص نثرية: 1993]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج