شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
بدر شاكر السياب
والتجديد العروضي
دعاني الصديق العالم الأديب الأستاذ الدكتور محمد عبده يماني الوزير السابق للإعلام في المملكة العربية السعودية في جملة من أهل الأدب والمعرفة إلى حفل غداء أقامه في أحد الفنادق الكبرى بمدينة الرياض، وأخذ الداعي والمدعوون يتجاذبون أطراف الحديث في بعض قضايا الفكر والأدب التي كانت تشغل الأذهان حين ذاك.
وسئلت عن رأيي في التجديد العروضيّ، وفي قضية الشعر الحر، فشرحت هذا الرأي الذي سيتبينه القارئ بعد قليل، وتمثلت بما انتهى إليه رأي نازك الملائكة الذي فصّلته في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" وبدر شاكر السياب في آخر حديث له. ونازك والسياب معدودان في مقدمة زعماء حركة التجديد الشعري في العراق.
ويبدو أن الأستاذ محمد رضا نصر الله المحرر الأدبي لصحيفة الرياض رأى في بعض ما قلت ما يخالف رأيه، أو ما يعرفه من أمر السياب، فكتب في صحيفة الرياض (العدد 3602 بتاريخ 18/4/1397هـ ) مقالاً عنوانه، هل تراجع السياب عن موقفه الشعري؟ " وفيما يلي نص مقاله:
"في الحفل الذي أقامه الدكتور محمد عبده يماني وزير الإعلام في الأسبوع الماضي، وحضره عدد من أدبائنا وبعض أساتذة الجامعات، تفرد الدكتور بدوي طبانة - الأستاذ الجامعي والمؤلف المعروف - بالحديث عن الحاضرين، وقد تحمس أستاذنا الدكتور طبانة في نبذ الشعر الحر إلى درجة جعلته ينسب إلى رائد الحداثة الشعرية الشاعر العراقي المعروف "بدر شاكر السياب" تراجعه عن الانتصارات الفنية التي حققها في القصيدة العربية الحديثة.
نعم ! صرّح بذلك الدكتور طبانة قائلاً: بأن السياب قد تراجع في آخر حياته عن موقفه الشعري.
وأعتقد أن الأمر قد التبس على أستاذنا الفاضل إذ المعروف أن السياب قد تراجع عن موقفه السياسي الذي تلوّن التزامه به بين فترة وأخرى، وهو أمر معروف قد ناقشه كثير من النقاد الذين درسوا شعر السياب وحياته، ولعل مقدمة ناجي علوش في مجموعة السياب الكاملة، طبع دار العودة، تلقي مزيداً من الأضواء على هذا الجانب.
ويعزو أولئك النقاد هذه الظاهرة السياسية المتقلبة في شعر السياب إلى اضطرابه النفسي الذي كان يشتعل في وجدانه، وينعكس بالتالي على فكره بسبب مرضه الذي طبع شعره بطابـع الخصوبـة والثراء ولونه – أيضاً - بذلك الإحساس المتناقض بين الفجيعة والفرح، بين اليأس والأمل في أخريات أيامه.
لكن ذلك لم يبعد به عن الاهتمام بقضيته الاجتماعية حتى ما قبل اشتداد وطأة المرض التي جعلته يحس بأنه "قناني، وزعوني.. في القناني" وهو يتنقل بين مستشفى وآخر، بين البصرة وبغداد وبيروت ولندن والكويت، ومن مستشفى إلى آخر كانت أزمته الذاتية تتعقد، وإحساسه بالفرح يذوي سطوعه، وأعتقد أن الأمر قد تشابه على أستاذنا الكبير، فحين أراد أن يقول إن شعر السياب الأخير قد تأخر عن نتاجه وهو في قمة نضجه الشعري، نسي فقال إن السياب قد تراجع عن موقفه الفني. والحقيقة: أنني ذهلت وأنا أسمع هذا الكلام من الدكتور بدوي، إذ أنني على كثرة ما قرأت للسياب وعنه لم أعثر على ما يؤكد كلام دكتورنا الكريم، حتى عند أشد النقاد عداوة للشعر الحديث.
وهو من ناحية أخري يتناقض - فيما لو صح ذلك الكلام - مع ما كتبه السياب حتى آخر نفس من أنفاسه الشعرية، ومما يجعلنا نقف بحذر أمام ما قاله الدكتور بدوي، وهو أن السياب كان يتزعم هذه الحركة التجديدية، التي منحته شجاعة معنوية وهو يواجه أقسى عذابات المرض وصرخات الآلام.
وفي الأخير أرجو أن يتقبل أستاذنا الكبير هذه الملاحظة، وأن يتسع صدره إلى هذه المداعبة. وصفحة "أدب وأدباء" ترحب بكل ما يبطل هذه الملاحظة، خصوصاً من قلم معروف في الدراسات النقدية والبلاغية الحديثة.
وقد عقبت على هذا المقال بكلمة عنوانها "الشعر الحر…. وبدر شاكر السياب" ونشر هذا التعقيب في العدد 3608 الصادر في 25/4/1397هـ.
ونص كلمتي:
"أشكر للأخ الصديق الأستاذ رضا محمد نصر الله كريم تحيته، وأقدر حرصه على استجلاء الحقيقة فيما أثير حول قضية الشعر الحر، وحول الشاعر بدر شاكر السياب، وأحب أن أؤكد للأخ الصديق أنني أتقبل ملاحظته بكل ارتياح، وأن أقول إن أسلوبه في طلب المزيد من الوضوح كان نموذجاً طيباً، ترفع فيه عن الإسفاف الذي يكثر في الكتابات النقدية التي تنشرها الصحف في هذا الزمان… وذلك الأسلوب الرفيع الذي حفز هذا القلم لينشط في الرد أو الجواب.
وإذا كان لي شيء من شرف الانتساب إلى صناعة الأدب أو صناعة النقد فإنني أرى في مقدمة ما يجب عليّ في صدر هذا الحديث أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى معالي الأستاذ الدكتور محمد عبده يماني وزير الإعلام على تلك اللفتة البارعة بتكريمه لفن الأدب في أشخاص الذين تفضل بدعوتهم، وتلك ظاهرة يعتز بها الأدب، ويغتبط بها الأدباء الذي دأبوا على الشكوى من غمط حقوقهم، والتقصير في تقدير مواهبهم.. بالإضافة إلى أن تكريم الدكتور يماني لذوي المواهب وحملة الأقلام، وهو أحد كبار المسئولين عن الثقافة وشئون الفكر في هذا البلد الطيب، يحمل في طياته تكريم الدولة للأدب والأدباء..
وإذا كان لي شيء من العتب على الأخ الصديق، لأن عبارته توحي للقارئ بأنني من أعداء الشعر الحر.
ومن الإنصاف أن أقرر أن كلمة (العداوة) لم ترد بحروفها في المقال، وإن كان ورد فيه ما هو أشد وقعاً، وهو قوله أنني تحمست في (نبذ) الشعر الحر، والنبذ هو الرمي والطرح، ولا أدري كيف يكون التحمس في رمي الشعر أو طرحه، وأخال أن ذلك من تحريف الطباعة، وأنه يعني (نبز) نلت منه أو (نبذته) وليس من اليسير على رجل صناعته الأدب والنظر فيه أن يوصف بأنه عدو للون من ألوانه، أو جنس من أجناسه، مهما يكن النمط الذي يؤثره من أنماط التعبير الفني..
وأقل ما يمكن أن يقال في الشعر الحر أنه نمط من أنماط الشعر، أو شكل من أشكاله.
على أن هذه المناسبة الكريمة لم تكن أول مناسبة أعرض فيها لقضية الشعر الحر، فقد كتبت عنها فصلاً كبيراً في كتابي "التيارات المعاصرة في النقد الأدبي" ورأيت فيما بسط أنصار الشعر الحر من وجوه إيثار والدفاع عنه، وفيما ذكر خصومه من عيوبه، ما كفاني مئونة تكلف رأي ذاتي في الموضوع، لأن هذا الرأي لن يضيف جديداً إلى حجج أنصار كل مذهب من المذهبين، وقد أسرفوا في الدفاع وأسرفوا في الهجوم، حتى وصل الأمر إلى درجة اللجاج أو المهاترة. . ولم يبق لي إلا أن أردد وجوه التأييد منتصراً، أو وجوه التنفيد ناقماً، وذلك ما لا أرضاه لنفسي.
أما رأيي الصريح فقد كتبته وقلته في أكثر من مناسبة، وهو أن الشعر الحر أصبح ظاهرة أدبية، وأنه جدير بأن يمنح فرصة كافية، حتى يتبلور الذوق الأدبي العام تجاهه، وهذا الذوق الأدبي هو الفيصل في هذه الخصومة، وهو صاحب الحق في القبول أو الرفض، لأن المتلقـي هو الذي ينتفـع أو يستمتع، وهو الذي سيسأل نفسه عما أفاد الشكل الجديد وما ضيع، وهو الذي سيختار ما يؤثر ليبقى، ويطرح ما لا يجد غناء فيه…
فلندع هؤلاء المحافظين وأولئك المجددين يتسابقون ويتنافسون على الإجادة والإبداع ما وسعتهم القدرة، وفي ذلك كسب محقق لا شك فيه للحياة الأدبية، وسيذهب الزبد جفاء، ويبقى ما هو جدير بالحرص والصيانة.
وكان من رأيي أيضاً أن يكف النقاد - ولو إلى حين - عن إصدار أحكامهم الفورية في نصرة هذا الاتجاه أو ذاك، وألا يزجوا بآرائهم في مضمار هذا التنافس الفني المشروع على التجويد، وألا يدخلوا أنفسهم أطرافاً في ذلك الصراع على فن يقاس بمقياس الشعور، أكثر مما يقاس بمقياس الفكـر أو المنطق. لأن المسألة أكبر من أن يبت فيها بما يمكن أن يسمي "فتوى نقدية" أو بحكم ناقد من النقاد بإعدام هذه الظاهرة الفنية، أو بالإبقاء عليها، والقضاء على الاتجاه التقليدي في القوالب والأشكال.
وذلك بإيجاز هو موقفي من الخصومة بين الفريقين، وهو موقف لا يعد خذلاناً ولا انتصاراً للشكل الحر، ولا يعد كذلك انتصاراً أو خذلاناً للشكل التقليدي.
ولا يمكن أن يوصف هذا الموقف بالسلبية لأنه إذا عرض عليّ عمل من الأعمال الشعرية فلن أحجم عن إبداء الرأي الموضوعي الصريح فيه، بصرف النظر عن كونه حراً أو مقيداً، أما الحكم العام على ظاهرة فنية برمتها فلا يخلو في نظري من تسلط تأباه طبيعتي التي تؤثر الاعتدال، وتنفر من الشطط الذي يهواه طلاب الشهرة، ولست بحمد الله واحداً منهم.
وبهذه الروح كتبت ذلك الفصل الكبير في كتابي (التيارات المعاصرة في النقد الأدبي ) وقد صدرت الطبعة الأولى منه سنة 1963م، وبهذه الروح كتبت عن نازك الملائكة وعن لميعة عباس عمارة في الطبعة الثانية التي نشرت سنة 1973 من كتابي (أدب المرأة العراقية) وقد خصصت هذه الطبعة بالذكر لأن الطبعة الأولى صدرت سنة 1947 ولم يكن للشاعرتين أو لإحداهما شيء من الشعر الحر آن ذاك.
وأرجو أن تتاح للأخ الصديق فرصة للاطلاع على هذين الكتابين ليقف بنفسه على رأيي الواضح في ذلك الموضوع.
وفي برنامج (أضواء على الحياة الأدبية المعاصرة) الذي كنت أكتبه للإذاعة كتبت عن أدباء وشعراء يمثلون مختلف الاتجاهات، وفيهم كثير من أصحاب الشعر الحر، بل إني حين عرضت لحملة الحسّاني حسن عبد الله على هذا الشعر في مقدمة ديوانه "عِفْتُ سكون النار" قلت إن هذا الموقف لا يعبر عن رأيي وإن باب هذا المنبر مفتوح لكل صاحب رأي في الفن الأدبي. وأعتقد أن في ذلك الكفاية..
والصديق الأستاذ محمد رضا نصر الله مشكور لإتاحة الفرصة لهذا الحديث ونشره في الناس .
* * *
ويبقى بعد ذلك الحديث عن موقفي من الشعر الحر، حديث عن بدر شاكر السياب، وعن موقفه من الشعر الحر.
وأقدم لهذا الحديث بأنه لم يخف عليّ ولا على واحد من المتتبعين لهذه الحركة أن "بدر شاكر السياب" كان أحد الأقطاب المعروفين في عالم الشعر الحر، وأنه أصدر دواوين كاملة حرص فيها على تأكيد نزعته الحرة في الشكل الشعري..
ولست أنكر على الأستاذ محمد رضا نصر الله في أن يثني على السياب بما أراد، وأن يخلع عليه ما شاء من النعوت والألقاب مثل "رائد الحداثة الشعرية" وهو تعبير طريف مثل وصف السياب بأنه "صاحب الانتصارات الفنية التي حققتها القصيدة العربية".. وقد ينازعه نفر من رواد الشعر الحر في هذه الأوصاف.. ولكننا نتكلم الآن عن قضية عامة، وليس من همنا الآن الحديث عن الرواد، أو المفاضلة بينهم في هذه الريادة.
وقد استوقفني تأكيد الكاتب أن السياب قد تراجع عن موقفه السياسي الذي تلون التزامه به بين فترة وأخرى، ثم قوله "إن هذه الظاهرة السياسية المتقلبة في شعر السياب ترجع إلى "اضطرابه النفسي" الذي كان يشتعل في وجدانه، وينعكس بالتالي على فكره بسبب مرضه الذي طبع شعره بطابع الخصوبة والثراء، ولونه أيضاً بذلك الإحساس المتناقض".
وليسمح لي الأخ الصديق أن أختلف مع النقاد الذين أشار إليهم ولم يذكر أسماءهم في هذا التعليل، أي تراجعه السياسي باضطرابه النفسي!
وما هذا التراجع السياسي أو تراجع السياب عن موقفه السياسي الذي تلون التزامه به بين فترة وأخرى؟
أعترف أن الكاتب الأديب قد وفق غاية التوفيق في هذا التعبير اللبق الدقيق، ولكن القارئ سيسأل من غير شك عن هذا الموقف السياسي الذي تراجع عنه السياب.. لأن هذا القارئ يعرف كما يعرف كل متأدب أن شخصية السياب لا تعدو أن تكون شخصية أدبية، استمدت مقومات كيانها من مواهبه الفنية، ومن أعماله الشعرية، ولم يعرف عنه أحد من الناس أنه كان زعيماً من زعماء السياسة أو قطباً من أقطابها! والمعنى الدقيق الذي أبت لباقة الكاتب التصريح به هو أن السياب كان واحداً من الذين خُدعوا ببعض المبادئ المستوردة، فدان بها فترة طويلة من حياته، وظهرت آثارها في كثير من شعره، ثم صحا من غفلته، وبريء من ضلاله في أخريات حياته!
وإذا كان هؤلاء النقاد يرون أن اعتناق هذا المبدأ أو ذاك موقف سياسي، وقد يجدون من يوافقهم على هذا الرأي، فإني أرى ويرى معي العارفون أنها أو أن مبادئها ترفض العقيدة الدينية، لأنها تنفيها نفياً مطلقاً، ولا حاجة بنا إلى تأكيد ذلك بالنصوص المحفوظة التي يعرفها كل إنسان.
ولا يخالجني أدنى شك في أن الأستاذ الصديق يوافقني على أن من الظلم الصارخ للحقيقة، وللسياب في الوقت نفسه، أن يعلل تراجع السياب عما خدع به، وعودته إلى الطريق السوي والصراط المستقيم، بالاضطراب النفسي!
ثم نتساءل بعد ذلك: كيف يشعل "الاضطراب النفسي" وجدان الشاعر؟ وكيف ينعكس على فكره "بسبب" مرضه ليطبع شعره بطابع الخصوبة والثراء؟
فإذا كان الشعر صورة لصاحبه، وانعكاساً لرؤاه ومشاعره وتجاربه، فلا بد أن تنعكس صورة ذلك "الاضطراب النفسي" على نتاج السياب.. ومن المستبعد، في نظري في الأقل، أن يوصف شعر أو عمل من الأعمال الفنية أو غير الفنية بالخصوبة والثراء، في حين أن صاحبه يعاني اضطراباً نفسياً مزمناً، لأن "الاضطراب النفسي" لا ينتج عنه إلا التخليط، أو الكلام المضطرب، أو "الهلوسة".. ولا أتصور أن توصف "الهلوسة" بالخصوبة والثراء!
ولا أتفق مع الكاتب الفاضل في قوله "إن شعر السياب الأخير قد تأخر عن نتاجه وهو في قمة نضجه الشعري"!
وأنا أعني دائماً كل كلمة أقولها، فلا معنى لقوله أنني كنت أريد أن أقول كذا فقلت كذا! بل إنني في مرحلة من مراحل حياته الشعرية !
وإذا كان السياب قد ابتلي في أخريات حياته بمرض عضال، فإن ذلك لا يعني بحال نضوب شاعريته، أو جفاف عاطفته، بل إن قسوة التجربة التي كان يعانيها كانت من أشد العوامل الفعالة في إثارة انفعاله، وفي إلهاب عاطفته، ولا يبقى بعد ذلك إلا الملكة البيانية للتعبير عن هذه التجربة الأليمة، ولم تكن هذه الملكة تنقص السياب.
وقد أكون من أعرف الناس باستواء هذه الملكة عنده، فقد كان السياب - وذلك ما يخفى عن الكثيرين - واحداً من تلاميذي في دار المعلمين العالية في بغداد منذ أكثر من ثلاثين عاما، وشهدت بنفسي مولد ديوانه الأول "أزهار ذابلة" وفي مكتبتي في القاهرة نسخة من هذا الديوان وعليها عبارة الإهداء بخط ناظمه.
ولا أجد دليلاً على ما قدمت أنصع من قول الكاتب الصديق، وما أنقله من مقاله بحروفه، "إن السياب كان يتزعم هذه الحركة التجديدية التي منحته شجاعة معنوية، وهو يقاسي "عذابات المرض، وصرخات الآلام".
وأنا أوافقه على ذلك، وعلى وصفه بالشجاعة المعنوية في أحلك الظلمات، وفي جميع المجالات، حراً طليقاً، أو مصفّدا في أغلال المرض أو الخصاصة..
تلك بعض الخواطر التي أثارتها كلمة الأخ الصديق، أرجو أن يكون فيها شيء "من الفائدة للذين ينشدون الحقيقة مجردة من دواعي الهوى، وبعيدة عن مظنة التحامل أو المجاملة.
وأحسب أن الحديث قد استطال، وأن المحدود للأدب والأدباء في صحيفة "الرياض" قد أخذ يتضايق عن الوفاء بما أراد الأستاذ محمد رضا نصر الله من دليل على ما ذكرت من رأي أخير للشاعر بدر شاكر السياب في الشعر الحر، وهذا الدليل حاضر بين يدي، وأستطيـع أن لأقدمـه للأخ الفاضل، ولكني أراه يؤثر أن يشترك معه قراء "الرياض" في الوقوف على نهاية المطاف في هذه المناقشة الأدبية، أو في هذه "المداعبة" كما شاءت لباقته الذكية أن يسميها وله مني تحية التقدير.
والله موفق إلى الصواب.
وربما رأى الأستاذ نصر الله في كلامي تراجع السياب عن موقفه الشعري أنه يعوزه الدليل.. وليس ببعيد عني هذا الدليل الذي لا أبذل في استحضاره جهداً، ولا أجتهد في استخلاصه اجتهاداً يبعد به أدنى بعد عن أصله، فإنني ألتزم فيه بكلام السياب نفسه، وهو كلام منشور قرأته وقرأه ألوف المتتبعين لتلك القضية من الأدباء والشعراء، وأراني مضطراً لعرض رأي بدر شاكر السياب مستمداً من كلام السياب نفسه، وفيه الدليل الذي أرجو أن يكون فيه فصل الخطاب:
فقد شرح الشاعر رأيه في ثورة الشباب على تقاليد الشعر العربي، ورأى أن الثورة الناضجة نوع من أنواع التطور، وأنها استعراض للماضي وإهمال للفاسد منه، والسير بالشيء الحسن إلى الأمام".
أما الثورة على القديم لمجرد أنه قديم، فإن الشاعر يصفها بالجنون والانتكاس، إذ كيف نستطيع أن نحيا وقد فقدنا ماضينا؟
ويقول إن الشعراء الشباب لم يثوروا على القواعد الكلاسيكية بالمعنى الدارج للثورة، ولكنهم طوروا بعض العناصر التي اعتقدوا أنها حسنة من عناصر التراث الشعري، وتخلصوا من بعض العناصر التي اعتقدوا أنها أصبحت فاسدة.. وقال إن الثورة في القوافي ليست وليدة اليوم، فلنبحث عن أصولها عند الأندلسيين، ولكن الأسباب التي دعت الأندلسيين إلى ذلك غير الأسباب التي تدعو الشعراء المحدثين إلى هذه الثورة، فأسباب ثورة الأندلسيين كانت موسيقية في أكثرها.
وأرجع السياب ثورة المعاصرين على القافية الموحدة إلى ثلاثة أسباب:
أولها: أن كثيراً من الألفاظ التي كان يستخدمها الأقدمون وكانوا لا يجدون في استعمالها شيئاً من الثقل والغرابة أصبحت ألفاظاً مهملة..
والسبب الثاني: حرص الشعراء المحدثين على الوحدة، وثورتهم على وحدة البيت، فقد أصبح الشاعر الحديث يطمح إلى جعل القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء، بحيث لو أخرت أو قدمت في ترتيب أجزائها لاختلت القصيدة كلها، أو لفقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها…
والسبب الثالث: رغبة الشاعر الحديث في خلق تعابير جديدة، فقد شبعنا من تلك القوالب التي تعرضها القافية: الجحفل الجرار، الشفير الهاري، والخيال أو النسيم الساري، والصيب المدرار، هذه الصفات والموصوفات التي تتكرر في قوافي كل القصائد التي يجمعها بحر واحد أو روي واحد.
أما الثورة على الأوزان فإن السياب يقول إنه لا بد لكل ثورة ناضجة من أن تبدأ بالمضمون قبل الشكل، فالشكل تابع يخدم المضمون، والجوهر الجديد هو الذي يبحث عن شكل جديد. ويحطم الإطار القديم كما تحطم البذرة النامية قشورها.
ولكنه يقرر مع أسفه أن التجديد الهائل الذي تناول الشكل لا يتناسب مع التجديد الضئيل الذي تناول المضمون.
ويقول "إن هذا يقودنا إلى الاعتراف بأن ثورة الشعراء والشباب على الشكل، أو على الأوزان والقوافي، ثورة سطحية، وأنها إذا بقيت على ما هي عليه ستعود على الشعر العربي بأبلغ الضرر".
وأخيراً يقول السياب "لقد ثرنا على القافية والوزن التقليديين لأسباب أهمها تحقيق وحدة القصيدة، ولكن دعونا نقرأ هذه القصيدة "سوق القرية" للشاعر عبد الوهاب البياتي:
- الشمس، والحُمر الهزيلة، والذباب.
- وحذاء جنديّ قديم.
- وصياح ديكٍ فرَّ من قفص، وقدّيس صغير.
- والعائدون من المدينة: يا لها وحشاً ضرير،
- وخوار أبقار، وبائعة الأساور والعطور،
- كالخنفساء تدبّ: "قبّرتي العزيزة يا سَدوم"،
- وبنادقُ سودُ، ومحراث، ونار،
- تخبو، وحدَّاد يراود جفنه الدامي النعاس،
- والشمس في كبد السماء،
- وبائعات الكرم يجمعنَ السَّلال،
- والسّوق يقفز، والحوانيت الصغيرة، والذباب،
- يصطاده الأطفال، والأفق البعيد،
- وتثاؤب الأكواخ في غاب النخيل !
فأية وحدة في هذه القصيدة، وحدة نضحي من أجلها بالوزن التقليدي، والقافية التقليدية، وجزالة الأسلوب؟ لولا هذه "الواوات" التي لا تكاد تقوى على شد هذه الحزمة العجيبة من الصور "الفوتوغرافية"، ولولاها لانفرط كل بيت، وتدحرج يبحث له عن مكان !!
إنها ظاهرة نراها في بعض شعر البياتي وشعر مقلديه، تجعلنا نتحسر على القصيدة العربية بمفهومها التقليدي !!
هذا هو الرأي الأخير الصريح للسياب في "الشعر الحر" أو في حركة التجديد التي كان واحد من زعمائها، وفي شعر واحد من أولئك الزعماء أو الرواد لهذه الحركة التجديدية، وهو الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي.
وقد نشر هذا الرأي مفصلاً في كتاب خضر الوليّ الذي سماه "آراء في الشعر والقصة" صفحة 13- (مطبعة دار المعرفة - بغداد 1956).
ولعل في هذا الحديث ما يكفي للكشف عن جانب من الجوانب المهمة في تاريخ الحركة، وما يؤكد ثقة الأستاذ نصر الله بكاتب هذه السطور.
* * *
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2060  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 11 من 25
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذة الدكتورة عزيزة بنت عبد العزيز المانع

الأكاديمية والكاتبة والصحافية والأديبة المعروفة.