شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
كلمة المحتفى به
ثم يلقي المحتفى به الأستاذ هاشم زواوي الكلمة التالية:
- بسم الله الرحمن الرحيم، وأحمد الله على هذا الاجتماع الكريم، وأسأله تعالى أن يجزي عنا خير الجزاء، لا أقول الصديق بل أقول الابن عبد المقصود كما سميته سابقاً وقبل حوالي أربعة وأربعين عاماً.
- قبل كل شيء.. لقد وصفني كاتب الخبر الذي ورد في جريدة الندوة اليوم بالشاعر.. والحقيقة إنني شاعر بالعجز عن الوفاء بالشكر للصديق الحبيب الابن عبد المقصود على ما أضفاه عليَّ من فضل ومكرمة جزيلة لا يمكن أن أنساها أبداً ما بقي لي من العمر بعد هذه السن التي بلغتها في الحياة.
- أود أيها الإِخوة أن أستعرض قبل كل شيء صلتي بأبي عبد المقصود، فقد عرفته شاباً ذا طاقة جبارة في العمل والإِنتاج، وفي لمِّ شعث إخوانه من الأدباء الذين كانوا يدينون له بالفضل ورأب صدعهم، وتقديم عطاء ثر للوطن والأدب في هذا البلد الكريم، لقد سمعت من رئيس ديوان نائب جلالة الملك الشيخ إبراهيم السليمان رحمه الله إعجاباً بأبي عبد المقصود.. الأستاذ محمد سعيد.. وقال بالحرف الواحد: كنت أتمنى أن أكون مثله عطاء وجرأة وصدقاً، فلماذا لا يسير الشباب على غراره ومنواله؟ قال لي هذا الكلام في الوقت الذي كان يحاكم فيه محمد سعيد عبد المقصود على مقالة كان ينشرها في "أم القرى" تحت عنوان الغربال.
- هكذا كان محمد سعيد، وكانت سمعته في العطاء لبلده وفي إنماء الحركة الأدبية، وليس عجيباً أن يصدر عنه المجموعة الشعرية الأدبية التي سميت فيما بعد باسم "وحي الصحراء". ونحن الشباب الصغير آنذاك.. وأقولها ولا فخر.. يشاركني في ذلك الزميل السيد علي فدعق، حذونا حذوه في لمِّ شعث الأدباء الصغار الذين كانوا يزاملوننا ونزاملهم في الدراسة وبدء التدرج في مدارج الكتابة الأدبية، والكتابة الأدبية. أعجبني قول الأستاذ صديقي معالي الشيخ محمد عمر توفيق في مقال أخير صدر عنه، قال فيه: إن الكتابة الأدبية إنما هي انفعال.. ينفعل الأديب في نفسه فيمتح من قرارته ما يؤديه من عبارات وجمل تواكب المضمون الذي أراده الكاتب، وأنا، وإن كان انفعالي في هذه الآونة لا يمكن أن يؤدي به ما يخالجني من شعور، ويعتلج في نفسي من كوامن لها أثرها العميق فيما أراه من كرم الأخ أو الابن عبد المقصود خوجه. فشكراً له وشكراً لكم.
- أما التحدث عن مسيرة الحياة.. فالكتابة أو السيرة الذاتية لها من يستطيع أن يؤديها في يسر وسهولة، ولكنني لا أستطيع أن أقوم بتاريخ سيرة حياتي، لأن في أغلب الأحيان لا يمكن أن توصف بعطاء، أو ما يسمى بتسجيل لحركة أدبية في البلاد، ولكنني أقول إني أسهمت على قدر الطاقة وعلى قدر الإِمكانات التي كانت تتاح لنا في ذلك الزمن، بما قدمناه مع صديقي الأستاذ علي فدعق، وزميلنا الأستاذ عبد السلام الساسي رحمه الله من كتيِّبٍ صغير سميناه "نفثات من أقلام الشباب الحجازي"، وقد صدرت هذا الكتاب بمقدمة صغيرة، قلت فيها:
- أيها الشاب الحجازي.. هذا كتاب إخوانك بين يديك.. فيه عصارة أفكارهم، وفيه شعورهم، وإحساسهم، ومثال لأدبهم، ورمز لسعيهم، لم نأل جهداً في جمعه، وترتيبه، وإخراجه، وتقديمه إليك، لتقرأه فتجد فيه نفسية إخوانك فيكون لديك صورة مصغرة لأفكارهم تقرؤها فتعرف بها أنموذجاً صحيحاً لتفكيرهم وإنتاجهم الأدبي الناشئ. ولا أحسبك بعد ذلك إلاَّ حاذياً حذوهم في التفكر والإِنتاج.. فأعِدَّ نفسك لتكون معنا في مجموعتنا الثانية، وتقبلوها خالصة للوطن وخدمة لأدبنا. والحقيقة إننا لم نستطع أن نعد مجموعة ثانية ذلك لأننا صوحنا مشرقاً ومغرباً. وإن كنا في بلد واحد ولكن تقاذفتنا عوامل المعيشة وأسباب الحياة.
- هذا الكتاب قدمه الشيخ محمد سرور صبان رحمه الله والذي سميته فيما بعد بالأديب الأول.. ذلك أن محمد سرور الصبان هو أحد الذين تأثرت بهم وأثروا في سيرة حياتي الأدبية، والوظيفية. محمد سرور الصبان كان قدوة للأدباء في ذلك الزمن.. ففي عام 1344هـ أو 1345هـ جمع مجموعة من إنتاج الأدباء أو ما نسميه الرعيل الأول أمثال الأساتذة، عبد الوهاب آشي، وحسن عواد، وجميل مقادمي، وحامد كعكي ومحمد عمر عرب، ومحمد البياري في مجموعتين سمى أولاهما المعرض، والأخرى أدب الحجاز. وله كتيب آخر طبعه وجمع فيه ما قيل في معارضة قصيدة "ياليل الصب متى غده"، وكانت هذه المجموعة هي نواة الأدب الحجازي آنذاك، وإنني لأحمد الله أن أرى في هذه الأوقات براعم قد تفتحت أكمامها، وفاح شذى عبيرها من إنتاج أدبي ثر مما نراه في صحفنا الأدبية المحلية، وفي مجلاتنا الأدبية فنسر به نحن الذين كنا لم نستطع أن نقدم للمطبعة أي شيء من نتاجنا الأدبي في زمن لم تكن فيه المطابع إلاَّ مطبعة أم القرى، والمطبعة السلفية التي كانت تطبع صوتَ الحجاز، ومطبعة الشيخ ماجد التي كانت تطبع كراريس لا جدوى منها ولا نفع.
- ولعلي استجابة لرغبة الصديق الابن عبد المقصود أقول عن بدء دراستي في المدرسة الفخرية قبل الفلاح.. أول صدمة لي كانت في سن الرابعة والنصف، وأذكر أننا كنا ندرس في لوح من الخشب نكتب بالمضير.. الفاتحة وما إلى ذلك.
وفي ظرف من الظروف لم أجد نفسي إلاَّ مطروحاً على الأرض واللوح على ظهري بخبطة من الأستاذ كتمت لي أنفاسي وكتمت لي عقلي أيضاً.. وتصوروا طفلاً مدللاً في عيشٍ رغيد يذهب إلى المدرسة على عربة فيتون ويضرب هذه الضربة، كيف تكون حاله؟ من ذلك التاريخ، أوجست في قلبي كرهاً للحفظ والتحفيظ ولازمني الكره للتحفيظ؛ حتى أن أساتذتي في الفلاح لمسوا فيَّ قلة الحفظ، فكانوا يعطونني درجة الحفظ بدون تسميع، وكان الشيخ حامد كعكي - رحمه الله - يؤيدني في عدم الحفظ لأنه كان يدرسني بعض الأدب والتاريخ.
- لقد لقينا من نصب الدراسة وتعبها الشيء الكثير، ولكنا والحمد لله تخرجنا، ودخلنا معترك الحياة بعزيمة صابرة وتوثب نقفز به إلى مجالات أرحب وأوسع في نطاق كنا نتلمَّس فيه النهوض بوطننا وأمتنا. ما كنا نلعب وليس لدينا عطل.. العطلة الرسمية كانت أيام الحج، وفيها كانت تؤجر مباني مدرسة الفلاح للحجاج دعماً لمواردها المالية، وحينما تخرجت كنت وثيق الصلة بأخي وصديقي الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود نزوره في المطبعة، وكان يلازمه الصديق الشاعر معالي الأخ عبد الله بلخير، ورأيت أنا وأخي عبد الله عريف رحمه الله إرهاصات إصدار "وحي الصحراء"، ، فأخذتنا الغيرة من هذا العمل الجبار الذي لم نستطع أن نشاركهم فيه لضآلة إنتاجنا وضحالته وفجاجته، والاعتراف بالواقع فضيلة. ولكنا كابرنا وحاولنا وأخرجنا ذلك الكتيب الصغير الذي أشرت إليه سابقاً وهو نفثات من أقلام الشباب السعودي، وأحمد الله أنه أصبح تاريخاً من تاريخ الأدب الحجازي في زمن من الأزمان.
- أعود لصديقي وزميلي الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود رحمه الله، في الثالث عشر من ربيع الثاني من عام 1360هـ فوجئنا وفوجئ المجتمع السعودي الأدبي باختيار المرحوم محمد سعيد عبد المقصود إلى جوار ربه الكريم، بعد مرض عضال ألمَّ به وعانى من جرائه ما عانى رحمه الله وأجاره وأسكنه فسيح جناته. لقد قلت لعبد المقصود آنذاك بعد مقدمة بكيت فيها وبكى معي قلمي.. وإذا بكى القلم وسكب من قلبه كل ما فيه من مادة الحياة، فإنما يسطر صفحة خالدة من صفحات التاريخ، فهو لا يلطم القرطاس حينما يلطمه إنما يمسه، وفي هذا المس أدق أحاسيس النفس وشعورها، وهو لا يمزق الطرس حينما يمزقه إنما يقتطع منه ما يريد وبين سطور تلك القطعات أسمى معاني الوفاء لصديق نبيل قضى نحبه مبكياً عليه من أصدقائه وخلصائه. أجل يقتطع الطروس قطعاً يضمها إلى التاريخ فتكون ذكرى جليلة حافلة.. هذا أنت يا أبا عبد المقصود اختارك الله بعدما عانيت ما عانيت من وصب وألم، وبعدما عانى أصدقاؤك وخلصاؤك معك ما عانوا من حزن وأسى، وها نحن نبكيك وكلنا ألم! ونذرف من أجلك الدموع السخية وقلوبنا واجفة! وقد كانت فيما مضى تهنيك، ولكنها سنَّة الله في خلقه ولن تجد لسنَّة الله تبديلاً.
- يا عبد المقصود.. لقد توفي أبوك، وكان موته لنا عبرة إلى جانب عبر الحياة على أن يتمك وبعدك عن أبيك وبعد أبيك عنك، والعبرة الخالدة التي يتعزى بها يتيم درج في أحضان اليتم، ونشأ دونما أب يلبي نداءه، ثم جاءك اليوم يبكيك بقلمه وبقلبه فهلا تأسيت به.. هذا ما قلته لك قبل أربعة وأربعين عاماً. ألهمك الله الصبر وأغدق على أبيك شآبيب رحمته ورضوانه.
- يا عبد المقصود.. إن قلمي اليوم يبكي ويذرف دمعاً سخيناً على أبيك! وإن كان الناس يتعزون بالبكاء، فإنَّا اليوم نبكي وليس هذا البكاء سوى الذكرى الخالدة.. إذ ترك لنا أبوك الراحل ممثلاً في شخصك المحبوب.
- يا عبد المقصود.. ليكن لك في شجاعة أبيك الراحل، وإقدامه، ووطنيته، وصدق عزيمته ووفائه، لأصدقائه، وتفانيه في الصالح العام ليكن لك في كل هذا وغير هذا خير مثل، وخير نبراس ينير لك الطريق في طفولتك.. والحمد لله أنار لك الطريق وأصبحت رجلاً مقداماً، جسوراً، دؤوباً على خدمة الناس.
- هذا بعض ما أريد أن أسجله لك الآن.. ولكن هذا القلم يبكي على أبيك وما أكثر ما بكى هذا القلم! وإني أحمد الله أن رأيتك شاباً قوياً معالجاً الحياة أحسن علاج.. متمّاً لرسالة أبيك في جمع أصدقاء أبيك وأصدقائك، وما هذه الندوة وهذا الاجتماع إلاَّ نتاج هذا العطاء الكريم.. حفظك الله ورعاك.
- لأنتقل نقلة أخرى تتعلق بسفري وغربتي. من غير رغبة مني أو طلب رشحت لأكون سكرتيراً للمجلس الإِداري لبلدية مكة (أمانة العاصمة المقدسة). والذي رشحني الشيخ عبد الستار رحمه الله، وأخذ موافقتي بضغط ممن تفضل عليَّ بالتربية الكريمة الشيخ محمود ملياني، ولكن الموافقة السامية على هذا الترشيح لم تأتِ وظللت أعيش "سبهللاً" (1) كما يقولون. وبعد أن يئست من وصولها عزمت على السفر وفي الليلة التي توجهت فيها إلى الحرم كي أطوف طواف الوداع لاعتزامي السفر صبيحة اليوم الثاني على البريد الخشابي إلى جدة لأركب الباخرة قابلني الشيخ عبد الله عراقي رحمه الله، وأنا خارج من الحرم بعد أدائي لطواف الوداع.. وبارك لي الوظيفة. فسألته في دهشة بالغة: أية وظيفة؟ قال الموافقة السامية صدرت. والله إني أذكر أنني أجبته بالحرف الواحد: يا شيخ عبد الله لقد كنت محتاجاً وجئتكم وطلبت منكم وظيفة وتفضلتم علي بالموافقة، ثم تركتموني هذه الشهور الطوال! أفلا تنتظرون أن ألجأ إلى مكان آخر أطلب فيه وظيفة أعيش منها؟ قال: الموافقة صدرت. قلت: سأسافر غداً.. وفعلاً تركت الوظيفة وسافرت.
- ومكثت في العراق قرابة السنتين.. ولم يعدني منه إلاَّ الشيخ محمد سرور الصبان رحمه الله، فقد جاء للعراق في طريقه إلى بيروت للاصطياف وتقابلنا.. ودعوته إلى جولة في سيارتي على البصرة ومعالمها.. فسألني ماذا تعمل هنا؟ قلت: لا شيء! آكل من بقية ما تركه آل موسى وهارون.. إرث والدي لي نخيلات في البصرة أعيش منها.. أريد أن أربي عشاً.. قال: إذا أردت أن تربي عشاً فليكن لك سقف.. إرجع إلى بلدك فلك سقف.. أما هنا فإنك نكرة مهما بلغ بك الارتفاع والرقي، فاقتنعت برأيه وعدت، وبعد عودتي بشهور بعث لي الشيخ محمد سرور صديقي رحمه الله الأستاذ عبد القدوس الأنصاري.. وكان عندي تلكم الليلة السيد محمد شطا رحمه الله أيضاً. وقال: عندي كليمة. قلت خيراً: إن شاء الله قال: إن الشيخ محمد سرور يريد أن تعمل في جريدة أم القرى.. في ذلك الزمان انفصلت أم القرى عن المطبعة عام 1359هـ على أن أزامل الأخ الأستاذ عبد القدوس في رئاسة تحرير جريدة أم القرى. قلت: لا أستطيع أن أجيبك بالرفض أو القبول حتى أقابل الشيخ محمد سرور، وسرنا لدار الشيخ محمد سرور فقال لي: يجب أن تسمع كلام عبد القدوس.. فأنت في أول السلم، وحدد راتبي بمبلغ سبعمائة وسبعين قرشاً أي سبعين ريالاً.. في ذلك الوقت لم أكن محتاجاً لدراهم أو فلوس الحمد لله.
- بدأنا في العمل وأسسنا الجريدة.. وبعد ثلاثة أشهر صدر قرار وزارة المالية بإلغاء الوظيفة، فذهبنا للطائف أنا والشيخ عبد القدوس حيث كان الشيخ محمد سرور في منتجع له في السيل، وصادف يوم وصولنا الطائف يوم عودته. فشرحنا له الموقف وطلب مراجعة الأستاذ إبراهيم السليمان. فقابلنا الأستاذ إبراهيم السليمان وكان صديقاً لي ولإِخوتي رحمه الله، وتكلم كلاماً كثيراً.. وسبق أن طلب مني الشيخ إبراهيم السليمان عندما تخرجت من الفلاح أن أشتغل في النيابة.. فامتنعت وكانت فلسفتي أنني إذا اشتغلت مع الشيخ إبراهيم السليمان، وهو صديقي وصديق إخوتي، سأكون مرؤوساً له وقد أفقد صداقته، فعتب علي الشيخ إبراهيم لماذا لم أخبره بالوظيفة التي التحقت بها.. في هذه اللحظة دخل الرجل الذي ساهم في إلغاء الوظيفة رحمه الله.. التفت إلينا وقال: راجعوني بعد الصلاة - صلاة الجمعة طبعاً - في النيابة وكانت النيابة في قصر شِبرا، بيت زينل، دخلنا عنده بعد الصلاة، وكان هو على المكتب والأمير فيصل في المجلس يسلمون عليه بعد خروجه من صلاة الجمعة. كان المجلس يضم الشيخ محمد سرور، والأخ الشيخ عباس صيرفي، والأخ الشيخ عبد القدوس الأنصاري كلهم رحمهم الله لم يأتِ بمقدمات ولا مؤخرات.. قال لعبد القدوس الأنصاري: ما اليوم؟ قال: الجمعة، سأله: وغداً؟ قال: السبت.. فقال الشيخ إبراهيم لعبد القدوس إذا لم يباشر هاشم الزواوي وظيفته من الغد فاحسم من راتبه.. وخرجنا على هذا الأساس، وتصدر مذكرة بهذا الصدد، ويعرف السيد معتوق حسنين، وأظن الأخ أمين عبد الله يعرف أيضاً، أن وزارة المالية لا يمكن أن يرد لها خطاب خصوصاً إذا كانت هناك وفرة في الميزانية، وصدر خطاب من المقام السامي بإمضاء الملك فيصل عندما كان نائباً عن جلالة والده يسألهم: إن هذه الأشياء تم ترتيبها منذ شهرين أو ثلاثة فلماذا ألغيت؟ هل بدا لكم شيء جديد؟ وعليه اعتمدوا إبقاء الوظيفة كما كانت وتعيين فلان فيها براتب قدره 1100 "ألف ومائة قرش".
- بعد سنين سألني الشيخ محمد حين بدأت أمارس العمل الصحفي في أم القرى نائباً عن رئيس التحرير في فترات متعددة.. هل أنت راضٍ في العمل على أثر تولي الأستاذ أحمد ملائكة لرئاسة التحرير؟ وكنت مرؤوساً له وكان من خيرة الرؤساء الذين زاملتهم وتعاملت معهم.. ماذا تعمل في أم القرى؟ قلت: أعمل.. قال: النهاية ستكون رئيس تحرير! وبعد هذا؟ لا يوجد شيء. من المستحسن أن تنقل.. فقلت: لا مانع. وطلب نقلي من رئاسة تحرير أم القرى إلى المالية بكتاب من معالي وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان. فلم يوافق نائب جلالة الملك على نقلي. قال الشيخ محمد: في هذه الحالة عليك بالاستقالة فاستقلت. وأخبرنا الشيخ محمود أبار رحمه الله أن المعاملة حفظت. ذهبت إليه أنا وإبراهيم إسلام رحمه الله، وأعتقد أن الشيوخ من الجالسين يعرفون صداقتي لإِبراهيم إسلام.. وسألنا الشيخ محمود رحمه الله: لماذا حفظت المعاملة؟ قال: لأن سمو الأمير قال: ماذا يصنع إذا استقال؟.. قال الشيخ إبراهيم إسلام: نحن نريده في المالية.. قال: إذا كنتم تريدونه فيعرض عليَّ. في الجمعة التالية جئت للطائف وكانت موافقته بشرط أن أكون مدير المالية المساعد، فاستقلت من أم القرى ولذلك في حياتي الوظيفية فترة 15 يوم ما بين استقالتي من أم القرى وتعييني في المالية.. مفتشاً درجة أولى والتفتيش ثلاث درجات، ونعرة الشباب وطيشه لا زالت تواكبني.. اشترطت عليهم ألا أعمل بالتفتيش، فانتدبت للإِدارة المالية العامة في وزارة المالية.
- في ذلك الحين تأسست إدارة الحج، وتعيَّن الشيخ عبد الله السليمان مشرفاً على الحج، والشيخ محمد سرور بجانب عمله مستشاراً لوزارة المالية ومديراً عاماً، مديراً عاماً للحج، ويعاونه في ذلك الشيخ صالح قزاز.
- في يوم من الأيام.. فجأة أخبرني الشيخ محمد أنه لا يحب أن يراني في المالية. لماذا؟ قال: إن وظيفتك في الحج.. أنا جندي مجند.. وصنفت في وظيفة مدير شعبة الدعاية. في ذلك العام تلمست أخطاء في الحج ومستلزماته، وفي السنة التالية عام 1358هـ ذهبت إلى مصر، ثم جاء الشيخ عبد الله السليمان بوفد من المالية ومعه الشيخ محمد صالح قزاز مدير الزراعة مديراً للحج آنذاك. وزرنا المعرض الزراعي المصري.. وكنا في الحج أهم ما يشغلنا إيصال التائهين من الحجاج إلى مطوفيهم في عرفات ومنى، ولا زال الحج يعاني من هذا الأمر الشيء الكثير، حينما زرنا المعرض كنت أسمع المايكرفون يذيع أوصاف الأطفال التائهين طالباً من أولياء أمورهم التوجه لاستلامهم. طرأ في ذهني لماذا لا نستخدم هذه الإِذاعة في الحج؟ ونذيع للمطوفين أسماء حجاجهم ليأتوا إلينا أو يبعثوا من يستلمهم.. عرضت الموضوع على عبد الله السليمان رحمه الله، وكان رجلاً يفهم الأمور ويقدرها أحسن تقدير، فوافق على ذلك. وأسست الإِذاعة في عرفة للحج، وكان هذا في حج عام 1358هـ. وفي آخر رجب صدر أمر ملكي بتعيين الشيخ أحمد غزاوي مديراً عاماً للإِذاعة السعودية.
- في ذلك الوقت كنت أدعى "بهاشم مايكرفون"، كنت متعوداً على المايكرفون وأتعامل به أحسن معاملة كما يهيأ لي. وكنت أتطلع للعمل الإِذاعي، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. في الرابع من شهر ذي الحجة كنت عند معالي الشيخ عبد الله السليمان، قبل مغرب ذلك اليوم، وجدت عنده الشيخ أحمد غزاوي وعبد الرحمن نصر مدير وكالات الأنباء العربية، واستقدم مستشاراً للإِذاعة وشاعراً من المنطقة الشرقية يقال له: خالد الفرج، رحمه الله، ومهندساً لاسلكياً كان مستشاراً للشؤون اللاسلكية بالحكومة، مصري اسمه بسيوني أحمد لا زال موجوداً. وتحدث الشيخ عبد الله السليمان عن الإِذاعة فأدليت دلوي مع الدلاء نظراً لأنني قد أسست إذاعة الحج التي لم تسمع حتى ذلك الوقت لكنها جاهزة للبث. التفت إلينا معالي الشيخ عبد الله السليمان وقال: يا أخ عبد الرحمن ويا شيخ أحمد أنتم والإِخوان اجتمعوا غداً وقرروا البدء في الإِذاعة، ويعرض عليَّ ما تتوصلون إليه. في اليوم التالي اجتمع في وزارة المالية الأشخاص الذين ذكرتهم.. أحمد غَزاوي، عبد الرحمن نصر، بسيوني أحمد، خالد الفرج وهاشم الزواوي، قلت لهم: لا يمكن أن نبدأ الإِذاعة. فقيل: لماذا؟ قلت: يا عبد الرحمن بك أنا كنت في مصر وحضرت ميلاد جريدة المساء التي أصدرها أحمد حمزة، وتعرفت فيها على كامل الشناوي رحمه الله، وعبد المنعم الصاوي الذي أصبح وزيراً للثقافة والإِرشاد ولا زال صديقاً لي.. أربعة أشهر، وهم يعدون العدد الأول منها، وعندهم مواد ستة أشهر، وهي جريدة يمكن تمزيقها ويمكن حذفها، ولكن الإِذاعة إذا انسكب الماء فيها لا يمكن أن يلتم فكيف نبدؤها؟ وليس عندنا مواد لا قليلة، ولا كثيرة، ولا ضئيلة، ولا غثة، ولا سمينة، كيف نبدأ فيها؟ أعدوا المواد واستعدوا، ثم ابدؤوا فيها..
- قال: صدقت لا يمكن أن نبدأ فيها الآن. وهكذا خرجنا من الاجتماع، وفي العصر ذهبنا لمعالي الوزير لنقول له: لا يمكن أن نبدأ الإِذاعة.. قبل أن نبدأ بالحديث نادى جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله عبد الله السليمان بعد المغرب وتكلم عبد الرحمن وقال: الحقيقة والواقع، إن فلاناً يقول كذا وكذا وأنا موافق.. فلا يمكن أن تبدأ الإِذاعة، لكن محمد سرور عنده أنصاف حلول.. فقال: نحن الآن نبث الإِذاعة تجارب، نضع فيها اسطوانات ونعمل تجارب، وإذا تأخرنا فلن يلومنا أحد لأننا لم نفتتحها رسمياً، فهذه مرحلة تجريبية فقط، الغاية هي إنفاذ فكرة عبد الله السليمان.. وعند حضور عبد الله السليمان من عند جلالة الملك عرضت عليه الفكرة فوافق.
- في تلك الجلسة التفت عبد الله السليمان رحمه الله لعبد الرحمن نصر وقال له: عندك هاشم زواوي يساعدك في إعداد البرامج والمواد.. ذلك ما كنت أرغب وأريد.. غاية المنى.. التفت الشيخ محمد وقال: أنا أريد هاشم، لأنه لم يردني أن أنفرد بصالح قزاز، وفي المنزل، قال: أريدك أن تساعدني في لجنة التكريم وحفلات ضيوف جلالة الملك. قلت: خيراً.. أنهيت مهمة اللجنة معه.. والحقيقة أن الشيخ محمد سرور خير من يعمل وخير من يواكب العمل ويرأف بموظفيه ويساعدهم على الأداء الحسن.
- في عرفة بدأت الإِذاعة الخاصة بالحج تبث القرآن ويتلو فيها الشيخ الدروي، وجميل آشي، وأحاديث مرتجلة، ووصف للحجيج وإذاعة للمطوفين لأخذ حجاجهم، وعملت أبراجاً خشبية فيها مذياعات ببطاريات جافة وعليها حراسة، وختمت الإِذاعة برنامجها بالدعاء للحجاج بالقبول، والقائمين على الأمر بالتوفيق وكان يستمع إليها عبد الله السليمان. ومن ثم نزلنا إلى مزدلفة ومنى.
- في يوم العيد طلبني محمد سرور بالهاتف في بيت الوزير قرب وزارة الصحة في منى، وجدت أمامي عبد الرحمن نصر وسليمان الحمد والشيخ محمد سرور.. قال الشيخ سليمان: نريدك أن تعمل مع عبد الرحمن نصر في الإِذاعة. قلت له: لا يمكن أن أعمل في الإِذاعة، وهذه استقالتي من الحج ومن كل شيء! فلا يمكن أن أعمل في الإِذاعة. فجأة قال الشيخ محمد سرور رحمه الله: محمد سرور يرجو هاشم أن يعمل في الإِذاعة. قلت: محمد سرور لا يرجو.. بل يأمر وأنا أطيع وهكذا اشتغلت في الإِذاعة، وتدرجت وظيفياً حتى أصبحت مراقباً عاماً وبعد مضيِّ ثمانية أشهر من التحاقي بالإِذاعة أعطيت أمراً مفتوحاً لاستعارة الموظفين الذين يعاونون في الإِذاعة، فطلبت الأخ أحمد السباعي، والأخ حسن قرشي، والأخ طاهر زمخشري، والأخ أحمد فاسي وبعد ذلك التحق بنا السيد محسن باروم.
- ومن الذكريات التي لا زلت أذكرها عن فترة عملي بالإِذاعة هذه الطرفة عن "بابا طاهر" فمن المعلوم أن الإِذاعة في بداية عملها كانت تعتمد على البث المباشر، أي بدون تسجيل.. فعلى المقرئ والمذيع وكل من يشارك في البرامج أن يحضر بنفسه للإِذاعة، وفي يوم من الأيام كان المطر شديداً والطرقات في حالة صعبة وكان مكتبنا في حي الكندرة يشغل مقر المستشفى الوطني الحالي، ولكي نقوم بإرسال البث في الموعد فقد لقينا كثيراً من العناء وقام الشاعر طاهر زمخشري في المطر بالركوب على الرفرف ليدل السائق على الطريق حتى يصل في الموعد المناسب. الحمد لله فقد أثمرت الجهود.
- هذا بعض ما أذكره عن تأسيس الإِذاعة والحقيقة أن في تاريخ حياتي الأدبية مجالات واسعة من تلكم المجالات التي حاولنا أن نعطي لبلدنا القيمة الأدبية التي نتطلع إليها، فقد تشكلت لجنة باسم الشباب العربي السعودي كانت تضم الأخ محمد سعيد عبد المقصود، والأخ عبد الوهاب آشي عافاه الله وشافاه، وأحمد سباعي شافاه الله أيضاً، وعبد الله المزروع وهاشم الزواوي. والحقيقة التي لا يمكن أن نماري فيها أي مراء هي أن الرئاسة، والزعامة، والريادة كانت للأخ محمد سعيد عبد المقصود لأنه كان ذا فعالية كما قلت لكم سابقاً ومقداماً، وجريئاً في الحق. هذه اللجنة كانت تستضيف في منى زعماء العالم الإِسلامي وكبار مفكريهم في ندوة علمية أدبية يجتمعون فيها ليلة الثاني من منى وكنا نعقدها في دار الكردي في الجمرة الوسطى وتلقى فيها كلمات دينية، وأدبية ومن جملة من ألقى فيها محمد حسين هيكل باشا، وصبري أبو علم، والمفتي الأكبر الشيخ الحاج أمين الحسيني، وكثيرون من أدباء الحجاز، وأذكر كلمة ألقاها السيد أمين عقيلي.. وكان يتزعم الحركة الأخ محمد سعيد وبعد وفاته رحمه الله كان آخر نشاط لهذه اللجنة، حيث لا أقول تزعمتها ولكن قمت بواجبها، وكان آخر إنتاجها أن كرمنا أول فوج تخرج من مدرسة تحضير البعثات. وكان فيهم الدكتور حامد هرساني، وحسن نصيف، والأخوان الجمجوميان أحمد وعبد اللطيف، ومحمد سعيد آدم، وعلوي جفري، وأسعد جمجوم، وعبد الله بادكوك والرعيل الذي تخرج في ذلك العام. كرمناهم ومعهم عمر عقيل، وكانت الحفلة في فندق بيت الأشراف.
- في هذه الأثناء حدث خلاف بيني وبين الأخ مهدي مدير الأمن العام وكما تعرفون أنه كان جباراً، وكان قوياً ولكن بحمد الله انتهت الأمور إلى خير وتم حفل التكريم كما ينبغي.. كذلك تخرجت دفعة من المعهد العلمي السعودي وكان من بين الخريجين الأخ عبد الله قاضي فجاء يحتج عند الأخ طاهر دباغ قائلاً: لماذا تكرمون طلبة تحضير البعثات ولا تكرمون طلبة المعهد؟ قلت له: يا أخ عبد الله المعهد متى تخرجت أول دفعة فيه، فقال: من قبل عدة سنوات، فسألته عن البعثات فقال هذه هي الدفعة الأولى من المتخرجين فقلت له: لهذا السبب تم التكريم لخريجي الدفعة الأولى ولو بدأت هذه الحفلات منذ افتتاح المعهد لكنا كرمناكم.
- بعد ذلك أقمت حفلة باسم الشباب العربي السعودي تكريماً لسمو الأمير فيصل نائب جلالة الملك، وأقمناها أيضاً في ساحة الفندق في أجياد، وأخذنا عبد الله الغاطي خطيباً في الحفلة.
- هذا يا أخي عبد المقصود ما لدي من ذكريات عرضتها لكم في إيجاز وضغط ولم أشأ أن أطيل عليكم لأرزئكم بعمري وبكلام كثير.. ولكنها حتمية التكريم حتمت علي أن أزجي لك الثناء عطراً فواحاً مقروناً بخالص الود، وعاطر الثناء على ما تبذله من كرم الوفادة، وكرم الأخلاق، ونبل الطبع، والطبائع.. فكرمك الله وحياك وبياك! وحيا معك الإِخوان الحاضرين! وأرجو أن يعذروني ويلتمسوا لي السماحة والعفو.. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2069  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 41 من 149
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذة الدكتورة عزيزة بنت عبد العزيز المانع

الأكاديمية والكاتبة والصحافية والأديبة المعروفة.