شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
المقدمة
بقلم: عبد الله عبد الرحمن الجفري
عندما أقبل بنظراتي وحسي على قراءة قصيدة شعر... لا يمكن أن آتي إليها: ناقداً، أو مشرحاً، أو ((مفككاً)).. كما هو حال المدارس النقدية الحديثة، أو الحداثية ـ كما يطلقون عليها ـ مثل: البنيوية، أو الألسنية، أو ((التفكيكية)).
ذلك.. أن القصيدة في ((اعتباري)) ورؤيتي لها: إحساس.. نجرحه لو أننا عمدنا إلى تشريحه، أو تفكيكه.. والإحساس عفوي، ومنساب، وهو لغة القلب والنبض. والرؤى، والحلم، والنفس.
إن دور الشاعر.. لا ينحصر في وصف الوردة وشوكها، أو النهر وحصاه، أو المطر وقوس قزح.. لقد كان هذا الدور يتحدد في الفترات التي بدت الحياة فيها وادعة مستقرة، والإنسان فيها مختالاً بالطبيعة من حوله، وبالأمان في نفسه، وبالأمل في أحلامه التي تتم في اليقظة والنوم.
لكن الشاعر الآن: يتجذر ويتطوح.. يمتليء ويتفرغ.. يعاني ويقسو من داخله.. يرفض ويتهشم.
إن دوره يتضخم.. فكأنه يحاول بالشعر إنقاذ الإنسان من الوهم، بينما هو الشاعر: يسدر في وهم أعظم... وتَنَابَذ الشعراء عصورهم، وحرموا، وترقرقوا، وذابوا.. ولكن السلطة الأكبر في هذا العصر مع الشعراء، لم تعد هي ((الحلم)) ولا التخيل، ولا الغناء.. بقدر ما أصبحت تطرفاً في كثير من حواس الإنسان، ومحسوساته.
وشدني رأي... في تعريف كتبه أديب عربي عن الشاعر ((بازوليني)).. فتكلم عن العنف والقلب، وعن الحق والحب، وعن الرؤية والضياع، فقال:
ـ (( إن بازوليني من هؤلاء المعاصرين.. الذين يعيشون داخل الحقد دون أن يتعفنوا، وداخل النار دون أن يحترقوا.. ولذلك حين يموتون، يكونون شهداء ))!!
وسأتجاوز وصف هذا الموت في عداد الشهداء، فلعل الكلمة تأتي هنا مجازاً، لكني توقفت عند الحوار الذي بدأه الشاعر ((بازوليني)) قبل موته، وهو يتلفت في غمرة إبادة الإنسان التي تمارسها ـ كما قال ـ (( طبقة متعفنة من السياسيين واللصوص، وتتحد عصابات المافيا والمتطرفون اليساريون معهم ))!!.
ويعني.. أن الواقع المعاصر للإنسان... هو في هذا الصراع بين قوى البشر، ورغبة الإنسان في السلام والخير.
ولكن هذا الصراع يتفاقم، ولا يخف.. لأن لغة العصر وعاطفته، قد امتزجتا بما تكثف من عنف، وقلق وأحقاد.. وهو ينادي على الشعر والشعراء:
ـ ما هو دور الشعر... ما فعله في تخفيف هذه التراجيديا العنيفة والمتناقضة؟!!
لذلك.. قال ((بازوليني)) عبارته التي توقفت عندها:
ـ (( إن الشعر قد مات بعد رامبو، ولكي يحيا من جديد، لا بد أن يصبح له مقاصد عملية، وأن ينصهر في نضال الإنسان اليومي من أجل التغيير ))!!
وقد اعتبر النقاد، والذين عاصروا ((بازوليني)) أنه شاعر ثائر، ولكني لا أنظر إليه هكذا، فربما كان من الناقمين، أو من المتألمين.. وفي بعض حياته كان من أصحاب.. العنف غير أن ((بازوليني)) اكتوى كثيراً من حرائق الصراع الذي خاضه!!
ولا أعتقد أن الشعر قد مات بعد ((رامبو)).. ولكن النقد الحداثي ـ التشريحي.. التفكيكي ـ قد حاول قتل الشعر والشعور، واهتم بالأرقام وباللغة المجردة.
كذلك.. لا أظن أن الشعر كان محنطاً قبل ((رامبو)).. ولكن ((رامبو)) ومن قلده، حتى ((بازوليني)) نفسه.. لم يكونوا سوى عشاق لا يحبون العشق، ولم يكونوا سوى شعراء عصريين.. أحالوا الشعر إلى شعور عنيف.. فلا تجد في قصائدهم الشعور، بقدر ما تجد جرح الحلم، وامتصاص التخيل!!
إنهم هؤلاء.. الذين ينعون الحياة، ولا ينتمون إليها!!
***
وهذا ((المدخل)) الذي طرقت به بوابة ساحة الشعر.. لا ينسجم مع مضمون هذا الديوان الجديد للشاعر الأستاذ محمد إسماعيل جوهرجي، ولا مع روح الشاعر نفسه.. فهو من المدرسة الكلاسيكية، ومن المنتمين إلى التراث، وإلى الأصالة.. وإن كان يستشرف ((الجديد)) من خلال صوره الشعرية، وأخيلته.
وربما كان هو من صفوف شعراء هذا العصر الذين ((يعيشون داخل الحقد دون أن يتعفنوا، وداخل النار دون أن يحترقوا كما قال ((بازوليني)) .. ولكنه لا ينتمي إلى المدارس الحديثة، ولا يوظف مشاعر العنف، والتوتر في بوحه الشعري.. لأنه من تلك المدرسة ((الرومانسية)) التي تبدو اليوم إنها في حالة غربة شديدة.
و((الجوهرجي)).. أستاذ ومعلم لغة عربية متمكن، وقد يكون هذا ((التخصص)) العلمي قد انعكس كثيراً على بداياته الشعرية، وديوانه الأول بالذات: ((أحلام الصبا)).
ثم ديوانه الثاني: ((النغم الظامي))!.
ولكنه انطلق بعد ذلك إلى تعميق ((الرومانسية)) في شعره.. كأنه يتفق تماماً مع أحد النقاد الإنجليز الكبار ((و. ب. كير)) الذي أكد قائلاً:
ـ (( إن الشاعر الأصيل أو المجدد.. لا بد أن يبدأ بالرومانسية ))!
وكأن ((الرومانسية)) اليوم قد أصبحت تهمة، أو سبة.. يوصف صاحبها بالتأخر، والتأسن، وعجزه عن التجدد، أو الحداثة.. ممن يحصرون الإبداع في رفض الرومانسية!!
وحينما أقرأ قصائد هذا الديوان الجديد لشاعرنا ((الجوهرجي)).. أتذكر عبارة جميلة للشاعر ((نزار قباني)) ضمنها كتابه ((الشعر قنديل أخضر))، وقال فيها:
ـ (( الحجارة في أرض الحجاز.. كانت بقيت حجارة لو لم يمسها الشعر العربي بأنامله المنعشة.. فيكسو كل حجر غلالة شوق، ويسقي كل ذرة رمل من حمرة جرح.. من شرايين موعد ))!
إن الحجاز.. مستلهم عبقري، يشحذ عقول الشعراء، وتغذي طبيعته أرواحهم بالشعر... بالتعبير الجمالي المنجذب إلى الإحساس الإنساني.. وكثيراً ما أشار تاريخ الأدب العربي إلى الشاعر الحجازي الرقيق ((الشريف الرضي)) وكثيراً ما صدحت الأصوات المتغنية بشعره.
و((الجوهرجي)).. شاعر حجازي، ولد وترعرع في مكة المكرمة، واستشعر ذاته على أرض الحجاز.
وكأن قصائد ديوانه هذا.. تطوف بنا بحثاً عن البطاح التي تغني فوقها ((ابن أبي ربيعة)) وسار فوق رمالها ((الشريف الرضي)) وانجبت من القدم وحتى الآن: أرق كلمة تصاغ وهي بوح.
إن الجزيرة العربية لم تعقم.. بل إنها تنجب من جديد، وتصدح وتغنى شجناً بهذه الأصوات التي تقدمت بالشعر إلى قضايا العصر، وهموم الأمة.
ويقول الدكتور ((طه حسين)):
ـ (( قلت في غير موضع من أحاديثي عن غزل الحجازيين القدماء.. إنه ينقسم قسمين: قسم كله واقع وتحقيق، تجده عند عمر بن أبي ربيعة في مكة، وعند الأحوص في المدينة، وقسم آخر كله أمل وتخييل.. تجده عند شعراء البادية، عند جميل وأشباهه من الغزليين، والشاعر الحجازي الحديث يقف بين هذين المذهبين موقفاً وسطاً.. يدعوه الواقع فتصبو إليه نفسه، ويوشك شعره أن يصور حقائق الأشياء ويسمى الأشياء بأسمائها، ولكنه لا يلبث أن ينآى عنه فيؤثر الرمز، ويكتفي بالإشارة والتلميح ))..!!
***
ولا بد أن نتوقف عند بعض قصائد هذا الديوان.. نفتش عن ملامح الشاعر النفسية.. ونجد هذا الحزن الطاغي الذي يفضح وجدان الشاعر بشجونه المكثفة، وبهواه:
دمدمي يا ريح قصفاً في المجال الرحب حره
واعصفي أيان شئت.. فرؤى الأحباب قفره
لم يعد لي أي شوق.. تاركاً في النفس ذكره!
والإنعكاس النفسي على القصائد.. يتشكل من معاناة عظيمة نغلت في وجدان الشاعر، وهو يعيش أبعاد هذا العصر الذي يضج بالمتغيرات.. فالشعر يعود بنا إلى استلهاماتنا، وإلى رقة وجداننا، وإلى تهدئة خواطرنا وأعصابنا، وإلى منحة تأمل بهي يفتح أمامنا نوافذ ضوء باهرة.. وهو ـ أيضاً ـ يترجم معاناتنا، ويجسد الشاعر مسلك عصره وملامحه.
وكان لا بد أن تبرز أشكال جديدة في صميم الكيان القصيدي أو الشعري، وفي صميم المحتوى.
والشاعر الأصيل.. يستحضر تراث الماضي، ولا ينفصل عنه، ولا ينفصم، ولا يرفضه.. لأنه يعتمد على ركائز ثابتة.
وإذا كان التحديث قد بدأ بطلوع جيل: بدر السياب، ونازك الملائكة، والبياتي.. ثم صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وفي بلادنا برز: العواد، وحمزة شحاته.. فإن الجيل الذي تلا هؤلاء.. هم من يسمون أنفسهم ((بالموجة الثانية))، وقد طلعوا بتعبير اطلقوا عليه صفة ((القصيدة الدرامية)).. وهم ينتمون إلى هموم ومعاناة الواقع العربي المعاصر!
إن ((القصيدة الدرامية)) لم تعد نزعة نفسية فقط.. ولكنها تتفجر بأشكال متعددة وباختلاف الزوايا..
ولعل الشاعر الأستاذ ((محمد إسماعيل جوهرجي)) قد انجذب مثل شعراء عصره إلى تلك النزعة النفسية، أو أنها أخذته بكل مخزونه اللغوي، وبكل تفجيرات عصره إلى محاولة الخروج من ((كلاسيكيته)) التي التزم بها في قصائده القديمة.. ليفتتح زهرة، ويتقافز فوق حقل ألغام، ويصف الحزن بأنه: ((الشوق المنتحر)) ويصعد إلى ((الموجة الثانية)) فيقول:
عيناك شلالان..
يرقص فيهما عطر الربيع
ويشع فيها النور..
حلماً.. فوق أطلال الدموع
فيذوب ليل الصمت..
طيفاً حالم النجوى.. وديع
وهكذا.. نجد أن الشاعر يتطلع إلى خوض ((الموجة الثانية)).. في حين أنه يتمسك بكلاسيكيته، وبنهجه القديم، وإن عمد إلى تقطيع البيت إلى سطور، محافظاً على موسيقية الشعر، أو تطريب اللغة.. والإلتزام بالتفاعيل، والبحور، والأوزان.
وهو في قصائده يجنح إلى تجسيد الصورة الإنسانية، والتعبير عن التجربة الإنسانية.. ولكنه لا ينسجم مع المدارس الشعرية الحديثة، أو الحداثية.. فنجد أن الأداء في بعض قصائده مباشر، بينما ينزع في قصائد أخرى إلى التخلص من تلك المباشرة في الأداء، ونجد ـ أيضاً ـ ذلك الإنطباع النفسي والذاتي الزاخر بالإحساس، وتطوير حالة أو معاناة صاغها الشاعر بوجدانه وبتجربته!
وهو يقول في قصيدة له:
إرحلي إن شئت عني
إنني ما زلت أسخر
كيف أوليتك حباً
راقص النجوى.. مطهر
وفؤاداً.. كنت فيه
نبتة الشوق المعطر
لم يعد روضك روضي
إنني أشتاق أكثر!
ففي هذه الصورة.. حس متوقد يضيء حروف الشعر، وحرارة تظهر إنفعال الشاعر، وتدفعه للتعبير الجمالي.. لأنه يرسم صورة للحب في عصر الركض، والماديات والإستمتاع باللحظة التي تنتهي بعد ذلك.. لتكون كل شيء!
ولا بد أن ينقب القاريء للشعر، والمتذوق له.. عن الصورة الجديدة والجاذبة، وعن تكامل الصورة والمعنى في القصيدة.. فكما قال الأستاذ مصطفى العالم:
ـ (( إن الصورة الشعرية.. هي ملامح حسية لتجربة، لموقف لفكرة.. فالشاعر قد تطغى الفكرة على تعابيره فتنطمس صوره، ويجيء شعره جافاً.. تثقله الأفكار المجردة وتطفيء حسيته الدلالات العامة )).
ولكننا ـ في قصائد هذا الديوان ـ نعثر على تلك الملامح الحسية: التجربة، والموقف، والفكرة.
كذلك.. فإننا نعثر في هذه القصائد على الدلالات التي تبلور فكرة القصيدة، وتزينها جماليات الصورة الشعرية، والرقة.. ونبرة الحزن الطاغية على أكثر القصائد.
إن الزفرة المتألمة في شعر ((محمد إسماعيل جوهرجي)) تشير إلى مدى المعاناة التي يزخر بها وجدانه.. كشريحة اجتماعية من المنتمين إلى هذا العصر بكل شجونه وتأملاته المكلومة أحياناً!
وقديماً قالوا: الشعر.. هوى يتكلم!
وأول شاعر في التاريخ العربي.. فضح وجدانه بشجنه، فقال حديثاً مقفى، وموزوناً.. فكان قوله بوحاً وانشاداً.
وأول إثبات على أن الشعر ((هوى)).. نجده في القصائد المطولة القديمة والمعلقات.. كل قصيدة أو معلقة، تأتي إطلالتها غزلاً.
والعربي شاعر بطبيعته و((سليقته)).. يقول القصيدة بلا تكلف، ولا صناعة لفظية.
والفرق.. أن الأوائل كانوا يحترمون كلماتهم، وتعبيرهم.. بينما نعيش اليوم بعوامل التقارب العالمي، والإختلاط الإنساني، وإكتشاف الدنيا، ونوافذ الثقافة.. وقد تنازلنا عن قواعد أساسية وثابتة، وانجرفنا وراء تقليد الأدب العالمي الوافد، والمترجم.. وأصبح الشعر جدلاً وصراخاً، ومدارس، وطفيليات كلامية، وتركيبات لفظية.. يستغرق في التهويم، أو في الغموض، أو في الإستعلاء على القارىء له!
فماذا يقول شعراء الحداثة المغرقة في تقليد الشعر العربي، وترسم توجيهات المدارس الغربية.. غير هذه الكلمات التي تتكرر أو تتشابه في كل قصيدة، وعلى سبيل المثال:
ـ (( إنهيار الضباب.. صلعة المدينة..
أجر كرسياً إلى الشرفة..
يفتح القنفذ أبواب البنايات ))!
كأننا نشم يباس الوردة في هذا الشعر، ونشاهد إختلاط الوردة بالنمل ألف مرة في النهار!
وقد قال نزار قباني:
ـ (( يكاد هذا العصر أن يجعل قصيدة الشعر مثل حبة الفاليوم.. فنحن في زمان تحول إلى نثر رديء ))!.
***
ونستطرد في تأمل هذا العصر الشعري الجديد.. ولا بد أن نعود إلى تذكر تلك المذاهب الأدبية الكثيرة والمعروفة كقواعد، مثل:
ـ (( الطبيعية، أو الواقعية، الغسقية، أو الأدب الكئيب المتألم. المستقبلية، أي المذهب الذي ينادي بالتحرر من اللغة وقواعدها. الرمزية، أو كما سماها الإيطاليون: الإنغلاقية )).
هذه المذاهب أو المدارس الشعرية القديمة.. تكاد تختلط في المعالجات الشعرية الجديدة.. فلدينا في الشعر الحديث: الكئيب، المتألم. والذي ينادي بالتحرر من اللغة وقواعدها، والرمزية أو الإنغلاقية!.
فما الذي ضاع؟!!
لعلها الطبيعية، أو الواقعية.
ولعل الشاعر ((الجوهرجي)) يحرص على الإتجاه إلى الوضوح أو الواقعية، وينفر من الغموض، والإنغلاقية.
إنه طبيعي.. وقد برز ذلك بجوانب من نفسيته في شعره.
وهو واقعي.. يشارك بشعره في تصوير وتجسيد الوجود، والحياة من حوله، وتجربته، والتجربة الإنسانية عموماً.
وهو عاتب حيناً. جزل حيناً آخر.. وربما كانت تجربته العميقة التي تعكسها صور هذا الديوان بالذات.. هي تجربة الدهشة. والعشق الخلاص.. أو كان يشعر بأنه الخلاص.
بمعنى: أن الصدق في تجربة الشاعر.. صاغ كل هذه الصور والأخيلة والمعاني التي أيقظت في روحه شاعرية اللغة، وحنان الخفقة، وأصالة التعبير.. فالتعبير يأتي في إثر تكامل الصورة الشعرية أو هو بناؤها وإطارها.. كما يقول الأديب الإنجليزي ((تيودور واتس دانتن)):
ـ (( إن الشعر الخالص.. هو التعبير المادي، والفني، للفكر الإنساني.. بلغة إنسانية ذات إيقاع )).
ولكن وسائل العصر ومتطلباته، ومتغيراته.. جعلت الجميع يقفز، أو يتقافز من أجل أن يتخطى كل شيء.. بل ويتخطى مشاعره الحقيقة، وصوت نفسه، وطبيعة حياته.
وفي عصر الأوائل.. لم تكن هنالك البنايات الكبيرة من الكتل الأسمنتية القاسية، ولا الأدوار العالية التي تذبذب النظرة بين التطلع إلى زرقة السماء، وبين التجول في كيميائية الأرض!!
كانت الأرض فسيحة.. ممتدة، رحبة، ولا يختنق الهواء فيها.
وكان الإنسان يستلقي على حبات رملها.. يصغي إلى صمت الصحراء، وترتاح تطلعاته المتجولة بالنظرة وبالخاطرة.. فيرى لا نهائية السماء، ويكاد يحصي النجوم، ولا يتعب من ذلك الإحصاء!
كان شعراً.. والشعر هوى يتكلم!!
***
وبعد...
إن هذا الديوان الجديد للشاعر ((محمد إسماعيل جوهرجي)) أحسبه يختلف كثيراً عن كل دواوينه التي أصدرها.. لأنه يمثل عمق التجربة الحقيقية بالنسبة لرؤيته المعاصرة، وبالنسبة لرؤاه التي حفلت بالمعاناة، وفاضت بالتعبير الذي وجد في ذات الشاعر تكامل الصورة الشعرية، وبناءها، وإطارها.
فإذا كانت قصائد هذا الديوان.. تعني في تجربة الشاعر ما قاله ((دانتن)) بأنها: الخلاص، فإن ((الإيقاع)) هنا في هذه القصائد.. هو إتجاه إلى صدق الملاحظة، ورسمها، وصوتها القادم من الشجون والمعاناة، والإنصهار في واقعية المشاعر الإنسانية التي لا تحتاج إلى غموض، ولا إلى رموز، وإنغلاقية.. بل هي تتدفق عفوية، وإنسانية.. لتطوف أرجاء الحس الحي!!
رماداً صرت في عيني
وعطراً زائفاً ـ ودخان
ركامات من الماضي
تكلَّس دونها الوجدان
وأشرعة.. ممزقة
تآكل عندها السكان
فلا دفىءٌ لذكراها
يعيد الخفق والأشجان
سأتركها محطمة
بلا أرض بلا عنوان
فقد جفت شواطئها
وأبحر دونها الربان
طويتُ الأمس لا حلم
يطوقني ولا أَحزان
لأنَّ النفس قد سئمت
صديد النزف والحرمان
وما عادت تشاغلني
بلحظ لاعب وسنان
تمرد نحوها قلبي
وأعلن ثورة العصيان
وألقى بوح ماضيها
وعاف السجن والسجان
فصار الحب أَضرحة
لأجسام بلا أَكْفَانْ
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2073  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 2 من 105
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور محمد خير البقاعي

رفد المكتبة العربية بخمسة عشر مؤلفاً في النقد والفكر والترجمة.