شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
(( كلمة المحتفى به ))
ثم ألقى الأستاذ عمر عبد الله خوجه نيابة عن والده الكلمة التالية:
- بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد أيها السادة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله اسمحوا لي بتقديم نبذة عن حياتي أذكرها ليس للتباهي والتفاخر وإنما عمن طواه النسيان لسنين طويلة، فالاسم هو عبد الله أحمد خوجه وتاريخ الميلاد كما أذكره مكة المكرمة عام 1320هـ كما هو مذكور في الحفيظة وإن كان يزيد أو ينقص بعض الشيء. والحالة الاجتماعية متزوج ولي ابن واحد هو عمر الماثل أمامكم، والمتشرف بإلقاء هذه الكلمة نيابة عني، ولي أحفاد منه يدرس اثنان منهم بالجامعة ولله الحمد، أما تعليمي الأول فكان في أحد كتاتيب مكة المكرمة وهو كتَّاب الشيخ عبد الله أحمدوه سناري، ثم تحول هذا الكتاب إلى مدرسة الفلاح بمكة ودرست فيها سبع سنوات تقريباً، وأخذت قسطاً من التعليم بالمدرسة الراقية، ثم عملت مدرساً ولم يتجاوز عمري الرابعة عشرة في عدة مدارس لأكثر من سبعين عاماً، أذكر منها مدرسة الصفا، والمدرسة الفخرية العثمانية، ومدرسة المسعى الهاشمية التي من ضمن طلابها آنذاك الملك طلال، والد الملك الحسين ملك الأردن حالياً.
- و تدرجت من أستاذ إلى مراقب، ثم إلى وكيل مدير، فإلى مدير، وقد تخرج من تلك المدرسة التي هي أول مدرسة في العهد السعودي إذ سميت في عهد جلالة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه بالمدرسة الرحمانية كثير ممن يشغلون وظائف عُلْيا في الدولة أو المؤسسات، منهم الفريق أول عبد الله المطلق قائد عام الجيش السابق، والأديب حسين عرب ومدير الفلاح بجدة سابقاً الشيخ صالح خزامي، ومفتش المعارف سابقاً الشيخ عبد الله الساسي، والشيخ عمر عراقي مدير برق مكة سابقاً، ثم نقلت خدماتي إلى دار الأيتام لأكون مديراً لها ما بين 1354، 1355هـ في عهد مدير الأمن العام مهدي بك المصلح، وكان المتخرجون منها يلتحقون بالمدرسة العسكرية بأجياد التي سميت أخيراً بكلية الشرطة.
- وأذكر من الذين تخرجوا فيها من أصبح مديراً للشرطة، ومن أصبح بها مديراً للأمن كأمثال الفريق: طه خسيفان يرحمه الله، ومدير الشرطة بجدة العنقاوي واللواء عبد الله الشيمي، ثم انتقلت إلى المدرسة الصولتية رئيساً للقسم التحضيري، وقد ألفت بها أول فرقة كشافة في المملكة في غرة عام 1361 هجرية، وبعدها بثلاث سنوات تقريباً ألف الشيخ عمر عبد الجبار أول فرقة كشافة حكومية في مدرسة تحضير البعثات، وكان ضمن الطلاب في كشافتي الأديب الأستاذ محمد عبد الله مليباري، ومساعد مدير جوازات مكة الأستاذ حسين عبد الرحيم، واللواء عبد الله الشيمي، والأديب عبد الكريم نيازي، وأخوه الأكبر عبد الله نيازي.
- كما أني فكرت أن أستغل فترة المساء في تعليم الكبار ومحو الأمية فأسست أول مدرسة ليلية في المملكة وهي مدرسة النجاح الليلية في مكة في غرة محرم 1350هـ، ومن ضمن المتخرجين فيها الأستاذ عبد الله إبراهيم رجب، والمذيع علي داود وممن يحملون الماجستير أمثال مساعد مدير الندوة بمكة الأستاذ علي القحطاني وأخوه محمد قحطاني مدير إدارة برئاسة الحرمين وغيرهم ممن لا أستطيع ذكرهم جميعاً لأن المجال لا يتسع حتى أصبح لي في كل وزارة وإدارة وبلد أصلها تلميذ أو طالب وهذا رصيدي في الحياة، والحمد لله إذ إن تقاعدي بعد كل ذلك لا يتعدى ألف ريال شهرياً، ومساعدة من الملك فيصل يرحمه الله مثلها وإن الذي دفعني إلى تأسيس هذه المدرسة الليلية لتعليم الكبار هو أنني وجدت من أبناء البلاد أمثال البادية وعيال الحارة الصفات الجميلة، كالشجاعة، والنخوة، والشهامة، والكرم، وإنهم كالجوهرة التي تحتاج إلى صقل بالتعليم، وبعد مضي أكثر من نصف قرن على عملها المتواصل أصبحت مدارس النجاح الليلية بعد أن تنازلت منذ عامين عن إدارتها لابني عمر الذي كان يساعدني على العمل بها منذ أكثر من ثلاثين عاماً وقد افتتح بها أقساماً للمتوسطة وسيفتتح بها أقساما ثانوية بإذن الله متى ما توفرت الإِمكانات المادية، وأنا أول من وَحَّدْتُ زي الطلاب وهو الثوب الأبيض والمعطف الأسود إذ كان يرتدي الطلاب في مدارس النجاح الليلية هذا الزي منذ أكثر من خمسين عاماً في حفلاتهم السنوية التي كانت تقام في مكة في أهم ميادينها وتنشد لأول مرة فيها الأناشيد الجميلة المصاحبة للموسيقى العسكرية وتلقى فيها الكلمات الجدية، والهزلية، والتمثيليات حيث لا إذاعة ولا تلفاز آنذاك، والمسرحيات الاجتماعية التاريخية التي تعالج المشاكل وبها أسست أول فرقة رياضية للألعاب السويدية، والجمباز وحمل الأثقال يتذكرها بعض كبار السن.
- وأتذكر أنني حينما راجعت عند افتتاحها المسؤول عن المعارف آنذاك لأخذ الإِذن بفتح المدرسة قال لي: "لا تتعب نفسك يا ابني، لأن تعليم الكبار كالنقش في البحار"، ومن أين لك بالمال الذي يؤمن لك داراً للمدرسة وأثاثاً ورواتب وغير ذلك؟ فقلت له: إن كل شيء لله يدوم ويتصل ولغير الله ينقطع وينفصل، وبالفعل لله مزيد الحمد والثناء فقد دامت لستين عاماً تقريباً وهي تؤدي رسالتها على أكمل وجه وإن كانت ضعيفة الحظ كمؤسسها لم تذكر حتى في يوم الاحتفال العالمي بمحو الأمية وبالفعل كما قال لي المسؤول عن المعارف من أين آتي بالأموال فقد كنت أطالب المحسنين بالمساعدة ووجدت التجاوب من البعض أمثال الشيخ طه خياط، والشيخ إبراهيم الجفالي، الشيخ فؤاد شاكر رحمهم الله جميعاً ومن الموجودين حفظهم الله أمثال أبي داود، وابن زقر، وعبد الرحمن فقيه وغيرهم أكثر الله من أمثالهم الذين يعطون بدون مَنٍّ أو رياء، فأحسن الله لهم الجزاء... أما غيرهم من المحسنين من الأدعياء فكانت وعودهم لي كثيرة ومنهم من يقول لي: تعال في رمضان وخذ الزكاة، وفي سبيل استمرار سير المدرسة تحملت كثيراً ووقفت في رمضان مع "المتسولين" في صف طويل وأنا صائم وعندما جاء دوري وقابلت وكيل المحسن الكبير الذي أعلن على صفحات الجرائد بأنه يقدم لي مساعدة شهرية طلب مني ذلك الوكيل أن أقوم بالتوقيع على كشوف استلام اثني عشر شهراً في حين أنه لا يعطي إلا منحة شهر واحد في حدود (1000) ريال، فأبيت وأبى أن يعطي إلاَّ بعد أن أوقع.
- وبذلك توقف هذا المحسن الكبير ووقف غيره من المحسنين الذين سمعوا بأنه سيقوم بمنحي منحة شهرية، كما أن بعض المدرسين بالمدرسة كان يطالبني براتب شهري دون انقطاع وهو يحدده ومنهم من يرضى بالقليل وعلى قدر إمكاناتنا وأذكر منهم بالشكر السيد علوي مالكي رحمه الله، والشيخ حسن دلال والشيخ أحمد عجيمي يرحمه الله وغيرهم. إن هذه المدارس هي رائدة المدارس الليلية التي عمَّت المملكة الآن في عهد جلالة الملك المعظم فهد وولي عهده الأمين وقبل إحالتي على التقاعد زاولت مهنة التدريس لأكثر من عشر سنوات في منطقة الدفاع بمكة "القشلة" مدرساً لجنودها، وبعد إحالتي على التقاعد منذ أكثر من عشرين عاماً تقريباً أسست أول متحف للآثار في المملكة وقد ساعدني كل من الشيخ عبد الله عريف أمين العاصمة المقدسة سابقاً رحمه الله، والشيخ محمد سعيد فارسي أمين مدينة جدة الحالي حفظه الله... أقول ساعداني في إيجاد أرض ببحرة وقد بنيت عليها بعض الغرف وحوطتها بحوش على قدر إمكاناتي المادية وجمعت فيها من التحف القديمة أمثال المركبات "كالشقدف" و "الهودج" و "الشبرية" و "العربية الكارد" و "الفيتون"، ومن أدوات التعليم كالمروحة القماش التي تعلق في السقف أيام زمان، والفلكة والمحبرة (البشت تختة) التي يجلس عليها المعلم وهي أشبه ما يكون بالطاولة، وبعض الكتب النادرة، والمخطوطات القديمة ومن أدوات الحرب كالسيوف، والرماح، والخناجر، والرماح المطعمة، وأدوات الطعام، والزينة، والزفاف، والإِقلابة، والإِصرافة، للطلاب الصغار آنذاك والصور القديمة وأكثر من ثلاثين حجراً منقوشة عليها آيات قرآنية يعجز عن كتابته القلم كخط الرقعة، والنسخ، والثلث، والسدس، والريحاني، والفارسي، والديواني والحلبي والصفدي، والمسماري، من الخطوط التي تكاد أن تندثر وكنت أود أن أفتح لها مدرسة خاصة لتحسين الخطوط وتعليمها لحفظها من الضياع على مر السنين.
- وقد زارني في المتحف كثير من الأدباء الغربيين وقدم لي البعض أقياماً عالية لشراء بعض المقتنيات من محتويات المتحف النادرة وأبيْت راغباً في بقاء الآثار تأريخاً للأجيال الصاعدة، وزارني أيضاً بعض الأدباء السعوديين ومنهم الشيخ عبد القدوس الأنصاري رحمه الله، الذي كتب كغيره من الصحفيين الذين أشادوا به آنذاك وصوروا طلاب مدرستي، الليلية، وهم مرتدون الجبة والعمامة وأمامهم بعض أدوات الآثار القديمة أمثال القناديل، والشمعدانات، والفوانيس ليظهروا كيفية أداء صلاة التراويح قبل نصف قرن من الزمن وأيضاً تشرفت بزيارة سمو الأمير عبد الله الفيصل الذي ما إن رأى عيني وقد أنهكهما التعب واجتمعت فيهما المياه الزرقاء، وأصبحت كفيفاً حتى أمر سموه حفظه الله ببعثي إلى الخارج للتداوي، وفعلاً عاد بعد ذلك إليَّ بصري فجزاه الله خير الجزاء.
- وأيضاً على أثر ما كتب عن متحفي بالصحف وصلني خطاب من جلالة الملك فيصل يرحمه الله يشكرني فيه على فتح أول متحف وأنه ينوي نقل محتويات المتحف إلى الرياض لفتح متحف عام للمملكة، وبالفعل وصلت لجنة حملت كل المحتويات على أكثر من خمس سيارات مرسيدس كبيرة إلى الرياض، وانتظرت، وانتظرت أن يصلني ما قدرته اللجنة المحترمة. ولما طال انتظاري ولم يصلني شيء سافرت بنفسي للرياض، وبعد مراجعات عديدة ما بين عدة جهات تسلمت مبلـغ سبعين ألـف ريال "70.000 ريال" قيمة للمتحف فقلت ما دام أن متحفي سيكون نواة لمتحف عام فكل شيء يهون في سبيل ذلك.
- وفي الختام أشكر سيادة الأستاذ الكبير عبد المقصود خوجه ابن العلامة الشيخ محمد سعيد خوجه الذي يسعى حثيثاً للبحث عمن طواهم النسيان ولهم ماض في التعليم، أو الأدب ويكرمهم بالاثنينية التي هي بمثابة حفل تكريم لجهود من طواهم النسيان، فجزاه الله خيراً وأكثر الله من أمثاله الغيورين بالوطنية الحقة، وأشكر كل من شرفني بالحضور في هذا الحفل وأشكر حكومة جلالة مولاي الملك وولي عهده الأمين المخلصين الذين يقدرون لكل شخص عمله، والعجز عن أداء واجب الشكر شكر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- على أنني أود أن أسرد عليكم بعض النوادر التي مرت علي وهي نوادر كثيرة فأول طرفة أو نادرة منها حصلت لي بالمدرسة الرحمانية بالمسعى في الخمسينات إذ كان يوجد طالب شقي أعرف لقبه اسمه المؤمنة وقد كان كثيراً ما يأمرني مدير المدرسة الشيخ مصطفى يغمور رحمه الله بضربه وتأديبه بالفلكة (1) لأنه يومياً إما أن يشتم هذا، أو يضرب ذاك وأنا بحكم عملي مراقباً أنفذ عليه الجزاء ولكنه لم يرتدع وذات مرة جمع عدداً من الحمَّال وأدخلهم في بدروم المدرسة وقال لهم: هنا يُوجد ما يمكنكم حمله ثم قفل عليهم الباب وخرج كان ذلك يوم الخميس وذهب إلى داره، ونسيهم يوم الجمعة، عندما حضر يوم السبت صباحاً الشيخ مصطفى يغمور وسمع بالبدروم من يزمجر ويشتم فأمر البواب أن يفتح الباب وما أن قام بفتح الباب حتى هجموا عليه وضربوه ضرباً مبرحاً له ظناً منهم أنه والد الغلام الشقي الذي سجنهم يومين بدون ماء ولا طعام، ولقد حاول أن يعرف الأسباب منهم لأنه لا يعرف شيئاً ولكنهم لم يقولوا له شيئاً بل تركوا أيديهم تتكلم ضرباً ولكماً حتى تورم وجهه وقد عرف أن الذي فعل ذلك هو "المؤمنة" الذي هرب من المدرسة، وعاد بعد يومين معتذراً وقام بدعوتي ومدير المدرسة إلى دارهم لتناول طعام الغذاء بعد صلاة الجمعة حتى يكفر عن خطيئته. وفي يوم الجمعة المحدد بعد الصلاة حضرنا فاصطحبنا إلى غرفة الجلوس يرافقنا بعض رفاقه، ثم نزل ونحن نتجاذب أطراف الحديث ظناً منا أنه سوف يحضر إلينا القهوة والشاي، أو الغذاء فإذا به يقفل علينا الباب كما فعل بالحمَّال.
- وظللنا داخل الغرفة حتى أذان المغرب بدون غداء ولا ماء، وتوعده المدير بأن يفصله لكنه فصل نفسه بنفسه ولم نره إلا بعد سنوات طويلة وله لحية طويلة وقد هداه الله.
- أما الطرفة الثانية أو النادرة الثانية فقد كنت رئيساً لفرقة الكشافة بالمدرسة الصولتية، وكان من ضمن الطلاب طالب أندونيسي خرج من وسط الطلاب مهدداً لي مزمجراً بكلام ذي لكنة أعجمية قائلاً: أنا لست كشَّافاً يا شيخ بمعنى أنني لا أريد أن أكون كشافاً لأن الأطفال يعيِّرونني بقولهم أنت كشاف ما فيه حجر وما فيه لمبة، فأخبرته: أني كشاف مثلك وأرتدي بدلة الكشافة، وهذه الكشافة لها ألعاب رياضية ولها فوائد أخرى لخدمة المجتمع، ولكنه لم يرضخ وهددني بكلتا يديه وكاد أن يضربني بقبضة يده مردداً: أنا لَسْتُ كشَّافاً، ثم خرج مهرولاً.
- أما الطرفة الثالثة فقد كنت مدرساً لجنود الدفاع بمكة وذات يوم رأيت جندياً يصلي صلاة المغرب إماماً بالجنود فسمعته يقرأ سورة الناس مضيفاً إليها من تلقاء نفسه كلمات وجملاً مسجوعة فكان يقول: "قل أعوذ برب الناس ملك الناس الذي يعطي كل الناس، ويحرم قليلاً من الناس، ويعافي الناس، ويمرض الناس، ويبعد الشيطان الخناس عن قلوب الناس، لأن الشيطان الوسواس يجعل بعض الناس تتخاصم مع بعض الناس... إلى آخره"، وبعد الانتهاء من صلاته أخذته إلى ناحية من المسجد وأخبرته أن صلاته باطلة وأن ما قاله ليس من القرآن فصاح قائلاً: أنت رجل فاضل وهذا الكلام لا يرضي ربنا، اذهب في طريقك فأنت جاهل واتهمني بالغباء ثم تركني وذهب.
- أما الطرفة الأخيرة فكانت بالمدرسة الليلية حيث كانت تضم عدة طلاب من أبناء الحارة ومن ضمنهم طالب يسمي بالحسنين وكان له مخ جملي متحجر جداً، وحينما يحضر إلى الدرس يرتعش ويتلو على نفسه الآيات كالمعوذتين وكأنه سيدخل الحرب، أو سيصبح نابليوناً، وبالتالي فإن كل المدرسين كانوا يشتكون من غيابه، وضعفه وعدم معرفته لكتابة اسمه. كان الوعي آنذاك عند أغلب الناس متأخراً فلا تلفاز، ولا مذياع، ولا صحافة مما يساعد على تقدم وعي الشاب لدرجة أنك إذا قلت للواحد: شوف الثور في الإِبريق، يصدق ويبقى ينظر فيه برهة وأخيراً يقول: أنا لا أرى ثوراً ولا غيره علماً أن الإِبريق لا يسع لرجل ثور، فقلت للمدير: أنا سأدخل الفصل الذي يدرس فيه الحسنين كي أقوم بتقويمهم في الكتابة بطريقتي الخاصة، فدخلت وسلمت عليهم بطريقة أبناء الحارة قائلاً: سلام يا جماعة، فقالوا: هلا... عليكم السلام، فجلست... ثم قلت لهم: أنا عندي حكاية: وحدوا الله... والذي عليه ذنب خطير يقول أستغفر الله فقال الجميع: لا إله إلاّ الله أستغفر الله العظيم، ثم واصلت حديثي قائلاً وصلت باخرة إلى جدة وعليها 28 حاجاً أقصد بذلك حروف الهجاء، فخرج أول هؤلاء الحجاج أجرد كالعصا التي يلعب بها في لعبة المزمار، فقالوا جميعاً: هذا هو الحرف "ألف" وبعده ثلاثة إخوان لكن هذه الطريقة لم تجد نفعاً مع حسنين وترك المدرسة، فأقسمت أن أعطيه درساً لا ينساه إذا عاد إلى المدرسة فجاءني أخ شبيه له فكلمني من ورائي حيث كنت أنظر إلى الجدول المعلق على الجدار، وقال لي: الحسنين فما سمعت كلمة حسنين حتى صحت قائلاً:
- حسنين ضعوه في الإِحرام (2) فوضعوا الرجل في الإِحرام بالقوة وبعد أن ضربته ضربة واحدة قال لي: أنا أخو الحسنين، فقلت له: لا حول ولا قوة سامحني يا أخي، قال: سامحني، إيه عصا منك يا شيخ عبد الله تعدل عشرين جلدة من غيرك. وأخيراً أرجو من الجميع السماح فيما إذا بدرت منا أية هفوة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1359  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 74 من 149
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج