شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الفصل الثاني: الاستراحة / التعب
سامحيني يا سيدتي
إذا هربتُ من عباءة العباس بن الأحنف.
وشيزوفرانيا: ديك الجن الحمصي.
وبراغماتية عمر بن أبي ربيعة
وسمّيتك: وردة المنفى!
* نزار قباني *
ـ 1 ـ
* تيتَّم ليل ((علاء))... حين مدّت ((عالية)) جنونها في طرقات الهجر... حين صدَّت طمأنينة قلبه، فاغتالت كل الصدق الذي اندفع به نحوها.
إنطلقت كلمات ((عالية)): رصاصات في سمع ((علاء)) إلى قلبه وكل مشاعره.
أراد أن يسترضيها بعد ذلك الصدام بالآراء وبالرؤية للحياة في حوارهما الذي انقطع في القطار... وطلبها بالهاتف ليفاجأ بصديقتها ((فاتن)) تقول له بكلمات متعثرة في الحرج:
ـ عفواً ((علاء))... إنها لا ترغب الآن في أي حوار معك، تقول لك: لا تقدر!
تحشرجت همسته... تحرّجت... تحوّل صوت صديقتها ((فاتن)) إلى سكين.
ـ قال لها: إلى هذه الدرجة بلغت كراهيتها لي من مخاض حوار ساعة إختلفنا فيه بوجهات النظر؟!
* قالت ((قاتن)): لا أظنها غضبت من الحوار... بل من إهمالك لها وهي بجانبك، وأنت تشيح عنها بوجهك، وتدّعي رغبتك في النوم.
ـ قال: كان تصرفاً عفوياً، لم أقصد فيه إهانتها، ولكني أندهش حقاً: كيف تحوَّلت كل الأشواق التي أحس بها كل واحد نحو الآخر قبل لقاء باريس هذا، إلى رماد يتكثَّف فوق تلك النيران في قلبينا؟!
أيّ دمع يهرقه قلب ((علاء)) الآن... على الأقل: لأصداء حرارتهما في الهاتف، وكلماتها في رسائلهما المشتعلة بالوجد وبالاشتياق قبل أن يتلاقيا وجهاً لوجه؟!
فلما التقيا - بالنظرة الأولى - كانت في مشاعره وفرحه بها: ذلك الدخول الملفت في ليلة... تزرع في عينيه بهاء ابتسامتها، وتنشر بين أضلعه: حيرة نظرتها الحبلى بحكاية آهة عمر!
أعاد المحاولة في صباح اليوم التالي... فطلبها هاتفياً، وقال لصديقتها:
ـ أخبريها أنني أطلبها الآن للمرة الأخيرة، ولن أزعجها بعد ذلك.
جاءه صوتها متعالياً:
ـ أهلاً علاء.
* قال يحاول ترقيق جفافها: القمر البارحة... كان شاهداً، لكنه سقط غرقاً في أحزانك بسبب غضبتك.
لم ترد على دعابته... فقال:
ـ هل ترغبين في إنهاء المحادثة؟!
* قالت: إذا لم يكن لديك ما تقوله.
ـ قال: لديَ ما تفجرّ بأشواقي لك لليلة واحدة، حتى جُنَ جرحي بك... لو رأيت السماء ليلة البارحة لرأيت - كما رأيت - نجمة شجن تنبثق من العتمة، يسمو ضؤوها بالحزن إلى مشارف قمر باريس الذي لفّه الضباب؟
* قالت: اتصل بنا صديقك ((حامد))... ودعانا هذا المساء على العشاء باسمك.
ـ قال: خفت أن أُرْفض لو دعوت أنا... وعلى كل حال، فهو الذي رتّب لهذا العشاء، وحجز لأربعتنا في ((مكسيم)) الشهير... فأرجو أن تلبي دعوته / دعوتي.
* * *
* وضع سماعة الهاتف، وفي أعماقه شعور كظيم بالانسحاق، بعد أن تعاملت معه بفوقية... لكنه - بأمر الحب - أخذ يردد كلمة يذكّره بها دائماً شيخه / معلمه، على لسان أحد زعماء مصر في الأربعينات: (وعلشان نِعْلى، ونِعْلى، ونِعْلى... لازم نطاطي، نطاطي، نطاطي)!
ومسح دمعة الانسحاق... وأخرج من حقيبته إحدى رسائلها التي كانت تبعثها إليه من بلدها، قبل رؤى ((المعيدي)) هو... كأنها طبَّقت عليه المثل القائل: (سماعك بالمعيدي خير من أن تراه)... وأخذ يقرأ:
* (علاء: ها أنت ((تقتحم)) بصاروخك - المفاجأة - المدار الفضائي لكوكبي البعيد.
ها أنت لا تكف عن إدهاشي، وعن رمي شباكك في بحر تساؤلاتي.
الآن أريدك أن تفصح لي صادقاً: كيف نجحت في العثور على خريطة ((كنزي)) الذي أخفيته بعناية في جوف دهليز منذ بداية العصور الوسطى؟!
مَنْ أعطاك المفتاح... هل خانتني الحيتان التي أودعتها السر، وأطلقتها لتهرب في الأعماق الباردة للمحيطات؟!
هل تخبرني عن الذي وشى لك بالسر؟!!
صديقتي... تقول: ((أشعر أنني أقتحمك عُنوة))!
وأنا أقول: نعم إقتحمتني، ولكن ليس عُنوة، بل بصدق إحساسك، وعمق فكرك، وجمال عباراتك، وشفافية حزنك.
ها أنذا أعترف لك: لقد ((إقتحمت)) تلك الأسوار العالية التي شيدتها بتأنّي لأحمي بها قدس الأقداس في معبدي.
نعم... لقد نجحت في (سرقة) اهتمامي، وجزءاً - غير قليل - من تذكّري، وما زالت أسأل: متى وكيف حدث ذلك؟
ولكن دعني - علاء - أصارحك بلا مداورة: لولا أنك كنت ((مقتحماً)) في رقة وعذوبة... لما جاءتك الحيتان، التي أودعتها السر، ولما وشت لك عن مكان الكنز!!
* قرأت خطابك الرابع - الذي وصلني بعد ظهر اليوم - أربع مرات!
هل أخبرك أحد قبلي أن (دمك خفيف!!)... كثيراً ما أضبط نفسي متلبسة ((بالضحك)) بصوت مسموع عند قراءة فقرات معينة من رسائلك، بعدها أتلفّت حولي لأتأكد أن أحداً لم يلاحظني وأنا متلبسة بالضحك وحدي!
من ناحية أخرى: واضج أنه أصابتك عدوى ((الغضب)) على ما الـ إليه حال الإنسان اليوم عاطفياً، وفكرياً، وسلوكاً... فمرحباً بك أيها الفارس المغوار محارباً في ساحة ((الحقيقة)) التي ((تمنحك الفرح... في اللحظة التي تغرس في أعماقك المعاناة والحزن أيضاً))!!
* ها أنت تحتل - بحضورك - أماكن متفرقة من شقتي: صورك، كلماتك، كتبك وخطاباتك... كلها تنتشر وتقابلني، وتُقبِّلني أينما إتجهت في بيتي.
حتى ((دولاب)) ملابسي، بمجرد أن أفتحه تقابلني زجاجات عطرك - هديتك - وفي راديو سيارتي أشرطة ((الكاسيت)) التي سجلتها وضمنتها أغانيك المفضلة.
والآن خبرني - بالله عليك - إلى أين يكون المفر؟!
علاء: أمام - غزوك - الموحي لفكري ومشاعري، لا أملك سوى أن أفتح لك وأمامك، النوافذ والأبواب، مُرحِّبة!
* ها أنت تضع مشرطك - الحقيقة - فوق جرحي ((المفتوح))، وأنت تفصح قائلاً: من ((يبخل الناس بمشاعرهم... لأنهم صاروا يخافون عليها، ومنها))!
ربما آن الآوان يا صديقي الأعز، كي تعرف أن لا شيء في الوجود يخيفني أو يرهبني، فأنا قادرة بصلابة وإيمان على مواجهة الأخطار، شيء واحد فقط يصيبني في ((مقتل))... شيء واحد إسمه: الألم!!
وأنا هنا في هذه - اللحظة الخاصة - من تاريخ تعارفنا، أعدك وعداً صادقاً: أن لا أجعلك تدفع الثمن - طعنات - غيرك، وأطلب منك ألاّ تحاكمني بسلبيات من سبقتني!
أحلم أن يكون لقاءنا - الذي رتّب له القدر تكفيراً عن بعض جرائمه - شمعة تضيء لي جوانب روحي وعقلي وتنشر الدفء في أركان نفسي.
أريد أن أكون رعداً يقلقل منام مارد الأفكار المختبىء في الركن البعيد من عقلك.
* وأريد أنأسألك الآن: هل أنت - حقاً - آخر الرجال الكرماء؟!
منذ زمن يعبد لم أقابل إنساناً بهذا السخاء والعطاء... رسائلك المتدفقة فكراً وصدقاً ومشاعر، تؤكد أنك ربما تكون من آخر عصر فرسان الجزل والعطاء، فهل تعدني أن تبقى على هذا الصفاء الرائع دائماً؟!
لماذا لا تريد أن تخبرني عن أسباب عدم ((استطاعتك)) الحضور إلى بلدي: ((ويك أند))؟
أفضِّل أن يكون أول لقاء بيننا في عاصمة النور - باريس - التي أعشق كل ما فيها.
وإلى الخطاب المقبل... أتمنى لك المزيد من ((التوتر)) المبدع).
* * *
* طوى رسالتها مع خبطات يد صديقه ((حامد)) على الباب.
وفي اللحظة الأولى لدخول صديقه عليه في غرفته... أخذ - كعادته - يُقرّعه، ويصف تصرفاته بالحماقة.. وواصل ((تحليله)) لشخصية ((علاء)) من وجهة نظره، فاستطرد يقول له:
ـ إن هذه السيدة / الليدي ذات خبرة في رؤيتها للرجال، وفي ما تريده بالتحديد من رجل اختارته رفيقاً لها، وقطعت البراري والبحار من بلدها إلى باريس لتراه، وتستمتع بحوارهما معاً... وفجأة تكتشف أنك لست الرجل الذي تخيلته، وأقامت له عرشاً في قلبها.
* قال علاء: هل قالت لك هذه ((الخلاصة)) التي بلغتني بها؟!
ـ قال حامد: لأ... لم تقل شيئاً، ورافضة أن تتحدث حتى معي، برغم أنني حاولت أن أخفف من غلواء غضبها.
* قال علاء: إذن... هو انطباعك أنت، أن ((عالية)) صدمت حين رأتني وتعاملت معي... بأنني أختلف كثيراً عن ذلك الرجل الرومانسي الحالم الذي كان يكتب لها رسائله بخفقات قلبه.
ـ قال حامد بضحكة ساخرة: خفقات قلب مين يا حمار... هذه امرأة تحتاج إلى رجل حصيف، يلاعبها، ويثيرها، ويملأ عقلها قبل قلبها، أو ليكسب قلبها... أنت طلعت ((فافوش))، وجدتك رجلاً انفعالياً، عاطفياً تعيساً إلى درجة الهلامية!
* قال علاء: إنني رجل بسيط، وحالم، - صحيح - لكني كنت صادقاً معها...
ـ قاطعه حامد: غلط...، مثل هذا النوع من النساء النَّمِرات، يتطلعن إلى رجل ذكي إلى درجة الخبث، حتى لو كذبت عليها... لأنها هي أيضاً تكذب عليك، فكلهُّن / يا صديقي...........!!
قال علاء: لا... أرفض أن أصدق ظنك هذا... هي لم تكذب عليّ، لكنها - ربما - لم تستوعب طباعي، وشخصيتي... لم تعرف أنني ملّوث بعصري الذين يضطرني أحياناً أن أكون: جارحاً... عندما أتوقع من أحد أن يدميني... لكني أخرج من طقوس العصر ومناخاته هارباً إلى حب الحب... رابت إليها، لأنها استقرت في أعماقي: رمزاً للحب... وما ظننت أننا كنا بحواراتنا عبر الرسائل والهاتف: نضيّع الوقت... بل كنا نصنعه: نملأه، ونفرغه.
قال حامد: ((قُصْره))... أنت ناقص الأهلية في التعامل مع النساء، رغم إدّعاءاتك!... والمهم: لقد دعوتهما للعشاء، فاخلد إلى النوم بعد الظهر، وألبس أنيقاً، و......... انتَق كلماتك.
* * *
ـ 2 ـ
* صرخ ((علاء)) في وجه السؤال المشتعل بين جوانحه والسؤال ذاته يصرخه: وجهاً مذعواً والسؤال منهما يفتش عن ((الإنسان)) في عمق هذه الأنثى ((عالية)):
ـ مًنْ تُخفين تحت جلدك، وفي أغوار ضلوعك؟!
وكيف قدِرْتِ أن تطعنيني في لحظة: ميلاد العشق بعيني لك؟
مَنْ يسرقك / عالية إلى مغامرة التجربة من جديد؟!
وكيف احتملت تجزيء الخفقة حتى إضرام كل هذا النيران في صدرك؟!
نظر ((علاء)) إلى ساعته ما زال موعده مع صديقه ((حامد)) بعيداً، ليذهبا معاً إلى ((عالية)) وصديقتها، لاصطحابهما إلى مطعم ((مكسيم)).
كان يشعر - لحظتها - بالضيم وبالترميد.
وكان يعاني من كراهية التفرد النفسي لتسامح المحبة المطلقة فالحب أعطى ((علاء)) هذا العمر، وفي هذا المشوار الطويل الذي قطعه من عمره (أربعون عاماً): أحس أنه بذلك العطاء كان يرى أبعد وأشمل، وكان يقدر على كثير مما فشل فيه الآخرون الذين سقطوا في فخاخ التعتيم النفسي.
وكان ينادي بالحب وأمامه، وحوله: الأشياء، والناس يرفضون، يأخذون، يدوسون ويمضي الناس مع أشيائهم!
ـ (لن يدهشني شيء - بعد كل ما قاسيت - سوى أن أجد من يفهمني)!!
ردد هذه العبارة التي حفظها من قراءاته وزفر بأنين صدره، وهمس:
ـ حتى صديقي ((حامد)): مَنْ حسبته الوحيد الذي يفهمني خذلني فهمه للإنسان بأعماقي ليس عنده سوى التقريع، واللوم، وتذكيري دائماً أنه: أذكى، وأكثر فهماً بل وذوقاً مني!
* هرع إلى حقيبة يده - ثانية - ليروي عطشه من أصداء ((عالية)) التي بقيت له ضمن رسائلها إليه وكأنه كان يحدِّس بهذا االعطش الذي سيصيبه في تواجد ((عالية)) بجانبه وأمامه.
أخرج رسالة جوابية منه على إحدى رسائلها المتدفقة بنفسها وبمشاعرها إليه وقرأ:
* (أيتها المسافرة في دمي:
أكتب لك الآن، وأنت في أحضان ما أتخيّلك فيه: الانتشاء!!
أتخيّلك تهربين بعيداً عن الضوضاء والزحام، وأتوق إلى الركض نحوك وأغار - أيضاً - من هذا الذي يحتضنك: الانتشاء!
لكني أغبطك وقد انساب صوتك في أذني من هناك من ((العريش))، كأنك نخلة الشبع والارتواء.
تُرى ماذا فَعَلَتْ بك زرقة ماء البحر؟!!
إلى أين انطلقَتْ بخطواتك تلك الرمال الناصعة البياض؟!
إلى أيَ مدى سَقَى تُربة نفسك ذلك الهدوء الجميل؟!
هل.. هل تذكِّرْتِني هناك في خضرة النخيل؟!
آه أنتِ في هذا (التابلوه) المعطّر بالسكون الموحي.
أتخيّلك وأنتَ ((تتمشّين)) هناك: حافية القدمين، تتراقصين كفراشة زاهية وفي تخيَلي لك، كأنني أركض معك فوق الرمال البيضاء كأنني أخرج من بئر إسفكسيا الحزن، وأمتلك مساحات الفرح، كلما غسل صوتك سمعي!
* على فكرة: فكّرت مرة أن أسألك - بمبدأ الصراحة - وقد جاءني صوتك للمرة الأولى، ثم الثانية: هل هذا صوتك الحقيقي؟!
تِعْرفي؟! صوتك الحقيقي سمعته - رغم بُعْد الصوت - حين طَلبْتني من العريش وكأنك تُعايشين قلقي عليك، وقد سكبْتِ الراحة والرضا بعد المحادثة!
حقيقة قلقت عليك. لا لم أقلق، بل أصبت بذعر وخوف.
ياه هل صِرْتِ عندي غالية ((يا غالية)) إلى هذه الدرجة؟!
لعلني أسأل نفسي في لحظات التأمل نحو: الأبعد / الأقرب نحوك: ماذا فعَلْتِ بي؟!
من أين انطلق نداؤك الخفيّ، الروحي، التلباثيّ عليّ؟!
كيف حدث هذا أيتها ((الآخذة))؟!!
فأنا: إما أكتب لك، وإما أفكر فيك، وإما أنتظر رسالتك أو هاتفك!
صدقّيني إنني متحرر، منطلق، محلّق بك أنت.
أفتح ذراعيّ وصدري لنسمات تأتي منك، وترفعني أكثر إلى الفضاء، وتحملني إلى جزر فضية، متماوجة... كأنها مَهْد من زئبق.. أو كأنها تداخلات ألوان الطيف.
أقول لك شيئاً لا يهمس به الإنسان إلاّ لنفسه؟!
أقول؟!!
ـ (عارف ستصرخي: يا أخي ما تقول)!
بكل شجاعتي (التي لا تعرفينها بعد!) ما زلت خائفاً.
فهل يكفيك هذا الاعتراف؟!
كيف؟!!
صرتُ أخاف من المفاجآت من الارتطامات من الأيام التي تومض بكل إغراءاتها، ثم - فجأة - تعمّ الحلكة!!
خوفي ينبع من تشبّثي بك، من عثوري عليك، من توحُّدي في روحك، والتحامي بفكرك، وامتزاجي بنفسك يا إنسان فيك.
أنا لا أريد أن افتقدك أنت بالذات!
ربما تقولين: على مهلك أنتَ لم ترني، لم تشاهد لمحة مني، لم تجلس معي، لم تحادثني، لم تُعاشرني إلى آخر الـ (لم) التي نجتهد، حينما نريد، في تكثيفها، وتوظيفها.
حقاً لم يحدث ذلك كله! ولكني شعرت أننا التقينا، وتحادثنا، واستغرقت حدقاتنا في تأمّل أبعاد نظرة كل منا للآخر، وتعاشرنا أيضاً.
شعرت أنني رأيتك قبل ذلك، وعرفتك، وفهمتك ولذلك، لم يكن دخولك إلى أعماقي صعباً، ولم يكن اقتحامي لداخلك عنوة ولا غزواً بل، كما قلت أنت، كان يقتحمك صدقي، وشفافية حزني، و((تعبيري)) الذي أنْطًقْته أنت.
حقيقة - ثالثة -: هل أحْسَسْتِ بجفاء، أو تردد، أو انكماش، عندما كتبتُ إليك رسالتي الأولى... أم كان في داخلك شيء يتعاطف؟!
رسالتك ((الأولى)) كانت حمينة، وواثقة، وتقف فوق أرضية الثقة.
شدني ذلك أكثر حتى صرتُ أشتاق إليك!
ها أنذا (أرعى) اقتحامي لك حتى لا يجنّ أكثر، أو حتى لا ينحرف، لأنني الآن، وأنت هذا الكنز أحرص على المحافظة عليك: جوهرة فريدة.
لعلك لاحظت (نبض) حديثي معك في الهاتف صرتُ ((يا عالية)): عفوياً، طبيعياً أحادثك، فأشعر أنني أمام مرآتي أحاور توأم الروح والنفس!
ماذا فَعَلْتِ بي؟!
حقاً إن الزمن يتقهقر، حتى يعود بي إلى نقطة (الحلم) الأمثل، والأبهى!
حتى شكل ملامح وجهك، وعمق نظراتك كانت في ذلك الحلم!
عفواً أنا لم أعد أعرف الغد: ماذا فيه؟!
لكني أعرفك أنت في الغد لأنك أكَّدت لي أنك صرت كتاباً مفتوحاً أمامي لم تعد بيننا أسرار، ولا تردد أنت: الفرح، والموعد الذي يدفئ القلب)!
* * *
* حلّ موعد المساء، و المطعم!
جاءه ((حامد)) بمزيد من زراعة الخوف، والإحباط وهو يقول له:
ـ عندي لك خبرعن ((عاليتك)) لقد قررت هي وصديقتها أن يرحلا صباح الغد في طريقهما إلى إسبانيا ستترك لك باريس / الجمل وما حمل، و.. ربما ألحق بهما بعد انتهاء أعمالي هنا خلال يومين.
قال علاء بإبتسامة حزينة على صديقه: وبعد ذلك؟!
ـ قال حامد: هناك خبر آخر لقد حدثت بعد ظهر اليوم تفجيرات مروعّة في وسط باريس، اتهمت فيها السلطات الفرنسية - كالعادة - العرب الذين تصفهم بالإرهابيين، وستنعكس معاملتهم للعرب إلى الأسوأ فاحمل رفشك وشُدَّ الرحال عن ديار أهل الكتاب الذين صاروا ينظرون إليك كعربي نظرة المتوجس دائماً!
تمتم علاء: وهل هناك تفجيرات أقوى مما حدث بيني وبين ((عالية))، وبيني وبينك؟!
ـ قال حامد: بماذا (تُبرطم) يا أهبل أكمل ارتداء ملابسك، فالجميلتان في انتظارنا!
واختار ((حامد)) في المطعم لأن يجعل ((فاتن)) تجلس أمامه، ليمنح صديقه ((علاء)) فرصة مواجهة الحبيبة ((عالية)) فلعلهما يكسران الحاجز الذي أقامه خصامهما!
كان ((علاء)) هو ذلك الرجل المازال باقياً على مفارق ((عالية)).
أخذ يتأمل إبتسامتها الحزينة في إنعكاسات لون مطعم ((مكسيم)) الأحمر، وتلك الشمعة الساهرة بينهما فوق الطاولة كأنه باقٍ هنا في انتظار أوْبتها من الخصام والغضب، ومعها تلك البسمة الرقيقة المتسامحة التي أحبها على شفتيها، لأنها تنغل في شرايينه.
هو يثق في ابتسامتها - منذ التقيا - وقد حسب أن هذه الابتسامة تُشكّل نداءها الأول عليه.
تطلّع إلى شعرها الأسود الذي يحفُّ وجهها كالليل حول هالة القمر تخيل شعرها طويلاً - وهو يحب الشعر الطويل - وقد قصَّته.
إبتسم وهو يعرف: أن النساء يقصصن شعرهن لئلا يعيقهن، ثم يضعن باروكة أو ((بوستيجاً)) لكي يطولّن شعرهن مؤقتاً!
إلتقت نظرتها بنظرته وعلى شفتيها نصف ابتسامة كالموناليزا، مترددة في اطلاق سراحها لتحضنه.
كان يمتلئ بها ويفيض يود أن ينتقل إلى جانبها ويهمس في أذنها بما ينسجه نبضه في حركته الإنسانية.
عندما كانت رسالتها هي وصالها له ظنَّ أن حيتانها هربت إلى أعماق المحيطات الباردة فاكتشف في الخصام والغضب: أن ((عالية)) لن تطيق العيش مع رجل بعيداً عن حياتها المفترسة!
بينما هرب هو من المحيطات الباردة التي كانت ((تقنع)) أيام عمره، إلى دفء سرها إلى ألف مفتاح ومفتاح لأبوابها وظن - يومها - أن كل مفتاح لا يحكي عن خيانة حيتانها لها، بل عن قلق تلك الحيتان من أبوابها الموصدة، واستغراقها في أسرارها!
وظن - يومها أيضاً - أن حيتانها وشَت له بسرها، لأنها تحبها، وليقتحمها ويركع متبتلاً ((لعاليته)) أنشودة الحياة، ويحتضن يدها لتتحد مع يده فيطوِّحان معاً بكل الأسئلة!
وقام الحوار بينهما - بتثاقل - بتردد ونبدأ.
كان ((علاء)) يحلم بهذا اللقاء في باريس، ويثق في الدفء الذي سيشع في أجواء حواراته مع ((عالية)) ونظراتهما، وتشابك يديهما، و ((عمق)) فهم كل واحد منهما للآخر!!
بقي ((يحلم)) بها: بسمة أروع، وأنقى، وأصفى، وأكثر حميمية لنفسه الصادية إلى الالتئام بتوأمها!
ـ ياه - ما أبطأ الوقت.. الآن!
عاودته تلك الابتسامة الساخرة وهو يسترجع أصداء عبارة قالها كل واحد منهما في سمع الآخر عبر الهاتف قبيل سفرهما إلى باريس وموعد لقائهما نفس العبارة، ولكن في معنى أجمل:
ـ ياه - ما أبطأ الوقت حتى أراك!!
* * *
* تأمل ((علاء)) الشمعة التي تفصل بين وجهها ووجهه على طاولة المطعم وكانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، ومع شعوره الذي أكد لديه الآن - بعد انتهاء سهرة المطعم الوداعية - أن ((عالية)) أشعلت هذا الحب الكبير بينهما كهذه الشمعة، وتركتها على الطاولة تذوب، تفني نفسها بلهبها في نهاية سريعة، وانطفاء محدد بوقت مؤقت!!
إنتشله صوت صديقه ((حامد)) من هذا التمازج مع ذوبان الشمعة وهو يقول:
ـ سهرة سعيدة ونشكركما على منحكما لنا هذا الوقت الجميل، ونتمنى أن نلتقي قريباً وسوف نحضر إليكما في الصباح إلى الفندق لاصطحابكما إلى المطار وتوديعكما.
* قالت ((عالية)) باستعلاء: لا نريد أن نكلف عليكما، فالمطار بعيد.
ـ قال حامد: يا ليته يصبح أكثر بُعداً.
وأمام مدخل فندق ((عالية)) وصديقتها امتدت الأيدي ((بروفة)) لوداع الصباح النهائي القادم.
وعلى سريره في فندقه استلقى ((علاء))، يحدق في السقف، كأنه يستعيد شريط الحكاية من بدئها حتى نزفها.
هو لا يعتقد: أن الحكاية انتهت بل يصرُّ أن لا تنتهي، حتى لو أرادت ((عالية)).
لكنه يدور الآن - بأصداء كلماتها في رسائلها إليه، وحواراتهما - حول ما شكت له منه: جرحها المفتوح منذ تجربتها الأولى كأنثى مع رجل، ومروراً بعلاقات عابرة بلا ثبات ولا تمدد في تربة النفس، وحتى التجربة الأخيرة التي كثَّفت بعدها أعداد، لا بل (جحافل) حيتانها التي تمنع دخول أي رجل إلى قلبها، والتجوّل مطمئناً مختالاً بين أضلعها!
ويدور - أيضاً - حول جروحه النازفة التي حكى لها عنها، وأردف يقول بثقة وتفاؤل:
ـ هذه الجروح لا بد أن تشفى وأنت تضمّدينها!
أجابته يومها: تعال هنا أهدهدك على صدري، وستشفى!
ـ قال يحلم في إصغائها عبر الهاتف: هذا وعد منك إذن هذه الشموع تُضاء، والموسيقى تصدح، والزهور تتسامق منتعشة، والجداول تنساب، والعصافير تزقزق عيناك وعيناي يا حبيبتي، هذه هي الحياة معنا ولنا دائماً!
ـ 3 ـ
* أمام المدخل الذي يُفضي إلى داخل مطار ((شارل ديجول)) تعانق ((حامد)) و((فاتن))، بينما امتدت يد ((عالية)) تصافح ((علاء))، وهي تدفع تلك الابتسامة النصفية الموناليزية قسراً على شفتيها.
ـ قال علاء وهو يضغط على يدها: مع ألف سلامة، وإلى كل خير.
* قالت: ((خد بالك من نفسك)).
إغرورقت عيناه بالدموع، واندلع إليها يحتضنها وكأنها كانت تتوقع منه هو هذه المبادرة، لكنها قابلتها بنفس الصلف والجمود.
وفي طريق عودة ((الصديقين)) من المطار إلى الفندق حاول ((حامد)) أن يواصل معزوفته مع صديقه ((علاء)) عن: سوء تصرفاته، وقلة حيلته، وفقدانه للكياسة التي يتمتع بها ((حامد)).
لكنَّ ((علاء)) لم ينبس بنأمة حتى وقف كل منهما أمام غرفيتهما المتجاورتين.
وسارع ((علاء)) إلى تجميع ملابسه في حقيبته، استعداداً لعودته إلى ((جدة)) في منتصف هذه الليلة تاركاً صديقه ((حامد)) في باريس - حسب رغبته التي أبداها له
وقوله: أنه سينهي بقية أعمال له، ويتوجه إلى جنيف.
لم يعد يعني ((علاء)) أي شيء الآن: أن يتوجه صديقه إلى جنيف، أو حتى أن يلحق بعالية وصديقتها إلى إسبانيا... وقد توقع ذلك من حصافة وكياسة صديقه الذي يُحبه!
وحتى يحين منتصف الليل / موعد رحلته عاد إلى حقيبة يده، وأخرج منها رسائلها ورسائله... وتوقف أمام هذه الرسالة منها التي بعثت بها إليه قبل حضورهما إلى باريس بشهر واحد فقط:
* عزيزي / علاء:
هل أخبرك صوتي - بالأمس - عن مدى فرحتي بالتكامل الواصل بين لغتينا؟!
هل أخبرك صوتي - في المرات الثلاث - عن عمق احتواء نفسي لحميمة الحوار الذي جرى بيننا؟!
لا تقل لي: شهراً، ولا أكثر فهذه الثقة والألفة المتبادلة لا يقل عمرها عن المائة عام!
وهذه عكس المائة من عزلة ((ماركيز)) التي كنت أعيش مثله فيها قبل الآن.
صدقني أنا لا أجاملك، وأنا أعترف أن اقتحامك المفاجيء لحياتي - في رقة وعذوبة - قد تنجح في تبديد بعض غربتي، بعد أن أشعل الحرائق في غابات خيالي وروى أعشاب الطمأنينة العطشى في براري نفسي.
أتلهف على لقياك.
أترقب موعدنا بشغف.
أسأل نفسي ألف مرة ومرة: كيف سيكون طعم حوارنا ونحن متواجهين هل سيكون بحلاوة كلماتنا المكتوبة بأحرف النور والبوح والإحساس المتجرد من كل غاية وقتية؟!.
لا اخيفك - يا صديقي الأثير - أني أخاف على هذا ((الكنز)) الذي اكتشفناه معاً، والذي أخفاه القدر ليكون هديته لنا من بطش العجزة، المحيطين، والحاقدين.
سامحني أيها الفارس الذي يقود حصان ((طروادة)) داخل مدن الظلام والتخلف، لست ممن يخيفهم، ولا ممن يخرسهم هتاف الردة عن العقل فقط أنا ((متوجعة)) من طعنة خنجر أصابتني هذا الصباح في الظهر!
ها أنا لا أشعر بحرج وأنا أنزف أمامك بصوت مسموع.
ها أنا أنحي قوة كبريائي جانباً، لأعري - أمامك - جزء من جرحي الطريّ، لا لأشكو، ولكن لأدع لنزفي صوتاً مسموعاً أنت الذي شجعتني على ذلك، بأن أبرزت وعبرت عن مدى احتياجنا إلى هذه (القيمة) الرائعة من صداقتنا التي وثقتها معاني كثيرة، من أهمها: أن ((نفضفض))، وأن نصغي إلى شجون بعضنا البعض.
لا أود الاستطراد في هذا الأمر، فأنا أعلم أنها محنة ستذوب كغيرها كزبد البحر فقط أتألم عندما تأتي سهام الغيرة، والحقد، ودوائر الانتقام، من جانب أكثر من أعطيت من الناس، حباً، وثقة، وإيثاراً؟!
أنت أيضاً مصبوغ الجسد بكل ألوان الجراج! هذا ما باح لي به صوتك وأنا أحدثك هذا الصباح - السبت أول يوليو - وقد امتزج صوت ((نزفيْنا)) ليصنعا معاً هديراً يصد غارات العجزة المنتقمين لضعف بصيرتهم، ولاهترائهم الداخلي.
أشعر الآن - بعد سماع صوتك - أني أكثر راحة، وأني أتنفس الهواء بعمق أكبر، وبالكلمات التي استعصت على القلم، تلين وتحنو وتبدأ إنسيابها على الورق.
* أشكرك لأنك شجعتني على البكاء، أعني البكاء خارج العين وليس - فقط - داخلها.
عرفتُ الآن الفرق فالبكاء الصامت، أو المكبوت تكون دموعه كاوية للأعماق، وآثار حروقه لا تنمحي من داخل النفس بسهولة، بل تبقى ليتجدد نزيفها الحارق من حين إلى آخر.
أما البكاء الذي يبلل دمعه الخدين، فهو يغسل الأعماق، حتى تأتي الريح فتقوم بمهمة تجفيف الندى، ليزداد - بعدها - إشراقاً ونضارة.
نعم، لقد كنت - علاء - محقاَ في دعوتك. ففًكُّ القيد عن حبال دموعنا يجعلنا نثور بحكمة، ونصفو.
أهل أنت بهذه الحكمة دائماً؟
أين توارى الحكماء في عصرنا الخسيس؟!
هل كُتب علينا أن نتعذب بحكمتنا في عصر حرب الكيمياء، وشباب الهيروين، والإيدز العاطفي؟!
أنظر حولي في فزع، وقد عبًّأ داخلي - كزجاجة مياه غازية - شعور بالإغتراب فلا أرى غير بحيرتك العذبة إلى جوار نبعي الدافق مصدراً للصفاء!
أسعدني بحق أن تُحوِّر سؤالك الأول: من أنتِ؟ إلى ((ما)) أنت!!
أحببتُ عمق فطنتك، وسرعة بديهتك (واضح أنك حاد الذكاء، إلى جانب رهافة الإحساس ما الذي تنوي أن تفعله بي بالضبط؟!).
هناك فقرة من حوار ما زال محفوراً في قلبي، مأخوذاً من مشهد فيلم: ((العاشقة)). وهو عن قصة حياة الكاتبة والأديبة السويدية ((آجنس كروزنترنا))، وفي هذا الحوار يقول عاشق لكلماتها، وناقدها، وزوجها، لأحد صحفيي عصرها (1920):
ـ إن ((لأجنس)) مجموعتها الشمسية الخاصة بها هي تعيش تحت شمس غير شمسكم، وقمر غير قمركم، ولا علاقة لها بقوانينكم الاجتماعية والسياسية!
كثيراً ما أشعر أني ((غيمة)) كبيرة تسبح في بحر سماء واسعة فللغيمة ميزة دوام الطواف، خفقة الانتقال والتنقل من قارة إلى أخرى، مقدرة التقاط مجريات الأمور من أعلى، شمولية الرؤية، كونية الرؤى، التسامي فوق تفاهة التفاصيل التي يسجن البشر مصائرهم وراء قضبانها، والأهم من كل ذلك: أن ((الغيمة)) لا علاقة لها بقوانين الأرض الاجتماعية والسياسية ((هي)) تضع قانونها الخاص، وقانونها: دوام الترحال بغرض الكشف عن شمولية الرؤية، وهي في رحلتها الطويلة نحو الفهم يخصب رحمها بالمعرفة، وتأتي أشهر الحمل فتنتفخ بطنها: نقطة ((فهم)) وراء ما ((معرفة))، وتظل تسبح من قارة إلى أخرى حتى نلتقي ((بمصادفة محسوبة من الطبيعة))، بذلك ((الآخر)) الذي يتخلل بفهمه وبمعرفته مسامها التي تتفتح فجأة معلنة عن ((شوقها)) عندئذ تبرق السماء وترعد، تضيء مشاعل الفرح وتعزف سيمفونية الابتهاج، ويهطل المطر غزيراً غزيراَ، فترتفع الأرض أعلاماً خضراء ابتهاجاً بموسم الخصوبة والإبداع.
والآن - أيها الأعز الأغلى - بعد أن أطلعت، وحدك، على سر ((ما)) أكون، هل ما زلت تعتبر نفسك بعيداً عن الرجال الخائفين وأنت، ترى ((ما)) أنت؟!
أنتظر بشوق ولهفة معرفة ((ما تكون))!!
ها هي رسالتي إليك منقوعة بنسيم هواء الإسكندرية هل رطّبت صدرك بهوائها العليل؟ أرسلتها خصيصاً من حدة هواء ((التكييف))!... وحشتني)!
* * *
يغمض عينيه، وهو يركض وراء أصداء ذلك الزمان القريب جداً بعد أن وصلته رسالتها، وهاتفها فور استلامها لتقول له ضاحكة:
ـ أنت رجل عجيب هل تعرف ما كنت أفعل الآن؟!
جالسة في غرفتي أدرّب أذني على إيقاع الأغاني الخليجية التي وصلتني منك، ولا أخفي عليك: أبذل مجهوداً لأسبح على موجة إيقاعها الجديد على سمعي وربما كان الأمر يحتاج إلى مساعدة منك، وربما كنت أحتاج لوجودك إلى جواري ليتضاعف إحساسي بها لكني سعيدة لأنك فتحت أذنيّ على عالم من الأنغام كنت أجهله (عندما أسمعها أشعر وكأني سافرت إليك).
* قال لها سعيداً: سنوّحد أغنيتنا قريباً في نغم واحد.
ـ قالت: هل أطلعك على سر؟!
لقد واريت زجاجات عطري القديمة داخل علبها، وأصبحت أتعطر بعطورك وحدها، وحدها (!!) هل اخترتها لي بنفسك؟! لا أريد منك أي شيء لا تختاره ((لأجلي)) بخصوصية ((إبتكارك)) أعذرني، أنا إنسانة دائمة البحث عن ((الخاص))!
* قال: هذا رغد عظيم منك ولكني أرجوك أن لا تخشي - كما قلت لي مرة - أن أكون ممن يجيدون ((صناعى المحبوب)) ليتماثل مع خيالهم الخاص، أو ليتطابق مع ((موديلهم، وباترونهم)) الخاص عن ما يجب أن يكون عليه شخص المحبوب.
ـ قالت: أثق في ((ثقافة عواطفك)) فروعه الحب: أن يتحول من علاقة تبادلية أروع ما فيها: الأخذ والعطاء بدلاً من أن ينحصر في علاقة أخذ وسلب حرية المحبوب في أن يكون ((نفسه)) حقيقته بلا افتعال.
* * *
* مسح دمعة إنزلقت من عينيه، وأبت أن تجف على وجنتيه وارتدى ملابسه، وأبلغ إدارة الفندق بتقفيل حساب غرفته، وبعْث مَنْ يحمل له حقائبه.
ـ قال له صديقه حامد: لا أقدر أن أذهب معك إلى المطار فعندي اجتماع.
* أجابه: لم أطلب منك، ولك الشكر مع السلامة.
وفي طريقه إلى المطار كان يشاهد ((باريس)) التي عشقها دون مدن العالم كله، إلاّ مدن وطنه فقط باريس التي كان يأتي إليها ليستلقي ويستجم، ويرتاح من الضجيج، والوقر، والهموم كيف ستكون في نظره بعد هذه الرحلة؟!
لا يظن أنه سيعود إليها ببساطة، ولا في زمن قصير بعد أن صارت ((جرحه)) الذي جدد نزفه.
ـ سال نفسه: هل ((الموت)) وحده هو الحب؟!
* كان قد طرح على ((عالية)) هذا السؤال في إحدى حواراتهما، وهو يبدي لها مخاوفه من فقدانها فقالت له: بل الحياة - وحدها - هي الحب لأن الحياة فيها: أنت وأنا!
لأن الحب كائن حي - يا حبيبي - بدليل أنه يولد وينمو حتى ينضج، ثم يهرم ويموت!
* همس لنفسه كأنه يخاطب عالية الآن: لكنّ حبنا مات قبل أن يهرم في اللحظة التي كان فيها ينضج!
ـ قالت له يومها مستطردة: والحب علاقة ديناميكية، فيها كل أشكال الصراع الإنساتي: سلباً وإيجاباً فالصراع قوام الحياة من أجل خلق نوع من التوازن الخاص.
* عاد يهمس لنفسه الآنى كأنه يذكّرها بما قالته من قبل: حقاً لقد وُلد الصراع، لكن ما حدث بيننا يا حبيبتي: لم يكن صراعاً إنسانياً بسلبياته، بل كان صراعاً أنوياً ذاتياً بكل إيجابياته التي عادت على شخصك، ومن بعدك الطوفان!
نبَّهه السائق إلى وصوله للمطار، ودلف من بوابته لينغمر في زحام البشر الذين يواصلون السفر على الطائرات، وداخل نفوسهم!!
ـ 4 ـ
* في جوف الطائرة أغلق ستارة النافذة، ورمى برأسه على كتف المقعد، وغطى وجهه بوسادة الطائرة محاولاً أن ينام.
وكيف ينام وكل الصور، والمواقف، وأصداء الحوارات مع ((عالية)) تنهمر، وتنثال؟!
أصداء كلماتها التي كانت تتدفق إلى أذنه من صوتها عبر الهاتف من القاهرة إلى جدة وأصداء عبارات رسائلها: تزحم في رأسه الآن، وتوجع نبضه:
* (أسعدني بحق أن تفتح لي باب الدخول إلى عالمك الزاخر، ليس باعتباري ((تجربة)) تؤدي دوراً على خشبة أيامك، ولكن باعتباري ((قيمة)) تفتح لها بوابات الفردوس لتزرع في أرضه شجرة ((أبتكارها)) الوارفة، لننعم بظلها - الموحي - معاً.
ومثلك أنا، أفتح لك بوابة الباب العالي لعالم فكري ووجداني - بالمناسبة، هذه البوابة لا تفتح إلاّ لندرة من البشر بجد، لتدخله فارساً مظفراً، وكقيمة إنسانية وإبداعية متفردة)!
الله الله، ما أصدقك، عالية - في الحالتين: وأنت تتدفقين عاطفة، وأنت تنهمرين غضباً وخصاماً!!
* (علاء: خيالي لم يزل متوهجاً بك، وسأكتب لك الآن وحتى بعد مائة سنة!
هل أهمس لأذنك بسر؟!
خذني إلى منابع الطبيعة البكر إلى حيث توجد السهول والجبال الخضراء، البحيرات العذبة، والغابات المليئة بالأسرار خذني إلى قلب المحيطات، وأسكنني جزرها الإستوائية، حيث البراكين الطبيعية نركض نحوها لنلهو بالتدحرج من قمتها لسفحها.
هناك حيث تكون الطبيعة على أشد ما هي عليه من طبيعية، سوف تتلقفك ذراعا ((عالية)) أخرى غير التي يعرفها الناس!
أصبحت أحب عنواني، لأن رسائلك تحفظه بقلبها أصبحت أشتاق عودتي إلى بيتي، لأن صوتك يدفىء جدرانه عبر أسلاك الهاتف!!
لماذا كنت حزيناً عندما طلبتني هذا المساء؟!
لن يمكنك - مهما حاولت - أن تخفي عني حالة طقسك المزاجي صوتك وقلبي: صارا أصدقاء يا ويلك، لن يعود لمطاوعتك أبداً)!
* * *
* ربتت المضيفة على كتفه ليشرع طاولة الأكل، اعتذر لها وطلب منها كوباً من الشاي فقط!
أعاد ظهر المقعد قائماً، وفتح حقيبته، وأخرج منها ورقاً وقلماً وبدأ يكتب رسالته الأولى إلى ((عالية)) بعد الرحيل:
* (هل يمكن أن يتحوّل ((الحب)) إلى حجر؟!
ألا ما أقسى ((الوردة)) عندما ترصدها عينا ((ميدوزا))، فتتحول إلى حجر لها شكل الورد، وملمسها وعطاؤها صخري متجمّد!
أنت ((الوردة)) التي رصدتْها عينا ((ميدوزا)) حتى صيّرتك بتعاملك معي ذلك الحجر الذي يُدمي!
ها هو النهار يختفي من عينيّ ((ميدوزا)) - أخت الجرجون - وها هي عينا ((ميدوزا)) ترصد فرحك وفرحي، وتنتظرني في عينيك وقد تحوَّلتُ فيهما إلى حجر!!
وها هو الزمان يتلاشى بعدك.
كل ألوان الطيف تفرقَّت لوناً، لوناً كأنَّها رماح تتجه إلى ((بغتة)) الإنسان في داخلي، وإلى فرحته... وتطعن معهما الحلم!
أنتِ ((المرأة)) التي أفزعك خاطر واحد عني، وهو: أن أكون ضعفك!
وأنا ((الرجل)) الذي أرغدني وغذّاني هدف واحد، وهو أن تكوني ((قُوّتي))!!
و((المرأة)) / أنت عندي، كما قال متأمل: ((دمعة وابتسامة دمعة من سماء التفكير، وابتسامة في حقل النفس))!
ولكنك بريحك، وإعصارك جعلت مني رجلاً ((مقصوفاً))، مثل مدينة مهدّمة في لبنان اليوم، أو أثناء الحرب العالمية!
أنتِ ((دليلة)) التي جزّت شَعري من أجل أن تُفقدني قوّتي!
أنتِ التي جزّت فرحي، وتألُّقي، وحلمي في الوقت الذي تبقين فيه - مع مشاعري - المرأة التي تتشكل من عطائها بذور فرحي، وتألّقي، وحلمي!
وإذ بك تديرين وجهك عن مسكني الحقيقي: عيناك كأنك من ثورة إعصارك لم تعودي تتطلّعين إلى المرآة، لئلا تًرِي عينيك فترينني أسكن فيهما، بل وأناضل للمحافظة على هذا ((الوطن)) عندك!
أنت ((فلوريدا)) الأسبانية التي احتارت بين ((غرناطة)) منبتها وبين السفن التي تُبحر دائماً، وتترك لها الوداع، والذكرى الندية عن صحوة العمر الأجمل!
لقد حملتُ ((قلبي)) إلى بحارك، ونشرت صاريتي البيضاء على امتداد بحارك، وعلى مرآى من حيتانك ثم سكَنْتُ عمق عينيك، وقد أحرقت سفني، وقلت لقلبي مثلما قال قلب ((ابن الوليد)): هنا ينبت عمر جديد، ويُكتب تاريخ حافل هنا في الأندلس في عينيّ ((فلورندا))!
ولكن سُرعان ما يهطل زمان آخر!
فهل كل زمان يهطل هو الغبث الذي يبثّ في مسام أرضنا: الارتواء؟!
على مفترق الطرق تشابك وقوفك ووقوفي!
تُرى هل كانت لحظة ميلاد، أم لحظة وفاة؟!
لحظة الوقوف: كنتُ ذلك (الإنسان) بحق، الذي خرج من تحت غيمة، بخلت أن تُفسح درب السماء للغيث فكان أن تبَعْثَرْتُ: خُطى وأنفاساً، ولهاثاً، ودخاناً!
في الركض إلى لقائك: الموّال، والحدري، والعتابا، والميجنا خفقي إلى... الهباء، في حلمي معك بالبهاء!
ما أوسع، وأرحب، وأجمل ما حلمت به معك في باريس، وأنت معي:
ـ قوس النصر. الغابة. البوح الحميمي. الصدق. الحوار في دفء شمعة. التدفق. التحليق فوق ((مُؤَقَّت)) البشر في أشياء كثيرة. التفتح على عالم خاص نفهمه، ونرغد فيه.
لم أستطع أن أكون مهرِّجاً، ولا منافقاً، ولا ((مؤقتاً))!
لقد كنتُ - بعيب شديد - رومانسياً لستُ مؤمناً بضرورة اختصار الزّمان، لأجعله ((وقتاً))!!
لقد كنتُ أرفض نداء ((الطاحونة)) وسلوكها.
كنت أغني مع ((نصري شمس الدين))، وفيروز:
ـ ((ويُمْرق زمان الحكي
ويوصل زمان البكى
ونروح لقاضي الهوى ع الحب نشكي لُهْ))!!
ها أنتِ صرت البعيدة / القريبة وقد كنتِ - قبل الثالث والعشرين من يوليو / العيد! -: القريبة إلى درجة البعيدة!
وتبقين أنتِ - وحدك -: قارة البهاء التي يصعبُ اكتشافها، ويَسْهل عليها تبسيط الخفقة إلى درجة الفراق!
من أجلك أنتِ أود أن أنساك!!
ومن أجلي أنا - لو نسيتُكِ واستطعت - لتحوّلت إلى تابوت يمشي بساقين من خشب!
تبقين - يا عالية - في كل المناخات والحصيلة: أنت ندائي الذي أرفعه، وأموسقه، وأهتف به كلما جُنَّ شوقي إلى صبابة حب، وإلى جرعة صدق، وإلى بارقة أمل وإلى ((بذرة)) أصلية لغرسة الَفرح، والعطاء في نفسي!
لقد قرَّرتِ أن تختاري الطريق الذي يخلو من حُرَّاس الزهور!
إذن إسمحي لدمعة - نقية، لامعة، شجاعة جداً - أن تنحدر من عيني، وترتفع حتى تبلغ الصمت، الذي أسموه: ((سيد الحياة))!
لا أريد أن أكثرت بهذا الانخذال الذي اصطدمنا به، وكأنه نبتة ((صبّارة)) تُفاجيء أقدامنا في مطلع الطريق!
ولكنني ذاهب - بكل ما أمكنني - هناك حيث أجدك في كل مكان!
أنتِ (المازلتِ): إضاءة اللحظة الفاصلة في عمري ما بين الهم، واالفرح ما بين الحزن، وشهقة اللقاء الراحل!
قلت لك، ولن أحنث أبداً: إنّ هذا العالم كله.. رأسك!
وإنّ هذا العالم كله قلبي!
بعد - يا حبيبتي - لم أسقط في التجلّط ولن أتنازل عن حبي لك، إنني سأقاتل ((الانطباعات)) و((المؤقت)) و((الرحيل)). لتبقي في حياتي للأبد أنت: ((القيمة)) و((الثابت)) و((البقاء))، و((الوجود))!
قسماً بتراثك العظيم، الذي أوْدَعْتِه صدري، وأسراري، وفرحي!
قسماً بزهراتك الثلاث، وصندوقك الفضيّ الصغير، وحيتانك!
أيتها المرأة من نار أيتها العز، والنور، والسلطانة على ((قدري)):
كل صباح، كل مساء: سأفتح صندوقك الفضيّ الصغير، وأعود إلى أسرارك الثلاثة، ومفاتيحك الكنز.
أعود إلى ((زهراتك)) الثلاث وهي تُحسّسني في كل صباح جديد: أن عبقها يزداد أريجاً، وعطراً، وشذى متفوقة على جفاف الوقت!
أعود إلى ((حيتانك)) التي وَشتْ لي عنك، ثم ابتلعتني في جوفها، وأنا مقطّع إلى آلاف الأجزاء!
أعود إلى صندوق مفاتيحك الحقيقية وتحذيرك من أن أضِّيع المفاتيح!
حقاً صار هذا الكنز، وهو: حصيلتي، وعائداتي، وحصادي، وسقف إنتاجي، وغطائي الذهبي وهو: تركة قلبي المقتول!!
زهراتك، وحيتانك، وصندوق مفاتيحك هم: عالمي الأخير، الذي أدخله - وحدي - فأجد فيه ((عالية)) الأصلية، والحبيبة، والمحبوبة وأسترخي فيه من بعد نَصَب شديد!
هم: البديل عن صدرك الذي حلمت أن أضع رأسي عليه، وأسكب تعبي وأنام قريراً (بلا شخير)!!!
كأنكِ - يا سيدتي الأعز - قد قدّرت مسافة الرحلة التي سأعود بعدها من عندك، لأستقر في (تراثك) هذا الذي تركْتِه لي في معنى الاكتفاء!!!!
سأفتح صندوق مفاتيحك بمجرد عودتي وأُوشوش الزهرات الثلاث المنوحة لاسمك، ولاسمي، وللحيتان التي وَشَت؛ لي عن مكان المفاتيح، ثم تحوّلت إلى مفترسة لفرحي، وحلمي!
أعرف ستقولين: إنَّ الحيتان لا ذنب لها وليست جريرتها!
رأيك، رؤيتك، قرارك!
رأيي، رؤيتي، نضالي!!!
سأمسح على ظهر حيتانك برفق، وأحتفظ بمفاتيحك داخل هذا الصندوق، وأسترجع أصداء ما تختزنه من ذخائر الفكر الذي جمّعنا، ومن نجوى الفؤاد التي تغنيّنا بها:
ـ لقد قيل: ((الحلم هو أقصر الطريق بين نقطتين))!
وقد عُدت محترقاً بنقطة واحدة عدتُ إلى الحلم منة جديد، متماسكاً، مُصراً على هذا الجسر الذي يُقرِّب المسافة بين نقطتين، وهو: الحلم!
ـ وقد قيل: ((البعاد لا يمحو الذكريات، ولا الأحداث))!
والبعاد - عندما يكون مادياً أو جسدياً - فإنه لن يقدر أن يفرض البعاد الروحي وأنني أثق في قدرة مشاعري على نسف هذا البعاد الأقسى!
ـ وقد قيل: ((لكي تصل إلى النغمة الحقيقية في حياتك العاطفية فعليك البحث عن: قلب يفهمك، وعقل يحبك))!
ولقد أحسستُ أنك أنتِ التي فعلت ما أشعرني بحدة شديدة: قلبك ينكرني وبغربّني عن الفهم وأن عقلك يبغضني!
أنا صرت أعرفك جيداً أنت (الإنسانة) التي تتمتع بالصفاء من الداخل، وإن اتَشَحَتْ برداء غير ردائها والتي تتمتع بالنظافة القادرة على إجلاء الأصل والعمق!
لذلك سأستمر أكافح كل شيء يمنعني عن أن أواصل محبّتك.
ولا بد أن أعود - بعد ذلك - إلى: أقصر الطرق بين نقطتين وهو: الحلم!
أعود إلى ((الحلم)) من جديد، وأقفز فوق الإحباط.
وهناك كاتبة أنثى أضافت رفضها، فقالت:
ـ ((لا ليس صحيحاً أن أقصر الطريق بين نقطتين، هو الخط المستقيم بل هو الحوار))!
وأنت تؤمنين بالحوار، وتقدّسينه، حتى لو بالغت فيه بالعنف اللفظي لكنّك - أحياناً - تعمدين إلى إِذلال (الحدس)!
والحدس كان صرختي، وندائي عليك، ونجواي، وتبتُّلي.
والحدس كان هو أيضاً: فراقنا، أو بعادنا وأرفض أن يكون: افتراقنا!!
هل تعلمين - أيتها العزيزة الأغلى -: لقد سقط (حدسي) مضرّجاً بدمائه برصاصة قنّاص ماهر!!
أعرف أنك بعد عودتك من أسبانيا إلى بيتك، ستبادرين إلى إقامة صالون عزاء بين جدران هذا البيت التي قلت لي عنها من قبل: أنها تتدفأ بصوتي عبر أسلاك الهاتف!
الآن عدتِ بعد مراسم تشييع جنازتي داخل صدرك في باريس، ولا بد أن تتخلصي من رسائلي، وأنغامي الخليجية... فلا بد أنها ستتحوّل في سمعك إلى نشاز!!
أما أنا حيث أعود الآن: فسوف يجيئني مساء آخر، يختلف تماماً عن مساء (الرمال) الراقصة التي عقدت قران قلبينا وزفتهما فوقها هناك في ((دوفيل))!!
لقد وبِحْت في مساء همس الرمل للبحر، ولشَعْرك، ولمشط شعرك، ولشفتي ولقد متُّ أيضاً في ذلك المساء!
ـ قُلت لك: اللحظة ستكون عمري الكامل عندما تكون معك!
وهكذا عشتُ عمري الكامل في اللحظة الضوئية معك. ومتُّ!!
* * *
ـ 5 ـ
* لم تكن ((عالية)) مجرد طيف عابر لزمان عشق ((علاء)).
بل انتشرت في أيامه وعمره: ضوءاً يُشعل لياليه ووحدته حنيناً وأماني.
كانت أنفاسها: بوحاً يملأ كونه عطراً وأغاني هي الدنيا التي حسب أنها - وحدها - ستشدو بأحلامه، أحلامهما معاً!
تلقفّ ((علاء)) هذه الدمعة من قلبه، وهي تنزلق من تحت جفنيه وقد كانت ((عالية)) تغسل دموعه دائماً بضحكتها، وتفتتح معه: زماناً جديداً يغنيان فيه للحب!
وفي استلقاءته على ظهر كرسي الطائرة، بعد كتابة رسالة الإياب إليها أغمض عينيه، وكان يناديها من أعماقه: رحيلاً، وسراً مطعوناً يطارد ريحها في فلوات الغضب الحارق، ويمشي رملاً يتكثّف في أرودته:
ـ عالية أيتها المجنونة بالحيرة، بالبرق الخاطف!
وكأن الأصداء تعتاده من البعيد تحمل صوت ((عالية)) / صهيلها الذي يعدو في البحر بلا مرفأ!
وعادته صورة كشريط السينما من ذلك ((اليوم الكامل)) الذي اقترحه ((علاء)) على عالية، وصديقتها، وصديقه ليذهبا إلى ((الغابة)) في أطراف باريس، ويمضوا يوماً جميلاً في أحضان الخضرة، ودفء الشمس!
كم يشتاق الآن إليها إلى يدها تعانق يده، مثل عناقهما وهما يمشيان الهوينا في دروب الغابة، وتحت فروع وأوراق أشجارها، واتكاءتها على جذورها.
الغابة تموج بالهاربين إلى دروبها، وشجرها، وحشائشها، وشلالاتها بعيداً عن صخب المدينة الضخمة / باريس، وحتحتة لهموم النفس وملل الاعتياد اليومي.
ومع أولى خطواتهم داخل الغابة، وهم يلجون بوّابتها قال صديقه ((حامد)) لهما:
ـ أنت وعاليتك تقدما، إختبآ، ممكن أن تضيعا منِّا لمدة ساعة إثنين ولا أكثر، و أنا وفاتنتي نرغب في ذلك أيضاً، وموعدنا هنا - على هذه الكراسي - قبل بوابة الخروج؟
* قالت عالية: دعنا نسير معاً في هذا البد ثم نضيع.
وضع ((حامد)) يده في يد ((فاتن)، وانطلق بها يقول ضاحكاً:
ـ لدينا كلام أجمل سنقوله هناك فوق ذلك البساط الأخضر بعيداً عن ((حشريتكما)).
قالت عالية وهي تضع كفها في كف علاء: خذني إلى ذلك البائع أريد ((آيسكريم)).
هذه الأنثى الغجرية لا بد أنها أمنا ((حواء)) الأصل التي هبطت إلى الأرض، وجعلت هذا الرجل الحالم يلتهم التفاحة حتى بدرها!
تبدو ((عاية)) بجانبه وكأنها تبعد عنه، وتختفي في تضاعيف الزمان، وتحلق فوق الحدود، وتخترق المسافات!
ـ همس لها وهو يطوح بيدها ويده / المتشابكتان: ((الي آخذ عقلك))؟!
قالت:/ الحرية / صدقني مدن الحرية مجتمعات الحرية نضج الحرية رجل الحرية، قافلة - يا صديقي - مترابطة، لو انفصلت أحلاماً صارت قديمة وتعتادك دائماً؟!
* قالت: بل هي الحقائق ولا بد أن تصبح ((الحرية)) بأبعادها وعرباتها: حقيقة.
ـ قال: أحد الفلاسفة شدّنِي يوماً بعبارة جميلة جداً، قال فيها: ((مشكلتنا أننا نجد دائماً أن الحقيقة أكثر رمزية من الرمز الذي نريد أن نجعله حقيقة بينما الواقعية التي نريدها في إطار الحرية، هي واقع أصغر فالحقيقة أكثر خيالية من الخيال))!
* قالت: كلام فلاسفة، وإن كان جميلاً وأكثر عناية بالرمز لكنني - بجد يا علاء - أتوق إلى مساحة الحرية الناضجة في أرجاء وطننا العربي الكبير في أرجاء بيوتنا العربية، وفي مفاهيم ووعي أسَرِنا / الآباء، والأمهات، والموجِّهين، والمعلمين.
ـ قال علاء ضاحكاً: ألا تعتقدين أنك تتحدثين عن الحقيقة الأكثر رمزية من الرمز في واقعنا العربي أو عن الحقيقة الأكثر خيالية من الخيال، كما قال ذلك الفيلسوف؟!
أعرف - يا صديقتي - أن الحياة قد تتحول إلى ((بطيخة)) في ما نرمز به إليها أحياناً، فنقول: حلوة، أو ((قرعاء))!!
فنحن هنا نرمز حيناً، وإلى الحقيقة الغامضة بالرمز حيناً آخر هل تكون حلوة، أم؟!
تلك هي النسبة، أو الخليط الرفيع في حياتنا، للاحساس بالفرح، أو بالحزن!
* التفتت إلى وجه ((علاء)) وقد انفرجت شفتاها قليلاً، وقالت له: ((قبّللني))!
فاجأه طلبها فاحتضنها وهي تتكيء بجسدها الفارع الميعسب على جذع شجرة، دون أن يجدا بعد القبلة الطويلة أي كلام مناسب!
غمرت هي كفَّه - هذه المرة - في كفِّها، وواصلا المشي حتى قالت له:
ـ أردت أن تُقبَّلني قبل أن تفقد شفتاك ذلك الكلام الحلو فنحن معاً نعتقد: أن تناول الناس لحياتهم في إطار مجتمعاتهم، وعاداتهم القديمة وتقاليدهم هو ذلك التناول الذي تحكمه الرمزية في الحقيقة، وبحلم الحرية فالناس - بسبب افتقادهم للحرية - يتصرَّفون بالرمز، وإن كان فعلهم مباحاً مباشراً أو صدامياً!
* * *
* شعر بيد رقيقة تلامس كتفه وكأنه أفاق، وأشرع جفنيه ليجد المضيفة - غير الحسناء - تقف وتناوله فنجان القهوة، وهي تهمس كأنها تقول:
ـ ((القهوة تفوِّق اقتربنا من أجواء جدة))!
* سبحان الله لماذا تدنى اختيار المضيفات المليحات في طائراتنا؟!
إبتسم لنفسه وقد أيقظته هذه المضيفة من حلم جميل، وانتزعته من تفاصيل شريط ملون بالبسمات لذكرى اليوم الكامل داخل غابة باريس!
في الحب ليست هناك فرصة للاستراحة، ولا للراحة، ولا لاستعادة الأنفاس اللاهثة!
كأنه يلهث في عودته من التذكُّّر هو يعالج في رأسه قناعة تقول:
ـ لكي ترى الناس في مناخ الحرية، لا بد أن تعرف حقيقتهم، ولا بد أن يعرفوا أعماقك فالمعرفة للنفس الإنسانية التي صارت أكثر تعقيداً اليوم، هي مفتاح التعايش في الحياة!
وراوده سؤال مع خاطرته هذه:
ـ ترى هل ((عالية)) تعاني من ذلك الـ ((أكثر تعقيداً)) في حياتها لذلك أصبحت أشد حساسية، وأحياناً أكثر مغالاة في ((الأنا)) الأنثوية لديها؟!
قذف برأسه على ظهر المقعد ثانية فالهبوط يحتاج إلى حوالي ساعة.
عاد إلى هناك في عمق الغابة وصوت ((عالية)) يقول له:
ـ تعال نركب هذه العبَّارة لتنقلنا إلى الجانب الآخر من الغابة.
واستلقيا على أرض خضراء مبسوطة بالحشائش: ((عالية)) أراحت ظهرها على العشب، وأطلقت يديها من حول رأسها إلى أعلى، ومدًّت ساقيها في اتجاه الريح و((علاء)) إقترب منها، ووسد صدره ذلك العشب، واتكأ على مرفقيه يتأمل سواد عينيها واتساعهما، وأصابع يديه تعبث بشعرها الحالك في ليله.
ـ قالت له مبتسمة: ها إحكي.
* قال: إسألي وأنا أتحول إلى وكالة أنباء.
ـ قالت: حياتك مشوارك همومك.. طموحاتك.
* قال: كتبت لك عنها لكني أنا الذي أحتاج إلى هذه الثقة منك.
ـ قالت: أحكي لك حكاية عن ليلة شعرت فيها أنني: وحيدة وحيدة وحيدة!
(كان الصمت يطبق على المكان الزمان، أنا التي سعيت إلى هذه الرحلة، بل أني خططت لها.
قطعت أسلاك الهاتف. لا لم أقطعه، بل تركته يطلق نداءاته المتكررة، ولم أرد!
تآمرنا - وحدتي وأنا - على إتباع خطة محكمة للاختلاء بنفسينا.
آه، كم أصبح ذلك العالم - الخارجي - مُتْعباً.
كم أصبحت ثرثرة الناس مُرْهقة.
تُرى، مَنْ منا الذي تغيَّر وأصبح ثقيلاً لا يطاق يا علاء؟!
كنت أسأل نفسي في تلك الليلة: لماذا أجلس إلى الناس فيصيبني ((البُكم)) ولا أعود أنطق، ويتحوّل الكلام إلى حجر عثرة في حلقي؟!
لماذا أسمعهم يتحدّثون فتلفح وجهي ريح خماسينية، ولا أعود أدري أين أهرب برأسي قبل أن يطمسه غبار الريح الساخنة؟!
في ذلك الصباح الذي سبق تلك الليلة: اشتريت ثوباً جديداً لن ألبسه!!
قلت ليلتها: لمن أرتديه، وأين؟!
هنا يفتقر الناس لكوز ماء لتغتسل من الرطوبة والأتربة.
هنا يختلط عرق الناس بجوعهم، بعريهم، بتوترهم الجنسي، ويعلو صراخهم من وطأة الكبت والزحام والضجيج وقلة الحيلة!
كل يوم كنت أقود سيارتي المكيفة الهواء، وأقفل زجاجها في وجه الصور المتحركة لمظاهر انتهاك حقوق الإنسان أنا أيضاً لم أنجُ من جرائمهم، حولوني إلى عاجزة!
عند مفترق طريق، انعطفت سيارة ((مساجين)) تعترضني، توقفت مجبرة كانت السيارة كالتابوت المغلق، نافذتها الوحيدة عبارة عن طاقة صغيرة مدججة بقضبان حديد، وقد تدلّى منها كف ليد صبي صغير.
ذبحني المشهد!
ترددت أصداء صوتي ترد على كف الصبي الذي تدلّى في استسلام عاجز: ((لقد ذبحتني))!
بعد مسافة من الطريق، نزلت أجرُّ خطى مترنحة، دخلت إلى مكتب خاص لإنهاء بعض الأعمال، كانت الموظفة - التي أعرفها جيداً - تستمع إلى شريط كاسيت نزل حديثاً إلى الأسواق استقبلتني بإبتسامة في ركن منها استخفاف، وفي الركن الآخر سخرية، وهي تقول: ((هل استمعت إلى أحدث شريط))؟!
ثم استدارات لترده إلى بدايته، وانبعثت الأصوات... ما هذا؟؟ لا أفهم!! حقيقة، عجزت أذنيّ عن الفهم!
ما هذه الأصوات؟؟؟
وردت الموظفة على ((وجومي)) بسلسلة من الضحكات الهستيرية، وأخيراً إلتقطت أنفاسها وهي تقول بسخرية مُرة:
ـ إنه أصدق نفسي!! شريط كاسيت يعلن عنه التلفزيون، وتغطي صوره أكبر الصحف اليومية، يُغني: هاوهاو!! نعم، نباح كلب على أنغام موسيقى صاخبة راقصة مثيرة!!
علَّقت الموظفة - على ((الذهول)) الذي رسم علاماته فوق خطوط وجهي: سيبيع مليون نسخة!
قالتها وكأنها تغيظني، أو كأنها تُعاير عالم المثقفين الذي أنتمي إليه، كأنها تريد أن تقنعني: أن ((هاوْهاو الكلب)) يبيع مليون نسخة، بينما أي كتاب لا تتجاوز مبيعات عصارة روحه وفكره العشرة آلاف نسخة؟!
علق موظف آخر بقوله: سأرسل للصحف إقتراحاً بأن يجعلوه نشيدنا القومي!!!
في تلك الليلة - وكل ليلة - أوصدت بابي في وجه شاشة التلفاز، قطعت تيار الكهرباء عن المذياع، تحسست عناوين الصحف من بعيد، حتى لا تنفجر منها شظية فتفقأ عيني!
وحدها - وحدتي - صارت تمنحني سكينة النفس والسلام).
* قال لها علاء: ياه- تعرفي، هذه ((قصة قصيرة)) متكاملة البناء، لماذا لا تكتبينها؟!
ـ قالت: إنها وقائع حقيقية لتفاصيل ما عاشته امرأة عربية ليوم واحد.
هكذا - يا صديقي - أمضي الزمن العسير مع ((الليلة)) / الكل ليلة أروِّضها، وتروِّضني، حتى صرنا أصدقاء نشترك في نفس الهوايات: القراءة، الكتابة، سماع الموسيقى، و قلة الكلام!!
قبل أن أنام، صعدت إلى حجرة نومي، أخرجت ثوبي الجديد من الدولاب، تأملته بعدم اكتراث، لا أحتاجه ومع ذلك اشتريته، كنت كطفل يصالح غضب نفسه بشراء ((مصاصة))!
إرتديت الثوب الجديد، جلست أنا - ووحدتي - نحدق في المرآة، سمعتها تهمس لصورتي: جميل يناسبك تماماً.
إرتمست على شفتيّ إبتسامة شاحبة، ما زلت أهرب من مرارة الواقع إلى اللعب بالألوان المبهجة.
ثم - كطفل متعب - رفضت أن أخلعه، ودخلت بثوبي إلى السرير لأنام!
كان اليوم الذي سبق تلك الليلة / وكل ليلة..، يوماً ثقيلاً بلا دفء سماع صوتك الذي كان يأتيني من جِدَّتك إلى قاهرتي مساء كأنه نجمة توصوص في سماء غطتها الغيوم!
تلك الليلة: كنت ممدودة الساقين على أريكة وثيرة في حجرة مكتبي، وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكنت - أنا - مستغرقة في قراءة (شيء) قديم.
* * *
* تسللت كف ((علاء)) إلى وجه ((عالية)) مسح بها ذلك الوجه الذي كان الحزن يغمره، وتخللت أصابعه شعرها الأسود المنتشر تحت رأسها فوق العشب ولفهما صمت طويل، أفاقا منه على صوتيّ ((حامد وفاتن)) يصرخان:
ـ الله، الله نحن نفتش عن قيس وليلى، وهما مسترخيان على العشب يا الله، لقد انتهى وقت الحب، انهضا فالليل يكاد يحل، ولنعد إلى الفندق!
ـ 6 ـ
* ((أعلنت المضيفة وصول الرحلة إلى مطار جدة))، وطلبت اعتدال ظهور المقاعد، وربط الأحزمة.
أفاق ((علاء)) من أحلام اليقظة من أصداء شريط الذكرى لليوم الكامل في غابة باريس.
الدنيا من حوله الآن: لا تجيء، ولا تذهب، لا تقف، لا تجلس يصرخه الجواب:
لغة في قاموس الحيرة.
تلك اللحظة للفراق بينه وبين ((عالية)) كان الموت يُفاضله، ما بين رحيلها عنه، وبقاؤها، مندلعة في أوردته، متدفقة مع الدم وما بين ((السر)) يداجيه، والتعب الآن يفيض من الأعماق: ظنوناً، وجنونا كي يقتله!
هبط إلى صالة الجوازات - كالآلة - وقف في الطابور، مدّ يده بجوازه، واستعاده بعد ختمه، إتجه إلى ((سير)) الحقائب، وقف مندمساً في زحمة الناس حتى لاحت له حقيبته إلتقطها وأخذها مع نفسه إلى موظف الجمارك، فتح الحقيبة ويده على صدره خوفاً من أن يُصِّرُّ ويبعثر ملابسه سِرَّه في داخل صدره لا يحتمل المزيد من البعثرة، حبذا لو صادره له مأمور الجمارك ليريحه.
دفع عربة الحقيبة إلى خارج صالة المطار الداخلية.
وما زالت في تلافيف رأسه، وبين ضلوعه حزمة من الألف سؤال، ومن تلك الإجابة التي لا تنطق!
ها هو يشعر الآن أنه: حتى الموت لم يقدر أن يمشي بدون ((عالية))!
موته: حيت تحوّل عصفور الحب في صدره إلى ((بوم)) أن يفقد ((عالية))!
صدّق هذه الحبيبة آلاف المرات من آلاف الكلمات التي كتبتها له، وهو يُصِدْقها الحب!
يريد أن ينجو الآن من هذا السيل المتدفق من قلبه، ومن ذاكرته ومن كل الأصداء!
* * *
* تلقفه الليل المختلط برطوبة ((جدة)) ليرميه: وحيداً، مختنقاً باللحظة اليتيمة التي يهبُّ من جراحاته فيها: خوفه على حلمه، وأمانيه البريئة هو هذا العاشق الذي سقط داخل قلبه، وتحوَّل قلبه إلى بئر مهجورة.
خطر بباله في لحظة الرطوبة هذه، بيت شعر يحفظه:
-((ما زلت أحيا كل ما عشناه يوماً
رغم أن العمر: أيام قصار))!!
تلك أصداء تبقَّت من حوار في صمته الغارق في زفرات حزن تصاعدت من صدره كأنها: رائحة ((شباط)) قلبه!
تناثرت نظرات ضياعه من حدقيته، كأنها خطوات الغربة التي لازمت عمره.
يرى خفقات قلبه وقد تحوّلت إلى: ذرّات تراب تتطاير، وقطع حجارة تتدحرج، وأعاصير نفس تهبّ.
لقد ركض إلى ((عالية)) بكل صدقه، واندفاع عشقه لها ولم يكن الهدف يومها أن يصل إلى: ((لؤلؤة في أبعد بحار)) لم يكن - أيضاً - يتطلع إلى الصعود نحو: ((نجمة أبعد من الخيال)) لكنه كان يبحث عندها عن أمان النفس من شرورر تعصف كالكراهية، وكالضَّيم!
كاد يود أن يمشي معها ما تبقَّى من العمر بلا توقف!
أن يتطلعا معاً إلى البشر بعيون مُعْشِبة، في مواجهة عيونهم المُعْشِية وببصيرة تبحث للناس فيهم عن: الوضوح، وصدق الفعل، وودّ الشعور!
ياه - ((مُنىً إن تكن، تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا))!
حقاً.. تذكّر هذا البيت من الشعر الذي كان يُردُّده دائماً على مسامعه: شيخه / معلمه وطافت ابتسامة غير مستقرة على شفتيه، وهمس:
ـ نعم لقد كانت ((عالية)) / أحسن المُنى وكان الحلم معها وعنها: مُنىً.
هذه الأحسن المنى العالية كتبت له قبل ((المواجهة)) تقول:
(سألتك في خطابي الأخير: ما الذي تنوي أن تفعله بي بالضبط؟!
هل تنوي أن تتشكل لتصير ((سائلاً)) من الإبداع والحب والفهم، ليسهل دخولك من سن الإبرة إلى وريدي، فتصبح بذلك: المسافر في دمي دمي.. دمي؟!
لو كنت ربطت حقائبك، وحملت رحالك، وعقدت العزم على هذا السفر، أريدك أن تسأل نفسك صادقاً - قبل أن تتشكَّل سائلاً شفافاً وتغوص في الوريد - هل تقدر على عناء هذا السفر؟!
أنا لا أشكك في قدراتك، فقط ((أنبهك)) إلى أن السفر في أنهار دمي قد يكون لا شطآن له، وقد تصبح السباحة مستحيلة في بعض أجزاء منه، والدوامات المتفرقة قد تدوِّخك أما منطقة إندفاع الشلال فتطلب منك مهارة خاصة حتى لا تغرق تحت تأثير قوة إندفاعه.
إسمح لي مرة أخرى أن أنبهك، فهذه فرصتك الأخيرة كي تختار قبل أن تراني، قبل أن أراك، قبل أن تحدثني، قبل أن أسمعك، قبل أن تحتوي كفي الرقيق في حنان يدك، قبل أن أفتح عليك نيران نظراتي وأفكاري وإلهام مشاعري وعفرتة طفولتي.
أنبهك - هذا التنبيه الأخير - في هذا الخطاب الأخير قبل اللقاء المرتقب، لأني من فرط غلاوتك، ومن عظمة قيمتك عندي، أخاف عليك حتى من نفسي!!
* هل سبق لك أن رأيت امرأة في لحظة سعادتها الخاصة؟!
ـ لو قُدَّر لك أن ترى ذلك - لا أبالغ والله - ستجد نفسك وقد صرت ذلك الملك المتوّج، والصبي المدلل، والطفل الذي يطير بأرجوحته إلى أعلى الفضاء ليستحم في نور أبهى نجمة.
ستجد نفسك وقد صرت ذلك ((الغجري)) الذي يطوف البلاد، يرقص ((صدقه))، ويغني ((وحيه)) وإلهامه.
أنا الليلة أشعر بسعادة غامرة تمنيتك أن تكون هنا، معي، إلى جواري لنسعد معاً، لنقتنص من أنياب الزمان هذه اللحظات النادرة.
ترى... كم يكون رصيد الإنسان من السعادة - لو حسبها - عند نهاية حياته؟!
قدر الإنسان العربي ألا تتجاوز سعادته العشرة بالمائة!
أنا أجاهد مخلصة، أحاول، أصرّ، أحارب، أصارع، أتحدّى، أضرِب، أصطدم، أقع، أقف، أُضحِّي، أدفع الثمن من دمي كي أرتفع برصيدي في بنك السعادة إلى: الواحد وخمسين بالمائة!
هل رأيت المعاناة؟!
ولكني على إصراري على نيل السعادة، لي ولك. (قول يا رب!).
* اليوم، الأربعاء، إستمعت - أربع مرات - إلى صوتك. (يا بختي)!
وصلتني رسالتك - رقم سبعة - وأنا أسبح في أغوار بحار صوتك. (إيه ده!!).
عُدتَ تطلبني لتطمئن بنفسك على حالة ((قلبي)) الصحية.
بعد قراءتي للرسالة: ((إستغثت بك أن تسرع في إرسال أقرب سيارة إسعاف)).
ها أنذا أغفر للزمان جحوده وقسوته.
كنت أظن - حتى أيام قليلة مضت - أني لن أعود للضحك أو الابتسام قط!
أؤمن أن الزمان رحيم رغم كل شيء. ((أنا مؤمنة ومتفائلة بطبعي. هل تصدق؟ صدفة غريبة! أنا وانت من برج واحد))!
ها هو الزمان يسعى إليّ لمصالحتي وإسترضائي، بأن بعثك قبساً من نور العقل والإحساس لتضيء سمائي - في هذا التوقيت على وجه الخصوص - وها هو يرد الحاقدين ويعيديهم كالفئران إلى جحورهم وها أنا أعيش الغد المرتقب الموعود بلقائك منذ اليوم وها هي إبتسامتي تسكن وجهي، تضيء مشواري إليك، بألف ومائة قنديل.
صباح الخميس: إنتظرت صوتك كالمعتاد (تصوّر أصبح لنا عادة مشتركة - مبروك) جاءني في موعده (مِرْسي)!!
أصبحت أشعر بتوازن ((خاص)) بعد سماع صوتك وقراءة خطاباتك (خايفة منك!).
لا يزال عندي الكثير لأقوله لك لا يزال عندي: الكثير، الكثير، لأعلق به على خطابيك الأخيرين!!
* * *
* علاء / يا عزيز، يا غالي: ((بذمتك دي وِحْشة))!!
((كل ده زعل، غضب، خناق لأني ناديتك: يا عزيز، يا غالي))؟!
والله لم أقلها لعزيز غيرك ((يا طمّاع))!
لو تأملت العبارة جيداً لما استهنت بها، وما كتبت لي في غمار غضبك الطفولي قائلاً: ((عليّ أن لا أخطو حدود: العزيز الغالي))!
في رأيي أنها عبارة لها معنى أعمق وأشمل من ((حبيبي)) التي استُهلكت إلى حد الابتذال!
((العزيز الغالي))، أنظر - علاء - تأمل العبارة والمعنى جيداً ألا ترى معي أنه مفعم بالحنان، والصداقة، والود، والثقة والألفة الخاصة المخصصة ((لنفس)) واحدة خاصة ومميزة؟!
علاء: أول مرة أكتشف أني أحب اسم ((علاء)) أول مرة ألاحظ أن به هذا القدْر من الفروسية أناديك / علاء، فأرى فارساً يمتطي جواده العربي يركض في رمال صحرائه الشاسعة باحثاً عن حبيبة!!
* * *
* سقطت أوراق الرسالة من بين أصابع علاء، وتعلقت نظراته بسقف الغرفة، يحاول مداراة دمعة ساخنة حتى لا تسقط على الورق فتمحي بعض الكلمات التي بادرت ((عالية)) إلى محوها في رحلة المواجهة!
كل هذه الصفات والمشاعر: فاضت بها نفس ((عالية))، وانتشت بها روحها عن ((علاء)) من خلال رسائله إليها، وملاحقاته الهاتفية لها.
ألم تكن ((عالية)) صادقة في كل هذه ((الحميمية)) التي كتبت بها رسائلها إليه؟!
بل كانت في قمة صدقها، ووهج فرحها بإطلالة ((فارس)) - كما وصفته - على حياتها.
فما الذي بدّلها إذن؟!
هل كانت: ساعة الخلاف التي خاصمها فيها، وهم عائدون بالقطار من ((دوفيل))؟!
أو هناك أسباب أعمق قفلت عليها صدرها، وأخلدت للصمت؟!
يرفع أوراق رسالتها ويواصل القراءة / الأصداء:
* (أحب شجاعتك، وضوحك، تحديدك، إقتحامك، إعلامك، تصريحاتك لما إكتشفته في نفسك من مشاعر صادقة نحوي).
صرختك المدوية زلزلت أعمدة جدران معبدي وأنت تهتف بي: أحبك! وكأنك مُصِرٌ على إفاقتي من ذهولي على أثر سرعة تدفق تيار الشعور الذي هطل ((سيلاً)) مفاجئاً على تشققات أرضنا العطشى.
كان ((بحرك)) حكيماً متفهماً عندما همس لك في تلك الليلة المقمرة، واصفاً لك حال حبيبتك بالإضطراب، والدهشة.
نعم - علاء - أنا مضطربة ومندهشة، والغريب أن الحالة في تزايد مستمر مع كل ورقة تسقط من ((نتيجة)) أيام شهر ((سبعة))، فيلوح موعدنا المرتقب من حلم ضبابي له لون البنفسج ورائحة الورد، إلى حركة وخفقة مميزة وأربعة عيون يلمع مغنطيسها في ظلام الليل الحالك!!
ومع ذلك، دعني أصارحك، دعني أسلك مسلكك - الذي هو مسلكي أيضاً - في الوضوح والمباشرة!
أنت - مهما ادّعيت معرفتي - لا تعرفني بعد لن يستطيع خيالك مهما صوّر لك أن يصل بك إلى أعتاب جنوني!!
تصوّر لو فتحت عليك باباً واحداً من سد مأرب ما أنت فاعل في مواجهة هذا السيل الغزير المرعب؟!!
ثم تقول عني: ((أليطة وبايخة))!
طيب، والله لأفتح عليك ثلاثة أبواب، وليس باباً واحداً، ((لما تشوف مين حيعوم، ومين حيغرق))!
تعالى الآن، هات رأسك المتعب، إسترح على ساقيّ، إغمض عينيك واسترخي الآن سأمشط لك تعبك بأسنان أظافري، الآن ستنام في وداعة طفل يرى الفجر لآول مرة.
تصبح على خير يا حبة عيني.
((هذه قبلة على عينك دي، وكمان واحدة على العين الثانية)) حتى تأتيك ((حبيبة)) فتراقصها على سحابة أحلامك الوردية.
(تصبح على خير، على).
* وجد رسالة ملحقة بهذه، قد وحّدهما في زمن وصولهما وكانت الرسالة التي سبقت موعد سفر ((عالية)) إلى باريس وقد وصفت فيها إضطرابها وخوفها من اللقاء!
الآن مئات الأسئلة تُفتح أمامه كأنها قاذفات لهب:
ـ لماذا كانت متوجّسة خائفة من اللقاء؟!!
هل كان خوفها من ((علاء)): أن تكون شخصيته غير أسلوبه في الكتابة غير هذا المضمون الرائع الدافئ في رسائله؟!
أم أن خوفها ينبع من داخل نفسها خوف التقلُّب النفسي، أو الملل السريع؟!
أم أنه خارج حدود الخوف... مجرد لهفة اكتشاف، ولم تكن لهفة حب؟
* (ها هي حقيبة السفر فاتحة صدرها أمامي لأصُف داخل أحضانها فرحي وحلمي ولهفة أشواقي.
معقولة... صحيح آن الآوان... هل سمح الزمان - بعد أن سامح - أن تقترب غيمتي المشبعة بالعطاء من هواء عطاء روحك ووجدانك المندفع حرارة وشوقاً؟!
أتوقع - لحظة حدوث لقائنا الأول - أن الطبيعة ستشاركنا فرحنا بأن تمطر السماء فجأة فوق أراضي جرداء لم تردها بمائها أبداً، وأن تشرق الشمس - على غير توقع - فوق صحراء سيبيريا فتذيب بعضاً من جليدها المتحجر... وربما، أيضاً أطلقت السماء ((زغاريد)) فرحها من حنجرة رعْدها، أما شموع ((الزفاف)) فستكون هدية البرق لليالينا المقبلة.
((علاء)) ما زلت أخفي لك في أعماق جعبتي السحرية الكثير... الكثير... وإذا كنت لم أزل متمسكة ((بحذري)) - كما تقول - فلأني أعرف ما يخبئه لك ((جِراب الحاوي)) في سريرته من مفاجآت، فقط لي موعدي الخاص!
((أصبر شوية يا أخي... ابقى أنا أليطة وبايخة؟!
طيب إستلقّي وعدك وخد عندك))؟!
* علاء / أيها الـ.... في شراييني: أنا لم أعد قادرة على تجميع أفكاري... نسيت كل شيء... نسيت الناس... لم أعد أرى، ولا أسمع، ولا أتذكّر: غير أن طائرتي موعدها في الغد... وأن موعدي معك في الغد أيضاً... وأن صوتك سيعانق صوتي، ونحن هناك - معاً - في بلاد النور، والحب، والفن، والحرية... وأني بكل خفقي ونبضي: أنتظر... أنتظر... أنتظر!!
 
طباعة

تعليق

 القراءات :3447  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 166 من 545
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الغربال، قراءة في حياة وآثار الأديب السعودي الراحل محمد سعيد عبد المقصود خوجه

[قراءة في حياة وآثار الأديب السعودي الراحل محمد سعيد عبد المقصود خوجه: 1999]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج