شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
سرقة اللصوص أهم محتويات بيتنا
وبدء الرحلة السوداء في حياة الأسرة
كان اللصوص قد افرغو الصندوق الخشبي الأسود الذي تحتفظ فيه أمي بأغلى مقتناياتها ومنها ما يملكه جدي من النقود الفضية والذهبية من كل ما فيه تقريبا ومن تلك المجموعة من الشوك والسكاكين والملاعق بعلبتها الأنيقة، وعلب الوثائق والحجج.. كما فتحوا صندوقا آخر لخالتي، وافرغوه أيضا من كل ما فيه ومنه حلاها، بل لم يتركوا حتى تلك الملابس الغالية من الحرير والقطيفة الموشاة... وملابس الأطفال وأحذيتهم التي كان جدي اشتراها لنا من الشام.
كان جدي في صباح تلك الليلة، يقف على الصندوق الخشبي الأسود بينما تخرج أمي تلك الأشياء التافهة التي زهد فيها اللصوص، وتتناولها منها خالتي، لتعيد ترتيبها.. كان عبد الغفور في هذه اللحظات يرتمي على صدر أمي يريد أن يرضع، ومع أنه قد تجاوز سن الرضاع تقريبا، وأصبح يمشي ويتكلم بفصاحة ملحوظة، فإن أمي لم تحاول فطامه.. كانت تحبه وتكره أن ترفض ارضاعه.. وعبد المعين ذلك القادم الجديد كان هو الآخر يبكي وهو على فراشه في الأرض....
كان جدي رجلا عصبي المزاج، سريع التوتر والغضب، بل أكاد أقول أنه سرعان ما يفقد أعصابه، فلا يتردد في التهديد بالضرب، بل قد تمتد يده فيضرب، حتى أمي أو خالتي ولا شك أن حركة عبد الغفور، وصراخ عبد المعين، قد شحنا اعصابه، وهو يرى أن كل ما يملكه من النقود بل ومعها الحلى والمصوغات، قد سرقه اللصوص.... كنت أنا أعيّ وأدرك أنه يضيق بصراخ الأطفال... ولذلك فقد جلست بعيدا، دون ان انبس بأي كلمة، مع أني جائع، والصباح هو موعد وجبة الأفطار كل يوم...
رأيته يلتفت نحو أمي ويصرخ في وجهها بالتركية، ثم يصرخ في خالتي، ثم ينحني على أمي وينتزع من حضنها عبد الغفور، ويحمله من يده، ويكاد يلوح به، ثم يلقيه بعيدا على الفراش... وارتفع تبعا لذلك صراخ الطفل وانهمرت مع هذا الصراخ الدموع من عيني أمي... بل حتى خالتي... افزعها التصرف فهرعت إلى ابنها عبد المعين واحتضنته وعيناها زائغتان تنهمر منهما الدموع، مع نظرات مرتعبة تنتقل بين أمي، وجدي.
اتجه جدي نحو باب الغرفة، وخرج مسرعا، وهو يتكلم. لعله كان يشتم أو يهدد، أو يعبر عن سخطه، ولكن بالتركية، التي تغلب عليه في مثل هذه الظروف.. ومن الفناء سمعته يناديني... امتلأت رعبا وكدت أجمد في مكاني... ولكن أمي التقت إلي وقالت ساخطة.
: ـ ما تتحرك.. روح شوف ايش يبغا..
وقبل أن انهض، سمعت نداءه الصارخ مرة أخرى، فنهضت ورحت راكضا... كان واقفا أمام حوض للزهر، وفي يده السلة التي يملأها بما يتسوقه كلما احتاج البيت إلى مواد التموين.. ناولني السلة.. وادخل يده في جيب الصدر، واخرج كيسا من الجلد... تحسسه بين أصابعه.. ثم فتحه، واخرج ما فيه من قطع النقود... لم تكن كثيرة.. لعلها أربع أو خمس من هذه القطع التي تعلمت فيما بعد أن القطعة منها تسمى (مجيدي... أو حميدي) وهي من الفضة، والواحدة منها تساوي عددا من قطع كثيرة من النيكل أو النحاس.. أعاد القطع إلى الكيس، ثم إلى جيبه.. ومشى أمامي إلى غرفته دون أن يتكلم.. ارتفق عمامته وجبته السوداء.. وانطلقنا معا إلى الشارع.
وفي بيت الصابوني، ظل يقص على الحاج بشير حادث اللصوص والسرقة... وحين رأتني السيدة أسماء كبرى بنات الحاج بشير، أخذتني في يدها، إلى غرفتها.. لم يكن لديها أطفال، ولعلها لم تتزوج قط.. كانت جميلة، أو هكذا كنت أراها.. أخرجت من صندوق صغير قطعا من الحلوى... تناولتها منها، بينما احتضنتني هي وقبلتني.... وهي تقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله).
وعندما كان الحاج بشير يودع جدى عند الباب، سمعته يقول ما معناه: (لا فائدة من الشكوى... الجندرمة والعساكر، ينتقلون إلى حلب.. الشام، يقولون أنها سقطت يوم الجمعة)... وقبل ان نخرج من الباب، قال مسرعا: لكم مكتوب، وصلنا أمس... من حلب.. واستدار... وغاب لحظات ثم عاد وسلم جدي هذا الذي سماه (مكتوب)...
وفي السوق، اخذ جدي يشتري، ارغفة من الخبز... وكمية من الجبن،... والخيار.... والطماطم... وقطعة من اللحم، وحمل هو السلة وعدنا إلى البيت.
* * *
لا أذكر من الأيام بعد حادث السطو.. ظل كل من في البيت، وكل من يحدث ان يزرن أمي من الجارات، لا حديث لهن الا اللصوص، واخبار سطوهم على كثير من المنازل، وعلى الأخص منها هذه التي تقع بالقرب من النهر... وكان التعقيب، دائما ان العسكر، قد ذهبوا إلى حلب ولم يبق في حماة، من يحرسها..
وكان جدي بعد هذا الحادث، يكاد يلتزم الصمت، فلا يدور بينه وبين أحد أي حديث... في مجلسه ذلك، وبين يديه الكتاب، وعلى عينيه النظارة يقرأ... وكثيرا ما كنت ارى شفتيه تتحركان، ربما بتلاوة، أو دعاء... فاذا جلس للصلاة، يطيل الركوع والسجود حتى ليخيل لي انه سيظل ساجدا، إلى ما شاء الله... ولم تمض ايام كثيرة حتى بدأ عليه الهزال والضيق والتوتر... إلى أن كان ذلك اليوم الذي دخلت عليه أمي فرأته يمسح بمنديله الكبير عينيه ووجهه.. كان يبكي دون شك... وحين الحت عليه تسأله عما حدث ادخل يده في جيب الصدر، واخرج الكيس... كان فارغا ليس فيه من قطع النقد، الفضة أو النيكل أو النحاس، أي قطعة.. واستطعت ان افهم منه وهو يحدثها بالتركية، أنه لا يعرف كيف يؤمن حاجة البيت من الغذاء.
ثم اخرج من جيبه الاخر الغلاف الذي اعطاه اياه الحاج بشير... وهو يقول:
:ـ. في حلب.. قولى لها انه في حلب وهو لايستطيع المجئ إلى حماة... اسأليها ان كانت تريد السفر اليه..
:ـ. (بدهشة واستنكار)... تسافر اليه مع عبد المعين؟؟؟؟
:ـ. ونحن ايضا سنلحق بها.. الكفار في الطريق إلى هنا... الشام سقطت في ايديهم
:ـ. ولكن لماذا لا نسافر كلنا إلى حلب... ما دام الكفار في الطريق إلى هنا؟؟
:ـ. انتظر الأمر بترحيل المهاجرين من المدينة... يمكن يرحلونا كلنا إلى حلب
:ـ. ليتهم يرحلونا إلى المدينة
:ـ. (بنبرة ساخرة)... المدينة؟؟؟ (ثم يرفع يديه إلى السماء).. يا رب.. قولى يا رب.. ينصر عساكر السلطان..
:ـ. يارب.
ثم اخذ يتحدث اليها بالتركية، ويشير بيديه، كأنه يصف لها شيئا يريده.. ورأيت وجهها يتهلل ويبدو عليه الارتياح.. ثم خرجت وغابت دقائق، وحين عادت كانت تحمل في يدها كيسا أو لفافة، من قماش أسود قديم.. ما كاد جدي يراها حتى انبسطت أساريره وأسرع يفتحها... توهمت أن فيها نقودا أو شيئا من هذا القبيل، فإذا الذي فيها أشياء تافهة، أسطوانة خشبية، ومسمار طويل أو ما نسميه الأن (مفك)... وكمية من أشياء نحاسية صغيرة، عرفت فيما بعد عندما رأيت جدي يعالجها، أنها أشياء تحفر على الدائرة في كل منها كتابة... الواحدة منها يسمى (مُهُر)... والمهر هو (الختم) الذي يحفر عليه الاسم.
رأيته، يردد بفرحة وارتياح: (الحمد لله.. الحمد لله..)
وقد مضت أيام قبل أن أراه يعالج، هذه الأشياء... ولكنه كان حريصا على أن يرى اللفافة ومحتوياتها إلى جانبه مع كتبه.
* * *
لم أكن أفهم، شيئا مما يدور حولي، ولكن لم أغفل عن لون أرغفة الخبز التي لا أدري كيف كان، ومن أين يجيئنا بها جدي... عرفت أن عليه أن يذهب هو، أو أمي، أو هما معا، في وقت محدد في الصباح، ليعودا بهذه الأرغفة، ذات اللون الداكن، وفي السلة معها حبات من الطماطم، والخيار والخس،... لم أعد أرى على المائدة التي نجتمع حولها، الحساء، أو (المعرق) أو محشى الباذنجان الأسود والكوسة... ولم يكن أمامنا إلا أن نأكل ما يوضع أمامنا.. فإذا حدث، أن جاءت أمي أو خالتي من المطبخ، أحيانا بقدر حساء، ساخن، لا أعرف مم صنع، فإننا ننهمك، في تقطيع أو تفتيت الرغيف من الخبز الداكن، في هذا الحساء، ونلتهمه بشراهة، ونشعر بالشبع بعد أيام من الجوع، لا نتناول في كل وجبة سوى الخبز، والطماطم أو الخيار، وقد نجد القطعة من الجبن، يوزعها علينا جدي بكثير من الحساب.
* * *
في هذه الفترة من أيامنا في مدينة حماة، وبعد حادث السطو، والتغير الذي طرأ على الغذاء، ازداد تدهور صحة خالتي، ومع أنها كانت بيضاء البشرة، فقد غلب على محياها الجميل الشحوب والاصفرار... وأصبحت سعلتها تتكرر، وتتلاحق... وأخذ الحديث الهامس يدور بين جدي وأمي عنها... وعن (الدم) الذي لاحظت أمي أنها نفثته من صدرها... وفي ذات مساء قبيل الغروب، أخذوها إلى الطبيب مع طفلها الرضيع عبد المعين... وتركوني أنا وعبد الغفور في البيت.. وكالعادة كانت الطرمية هي لعبتي وكان عبد الغفور، يعالج حفر، حفرة في طين حوض الزهر... حين رأيته يستلقي على البلاط.. ظننت أنه يلعب، فأسرعت انتهره، وأهيب به أن ينهض قبل أن يجيء جدي فيراه على هذا الوضع.. ولكنه ما كاد يحاول النهوض، حتى رأيته يتهالك، ويعود إلى الاستلقاء... أخذت يده في يدي... فإذا بي أجدها ساخنة... ساعدته على النهوض ثم مشينا معا إلى الغرفة، حيث ما كاد يصل إلى الفراش، حتى ارتمى عليه... ادركت أنه مريض... فجلست إلى جانبه.. وعيني إلى باب الغرفة، انتظر عودة جدي وأمي وخالتي...
لا أدري ما الذي قاله الطبيب عن خالتي... ولكن الأدوية التي جاءت بها في أكثر من زجاجة، قالت أن حالتها ليست على ما يرام... وسمعت أمي، تنبهها إلى أن تكف عن ارضاع ابنها عبد المعين.. أما عبد الغفور، فقد قالت أمي أنه مصاب (بالحصْبة)... خلعت عنه ثوبه، ليرى جدي طفح الحصبة على صدره وظهره.. ثم أسرعت تخيط له بيدها قطعة من القماش حمراء، صنعت منها ثوبا... ألبسته اياه... ونام به دون أن يجلس معنا لتناول وجبة العشاء من أرغفة الخبز الداكنة اللون، والخيار، والجبن.
في صبيحة اليوم التالي، رأيت أمي تعالج خلع أسورة ذهبية من يدها، بعد أن دهنتها بقطرات من الزيت... كانت تقوم بذلك، وحدها بعيدا عن خالتي.. ثم بعد أن خلعتها اسرعت إلى جدي.. وقدمتها إليه، وهي تقول:
: ـ الحكيم قال.. لازم خديجة تشرب مرقة دجاج.. وتأكل أكل طيب... وتشرب عسل وحليب.... وعبد المعين ما دام ما يرضع لازم نجيب له حليب...
ولم ينبس جدي بكلمة واحدة... كان في عينيه الكثير مما يريد أن يقوله، ولكنه لا يجد الكلمات.. تناول الأسورة، وارتفق عمامته، وجبته السوداء... وأشار إلى أن احْمل السلة... وخرجنا... ووجدت اننا نطرق باب بيت الصابوني... ولم يكن الحاج بشير موجودا... ولكن أسماء ابنته الكبرى استقبلت جدي... وفهمت منه أنه يريد أن يبيع الأسورة... احتقن وجهها، ثم امتلأت عيناها بالدموع... وأستأذنته، غابت عنا ونحن في الفناء، ثم عادت، وفي يدها نقود... وقد رفضت أن تتناول منه الأسورة...
وطال الجدل، أو الحوار... ثم رأيت جدي، يضع الأسورة في جيب صدره.. مع النقود... وعدنا إلى المنزل وفي السلة عدد من حبات البيض ودجاجة صغير أو ديك وعلبة من (الدبس) ومرطبان صغير فيه كمية من العسل.
ولست أدري حتى اليوم... كيف، ولماذا أقدم جدي على ذلك التصرف البالغ القسوة الذي ظلت أمي لا تنساه أبدا... قالت، انه تضايق من بكاء عبد الغفور المتواصل، وهو يعاني من حمى الحصبة.. فإذا به ينتزعه من فراشه، ويخلع عنه الثوب ويأخذه إلى الحمام، ومن حوض الماء الذي تملأه الطرمبه وبمغراف كبير في يده، أخذ يدلق على جسم الصغير الماء البارد... ثم يتركه هكذا وهو يصرخ إلى أن هرعت إليه أمي وخالتي.. لم أشهد الحادث.. اعني لم أشهد جدي وهو يدلق الماء البارد على جسم الصغير... ولكني رأيت أمي تدخل به وهو يرتعد على صدرها.. كانت تبكي.. وكانت خالتي تخفق صدرها بيدها عدة مرات.. وهي تبكي أيضا.
ولم يطل بعبد الغفور مرضه أو حمى الحصبة، فقد مات، على صدر أمي وهو يردد كلمة (أتوب.. أتوب..).. ولم تملك أمي وخالتي أعصابهما، فقد كانتا ترددان معا أن جدي قد قتل عبد الغفور... ولم أسمع من جدي أي كلمة.. التزم الصمت... وكانت في عينيه منذ ذلك الحادث الرهيب، نظرة فيها ما ينذر بأنه يمكن ان يبطش بأمي وخالتي اذا ما بدرت من احداهما أي بادرة.. ولذلك كان الجو في المنزل شديد التوتر... واستمر هكذا اسابيع بعد دفن عبد الغفور، الذي لم تكف أمى عن البكاء لفقده، فقد كانت تحبه ربما اكثر مما تحبني....
واشتدت العلة بخالتي، واشتد هزالها وهزال ابنها عبد المعين... وفي نفس الوقت، اصبح تأمين الغذاء في المنزل، مشكلة يواجهها جدى... ولا يعرف لها حلا... كل الذي كان يحصل عليها هو هذه الارغفة التي كانت داكنة اللون.. ثم اصبحت من الشعير.. فهمت مع الايام، انها، التموين الذي توزعه الدولة على الذين هجَّرتهم من المدينة المنورة...
وكانت احدى المشاكل الكبرى التي واجهت الاسرة اجرة المنزل الذي نسكنه.. لا ادرى كم هو؟؟؟ ولكني اذكر ان أمى اخذت تقترضها من صديقتها اسماء الصابونية على وعد التسديد، في يوم ما... في يوم لم يأت حتى اليوم.
* * *
واخيرا طرق باب المنزل، جندى تركي... ناول جدى ورقة... واخذ يتحدث معه، ثم عندما ذهب واغلق الباب.. نادى امى وهو يقول:
إلى حلب... جهزى كل شئ.. سنسافر إلى حلب، بعد يومين كل اهالى المدينة لا بد ان يسافروا إلى حلب.. والذي لا يسافر، خائن.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :988  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 7 من 86
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج