شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
(( كلمة المحتفى به فضيلة الشيخ سيد سابق ))
ثم تحدث الشيخ سيد سابق حديثاً مطولاً فقال:
- بسم الله الرحمن الرحيم.. نحمد الله تعالى ونستعينه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه.. أما بعد... فإن الأمة الإِسلامية أمة رسالة ورسالتها هي النهوض بالإِسلام علماً وعملاً ودعوة.. والله سبحانه يحدد هذه الرسالة حيث يقول: كنتم خير أمة أخرجت للناس.. تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وتؤمنون بالله. والأمة المسلمة لا تستطيع أن تنهض برسالتها إلاَّ إذا توافرت لها عناصر الصلاحية تبعاً للقاعدة الإِلهية التي يقررها الله حيث يقول: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ويمكن أن نلخص عناصر الصلاحية في عدة نقاط.
- النقطة الأولى: إيمان صحيح يتبعه عمل، والرسول صلوات الله وسلامه عليه يحدث عن هذا فيقول: [الإِيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلاَّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإِيمان]. وفي حديث للإِمام البخاري الذي رواه في الأدب المفرد، وهو حديث وإن كان ضعيف السند فهو صحيح المعنى. يروي البخاري عن رسول صلى الله عليه وسلم: [ليس الإِيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم. وقالوا نحن نحسن الظن بالله وكذبوا. لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل] والإِيمان الصحيح الذي يتبعه العمل الصالح أساسه الشعور الحي، والضمير القوي، والضمير القوي كمظهر من مظاهر الإِيمان وكقوة للإِنسان. يذكر العلماء في تعريفه بأنَّه الشعور النفسي الذي يقف من الإِنسان موقف الرقيب، يدعوه للخير وينهاه عن الشر، ويحاسبه بعد أداء الفعل مستريحاً للإِحسان مستنكراً للإِساءة. فالضمير هو مظهر من مظاهر الإِيمان الصحيح، وهو عمل باطني، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "إذا أراد الله بالعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه". ويقول صلوات الله وسلامه عليه، وقد سئل عن علامة الإِيمان فقال: "إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن". فإذن الإِيمان قوة نفسية، ضمير حي، وشعور ليس شعوراً خافتاً وإنما هو متألق يصحب الإِنسان حيث كان.
- والنقطة الثانية: من عناصر صلاحية الأمة هي الوحدة الجامعة، ذلك أن الوحدة هي مظهر العزة ومظهر القوة، وهي الوحدة التي يمكن بها للأمة أن تتحدى أعداءها وتواجه خصومها. ومن هنا الإِسلام عمل على ترسيخ الوحدة وتجميع المسلمين بكل الوسائل، فبالوحدة الإِسلام يجعل الإِيمان هو محور التجمع والمحور الذي تلتقي عنده الجماعات المفترقة. حينما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "المسلم أخو المسلم"، وحينما يقول القرآن الكريم: إنما المؤمنون أخوة، علماؤنا في الأزهر يقولون بناء الحكم على مشتق يؤذن بعليّة الاشتقاق فهنا الأخوَّة مبنية على أساس الإِيمان.
- فالإِيمان هو المجمع. محور تلتقي عنده الجماعة المؤمنة. المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. هذه كلها تعابير لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وهي تعابير صحيحة خالدة على الدهر باقية على الزمن. رأى الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه وقد تفرقوا في المسجد وهم جلوس فقال: "ما لي أراكم عِزِيْن لو تجمعتم"، فاجتمع بعضهم إلى بعض إلى حالة يقول راوي الحديث فيها: فلو بسط عليهم ثوب لوسعهم. والوحدة في أبسط صورها أيضاً يدعو إليها الإِسلام ويحبب فيها حينما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام. الاثنان خير من الواحد والثلاثة خير من الاثنين، والأربعة خير من الثلاثة. فعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع هذه الأمة إلاَّ على هدى. وبالجانب الأخر الجانب الإِيجابي فرضية الوحدة والتجمع. وفي الجانب السلبي إنكار التفرق وجعله جريمة من كبريات الجرائم. وهذه الجريمة ليس جزاؤها الجلد ولا الرجم كأي حد من الحدود، لأن هذه الجريمة عاقبتها أوخم العواقب: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب أليم، العذاب الأليم الضعف، ثم الانحلال، ثم الزوال، فليست المسألة مسألة جريمة يُكافأ عليها ويُجازى عنها بعلقة أو بكرباج وإنما بضياع الأمة فذهاب الأمة وذهاب دينها ودنياها هو التفرق.
- فالأب الشرعي للضعف والضياع والذهاب هو تفرق الأمة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شِيَعاً كل حزب بما لديهم فرحون، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين. والرسول صلى الله عليه وسلم يكشف لهذه الأمة عن هذه السنّة الاجتماعية، ويبين أن الهلاك الطبيعي نتيجة حتمية للتفرق. والإِسلام يحاول ما استطاع أن يعالج الصلات حينما تتعرض للوهن. ومن بداية الأمر فلا ينبغي أن يترك أمر الأمة حتى يستفحل الخلاف، بل لا بد من علاج أسباب الخلاف وقد دعانا القرآن الكريم إلى ذلك، قال الله في محكم كتابه: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا. ومن هنا يدعو الإِسلام إلى إصلاح العلاقات حيث تتعرض للوهن والضعف. والقرآن الكريم يجعل الفرقة التي لم تعالج يجعلها كفراً، يجعل الوحدة إيماناً. التعبير القرآني وهو من أدق التعابير حينما حاول أحد اليهود أن يفسد العلاقة بين المسلمين، فأراد أن يؤرث الأحن والأحقاد، فمر بالأنصار وقد تجمعوا وذكر الماضي ففعلاً نسوا حقيقة الإِيمان إزاء الفتنة اليهودية التي حدثت بينهم، وإذا هم فعلاً يمتشقون السيوف ويتعادون ويرجعون إلى الجاهلية الأولى، فبلغ الأمر رسول الله فجاء مسرعاً قال: "لا.. أترجعون بعدي كفاراً..."، التعبير أترجعون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. ونزلت الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تُتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
- إذن لا بد من الوحدة وعلاج الخلاف. وقد يستعصي الخلاف. فينتهي الأمر إلى أن الرؤوس كلها يطوح بها إن لم يُطح بها حاضراً فمستقبلاً. ومن هنا يقول القرآن لا بد من أن تتوسط قوة هائلة لتقضي على الخلاف ولو لم يكن القضاء عليه إلاَّ بقطع الرقاب، لأن فناء البعض من أجل بقاء الأمة لا مانع من ذلك، فنحن دائماً نقول يضحى بالفرد من أجل المجتمع، ويضحى بالجماعة من أجل المصلحة، وبالحاضر من أجل المستقبل. ومن هنا يقول القرآن الكريم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون.
- والصف الواحد نجد فيه عادةً المستوى الأعلى والمتوسط والمستوى دون ذلك، والمستويات الضعيفة، والقرآن نفسه قسَّم المسلمين أنفسهم. قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا وهؤلاء المصطفون منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. وليس من المعقول أن يقوم مجتمع من البشر يختلف عادات وتقاليداً وميراثاً وعلماً وثقافةً ويكونون جميعاً في مستوى واحد من العلم، والعقل، والذكاء، والنبوغ، ومهما كان حتى الأنبياء أنفسهم قال الله سبحانه وتعالى: تلك الرسل فضَّلنا بعضهم على بعض منهم من كلَّم الله إلى آخره. فالقرآن يشير إلى معنى من المعاني.. العناصر الضعيفة في المجتمع ليست ضعيفة في الأجسام بل ضعيفة في الخلق. فهؤلاء يشيع فيهم النفاق والفساد والدسائس، وهي عوامل من شأنها أن تنخر في جسد الأمة مثل السوس ينخر في الخشب فيفسده، فلا بد من الضرب على أيدي العابثين والمنافقين والمرجفين والدساسين حتى يكون المجتمع في صورته المثالية كمجموع.
- وقد أمرنا القرآن الكريم بالضرب على أيدي هؤلاء الذين يسعون في الأرض فساداً فقال: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلاَّ قليلاً. ملعونين أينما ثقفوا، أخذوا وقتلوا تقتيلاً. سنّة الله في الذين خلوا من قبل.
- وقد حذرنا القرآن الكريم من الأساليب التي يلجأ إليها الأعداء، ولعل أمضى سلاح في يدهم هو إيجاد الخلاف بين الأمة الإِسلامية، ومن هنا قال الله سبحانه في محكم آياته يحذرنا: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً.
- إذن لا بد أن نتقي أعداء الإِسلام وأعداء الأمة.. نتقي الضرر الذي قد يحدث منهم، والله عرَّفنا أخطارهم وقال: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء. ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم حتى من الخير، ولو كان هذا الخير بسيطاً. ثم قال سبحانه: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا فإذن لابد من الحذر ولابد من الوحدة التي نستطيع بها أن نواجه أقوى الخصوم.
- النقطة الثالثة هي: نقطة الصلاحية بالنسبة لميراث الأمة. الأمة هذه أمة وظيفتها نصرة الحق على الباطل، وأن تعلي كلمة الله، وأن تحقق معنى الخلافة في الأرض، فيجب أن نكون نحن خلفاء عن الله وسادة في الدنيا، لأن خلفاء الله في الأرض ليسوا جماعة منطوين على أنفسهم ليسوا جماعة قابعين في الأركان والزوايا، خلفاء الله في الأرض هم الذين يحملون المصحف في صدورهم والسيف بأيمانهم كما قال الرسول: "أنا بعثت بهذا وبهذا لأقّوم بهذا من عدل عن هذا".. لا بد أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله تفرض عليَّ أن أصارع الشيطان، وأصارع الباطل، وأصارع الكفر ما بقي الكفر في الأرض. إذن لابد من الجهاد، ولكن الجهاد في الإِسلام جهاد حضاري لا يهدف إلى إفناء الخلق، ولكنه جهاد يرمي إلى إحياء الناس وإحياء الخلق، إحياء المثل والقيم وإحياء البشر. لكن كيف يكون ذلك؟ يتم ذلك عندما يبدأ الإِسلام بجهاد النفس الإِنسانية فيبدأ الإِنسان بنفسه، والمرض النفسي أساسه الهوى والشهوات والقرآن الكريم يقول: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها. وفكرة جهاد النفس يعني أنظم سلوكها بأن آخذ من الحياة القدر الذي أباحه وأحله، فأستمتع بالحياة كأحسن ما يكون الاستمتاع لكن في حدود القصد والاعتدال قال تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرجَ لعباده والطيبات من الرزق. قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. وليس مجاهدة النفس في الإِسلام حرمان النفس ولكن اعتدال النفس. وإذن فلا بد بادئ ذي بدء من الانتصار على نفسي وعلى رذائلي ونقائصي، وعندما يصل الإِنسان إلى هذه المرحلة يكون قد بلغ مرحلة الرشد الإِنساني، قال القرآن الكريم: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فالرشد الإِنساني هو الرشد النفسي، وعندما يصل الإِنسان إلى هذا المستوى الذي وصفه الله في هذه الآية الكريمة. يناديه الله في الآخرة بهذا النداء الجميل: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي النقطة الثانية، أنا كمجتمع.. المجتمع الإِسلامي هو الداعية قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس فالأمة المسلمة هي المسؤولة عن حمل الرسالة وتبليغها بعد موت النبي محمد عليه الصلاة والسلام لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين. فلا بد أن تكون في المستوى الأعلى من حيث العقيدة، ومن حيث الخلق، ومن حيث الجهاد، ومن حيث نشر كلمة الله.
- إن هذه الأمة تقوم مقام النبوة، وأنتم معشر المسلمين والمؤمنين تمثلون الأنبياء في تبليغ الرسالة. قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "عليكم بسنتي وسنَّة الخلفاء المهديين من بعدي". أي الناس الذين يأتون من بعدي، ويتمسكون بسنتي، ويعلمون الناس سنتي. ومن هنا فالجهاد الثاني بعد جهاد النفس هو أن تجهِّز الأمة نفسها حتى تكون في مستوى رفيع، مستوى إنساني كريم، بحيث يتمثل الإِيمان في السلطة وعطاء القيادة، وأن تسود الفضائل والقيم الحميدة، وأن يأخذ القانون والعدالة مجراهما.
- ولكي نصل إلى هذا المستوى لا بد من مجاهدة النقائص داخل المجتمع في جميع الأوساط، وعلى كل المستويات حتى تصبح الدولة مثلاً أعلى، والمدرسة مثلاً أعلى، والبيت مثلاً أعلى، حتى الشارع يجب أن يكون مثلاً أعلى، ويجب ألا يصدر عنها جميعاً إلاَّ الكمال وإلاَّ الفضائل. ولن يتحقق الأدب الرفيع والخلق المنيع.. الخلق العالي إلاَّ بجهاد النقائص بجانب جهاد النفس الذي يبدأ من الفرد، حيث أنه محور وأساس التوجيه، ثم يأتي دور الأمة كأمة مسلمة يجب أن تبقى حرة مستقلة لأن لها عقائدها ولها مثلها، ولها القيادة والريادة والسيادة، فهي أمة محمد عليه الصلاة والسلام وعليها أن تعد نفسها للجهاد، لأن الباطل لن يكف عن مناوأة الحق، والصراع بين الحق والباطل قائم منذ قابيل وهابيل، بل منذ أن دخل إبليس على أبينا آدم وأخرجه من الجنة.
- فالمسألة كبيرة. ولا بد أن تعد الأمة نفسها حتى تكون أمة حرة مستقلة ولكي تكون أمة حرة مستقلة تحتاج إلى أمرين... الأمر الأول: تربية معنوية مبنية على الإِيمان الذي تصحبه التضحية والفداء والعطاء، قال الله سبحانه وتعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.
- الأمر الثاني: أن تعد الأمة نفسها إعداداً مادياً يتمثل في أمرين: تدريب البشر وإعداد السلاح والذخيرة ويجب أن تعد الأمة من الناحية النفسية ومن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام سيد هذه الأمة التي كان يعد بها أصحابه نفسياً للجهاد، قوله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلاف سرية قط ولوددت أنِّي أقتل في سبيل الله. ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل". وهكذا نجد أن أنواع الجهاد الثلاثة هي: جهاد النفس، جهاد النقائص داخل المجتمع، والجهاد الذي نواجه به أعداء الله الذين يتربصون بنا الدوائر.
- النقطة الأخيرة في عناصر القوة لهذه الأمة هي أن تتسم بسمة، وهذه السمة تكون في كل فرد من أفرادها، وهي سمة الوعي، أي أن تكون الأمة الإِسلامية أمة واعية تعي رسالتها، تعي دورها، تعي وضعها، تعي السياسة، تعي الجانب الاجتماعي، الجانب الاقتصادي، تعي كل ما يتصل بجانب الوعي الذي يعطي الحياة. وعلى ذكر الوعي أحب أن أسرد على أسماعكم هذه القصة الطريفة وهي: مر رجل بجماعة من البدو يتسامرون فسألهم: هل ورد شيء من القرآن في الرفق بالحيوان؟ فأجاب السامعون بأنهم لا يعرفون آية تنص صراحة على ذلك أي تقول: ارفقوا بالحيوان أو ارحموا الحيوان. ولم نسمع شيئاً من هذا القبيل في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالقرب منهم كانت إحدى السيدات تصلي، سمعت ما دار بين السائل والحضور فخففت الصلاة، وبعد التسليم قالت: أحضروا الرجل وسألته قائلة: عم تسأل؟ فأجابها أنه سأل عما إذا ورد في القرآن ما يدل على وجوب الرفق بالحيوان. فقالت: ألم تقرأ قول الله عز وجل: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم.
- وهكذا استطاعت هذه السيدة أن تستنبط الرفق بالحيوان من آية من كتاب الله، إنه وعي وإدراك عميق نحن في حاجة إلى وعي تام وشامل، وعي صحي، وعي سياسي، وعي اجتماعي، وعي دولي لأن مثل هذا الوعي سوف يبصرنا بحقائق الرشد ومواقع الغي، وهو الذي سيشعرنا بمسؤوليتنا وسيكون لنا قوة على مواجهة الباطل. ومتى وجدت هذه النقاط مجتمعة فإنه يمكن للأمة أن تأخذ طريقها، وهذه هي عناصر الصلاحية: إيمان صحيح، يتبعه عمل صالح، وضمير حي يشغل قلب كل فرد، ووحدة جامعة، وجهاد بشعبه، ووعي صحيح.
- نحن لا نشكو من الثروة المادية، ولا من الكثرة العددية لأن عندنا ألف مليون، ولكن ينقصنا من الجانب الحضاري حاجات كثيرة.
- فعلينا أن نتخذ الأسباب المادية بقدر ما نستطيع، ثم نستمسك بالقيم جوهر الإِسلام ومن هنا نكون من حزب الله الذين ينصرهم ويؤيدهم ويظهرهم على عدوهم، والله يقول لهم: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين.
- هذه هي النقاط التي أحببت أن أتحدث عنها في هذا المجلس الكريم الطيب، وهو مجلس مبارك وطيب، لقد سعدت بهذا اللقاء وهذا ما خطر لي أن يكون موضوع الحديث. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد أن أنهى المحتفى به حديثه طلب الأستاذ حسن عبد الحي قزاز منه أن يذكر نبذة عن حياته العلمية والدراسية، ولكن المحتفى به لم يسمع حقيقة الطلب فأجاب إجابة بعيدة عن طلب الأستاذ حسن قزاز حيث قال في إجابته:
- هناك قانون، وهناك أسباب ومسببات، وهناك سنّة الله ونحن لا ننكر السبب الإِلهي في نصرة المسلمين، لكن يجب أن نتخذ الأسباب المادية كلها والتي تقودنا إلى النصر. فلا بد أن نكون أعلم أهل الأرض، وأقوى أهل الأرض كمحاربين، وأن تكون حضارة الإِسلام أرفع حضارة والإِسلام هو الحضارة، والحضارة تعني رقي الفرد والمجتمع، إيجاد الترابط في المجتمع، والازدهار في الثروة، والعدل في الحكم. وهذه هي الحضارة فرد مؤدب، وأسرة منسجمة، مجتمع متماسك مترابط يعيش متحاباً متواداً متعاوناً دولة عادلة، ثروة، مال موجود.
- والإِسلام يريد حضارة كاملة لا نقص فيها، حضارة جميلة لا قبح معها، يريد الحياة أن تكون كأحسن ما تكون الحياة. والإِسلام باقٍ بفضل الله حتى قيام الساعة، لكنه يمر في رحلته بعمليتي جزر ومد، قوة وضعف. وهو في عصرنا الحاضر مفرق ومهلهل، أي تعتريه بعض عوامل الضعف، وإني لأذكر في إحدى زياراتي للولايات المتحدة أنني اجتمعت ببعض الإِخوة المسلمين والذين يودون أن يروا للإِسلام دولة في أمريكا، فسألوني سؤالاً وقفت حائراً عند الإِجابة عليه قالوا: كيف نستطيع أن نقيم دولة في أمريكا؟ فقلت لهم: رُبما تكون هذه الغاية حلماً في الوقت الحاضر، لكن ليس من المستحيل أن تصبح حقيقة في الغد. فدولة إسرائيل قامت من فكرة مرت بعقل أحد أبناء اليهود، وسعى لتحقيقها فصارت اليوم حقيقة، ونحن نملك جميع الوسائل المادية والأدبية لإِقامة دولة ولإِقامة حضارة. لكن القضية كما يقول الشاعر العربي القديم:
أما الخيام فإنـها كخيامهـم
وأرى نساء الحي غير نسائهم
- أين الرجال الذين يستطيعون حمل هذه الرسالة والسعي إلى تحقيقها؟ والذين يمكن أن ينطبق عليهم قول الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: لا إسلام إلاَّ بجماعة ولا جماعة إلاَّ بإمارة أي يجب أن تكون الأمة الإِسلامية وحدة متماسكة في أهدافها وفي سعيها وأن يكون قادتها صالحين يعملون لخير الأمة. ولقد قيل: من ولاه قومه على علم وفقه كان نجاة له ولهم، ومن ولاه قومه على جهل كان هلاكاً له ولهم.
فالأسباب والمسببات أمر طبيعي ولن تتحقق أهداف الأمة الإِسلامية إلاَّ بوجودها وواقعنا الحاضر الملموس يثبت صحة ذلك، فخطباؤنا في كل يوم جمعة يقفون على المنابر يدعون الله أن يشتت شمل اليهود والكفرة، وأن يدمرهم، وأن يفرق جمعهم، وأن يجعلهم وأموالهم وديارهم غنيمة للمسلمين. ولكن الواقع أن المسلمين هم الذين يزدادون كل يوم فرقة وتقاطعاً، ويقاتلون بعضهم بعضاً، ويدمرون بأيديهم ديارهم فلماذا لم يستجب الله دعاء خطبائنا وتأميننا على دعائهم؟
- لأننا ندعو وقلوبنا خالية من نور الإِيمان الحقيقي، ونستغيث ونحن في بيوتنا نأكل ونشرب، ونحن لو أمعنّا النظر عند قراءتنا قول الله سبحانه وتعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم لأدركنا أن استجابة الله لاستغاثة المسلمين كانت لهم وهم في ساحة القتال يقاتلون في سبيل نشر الدعوة ورفع كلمة الله، والله ينصر من ينصره. فالقضية كبيرة ونحن مسؤولون أمام الله عنها وهذه هي الأسباب التي يسأل عنها أخونا السائل كما فهمت منه.
وبعد أن انتهى فضيلة الشيخ سيد سابق من رده على سؤال لم يسأل عنه بيَّن الأستاذ حسين نجار للمحتفى به أن السائل كان يسأل أو يطلب بالأصح من فضيلته أن يسرد نبذة عن حياته الدراسية والعملية فقال مجيباً:
- للرد على هذا الطلب أود أن أحكي لكم حكاية رمزية تبين تاريخ حياتي، وإن كانت ليست إجابة على السؤال.
- زار رجل مقبرة فوجد مقابر الملوك والوزراء والأغنياء والكبار، وقد كتب على كل واحد منها اسم المقبور وبيان مدة حياته بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام أو نصف يوم أو ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات وهلم جرا، فاستغرب الرجل أن ملكاً أو وزيراً أو غنياً عاش عدة ساعات ولم يجد حلاً لهذا اللغز في نفسه.
- فسأل حارس المقبرة عن حل هذا اللغز الذي أرهقه البحث عن تفسير له فقال له الحارس: يا بني إن عمر الإِنسان عندنا يقاس بما قدمه من عمل صالح خلال حياته، فقال الرجل للحارس: يا أيها الحارس أرجوك أن تتذكر وصيتي لك عند موتي وبعد دفني اكتبوا على قبري: هذا قبر فلان خرج من بطن أمه إلى القبر.
- وأنا لا أرى ما يدعو إلى أن أذكر تاريخ حياتي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :868  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 85 من 118
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج