شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
الفصل الثالث
ـ 1 ـ
هل أبدأ حكايتي من بوابة بيتنا الكبير، عندما كنت طفلة.. أم أبدأها من بوابة جناحي المحدود في بيت أهل زوجي، عندما كنت في ثمالة طفولتي؟!
كلتا البوابتين.. كانت ذات تأثير في حياتي، ربما حتى الآن.
لكن بوابة بيتنا الكبير.. كانت تعني ((جدي)) يرحمه الله.
جدي.. كان اسمه ((الحاج عبد الغفار الحامد)).. طويل، عريض مهاب.. شيخ وقور يحفظ القرآن الكريم، ويلجأ إليه الكثير لحل مشاكلهم والتوفيق بين المتخاصمين، ولديه متجر كبير.. قبل أن يعرف الناس اسم ((البقالة))، وفي صندوقه الخشبي دفتر صغير يضم أسماء العديد من أهل الحارة الذين يشترون منه السكر والشاي والأرز بالدين، والتسديد المريح، ويقرض من يحتاج إلى فلوس.. يفك بها عوزته.
جدي.. لم يتزوج إلا بامرأة واحدة، والكثير من أصدقائه وأقرانه تزوجوا عدة مرات وكانت جدتي تحترمه، وتهابه. وأنجب منها أبي- ابنه البكر- وولدين آخرين، وبنتاً واحدة، وكلهم كانوا يعرفون موعد عودته إلى البيت من طريقة مشيته، وخبطة عصاه.. فيتخذ كل واحد منهم مكانه!
وعندما شب ((أبي)) عن الطوق، ودرج إلى مراحل الشباب.. لم يطق أن يبقى مع أبي في دكانه الذي اتسع كثيراً. كان عمي الذي يلي أبي في السن هو ساعد جدي في الدكان، والبيع والشراء.. بينما ((أبي)) كان مكبًّا على الدراسة والتحصيل بتفوق. كان أساتذته يسمونه: ((الذكي)).. ولا يخالجه الاستحياء من هذه الصفة، بل كان يفخر بها ويشمخ.. وجدي يحذره بين وقت وآخر قائلاً: ((أخاف عليك من الغرور.. ابتعد عن الغرور، وتشبث بالثقة)).
لم أكن أعرف ((جدي)).. وفي ذلك العهد لم تكن هناك استديوهات للتصوير، حتى ملامحه لا أعرفها وإنما أتخيلها من وصف أبي، وعمتي لأبيهما، ولكني كنت أشعر بالاعتزاز بجدي.. أحببت شخصيته، ومهابته، وحب الناس له.
كانت عمتي تقول لي:
ـ إذا أردت أن تعرفي صفات جدك، فعليك أن تتأملي والدك.. إنه صورة طبق الأصل من أبيه.. حتى في محبته للناس.. لكن أباك زاد على جدك، بأنه ينزع دائماً إلى تجميع الناس حوله.. كان يحب أن يكون له أصدقاء كثر. ويعرف أن له أعداء.. خصوصاً بعد أن كوَّن ثروة طائلة، وتقلد مراكز كبيرة مرموقة.. فكانت براعته تتمثل في قدرته أن يستميل إليه حتى أعداءه، ويجعلهم يتحلقون حوله.. فلا تدري في هذا الجمع من بطانته من هو صديقه، ومن هو مناوئه الذي يجامله؟!
ألم يقولوا: إن المال يورث العداوة؟!
والجاه والمناصب أيضاً تورثان الحسد والغيرة.. ولهذه الأسباب، كان لا بد أن يكون لأبي أعداء.
وعندما مات جدي.. كان أبي في بداية تدرجه في الأعمال الحكومية، بينما عمي يعمل على توسعة التجارة، وعمي الآخر منشغل بالحياة.
وماتت جدتي إثر زوجها بشهور.. كانت تحبه كثيراً، حتى لتخال أنهما شخص واحد.. انشطر إلى نصفين.. واستقل ((أبي)) بزعامة العائلة بعد جدي.. كان هو الأكبر، والمهيمن.. صاحب الشخصية الطاغية على إخوته. واختفى صوت عصا جدي.. ولكن ((أمي))، تقول لنا:
ـ أبوكم.. حل مكان والده. كان أنيقاً ، ومهاباً، ويلبس حذاء له صوت، يسمونه ((الزقزق)).. فكنا نعرف أنه عاد إلى البيت، منذ أن يضع خطوته الأولى ويجتاز بوابة البيت الكبير.
كان ((أبي)) يشبه جدي: طويلاً، ونحيلاً، وجاد القسمات، ونافذ النظرة، ولكنه لم يكن مخيفاً.. فالجميع في البيت يحبه، ويقلق لو تأخر عن موعد أوبته دقيقة واحدة.. فقد كان أيضاً دقيقاً في وقته ومواعيده.
ولكنه لم يكن مثل جدي في حياته الخاصة.. وأول اختلاف عن أبيه: أنه كان مولعاً بالثروة وبالجاه، و((بالعزوة)) من حوله. وجدي كان يكتفي بمعنى الصداقة فقط.
وقد تزوج ((أبي)) بأمي قبل أن يتوفى جدي بعام واحد فقط.. ضغط عليه ((جدي)) وألح، حتى حاصره.. وأصر أبي أن يختار زوجته من بلد عربي آخر، لأنه يريد زوجة شقراء يتلاءم لون بشرتها مع سمرة بشرته!!
وأنجب من ((أمي)) أخي الأكبر ((عبد الرؤوف)).. ثم جئت الثانية بعد ميلاد أخي بعشر سنوات، وجئت بيضاء بلون أمي، وبعد عامين جاءت لنا أخت، هي الثالثة.
انشغل ((أبي)) بمستقبله، و بطموحاته، و بهوايته للمال والجاه والثروة.. فكان يتدرج في المناصب، ويتلألأ في هالة الذيوع والشهرة.. ساعدته على ذلك شخصيته القوية، وقراءاته المتواصلة، فقد كان عاشقاً للثقافة، وللكتاب.
مرة سألت ((أمي)) بعد وفاة أبي بسنوات طويلة:
ـ هل كنت تحبينه.. هل كان يحبك؟!
ـ قالت أمي: الحب في زماننا كان هو احترام الرجل الذي تتزوجه المرأة، واستمرار الحياة معه للأبد. وكان الخيط الرفيع الذي يؤكد الحب أو ينفيه هو في محافظة المرأة على بيتها، فإن لم تستطع ووقع الطلاق.. ثبت حينئذٍ أن الحب مفقود!
ـ قلت لها: هل كانت هذه هي قاعدة الحب في عصركم؟!
ـ قالت أمي: نعم.. فالحب هو العقل.
ـ قلت لها: حتى لو كان الزوج قاسياً، ومتسلطاً.. يهضم حقوق زوجته؟!
ـ قالت أمي: حقوق الزوجة.. كانت تتمثل في بيتها المفتوح، وتوفير ما تحتاجه، وقدرتها على أن تبقى علاقتها بزوجها سرية بينها وبينه، فالرجل يا ابنتي يحترم المرأة التي تفتح بيته، وتصون شرفه، وتربي أولاده تربية سليمة.
ـ قلت لها: والمرأة.. وما تريده من الرجل؟!
ـ قالت: يوه.. إنتو جيل تاني.. تعليم وفلسفة وكماليات، وملل.. أنا كنت ما أفتح الشباك بالشهر، ما كنت فاضية. شغل البيت كثير، وما عندي هذا الدلع اللي جاء مع الوسائل الجديدة.. كان كل شغلنا بأيدينا.. ومع ذلك.. كنا نلبس ونتنظف ونسرح شعرنا، ونجلس ننتظر سيد البيت حتى يعود.
ـ قلت لها: وعندما يعود.. قد لا يلتفت لزينتك؟!
ـ قالت: المهم إنه طيب وسالم، ويحب بيته!
ـ قلت لها ضاحكة: أنتم من أهل الجنة؟!
ـ قالت: بل حياتنا الماضية كانت هي الجنة.. الآن جهنم.. وجنون وجري و.. ربنا يستر! الله يعينكم يا بنتي على وقتكم!
ولكن... هل كان أبي مثل جدي في حياته الخاصة.. وكيف كانت حياته بعد ذلك؟!
* * *
ـ 2 ـ
لم يكن أبي مثل ((جدي)) في حياته الخاصة، ولا حتى في حياته العامة.. ولكن الصفات التي تجمعهما كانت أيضاً متوافرة، بالإضافة إلى الشكل والطول والقسمات.
لقد ورث أبي عن ((جدي)) قوة الشخصية، والمهابة له. وورث عنه أيضاً: قدرته على سيادة رأيه عندما يسأل في حل مشكلة، أو يطلب منه التدخل للتوفيق بين شخصين مختلفين، وكان رأيه الذي يقوله أخاذاً.. كأنه يسحر المصغين إليه ببراعة منطقه وحجته، وورث عنه: تصميمه على تنفيذ ما يريد.. لا يمكن أن يتنازل بسهولة عن حقه، ومن الصعب أن يفرض عليه رأي أو تصرف لا يتفق مع ما يريده.
وعندما استرجع وصف أمي لرب الأسرة الكبير ((جدي))، وقد كان هو بوابة بيتنا الكبير.. ووصفها لطباع وتصرفات وشريط حياة أبي، فلا بد أن أتوقف عند فوارق عديدة بين الأب والابن.
وعندما أفكر في تلك الفوارق.. فإنني أربطها أحياناً بضرورة الفوارق بين الأجيال، وطموحات كل جيل، وحظ ((جدي)) من العلم والمعرفة، ودأب أبي على التعليم وتثقيف نفسه، ومطالب كل جيل في اهتماماته المادية.. فقد كان جدي ((الحاج الحامد الكبير)) قانعاً وسعيداً بتلك ((البقالة)) التي كانت تعتبر من الدكاكين الكبيرة، ولكني من خلال ما سمعته عنه.. أعتقد أن قناعته الأكثر كانت باستقرار أسرته، و((بالستر)) في الرزق، وبالتوفيق الذي منحه الله لجدي، واستطاع به أن ينشئ أولاده بسيرة حسنة، وأن يربي ابنته ويزوجها و((يسترها)).
وتلك هي ملامح الرضا التي كانت تأتي تعريفاً لمفهوم السعادة عند ذلك الجيل الذي عاشه ((جدي)) ولحق ((أبي)) بجزء منه.. وهو الجزء الذي اصطبغ به جانب من سلوك وتربية ونفسية أبي.. لذلك، فإن ((أمي)) ما تفتأ تردد في خلولها وحكاياتها لنا عن الماضي فتقول:
ـ الله يرحم أيام زمان.. كانت أيام القناعة والستر والمودة والصفاء والطيبة. الله يعينكم على زمانكم!
وينطلق ((أبي)) من هذا القالب الذي ولد فيه وترعرع.. ليدخل إلى جيله أو عصره، وينال من التعليم حسب نظام ذلك العهد ما يبلغ به إلى مستوى السنة الرابعة، ولم تكن هناك مدارس بالمعنى المتكامل، ولا أنظمة للتعليم، ولا جامعات بالطبع.
ولكن ((أبي)) بطموحاته الكثيرة.. استطاع أن يفلت من هذا القمقم!!
لقد كان ((جدي)) يعدّ المرات التي سافر فيها إلى خارج مدينته على أصابع يده الواحدة، رغم أنه تاجر.
ـ تقول لي أمي: لقد جاء بعض أصدقاء ((جدك)) يعرضون عليه أن يسافر معهم إلى الهند لجلب بضاعة جديدة، ولكنه رفض.. كان لا يأمن البحر. وكان أيضاً - كما يقول- لا يطيق أن يبتعد عن زوجته وأولاده مدة طويلة، كان يحب ((العِشرة)) والالتصاق بالمكان الذي نشأ فيه.
لكن ((أبي)) يختلف.. ربما، لأن وسائل السفر في عصره بدأت تتطور، فاستطاع أن يقوم بأول رحلة له إلى ((الشام)) قبل وفاة ((جدي)) ليتزوج، فهو طوال عمره مع أبيه لم يستطع أن يتجرأ ويعلن عن رغبته في السفر.
مرة واحدة حاول فيها أن يقنع والدته- جدتي- لتكلم: ((سيد البيت الكبير)) بأن يوافق على سفره إلى القاهرة ليتعلم في المدارس المتطورة، ولم تستطع جدتي أن تعيد كلماتها على ((جدي)) بمجرد أن ارتفع صوته الأجش وهو يرد عليها قائلاً:
ـ بتقولي إيه.. أنت مجنونة؟!
ـ ولم تسمح ((جدتي)) لنفسها أن تجنّ مرة أخرى، ووئدت الأمنية في مهدها!
* * *
كانت المرة الأولى التي تفارق أمي فيها أبي.. بعد وفاة جدي.
ولكنها لم تستطع أن تعترض، أو حتى تطلب إليه أن يصطحبها معه. لقد قال لها. ليلة سفره:
ـ أنا بكره مسافر يا ((زينب)).
ـ مسافر.. رايح للمدينة المنورة؟
ـ لا.. رايح مصر.. عندي شغل هناك.
ـ ليه.. هُوَّ الشغل انتهى في بلدنا؟!
ونظر إليها بعينيه الصارمتين، دون أن يجيب.. واضطربت أمي، فآثرت الصمت والإذعان.. حتى إنها خافت أن تغضبه لو سألته عن مدة غيابه.
ـ قال لها وهو يودعها: تركت لكم المصروف عند أخي ((سعيد)) وهو يتردد عليكم حتى أرجع.
كان عمي ((سعيد)) هو الشقيق الثاني الذي يلي أبي، واتخذ مكان ((جدي)) في الدكان، وطوره وأحاله إلى عدة دكاكين بعد وفاة جدي، الآن.. عنده مجموعة من ال ((سوبرماركت)) في عدة مدن من بلادنا.. نجح كتاجر، ولكنه لم يرزق إلا بولد واحد.. أصبح فيما بعد هو جزءاً من حكايتي.. أو هو بوابة جناحي المحدود في بيت الزوجية المؤقت!
ولم أكن أعرف شيئاً عن هذه الفترة.. ولكن ((أمي)) التي بقيت وفية لذكرى أبي حتى اليوم.. لا تتردد بين وقت وآخر عن سرد جانب من حياة الأسرة الكبيرة في تلك الفترة التي لم أولد فيها بعد.. حتى كأنني أراها أمامي، وأعايشها، وأعرف ملامح أفرادها الأوائل بدقة.. من كثرة ما أصغيت إلى حكايات أمي، وذكرياتها التي ترويها لي بشجن، وربما بدمعة تنفلت رغماً عنها!
* * *
وغاب ((أبي)) عن بيته في تلك الرحلة ما يقارب الشهر.. كانت أمي في أثنائها تحضن أخي ((عبدالرؤوف)) الطفل الصغير، وتكنس البيت- جناحها الخاص بها- وتغسل وتهبط في كل يوم إلى الدور الأرضي.. تنظف ((الديوان)) الذي يستقبل ((أبي)) زواره وضيوفه فيه.. فهي لا تعرف متى يؤوب من رحلته.. لم يقل لها، ولم يكن من حق الزوجة آنذاك أن تسأل في مثل هذه الأمور التي لا ينبغي أن تتدخل فيها، ولكنها تتوقع في كل يوم أن يعود.. يطرق بوابة البيت الكبير. وتسمع وقع خطواته في الردهة الداخلية، وصوت حذائه ((الزقزق)) وتراه بقامته المديدة أمامها.. لتقر عينها وتهدأ، وتطمئن.
عفواً.. لم أصف لك البيت الكبير، وكيف أثر فيه حدث وفاة ((جدي)) فجعله أجنحة وأقساماً.
لقد كان تقسيم البيت الكبير من الداخل فقط.. أما الخارج، والمظهر.. فلم يحدث شيء يغير الصورة التي تعودها الناس وعرفوها عن بيت ((الحاج الحامد)).. ما زال هو البيت الكبير الشاهق بأدواره الستة، وبوابته الضخمة المشرعة، وما زال هناك ((الرأس)) أو الآمر المطاع الذي حل مكان ((جدي)) وهو أبي.. بحكم أنه أكبر الأولاد، وبما فرضه من قوة في شخصيته تضاهي قوة شخصية جدي، ففرض الاحترام له من الجميع.. حتى زوجتي أخويه أصبحتا تقولان له عندما تزوجتا من أخويه: ((سيدي سالم)).. تماماً كما ينادي زوجاهما على أخيهما، وكان أبي أيضاً هو صاحب الرأي الأول والأخير لإدارة هذا البيت الكبير، وحتى التجارة- بعد موت جدي- كان عمي الذي يصغره، لا بد أن يستشيره ويحصل على موافقته، برغم أن ((عمي)) لا يصغر أبي كثيراً، أما عمي الثاني.. فلم يكن يحدث ((أبي)) في شيء.. ولكنه كلما أراد مطلباً، يدفع بأخيه الذي يكبره إلى أبي ليأخذ موافقته.
لم يكن عمي الأصغر ((سفيان)) يكن كرهاً لأبي، فهو شقيقه، ولكنه لا يرتاح إليه كثيراً، يصفه بأنه يتسلط أحياناً ويفرض رأيه مثل ((جدي))، وكان عمي الأوسط ((سعيد)) وعمي الأصغر ((سفيان)) شخصين على قلب واحد.. لهما أسرارهما الموحدة، وتفاهمهما الكامل.. كأنهما معاً الشقيقان وكأن أبي من أم أخرى.. يشعران به متفوقاً عليهما، وأحياناً يفرض سلطانه بالكلمة الجازمة التي لا يقبل فيها النقاش.
وعندما انتقل ((جدي)) إلى مثواه الأخير.. جلس عمي ((سعيد)) وعمي ((سفيان)) مع والدتهما التي لم تحتمل كثيراً ففارقت الحياة.. وجاءا إلى أبي ذات ليلة على استحياء وعمي ((سفيان)) عابس لكنه لا يستطيع أن يرفع الصوت في حضرة أبي، وتكلم عمي ((سعيد)) قائلاً لأبي:
ـ سيدي سالم.
ـ نعم يا سعيد.. خير!.
ـ عفواً.. يعني لو سمحت لنا بكلمتين.. نستشيرك يعني يا سيدي.
ـ تكلّم.. خيراً إن شاء الله.
ـ يعني.. نقصد أنا وأخويا سفيان، أن.. يعني!
ـ عجباً.. أنت مضطرب!
ـ لا يا سيدي.. يعني أقول أنه.. بعد وفاة الوالدة الله يرحمها، و.. البيت أصبح فاضي، عفواً، يعني زوجتك أم ((عبدالرؤوف)) كبر البيت عليها، والحمل صار ثقيلاً.
ـ ما هو فيه خدامين. ولا إيش تقصد؟!
ـ أقصد.. إني بدي أتجوز.
ـ ها.. لكن ((سفيان)) ما زال صغيراً، لم يكمل الدراسة.
ـ وما دخل سفيان بزواجي؟!
ـ يعني، قلت يمكن متفقين كمان على كده.. أصلو اتفاقاتكم واحدة!
ـ لا يا سيدي.. سفيان يكمل الدراسة، وأنا أتجوز علشان استقر، وأهو.. أنا باتعب في الدكان وأحتاج إلى زوجة.
ـ خلاص.. نشوف أختنا ((سعاد)) تبحث لك عن بنت الحلال.
ـ طبعاً.. الزواج، و..
ـ المصاريف قصدك؟.. ولا يهمك، نحن واحد.
ـ أقصد البيت يا سيدي سالم.. لو توافق أنا آخد الدور اللي بعدك و((سفيان)) أخونا يأخذ الدور اللي بعدي. وأنت في الدور الأعلى.
ـ ها.. فهمت. ولكن كيف يعيش ((سفيان)) في الدور اللي بعدك لوحده؟!
ـ لا، ما يسكن.. بس نسميه له، ونحن زي ما احنا عايشين.. ناكل سوا، ونجلس سوا.. النوم بس.. النوم يا سيدي سالم.
ـ هادا الكلام وراه كلام.
ـ أبداً والله يا سيدي سالم.
ـ على أي حال.. أنا ما أسمح أن البيت الكبير هذا يتفكك، أو يتبعثر.. اعملوا مثل ما بدكم، لكن البيت الكبير يبقى أمام الناس واقف.. شامخ، كأنه في عهد ((الحاج الحامد)).. مفهوم؟!
ـ مفهوم يا سيدي سالم.. إنت سيدنا وأخونا الكبير وبركتنا.
ـ بكره على الغداء نفتح موضوع زواجك ((يا سعيد)).. روح لأختنا ((سعاد)) وخليها تجي تتغدى معانا بكره هنا مع زوجها، ونفوضها في الموضوع!
وهكذا.. بدأ الشرخ الأول في بناء البيت الكبير!!
ـ 3 ـ
بدأت أكبر.. عندما بدأ أبي يكبر هو الآخر.
كان الفارق في السن بيني وبين أخي ((عبد الرؤوف)) عشر سنوات.. ولكن الفارق بيني وبينه عند أبي كان مختلفاً أيضاً.
إن أبي يحب البنات، واستمر هذا الحب فيه حتى رحل عنا.
كنت عنده- كما تصفني أمي- ((عين ليلى))، ولا بد أن هذا الوصف يشير إلى أن أجمل العيون هي عين ((ليلى)) أنا- ولا غيري، ولكني سألت أمي مرة عن سبب التسمية، أو المعنى من هذا الوصف، فقالت مبتسمة:
ـ أنا أيش دراني.. سمعت أمي تقول كده، فقلت!
ـ لكن ما سألتيها عن المعنى؟!
ـ أسألها ليه.. لازم معنى حلو!
كانوا طيبين جداً، و بسطاء.. بدون تعقيد، وبدون إلحاح في الأسئلة. ولو أنني كنت أقول لنفسي أحياناً: هذه ليست طيبة.. إنها تبلغ بهم حدود البلاهة.. واعتذر لجذورنا من هذه التهمة الوقحة.. فلعلهم كانوا يبتعدون عن التعقيد.. وكما نرى الآن، كل سؤال ينتصب في أذهاننا يتحول إلى ما يشبه الدوامة التي تتلف العقل وتفسد الروح.
تمنيت في مرات كثيرة لو عشت ذلك العهد ببساطته ونقائه ومودته!
ولكني أعود، و((أتساءل)): هل أخضع لذلك اللون من المعاملة التي كانت تلقاها أمي، أو أية زوجة أخرى من الرجل.. الذي يبدو متسلطاً، وسيداً مطاعاً دون اعتراض؟!
تقول لي أمي عندما استفزها وأصارحها بأفكاري هذه:
ـ برغم اللي بتقوليه، ورفضك أن يكون الرجل هو السيد، وهو كل شيء.. فقد كان الزواج معمِّراً.. المرأة تدخل بيت زوجها، ولا تخرج منه إلا إلى القبر!
ـ أرد عليها: يا ساتر.. إيش التصوير هذا؟!
ـ تبتسم وترد: عاجبك إن البنت ما تجلس مع زوجها إلا بعض الشهور فقط في أيامنا دي.. هادا من ايش، ما هو من ((التطور)) اللي بتقولي عليه؟!
ـ أقول لها: يا ماما.. التطور، أو التعليم ما لهم دخل في المشكلة دي.
ـ تقول ساخرة: أجل.. ايه هيا المشكلة يا حبة عيني؟!
ـ أقول لها: المشكلة في الناس.. في الحياة والماديات اللي طغت!
ـ ترد قائلة: يعني التطور!
وصمتت برهة من الوقت. ورأيت دمعة في عينيها. قلقت عليها، فسألتها:
ـ ما دخل التطور بالدموع الآن؟!
ـ تقول وهي تمسح دمعتها: لو كان أبوك موجود.. كان ما خلاكي كده.. لا إنت مطلقة. ولا إنت متزوجة!
ـ أقول لها: دي مشكلتي.. وأنا أحلها.
ـ بس. هُوَّ دا اللي نستفيده من التطور!
وأخذتني كلمة ((أمي)) القهقرى.. عدت إلى الماضي، عندما كان عمري ستة أعوام فقط!
كان ((أبي)) يدللني كثيراً.. في الأوقات التي تسمح له مشاغله بالجلوس إلينا، أو في الأوقات التي كنت فيها أقتحم عالم أبي، وأفرض نفسي عليه، ولكنه تدليل في حدود!
ـ كان يقول لي: انت جريئة وعنيدة.. تنفذين ما تريدين!
كنت مثله في هذه الصفة، وأيضاً.. مثله في قوة الشخصية، في عشقي للقراءة، وللثقافة، وللموسيقى.
أذكر ماقالته لي أمي عن أول رحلة قام بها أبي إلى مصر، قد عاد بعد السفر الطويل وهو يصطحب معه صندوقاً خشبياً كبيراً مليئاً بالكتب التي اشتراها من مصر. وحاول هناك أن يتعرف على مجموعة أدباء وفنانين، وفرض شخصيته، أعجبنا بنقاشه وحضوره الثقافي.
في كل رحلة يذهب فيها إلى أي مكان.. كان لا بد أن يعود بحصيلة من الكتب. وقد أخذت منه هذه الخصلة الجميلة.. لا بد لي أول ما أهبط إلى السوق في أي بلد أذهب إليه.. أن أدخل المكتبات وأختار الكتب.. والإضافة التي جدّت عندي بعد أبي، أنني أشتري مع الكتب: الأسطوانات وأشرطة الفيديو الآن، وأشرطة الكاسيت لأحدث الأغاني.. حتى لو لم أفهم كلماتها.. الموسيقى تسحرني، تأخذني إلى دنيا ملونة كقوس قزح.. أحلق فيها، وأحلم، وأحيا الحلم في أعماقي!
وأتذكر أمامي عندما كنت في السادسة.. أتقافز في البيت الكبير كما فراشة جذلى.
كل ما أطلبه.. كان أبي يأمر بإحضاره، ورغم شغفه واعتزازه بأخي ((عبدالرؤوف)).. إلا أن ((عين ليلى)) كما تقول أمي، كنت أنا.. أما أخي ((عبدالرؤوف)) فكان يعده كرجل لمواقف الصلابة، وللعلم، وليكون هو الواجهة المشرقة في الجيل القادم لهذا البيت الكبير. وتأتي أختي الصغرى بعد ذلك لتتقافز كفراشة.
عندما كنت في السادسة، كان أخي قد بلغ السادسة عشرة، وهومتفوق في دراسته ومن الأوائل.
وفكر ((أبي)) في شيء تمناه وهو في سن ابنه الآن، ورفض ((جدي)) أن يحققه له.. وفجأة.. فجَّر أبي أمنيته خبراً في البيت.. رقص لها أخي ((عبدالرؤوف)) وبكت أمي أمام المفاجأة، ولكنها لم تكن تستطيع فعل أي شيء!
ـ لقد قال والدي: سأبعث ((عبدالرؤوف)) إلى مصر ليواصل دراسته، ويدخل الجامعة.
ـ قالت أمي: كيف يروح للغربة.. مين يرعاه هناك، مين يحن عليه؟!
ـ قال أبي: رتبت له كل شيء.. وهو رجل، من المفروض أن يبدأ في مواجهة الحياة ويتعلم من تجاربها.
ولم تفلح اعتراضات أمي. وسافر ((رؤوف)) كما كنت أناديه.
وهكذا.. تربعت في قلب أبي بالطول وبالعرض.. أنا وأختي ((البنت)) أحلام.
كان أبي لا يصعد إلى الدورالأعلى إلا عندما يشارف الليل على منتصفه، لينام.. فكنت أعرف موعد بدء جلوس أبي في ((الديوان)) بالدور الأرضي، بعد صلاة المغرب، فأهبط إلى هناك.. حيث أرى أبي يتصدر المجلس، ويبدأ زواره وأصدقاؤه في التوافد.. خاصة بعد أن لمع اسم أبي في المجتمع، وأصبح من ذوي المراكز. وشاع غناه.. فكان يقصده أيضاً أصحاب الحاجة، ومن يحاولون التقرب إليه زلفى.
أصبح ديوان أبي معروفاً.. فأدخل أنا هذه الفراشة الملونة المتقافزة رأساً إلى صدر المجلس.. لا أكترث بتحذيرات أمي من النزول عند الرجال، لعلني من صغري، وفي هذه السن كنت أشعر بالميل أكثر إلى الرجال فيما يبدو.. كأن أنوثتي متعجلة!
وأركض إلى أبي وأرتمي في حضنه، ثم أجلس بجانبه.. أتفحص وجوه القادمين. وكان ((أبي)) يدمن شرب ((الشيشة)).. ويتعاطى ((الجراك)) الذي وفد إلينا من الهند، وغرف وشاع.. ويتطلب وجود شيشة طويلة كبيرة، يمتد منها ((لَيْ)) طويل يبلغ إلى صدر المجلس حيث يتربع أبي، ويتحدث في التجارة، وفي الأدب، وفي الشعر، وفي العادات والتقاليد، في الفنون، والموسيقى، أما أختي ((أحلام)) فكانت منذ صغرها أثقل مني مع الرجال!
كانت ((الشيشة)) هي موضة المجالس الحديثة والمرفهة، ومن يشرب ((الشيشة)) يعتبر من الأسر الأرستقراطية.. وأعمد إلى معابثة أبي وهو يضع ((اللَّيْ)) في فمه، فأسحبه منه، وكان يبدو سعيداً بشقاوتي هذه.
ولكن هذا المجلس- بعد ازدياد مسؤوليات أبي- لم يعد يلتئم كعادته كل ليلة، في وقته المحدد والمعروف.. فقد زادت رحلات أبي.. وكثرت سفراته إلى الخارج.. وتضاعفت مسؤولياته والتزاماته.
وبدأ تمتعي بأبوته يتقلص.. لم نعد نراه كثيراً، فكان يعود بالليل متأخراً، وكنت أذهب إلى المدرسة قبل أن يستيقظ فلا أراه، ولم تكن مدرسة بالمعنى العصري!
اشتقت إلى أبي كثيراً.. وأخذ هذا الاشتياق يتطور ويتفاعل في نفسي كفتاة.. بدأت تنسلخ تدريجياً من مراحل الطفولة، وتدرج إلى الشباب!
* * *
أتذكر الآن ذلك الحنان الذي كان يدفقه علي، وتقول له أمي:
ـ لا تدلع البنتين كثير، (بعدين يخسروا لما يكبروا)!
ـ يرد عليها: البنات همَّ اللي يتدلعوا والأولاد يتربوا.
ـ تقول له: بس البنت إن ما اتربت تخسر!
وينظر إليها أبي بنظرته الصارمة المعتادة معها، فتسكت.
كنت أحب أن أجري نحوه وهو يدخل إلى الصالة الكبيرة، وأتعلق برقبته، وأقبّله في وجنته. واستمرت معي هذه العادة حتى بلغت مرحلة المراهقة، ثم النضوج.. وحتى قبل أن يودعنا للأبد، وهو في سنه الوقور، وأنا في الخامسة والعشرين، كنت أتعلق به، وأحضنه مثل الطفلة الصغيرة التي كانت في السادسة، وأقبّله، ويأخذني إلى صدره، فأرتاح وأهدأ.
لكنني رغم هذا الحنان الذي أعثر عليه، كلما التقيت بأبي.. فأنا لم أهنأ بأبوته لي. كانت مشاغله تبعده كثيراً عن البيت، وكانت أمي ضعيفة أمامه.. لا يمكنها أن تحتج. أو تطالبه بنصيبها من حياته ووقته.. وهذا الضعف في أمي أمامه.. دفعها لأن تتحول إلى قسوة علي في بعض الأحيان في غيابه.. جعلها الضعف تبحث عن التعويض داخل البيت.. فكانت مع زوجتي عمي ((سعيد وسفيان)) صارمة، ومديرة بيت صعبة.. تسخرهما ليقوما بمسؤوليات فوق طاقتهما.
وما لبث عمي ((سعيد)) أن ترك البيت الكبير، مستقلاً بأسرته وبيت خاص، ثم لحقه عمي ((سفيان)) بعد أن ترك الدراسة واتجه هو الآخر للعمل التجاري، وتزوج.. فاستأجر بيتاً بعيداً عن البيت الكبير، الذي أصبح خالياً بعدهما إلاّ من أمي، وأنا، والخدم والسائق.
كانت أمي تقسو عليّ كلما كبرت عاماً في عمري.. فكلماتها لي قذائف، ولكني أحبها فهي أمي، وصديقتي.. وشعرت وأنا أكبر، وأخي ((رؤوف)) ما زال في الغربة يدرس بعيداً عنها: أنها وحيدة.. تزداد آلامها النفسية يوماً بعد يوم.. وهي تكتشف أن أبي يبعد عنها روحاً بل وجسداً، فأصبحت لا تراه إلا كما يرى الجرسون في الفندق النزيل، أو كأن هذا البيت الكبير الذي كان يموج بالحركة، وبالناس.. قد غطّاه الصمت، وعنكب الصدأ على حيويته.. ذلك أن ((سيد البيت)) أصبح يخرج من الصباح، ولا يعود إلا ليأكل، أو لينام، أو ليستقبل زائريه في ((الديوان)) الكبير بالدور الأرضي!
لا بد أن أجد العذر لأمي في حالتها النفسية هذه، وأقف بجانبها.. رغم أنني ملتصقة بأبي، أحبه، وأشتاق إلى ذراعيه وحضنه.
ولكن ما حدث بعد ذلك.. كان هو الكارثة!!
* * *
ـ 4 ـ
غاب أبي عنا، من البيت شهراً كاملاً.
كنت قد درجت إلى مرحلة المراهقة، وخطوت إلى السادسة عشرة.. وأخذت أسئلتي تكثر، وأمي تضيق بتلك الأسئلة، لا تريد أن تجيبني عنها بصراحة، لئلا تحدث صدمة نفسية لي.
وهي لم تكن متأكدة من الأجوبة التي كانت تعتقد أنها الرد على أسئلتي.. بل كانت تحدس، تدلها التلباثية أو الحاسة السادسة، وتطعن قلبها.. ولكنها تكتم ذلك كله حتى تتيقن!
تتيقن؟!
وحتى لو انجلى الموقف عن اليقين التام عندها، فماذا كانت ستفعل.. هي الضعيفة أمام أبي؟!
إنها تعيش هذه الفترة في دوامة تعصف بها، وليس في يدها أي دليل على توقعها، وبعض الظن إثم.. ولكنها بقلب المحب تحاور نفسها، ولا تجد عندها إلا اليقين فيما تظنه، أو حدست به.
وعدت مساء ذلك اليوم من بيت عمتي.. فقد ذهبت إليها منذ الصباح، وتغديت معها.. كنت أحبها كثيراً، أستنشق منها رائحة أبي التي تعيد حيويتي، بعد أن تفاقم شوقي له وحنيني إليه في رحلته التي طالت.. حتى خلت أنه مفقود.
لم أكن أصدق أن رجلاً يطيق البعاد عن زوجته وأولاده شهراً كاملاً دون أن يحن إليهم، أو حتى يسأل عنهم، أو على الأقل يعرف أنهم سيقلقون عليه.
كنت ألح في سؤال عمي ((سعيد)) كلما جاء إلى بيتنا، ليعرف مطالبنا وحاجتنا كالعادة كلما غاب أبي، وأوصاه بذلك، ولكنه هذه المرة.. رأيت في ملامحه الهروب من أسئلتي، بل الإحراج الشديد..،يحاول أن يختصر الكلام معنا بكلمات معتادة:
ـ إنه بخير.. لا تقلقوا عليه، هذه عادته.
ولكن ذلك المساء الذي عدت فيه من زيارة عمتي.. كان غير عادي..
رأيت أمي متجهمة، صامتة.. ولمحت في عينيها دمعة تجول حائرة، تحاول أن تمنعها أو تداريها.
فزعت.. أسرعت إليها بعباءتي قبل أن ألقيها بعيداً. أمسكت بيدها قلقة، أمرر أصابع يدي على وجهها، وأسألها:
ـ ما بك.. ماذا حدث، لماذا تبكين، هل حدث لأبي مكروه؟!
ـ لا تفزعي هكذا.. أبوك بخير. اهدئي.
ـ أهدأ وهذه حالتك.. أريحيني واخبريني ما هي الحكاية؟!
ـ لا شيء.. ادخلي غرفتك، وبدلي ملابسك.
إنها تتهرب هي الأخرى.. بنفس الطريقة التي يعاملني بها عمي ((سعيد)) في المدة الأخيرة.
وانتابتني الحيرة.. فأنا أحب ((أمي)) أكثر من عمري، برغم قسوتها عليّ أحياناً بالكلام، وكيف لا أحبها وأنا معها كصديقتين؟.. تصارحني، وتمازحني، وكانت تطلب مني أحياناً في الليالي التي يسافر فيها أبي، أو يتغيب أن أشركها معي فيما أقرأ، فقد كانت قراءتها ضعيفة. وأضحك لطلبها هذا.، ولكني أحس بوطأة الملل على حياتها، وفراغها من أهم ما يشغلها، وبدلاً من أن تجلس الأم وتروي لطفلتها حكاية جميلة، أو تقرأ لها من كتاب حتى تنام.. إلا أنني كنت أتبادل معها هذا الدور، فتجلس بجانبي تصغي وأنا أقرأ وأشرح لها بعض ما يستغلق عليها فهمه.. وكثيراً ما اكتشف أنها نامت بجانبي وأنا أقرأ على مسامعها، كالأطفال!
كنت أسميها ((الفيلسوفة)).. فرغم أن تعليمها متواضع، لكنها كانت لماحة وذكية، وتستطيع أن تستنبط معاني جديدة، وتتوصل إلى رموز في القصة التي أقرأها عليها، وتناقشني فيها، ويمتد نقاشنا في الحياة والناس، وفلسفة الصبر ومعاني الحب.
اكتشفت مفاهيم عديدة في عقلية ((أمي)) بعد زمن طويل.. عندما نضجت وكبرت وحفر العمر على وجهها وجسدها أخاديده، وبتنا هي وأنا يضمنا بيت واحد، لا يشاركنا أحد فيه.
وكنت أسألها أحياناً:
ـ من أين لك كل هذه الفلسفة والفهم يا ماما؟.. أنت ولا أحسن كاتب أو فيلسوف؟!
ـ تبتسم وهي تجيبني: الفضل لك.. هل نسيت وأنت تقرئين لي من كتبك؟ ثم لا تنسي التجربة يا بنتي، والعمر الطويل.. هادا الشَّعْر لم يتحول إلى بياض فضي، وهذه التجاعيد كلها لم تأت من فراغ، أو فجأة.. ولكن الحياة هي أكبر معلم.
ولكن ذلك المساء الذي عدت فيه من بيت عمتي، كان مختلفاً، أو لعله كان بداية تجاعيد الروح والجسد في ((أمي)).
وعدت إليها بعد أن استبدلت ملابسي، وصنعت لها كوباً من الشاي الأخضر الذي تحبه.. سكبته لها في كأس كبيرة كما تعودت. وجلست بجانبها، أتلمس شعر رأسها وأقبّل يدها.. أنتظر أن تطلق إسار ما تحبسه بين ضلوعها.
وأثمر ضغطي عليها بعد كأس الشاي الأخضر. فانهمرت دموعها بلا نشيج، بل بصمت جليل مهيب. وغرقت حدقتاي بالدموع وأنا أسألها. وتكلمت:
ـ اسمعي يا ليلى.. سأقول لك خبراً، ولكني أثق أنك كبرت.. لم تعودي طفلة.
ـ ماذا حدث يا حبيبتي.. أرجوك بدون مقدمات؟!
ـ لقد جاءني اليوم عمك ((سفيان))...
ـ قاطعتها: عمي ((سفيان)) رجل المشاكل، إنه لا يحب أبي.. هل تذكرين؟!
ـ لا يا ((ليلى)).. سفيان عمك، والظفر لا يطلع من اللحم، والعشرة يا بنتي ما تهون إلا على ابن الحرام، وقد كنا معاً في بيت واحد.. كنت مثل أخته الكبرى. وقد جاءني يبكي كالنساء.
ـ لماذا.. هل حدث شيء لزوجته؟!
ـ بل.. يبكي من أجلي وأجلك. أخبرني أن علماً أكيداً بلغه.. بأن والدك.. تزوج!!!
انخرطت أمي في عويل هذه المرة، بصوت مرتفع ونشيج. بكيت معها.. فلم أزل طفلة في السادسة عشرة. ولم أدر ماذا أفعل، وماذا أقول. ولكني حاولت لحظتها أن أتمالك نفسي، فقلت لها:
ـ ما هو معقول.. تلاقي عمي ((سفيان)) يبغى يشوّه سمعة أبويا.
ـ ليه يا بنتي.. دا أخوه برضه، وأبوك هُوَّا اللي ربّى سفيان وعلمه، وكمّل واجب جدك. وعمك سفيان ما يكره أبوك.. لكن الحقيقة ما تخفى مهما حاول الناس أنهم يخفوها.
ـ إيه هوّا دليله؟!
ـ أبوك يا ليلى.. رجع البارح من السفر، وحتى الآن ما جانا، ولا اشتاق لنا.
ـ وأبويا جالس فين.. ما هو ده بيته، حايروح فندق يعني؟
ـ لا.. يروح البيت الجديد.. بأقول لك اتزوج وجاب معاه زوجة جديدة صغيرة شابة من مصر.. من يوم ما سافر اتزوجها، كان مرتب من الأول، وجلس معاها الشهر.
ـ شهر العسل يعني؟!
ـ أهل بره يسموه كده.. وخلاّنا نحن هنا في شهر بصل!
ـ بس أبويا ما هو كداب ولا يخاف، لما بيعمل حاجة بيقول عليها.. ليه عمل كده؟!
* * *
لم أنم تلك الليلة.
كنت أفكر في أمي الحزينة الدامعة. وكنت أسترجع ملامح أبي وشخصيته، وكأنني أخاطبه، وأحاكمه. والدموع تملأ عيني:
ـ ليه كده يا بابا.. ليه؟!
استعدت بمداركي المحدودة في تلك السن صوراً كثيرة من حياة أبي داخل البيت.. تغيبه الدائم، ومشاغله، والهوة التي تزداد اتساعاً مع الأيام بينه وبين أمي.. كأنها لم تكن زوجته وشريكة عمره.. بل أخته، أو حتى مجرد مديرة منزل.. تطهو له الطعام، وتغسل ملابسه، وتربي له أطفاله.
ـ وتساءلت: هل أخطأت أمي؟!
لا أدري.. ما زلت صغيرة على معرفة واجبات العلاقة الوثيقة بين الزوج والزوجة، ولكن.. لا بد أن تكون هناك أسباب!
ترى.. هل هو الاختلاف الظاهر بينهما في المدارك.. فأبي متعلم، وطموح، وقارئ جيد وأمي تفك الحرف، ولا تعرف من جديد الدنيا شيئاً، فكيف كانا يتفاهمان، وما هي الأمور التي كانا يتحاوران فيها؟!
ولكن.. ليس ذنب أمي، فعندما زوجوها لأبي لم يأخذوا رأيها!
كان المقياس لذلك الجيل: أن تكون الزوجة مطيعة، ربة منزل.. تجيد فنون الطبخ وتحافظ على بيتها، وصالحة لإنجاب الأطفال مثل معامل تفريخ الدجاج!.. أما التعليم، فلم يكن شرطاً، ولا قيمة له كمطلب في المرأة، وأما الجمال.. فقد كان من ضروب الحظ، وكما يسمونه: ((شختك، بختك))!
وملأ وجه أمي سواد عيني.. إنها ذات وجه مليح، طويلة، شقراء، رشيقة الجسم حتى الآن، فهي لم تنجب سوى ((رؤوف)) وأنا، وأحلام.. وتوقفت عن الإنجاب!
صحيح.. لماذا لم تنجب أمي سوانا؟!
حكمة ربنا.. أم تراها حكمة أبي الذي هجر أمي، أو تجنب الإنجاب منها؟!
على أيامهم لم تكن هناك حبوب لمنع الحمل، كان الرجل هو الذي يتحكم، لكني لم أشك يوماً أن أبي كان يكره أمي.. فرغم أنه جاد في كلامه معها - أمامنا على الأقل - لكنه كثيراً ما كان يلاطفها ويمازحها ونحن نأكل، أو نجلس لشرب الشاي.. فما بالك عندما يكونان معاً؟!
قالت لي أمي ليلتها ما اعتبرته هي حكمة بليغة، تقال في مثل هذه المواقف:
ـ اسمعي يا بنتي.. الراجل لما ياخذ زوجة أقل منه في العلم والمستوى يقنع بها إذا كانت حياته محدودة ومتوسطة الحال.. لكن لما يزيد ماله، و يلمع جاهه.. يبطر، ويفتش عن واحدة تفهمه.. أبوك معذور، وأنا ماني ناقمة عليه.
ـ قلت لها يومها: طيب.. والبنت لما تاخذ راجل أقل منها في العلم والمستوى؟!
ـ ابتسمت وقالت: يمكن هادا يصير في زمانك يا بنتي، لكن لو حصل ده.. راح تتعذب البنت ويضيع الراجل، لأن البنت سريعة الغرور، ولا بد أنها تفكر في واحد بمستواها في العلم والجاه أو القيمة الاجتماعية.
ـ قلت لها: دي ما هي قاعدة.
ـ قالت: أصابعك ما هي سوا، والناس ما هم سوا، إنما المعادلة هنا صعبة!
ولم أعثر على هذه المعادلة.. عندما كبرت وتزوجت، وطلقت، وأحببت، وتعلمت. لقد عثرت على الفهم الذي يؤكد لنا أننا نخضع للسالب والموجب باستمرار!
* * *
ـ 5 ـ
لم تجف الدموع من عيني بعد، فقد كانت حالة ((أمي)) قاسية جداً، إنها لا تبكي كثيراً.. بل هي تكبت أوجاعها بين ضلوعها، وهذا هو العذاب الأعظم، لو كانت ((أمي)) تبكي، وتترك لدموعها العنان، لارتاحت، ولنفثت آلامها ومعاناتها العظيمة.. لكنها تطوي محنتها في صدرها، وترفض حتى الشكوى والبوح.
خفت على ((أمي)) من الانهيار.. فهي عاطفية، وعفوية، ورقيقة.. تبدو كغصن شجرة طري اقتلعته الريح، ورمت به إلى منحدر شلال منهمر.. فكان لا بد لي أن احتضنها، وأقف بجانبها، وأخفف عنها مصابها.. برغم يفاعة سني وتجربتي.
وكان حبها الكبير لأبي يمنع عنها غارات الحقد عليه.. بالإضافة إلى ما تعوَّده جيلها، وما عرفته عن جيل أمها وأبيها عن زواج الرجل بأكثر من واحدة، وأن ذلك يحدث طبيعياً، ومن حقوق الرجل القادر على تعدد الزوجات - من قدرته المالية - تعتبر ما حدث هو لا أكثر من صورة تتكرر في مجتمعها، في جيلها، وقبل ذلك في جيل أمها التي رضيت بالحياة مع والدها بمشاركة زوجتين أخريين في زوجها!
وعرفت بعد سنوات - نضجت خلالها وكبرت - أن ((أمي)) كانت تحرص على إبعادي عن النقطة التي قد أبلغها، فأكره فيها ((أبي)) بسبب ما فعله بأمي، وقد نجحت في ذلك بكلامها الذي لا ينتهي عن عاطفة أبي، وقوة شخصيته، وتعليمه، وحنانه برغم مسؤولياته.. فكنت في أكثر الليالي، وحينما أضع رأسي على الوسادة أتخيل أبي.. أسترجع صوته، ومواقفه، ورجولته، وهيبته في العائلة كلها، وأستعيد مشاعره الخاصة التي كان يمحّضني إياها وحدي، وكانت ((أمي)) تقول مبتسمة:
ـ اعتزازي بأبوكم ما أقدر أوصفه!
ولف رأسي سؤال مفاجئ ذات ليلة، وأنا أتذكر ((أبي)) وأشعر نحوه بشوق يتدفق بلا حدود:
ـ ترى.. ألا يشعر بالشوق لي بعد غيابه عنا أكثر من شهر؟!
ولا أستطيع أن أكرهه.. وأحاول أن أجيب عن سؤالي بنفسي نيابة عن ((أبي)).
ثم ما يلبث أن يثور في داخلي سؤال أكثر عنفاً، واختباراً لمشاعري نحو أبي، فأهمس لنفسي:
ـ قد ينساني لفترة لا تطول، وهو منشغل بالفرح مع العروس الجديدة. إنه لن ينكرني في أعماقه، ولكن.. كيف سيكون حجمي في عواطفه بعد أن تأتي له الزوجة الجديدة بطفلة تشغله.. هل تأخذ تلك البنت محبته لي إليها وتحتل مكاني؟!
لقد عذبني هذا السؤال ليالي عديدة.. حتى جاءت تلك الليلة التي سمعنا فيها خطوة ((أبي)) في ردهة البيت وصوت حذائه الذي ((يزقزق)) حسب تعبير أمي، قفزت من مكاني راكضة.. يشحذني أكبر فرح شعرت به في عمري الغض آنذاك، ورميت نفسي في أحضانه، وحفرت رأسي في صدره العريض.. ولأول مرة تذوقت طعم دمعة الفرح.. لم أكن أدري أنها بذلك المذاق العجيب.
ولاحظت أن ((أبي)) لم يتطلع إلى وجهي إلا مرة واحدة، وأشاح نظراته عني. تراه هل كان خجلاً مني، أو معتذراً لي؟!
أما ((أمي)).. فقد هرعت إليه، وتلقفت ((مشلحه))، وسارعت فأحضرت وسادتين وضعتهما على يمينه، وهي ترسم ابتسامة عجيبة على شفتيها.. كأنها تنحتها فوق وجهها.
والتفت ((أبي)) نحوي، وقال بهدوئه وهيبته:
ـ هاتي الشنطة الخضراء يا ليلى.
وأخرج منها الكثير.. أقمشة فساتين، وحلي من الذهب وزعها على أمي، وعليّ، وعلى أحلام. ثم أدخل يده في جيبه وأظهر ((علبة)) من القطيفة الحمراء.. فتحها وناولها لأمي، وندّت مني شهقة إعجاب.. فقد رأيت داخل العلبة خاتماً من الذهب المرصع بالألماس.. أعطاه لأمي وهو يقول.. كأنه يسترضيها:
ـ هذا ليس قيمتك، فأنت زوجتي الأولى، والأصل، وأم ولدي الكبير وابنتي الأحلى ليلى، وأحلام.
ـ قلت له متخابثة: هل أنا وأحلام الأحلى فعلاً.. أم ستكون هناك..؟!
ـ قاطعتني أمي قائلة بزجر: بنت.. عيب، أبوك يحبك.. أنت ((لؤلؤة)) عقله! والتفتت نحو أبي بنفس تلك الابتسامة تقول له:
ـ ربنا يخليك لنا يا أبو عبدالرؤوف.. إنت خيمتنا وتاج راسنا!
أشفقت على ((أمي)) في تلك الليلة، فقد كانت تكابر، وتحمِّل نفسها فوق طاقتها.
لكنها قالت لي بعد سنوات في ليلة شتائية باردة، وأنا أدلك قدميها اللتين تشكوان من آلام الروماتيزم:
ـ كان ذلك الموقف صعب عليّ يا ابنتي، ولكن الأصعب هو أن أفقد والدك، كانت المرأة في زماننا تحرص على أن تكون كل حياتها لرجل واحد.. والمؤلم والقاسي أن تصبح المرأة بين فترة وأخرى في حضن رجل آخر!
ـ قلت لها: حتى لو لم يتفقا، وكانت حياتهما جحيماً؟!
ـ قالت: كل شيء له حد، ولكن لا تنسي أن الرجل كان رجلاً بمعنى الكلمة..
في مواقفه، وكلمته، ومعاملته!
* * *
وطرأت على خاطري فكرة جريئة، صممت أن أنفذها..
وانتظرت موعد قدوم ((أبي)) إلى بيتنا، فقد اتفق مع ((أمي)) على أن يَعْدِل.. فيأتي إليها ليلة، ويذهب إلى الأخرى في الليلة التالية!
وفاجأت ((أبي)) بفكرتي، أو برغبتي قبل خروجه من عندنا في الصباح.. طلبت منه أن يأذن لي بالذهاب إلى بيته الثاني، لأتعرف على زوجته الثانية، فقد أصبحت ((خالتي))!
أذهلته المفاجأة.. لأول مرة أرى ((أبي)) المهاب، وهو يضطرب. لقد أحرجته.. ولكنه بعد صمت لم يطل، ابتسم في وجهي، كأنما لمعت في ذهنه هو الآخر فكرة.. فقال لي:
ـ لا مانع.. استبدلي ملابسك، ((سآخذك)) إلى هناك، ويعيدك السائق بعد ذلك!
وصحبته إلى بيت ((ضرة)) أمي.. وأنا أتخيل ملامحها، قوامها، طريقة مشيتها. كنت أود أن أعرف ما هي الميزة التي وجدها أبي فيها، ولم يجدها في ((أمي))؟!
ورأيتها تقف أمامي وجهاً لوجه.. أخذتها المفاجأة في الوهلة الأولى، لكنها تماسكت واندفعت نحوي تحتضنني وتقبلني، قائلة:
ـ أنت ((ليلى)) ها؟.. لقد حدثني والدك كثيراً عنك. لا.. بل سيرتك لم تسقط من فمه.. إنه يحبك كثيراً.
رأيتها جميلة.. فتاة شابة تصغر أبي بحوالي عشرين عاماً. ليست بدينة ولا نحيلة.. بل لها ذلك الجسم الملفوف مع رشاقة ملحوظة. أقصر من أبي، شقراء ذات شعر أصفر، ولكنها ليست ((خواجاية)) اختطفها ((أبي)) من مدينة المنصورة في مصر، متعلمة، وفي عينيها سحر جاذب.
وتركني ((أبي)) معها.. كانت تنهال عليّ بالأسئلة. أشعرتني أنها تريد رؤية ((أمي)).. إنها تريد أن تسعد ((أبي)) وهي تعرف مدى تعلقه بي. وقالت لي أيضاً: إن ((أبي)) حدثها عن احترامه لأمي، لأنها سيدة عظيمة، و((بنت حلال))!
أخذت منها ولم أعطها..
وعندما رويت لأمي ما رأيت وسمعت.. لم تجبني، بل كانت صامتة، وشاردة الذهن. قلت لها:
ـ بتفكري في إيه؟!
لم تجبني يومها.. ولكني استطعت أن ألاحظ بعد ذلك، ومع تعاقب الأيام تصرفات ((أمي)) مع أبي، وطريقتها الجديدة في التعامل معه.. فقد زاد اهتمامها به، كما حدث تطور في عنايتها بنفسها وهندامها، وفي إنتاج مطبخها في اليوم الذي يجيء إلينا فيه أبي.
ثم كانت مفاجأة ((أمي)) التي ألقتها على مسمع أبي، عندما قالت له:
ـ بدلاً من أن تدفع إيجار بيت آخر، ولديك هذا البيت الكبير.. لماذا لا تأتي بزوجتك إلى هنا، وتضعها في طابق كامل.. فلا تكون بعيداً عنا، ولا نكون بعيداً عنك. أريد أن أطمئن عليك.
ونفذ أبي فكرة ((أمي))..
واستطاعت هذه المرأة ((أمي)) بتمسكها بأبي، وبحبها له أن تدعه يقترب منها، بعد أن ابتعد وكادت تفقده. وتوددت إلى الزوجة الثانية. قالت لها: اعتبريني أختك الكبرى.. ونحن معاً نخدم رجلاً واحداً.. نحبه، ونسهر على راحته.
كنت في حالة ذهول.. كان رأسي يدور من هذه الضربات المتلاحقة التي فعلتها أمي، كأنها كانت في حلبة مصارعة.. تصافح خصمها في البداية، ثم تندفع إليه وتلوي ذراعه!
ـ وقلت لها وهي تسترجع معي تلك الحكايا: من أين لك تلك الأعصاب؟!
ـ قالت مبتسمة: الدُّهن في العتاقي. اسمعي يا ابنتي.. كل إنسان له قضية، لا بد أن يدافع عنها، ويحققها، ويتمسك بها.
ـ قلت: لو كنت اتعلمتي ودخلتي مدارس.. كنت رئيسة وزراء، كده يعني زي ((أنديرا غاندي)) دا انت خطيرة يا ماما!!
* * *
ولم تنجب الزوجة الثانية.. رغم مرور عامين.
ولم تحتمل قدرة احتمال ((أمي)).. وود ((أبي)) الملحوظ للبيت الكبير.
كانت ((عروسة لعبة))، أو كما اسمتها أمي ((عروسة باغه!)) من البلاستيك.. أعجب بها ((أبي)) في لحظة اندهاش، وكأي طفل..أهمل اللعبة بعد فترة، فالرجل في لحظاته العاطفية والإنسانية: طفل كبير.. عفوي، ((وشقي)) ومشاغب، ومندهش!
ثم ما لبث أبي أن انشغل بطموحاته، ومسؤولياته التي أخذت تتعاظم وتتسع، وأخذ اسمه يذوي في المجتمع، وتنوعت تلك الطموحات في المراكز، والثروة، والجاه، وكثرت رحلاته إلى الخارج. وتحولت الزوجة الثانية إلى قطعة أثاث من تلك القطع الثمينة التي أخذت غرف بيتنا تزدحم بها ولكنها جماد، ويبقى كثير من الغرف مقفلاً لا يدخله أحد إلا في المناسبات.
وشعرت الزوجة الثانية بالسأم، وبالإحباط.. وزاد من مللها وضيقها أنها لم تنجب طفلاً من ((أبي)).. يقربها منه أكثر، وبهدوء.. أيضاً.. أجابها ((أبي)) على طلبها، وأعادها إلى بلدها بعد أن دفع لها تعويضاً مجزياً.. قد ابتاع لها شقة في القاهرة، وملّكها لها.. ورجعت تبكي، وكانت دموعها مثار تعاطف مني لها.. فقد احتضنتها، وهمست لها بوعد: أن أزورها في المنصورة وأبقى معها عدة أيام، كلما قدمت إلى القاهرة.. هذا إذا وافق أبي.. فنحن لم نخرج من البلد إلا مرة واحدة.. هي الوحيدة التي سمح لنا فيها ((أبي)) بالسفر إلى القاهرة.. هذا إذا وافق أبي..
يومها، قالت أمي، والدمعة تخنقها:
ـ لقد أصبح البيت فارغاً من جديد. المرة الأولى عندما مات جدك، والمرة الثانية عندما انتقل عمك ((سعيد)) وعمك ((سفيان)) إلى بيتيهما المستقلين. لقد كانت تملأ علينا البيت!
ـ قلت لأمي: ولكنك كنت تختلفين معها أحياناً، وكثيراً ما رفعت صوتها عليك وتعدت، واستفزتك.
ـ قالت أمي بطيبتها: يا بنتي.. المصارين في البطن بتتخانق!
لقد استؤصل الآن ((مصران)) من تلك المصارين، أو كأنها كانت ((المصران الأعور))!
ولكن ((أبي)) لم يحس بغياب من طلقها. كان مأخوذاً إلى هالة شديدة الضوء من المكانة الاجتماعية، والثروة التي تتزايد، ورحلاته التي تلاحقت!
حتى كان ذلك المساء..
ناداني ((أبي)) وهو يبتسم بتودد، وأجلسني بجانبه، واحتضنني، ومسح بيده على رأسي.
ـ قلت له أمازحه كعادتي: ايه الحكاية يا زعيم؟!
كان يقبل كلماتي المدببة، ويدللني كثيراً. ولم يكن أحد في البيت أو خارجه يجرؤ على الانزلاق أمامه بكلمة مقشرة من التهذيب. ولكنه كان يقبل مني أن أصفه بكلمة ((زعيم)) ويضحك لها، وهو يقرصني في خدي قائلاً: آه يا شقية!
ونظر ((أبي)) إلى أمي كأنه يستنجدها أن تعينه، هو هذا الرجل المهاب، الوقور، الصارم في المواقف. والتفت نحوي يعيد الابتسامة إلى وجهه، وقال:
ـ الحكاية يا ((لؤلؤة عقلي)) أنك كبرتي وصرت عروسة، و.. جالك عريس.
ـ قلت بجرأة: آه.. باين أنا ((المصران)) الثاني اللي بدكم تطلّعو من البيت؟!
ـ قال: انت حشاشة فؤادي، ولكن.. دي سُنة الحياة، والعريس ما هو غريب.. دا.. ابن عمك سعيد، أنت بتحبي عمك سعيد كثير، خلاص.. ده يا ستي ولده الكبير.
و.. ((بلمت)) كأنني دخلت في لج بحر عميق!!
* * *
 
طباعة

تعليق

 القراءات :3851  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 59 من 545
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور عبد الكريم محمود الخطيب

له أكثر من ثلاثين مؤلفاً، في التاريخ والأدب والقصة.